2

10 0 00

2

في المستشفى العمومي الممر ضيق وطويل ، رائحة مقبضة للمطهرات التي يستخدمها المرضى تعبق المكان برغم نظافة البلاط الباهت ، من بعيد يترامى صوت دقات وخطوات أحذية في الطرقات ، نداءات لمرضى أو ثرثرة لزوار ومرافقين وسعال يتعالى .

على جانبي الممر أبواب العنابر باللون الأخضر .. لتكراره يصيبك بحالة من الملل والكآبة .

الجدران باللون الأبيض قبل أن يغطيه اللون الأصفر بخطوط طويلة تنتهي بنقاط صغيرة تشبه دموعا جفت وجمدها الصقيع .

عند كل باب لوحة صغيرة بالخط الرياض الأسود .. غرفة العمليات ، العناية المركزة ، الباطنة ، المستوطنة ، المسالك ، عيادة الأطفال ، عيادة الأسنان ، استراحة الممرضات ، دورة مياه للسيدات ، دورة مياه للرجال ، عنبر المرضى .

الباب من ضلفتين كبيرتين إحداهما مفتوحة دائما ، أثنى عشرة سريرا يميل إلى الزرقة الداكنة ، فوق عشر منها مراتب قديمة برسومات وأشكال هندسية رتيبة وألوان قاتمة كالحة ، لا تعطى راحة للعين وهى عراء بلا ملاءات .

الآخران تغطيهما ملاءتان بيضاوان تشوبوهما صفرة وبقع رمادية ربما من بقايا بيتادين أو أثار لدم متخثر .

فوق أحدهما يرقد مسعد بجوار الآخر الذي يعانى مرضا صدريا .

ربما كان درنا .

ظن ذلك من سعاله المتتالي والبقع الصغيرة الحمراء التي بصقها فوق البلاط .

لا أحد غيرهما .

ممرضة شابة أتت على سعال الآخر المستغيث ، في محاولة لتهدئته ، كانت الكلمات تسقط متلاحقة من فيها مع شريط المسكنات الذي خرج من درج المنضدة الصغيرة التي تفصل بين سريرهما وسقطت حباته الصغيرة في فمه .

تناوله كوبا من الماء ، بين كلمة وأخرى استطاع أن يلتقط أحدها .

- الطبيب .

ينتهي ..

العمليات .

يمر عليه

مجرد شرخ .

ظهرك ..

إلى الوسادة .

من بعيد سرى صوت حليم مع نسمة باردة ، ربما من راديو بأحد العنابر الأخرى وربما كانت الأغنية ( موعود ) .

بين إغماءة وإفاقة يرى طيفها يلاحقه .. يحس بعبير أنفاسها يسري بين خياشيمه ، يزحزح رائحة البيتادين بعيدا عن أنفه .

كانت صافية كأطياف الجنة .. تمد كفيها إليه .. يلعق من نبعهما حتى يرتوي .. ينسل من جسده ، يتخلص من خيوط كبلته طويلا .. يحلق معها بين سماوات ونجوم وأزهار ، تنزلق الحوريات من بين أشجارها الحمراء والزرقاء والخضراء .

رجاء اء اء .

نداءه يتردد بين الجدران ، يتخطاها إلى سماوات ممتدة بلا انتهاء ويضيع دون أن يسمعه حتى المسعول الراقد إلى جواره .

في العروق يسري خيط واهي من الدم ببطء .. دبيب خفيف ينبض بشرايينه الباردة .

يتذكر أول مرة رآها .

كانت تقف هناك أمام حجرته القديمة ، تستند إلى جذع نخلته وتستظل من هجير الحواري بظل سعفاتها .. ترقب عفاريت الصور المثبتة بالمشابك فوق الحبل .

نظرت إليه بعينين ُمدهَّشتين ، ضحكت وقالت :

- الغسيل ؟!

أخذ نفسا معتقا برائحة المرأة التي فاحت بالمكان وعطرته .. سرى في جسده دم دفيء .. اقترب منها خطوات وقال :

- طبعا لا .

................

أول مرة تشوفي الصور ؟

قبضت على فستانها الستان الأزرق بقبضة يدها وحطت يديها على وسطها .. مالت برأسها ناحية كتفها وقالت :

- أنت فاكرني عبيطة ؟!!

صور ؟

لم تبرح عيناه الطريق إلى عينيها .. طاوع خطواته واقترب منها حتى كاد أن يلتصق بجسدها .. يشم العطر الزكي الذي تتعطر به .. شعر بعصفور ينقر في قلبه .. يرف بلا هوادة ليتعلم الطيران .

بدلال سحبت جسدها بعيدا واحتضنت جذع النخلة .. تمايلت سعفاتها ومسدت شعرها بحنو .

- تحبي آخذ لك صورة ؟

أخرج ألبوم الصور التي يحتفظ بها منذ ترك أستوديو الخواجة كاللي .

أشجار خضراء يانعة ، أزهار وورود ، بنايات شاهقة وشوارع واسعة ونظيفة ، سقيفة وممر زهور وأرائك خشبية ونساء جميلات بعيون خضراء وزرقاء ، شعورهن مثل خيوط الذهب ، لا مثيل لهن ، لم تر مثلهن من قبل ، لم ترهن في جرائد عم عوض أو عندما تركب القطار وتذهب إلى البندر .

قال إنها أجمل منهن .

لا يوجد أجمل من خيول البراري التي تمرح .. لا يوجد أجمل من نبتة طازجة لم تلمسها يد .

رغم السنين التي مرت لا زال يحتفظ بأول صورة .. يأتزر بها كلما داهمه صقيع الوحدة .

يمد يديه ليمسك بها ، تتراوغ ويفلت طيفها كالماء من بين أصابعه .

العنبر واسع وفارغ مثل مقبرة كبيرة خالية من الأحياء والأموات ، لا يسكنها إلا ساكن وحيد لا يرغب أحد في ملاقاته .

هو فوق سريره يفتح عينيه بين الحين والآخر ، يتفحص الجدران البيضاء العالية والسقف الواطئ الذي يجعل السماء بعيدة عن عينيه .

لم تسمعه الممرضة ينطق بأسمائهم .

نجاة

جمال

...

عليّه

محمد

رجاء ..

اء ..

ربما ظن في نفسه إنه ردد أسماءهم و أسماء غيرها ، أو خطرت على رأسه الموجوع .

على الجدران رأى أبوابا تفتح ، بدت كفوهات كهوف هائلة لا يسكنها إلا الظلام .. أحس رغبة لحوحة في رؤية أحدهم .

شيء مجهول يشبه شبحا يتداعى سرى في دمه ، زحزحه من مكانه ودفعه ليحرك يديه اللتين بقيتا ساكنتين منذ فترة طالت .

لم تنتبه الممرضة إلا عندما أمسك بالبالطو الأبيض النظيف وجذبها بكل ما امتلكه من قوة متهالكة .

ملامحها بيضاء شاحبة كنهار تحجبه السحابات ، أدارت نفسها نصف دورة وتركت الأخر المسعول والتفتت إليه ، سرت رجفة في جسدها ، خوف تسرب إلى عينيها بمجرد أن وقعتا عليه .

بدت جديدة على المكان رغم مرور سنوات ثلاث عليها في المستشفى ومرورها بالكثير من المواقف التي يشي وجهها الجميل بأنها لا تتحملها .

ذلك اللمعان في عينيه يصيبها بالرعب والعجز ، تعرف تلك النظرات التي تختار طرقا مختصرة إلى الموت ، كما تعرف الأخرى التي تختار طرقا طويلة وشاقة للوصول إليه .

دون وعى نادت بأعلى صوتها :

ـ فوزيه .. فوزيه .

غالبا ستكون فوزيه كبيرة الحكيمات أو زميلة تشاركها الوردية ، لكن أحدا لم يرد ، حتى السعال المتتالي الذي يؤنس ارتباكها في مواجهة تلك الملامح المشرفة على الموت انقطع .

أشار لها بيده الأخرى .

قرأت في عينيه سطورا طويلة من الاستجداء المر ، في عينيها فزع يلفها بشراشيب العجز .. تنسق ارتباكها وتقف مذهولة .

ـ اجل ..... س

ي

ـ ..............

ـ أرجو.. كِ

لم تحرك قدميها من مكانهما للحظات .. كائن مجهول قفز من نوافذ العنبر ونزع عن جسدها شراشيب العجز .. سحبت قدميها خطوة إلى حافة السرير وجلست إلى جواره .. يدها ألتفت حول رأسه ترفعها وتسندها إلى الوسادة .

رأس تغطيها الحراشف و الزوائد والبقع البنية الداكنة ، خطوط زرقاء بارزة ومنتفخة ، ولا أثر لشعر بالرأس إلا كزغب أبيض يتوارى خلف الأذنين بخجل .

ربما تذكرت تلك الملامح التي رأتها حين مات والدها .

كانت لا تزال طفلة ، والموت شبح بشع يتخفى في صورة أي شيء حولها ، ربما يسكن دولابها ، ملابسها ، إنائها ، كتابها ، أو دميتها القطنية الصغيرة .

تعرف إنه يراه ، تعرف إنه موجود بينهم ، لكنها غير قادرة على مواجهته .

هو يحاول أن يقول لها الكثير .

تتسمع له ولا تفهم أغلب ما يقوله ، تتذكر تلك اللحظة جيدا ، جسده الذي تحول إلى قطعة كبيرة من الثلج .

خائفة من أشيائها الصغيرة التي ربما ساعدت كائنها البشع على التخفي لمفاجأة والدها والتهامه .

من القاسي أن تصبح شطيرة من الجبن البارد في فم وحش قاس ، ألا تجد من يمسك بساعدك في محاولة أخيرة لمنع التهامك .

في داخلها طفلة مذعورة من كائن خرافي يلتهم وجبة نيئة تتلوى .

تصحو طفلتها كلما عادت لتعيش هذه اللحظات مع احتضار أحدهم .. تعرف ذلك اللمعان الذي يسبق الأفول .

لمحت حركة شفتيه .

سمعته يقول إن جاء أحد .

...................

يتكلم بصعوبة .

بدت الكلمات وكأنه يتقيأها لكنها تتأبى ، لم تفهم الكثير من غمغمته ، الجمل ، الكلمات ، الحروف ، لكنها حاولت كي تطمئنه .

لم يكن يهمه كثيرا أن تفهم ، المهم أن تسمع له .

رغبة أخيرة في الثرثرة .

..........................

ال.....

صور

كلها ..

منذ أول صورة .

كان من الممكن أن آخذ صورة لكِ .

ظن نفسه يضحك ، لكنها لم تسمعه ، تمنى لو شرب رشفة ماء بارد .. واسى نفسه بأنه لم يعد لديه الوقت .

المهم أن تسمع له .

الصورالشمسية .. المائية

تختلف .

الكل افتتحوا استوديوهات كبيرة .. اشتروا كاميرات حديثة ، أبيض وأسود وكاميرات ألوان ، إلا أنا .

لم أفارقها ولم تفارقني .. جزء من تراث الناس ، تمسك بلحظاتهم وتجمدها ، في أفراحهم وأحزانهم ، في ضعفهم وقوتهم .

يمكنني التحكم فيها مثل عجينة طرية .. لا تحتاج إلا عينا مركبة تلتقط مواطن الجمال في الأشياء العادية ، ليست مثل الكاميرات الرقمية الحديثة التي يستخدمها أي عابر.

كاميرا لابد لها من عين فنان خلف عدستها .

لكل إنسان زاوية جمالية خاصة تحتفظ بمساقط الضوء وتكوينات الظل ، ولكل مصور لحظة .

لحظته الخاصة ..

يعيد فيها تشكيل الصورة ورسمها من جديد .

.........................

.. س

ها ...ها .....آه

أكياس

أكياس كثيرة

كبيرة .

............

العدسة والحامل والصندوق

حوض الحامض

كاسيت الصور

كيس القماش الأسود

زجاجات المحلول

الحبر الأحمر

.......................

يمكنك أن تأخذيهم

من الممكن أن تضعيهم في مكان ما بالشقة

إن رفضوا ...

لا يهم .

اتركيهم .

ليأخذها أي واحد منهم .

يمكنهم استخدامهم كلعب لأطفالهم

لا بأس

..........

ليتهم يفعلون !

إن جاء أحد .

الأحباء ... آ ....ه

أين ..؟؟ !!

لم تسمع شيئا مما قاله سوى كلمات قليلة فهمتها بصعوبة .

إن جاء أحد

.............

الصور ..

الصندوق ..

........................

أحبهم ..

صوته ازداد خفوتا .

تحاول أن تسمع بصعوبة ، الآخر عاد إلى السعال ثانية كأنه يشاركه الوداع الأخير، بقع الدم تناثرت فوق البلاط والملاءات .

ظنت إنها سمعته يقول الشهادتين ويبتسم .

مدت يديها وأسبلت عينيه ، بينما يده مازالت ممسكة بالبالطو الأبيض النظيف .