ـ 1 ـ
طوى حبه وخبّأه في قلبه..
ثم حمل حقيبته، وغادر موطن الحبّ والأحلام المجهضة...
هل هي حالة عادية أن يبدأ شبابه بحادثة انكسار؟.
ركب السيارة، وقد صمّم على عدم الالتفات إلى الوراء، فانداحت الذكريات داميةً حزينة.. حاولت العينان الالتفات إلى موطن الحبّ والذكريات فزجرهما، لكنه لم يستطع أن يمنع القلب من إلقاء تحية الوداع على تلك الناحية التي تعلّق بها الفؤاد.. تغالبُه رغبةٌُ في البكاء، فيزجر الدموع في مآقيها.
ـ نبيل.. هل تدري ما سبب احمرار هذه الوردة؟!.
ـ لعلها خجلت من حمرة خديكِ، فاكتست هذا اللون الجميل...
وخصلة الشعر المرمية على حافّة الأذن. عندما لامستها شفتُه سرى في أوصاله خدرٌ لذيذ، وتدفّق في وجهه الدم حاراً، وتراءت لـه الموجودات كأنها تعيش في حالة من الوجد والحلم.
تبتعد به السيارة عن موطن الذكريات والهوى. يغمض عينيه. تتبدّل معالم الصورة... يجد نفسه غريباً معذّباً مهزوماً. يُتعبه الدرب الطويل، ويؤرّقه شبح المستقبل المجهول... يمضّه الحزن والألم...
كيف لا يسافر، وورقةٌ زاهية من الأوراق الملوّنة التي أحبّها بكل كيانه قد تمزّقت أمام ناظريه، وتناثرت قصاصاتها في الهواء؟!.
* * * * *
عندما حطّت قدماه على أرض بيروت كانت أشعة شمس الغروب تلملم خيوطها واحداً تلو الآخر، فانتابه شيء من الخوف، وهو لا يعلم إلى أيّ مكان يتّجه في هذه المدينة الواسعة!. وقف يتأمّل الموجودات بعين المكتشف الغرّ، وقد لمح على الأرصفة نساءً كثيرات، خُيّل إليه أن أجسادهن نمت على الحليب المجفّف، فتزايد خوفه، وانبثق من داخله صوتٌ مستغيث: "سلامٌ قولاً من ربّ رحيم."
يدلف إلى شارع طويل مخيف ومغرٍ. يمشي فيه حالماً تائهاً كالأبله. يتوغّل في أماكن مزدحمة.. غريبٌ. كل شيء غريب! الوجوه الباهتة. العيون المطفأة.. الأقدام المتسارعة. ملابس النساء الضيقة والواسعة والقصيرة الفاضحة! يصعب عليه تمييز الشباب الذكور من الإناث!.
... يرسل بصره إلى واجهات المحالّ الزجاجية يقرأ الإعلانات، يتابع توهّج الأضواء وانطفاءها. صخبُ السيارات يصمّ أذنيه. الشارع يمتدّ ويتطاول كجنيةٍ جميلة تغريه ليلحق بها إلى النهاية، وكأنه سيجد عندها المخدع الوثير!.
"اهرب. اهرب. لا وقت لديك، فالدنيا قد تنجب بطلاً من قدميك!."
توقّف.. تنفّس الصعداء.. فكّر في هذا الكون الجديد، فرأى حوله كل شيء يغلي!..
آهٍ، ما أقسى الحياة؟!... وما أكثر ما تتطلّب من كفاح!! أحسّ أنه روح هائمة في جسد خفيف الوزن. عصفورٌ ضائع في سماءِ عاصمةٍ متلبّسة بالحبّ والحلم والغموض والحرب والأرصدة والخراب والبناء.. مدينة مسكونة بالشوق إلى كل شيء فيه أمنٌ وخوف، وجمال وقبح، ونقاء وقذارة.. كان يتوقّع أن يحدث لـه أيّ شيء، إلاَّ أن يكون غريباً مشرّداً منبوذاً في مدينة كبيرة!.
أول مرّة يجد نفسه غريباً عن بلدته (أم الكرز) وسط ساحة (البرج) عشراتٌ من العمال السوريين يفترشون الأرض. اقترب من اثنين كانا يتّكئان على العشب الأخضر تحت أضواء الشارع الساطعة. ألقى التحية وجلاً. رحّب به الشابان. دعاه أحدهما للجلوس..
ـ الأخ جديد في بيروت؟.
أشار برأسه.. ابتدأ التعارف سريعاً. نشأت بينهم ألفةٌ حميمة. "وكل غريب للغريب نسيب "جمعتهم الغربة، وألّف بينهم الفقر. جاء شاب ثالث يحمل طعاماً. سلّم عليه. انتابه إحساس بأنه يعرفهم منذ زمن بعيد... أكلوا جميعاً كأنهم إخوة أشقّاء اجتمعوا بعد شتاتٍ وفرقة. تعرّفوا إلى بعضهم جيداً. عادل وفيصل من منطقة منبج في محافظة حلب. فالح من بلدة داعل في محافظة درعا...
تقدّم الليل بطيئاً وانياً... أخلد الجميع للنوم. هدأت الحركة في الساحة..
تمدّد فوق العشب.. "آخرَ المطاف.. وصلتُ آخرَ المنافي... وصلتُ باب غربتي.. وصار لي.. فيما أرى.. عائلة."
فوق العشب النديّ جافاه الكرى... حدّق في النجوم الساهرة. وجدها تتغامز في قبّة السماء. أغمض عينيه قليلاً. تمنى لو يخلد للنوم مثلهم.. لا يريد أن يزّج بعقله اليقظ في متاهات الأفكار المشوّهة التي تقضّ مضجعه. لم يطاوعه الجفنان في الإغماض... أحسّ برطوبة العشب تسري إلى ظهره. تنفذ إلى الأعماق! تقلّب على جنبه الأيسر.. الرفاقُ الثلاثة يغطّون في نوم عميق، وقد علا شخير أحدهم.... تسرّبت إليه الرطوبة من جديد "صبراً يا نبيل. ستعتاد هذه الحياة. أنت لم تتعذب بعدُ أبداً كما كنتَ تتوقّع، وإذا كانت البداية سهلةً هكذا، فإن الحياة الجديدة يمكن أن تكون مقبولةً جداً، ما دام لك رفاق يشاركونك الفراش والطعام والغربة..."
اعتراه شعورٌ بالخوف... مستقبلٌ سديمي لا تستبين فيه جهةٌ.. نهض في هدأة الليل. نظر فيما حوله. طالعته الأجسام الرخوة التي تفترش العراء... شتم في قرارة نفسه القرنَ العشرين.. منذ عشرات السنين، والكبار في العالم يبحثون ويتحدّثون عن أزمات الجوع والسكن والفقر والبطالة، ومنغّصات العيش، وزوائد الفقر الأنفية والدودية في الدول النامية، وهاهي الأزمات تتفاقم!!!.
أفاق عادل. انتبه إليه. أدرك ما يعانيه. قال يهدّئ روعه:
ـ نم صاحبي. أبعدْ عنك الأفكار. وانسَ كل شيء.
تنفسّ بعمق. غلبه دمعٌ قاهر. صعُبت عليه الغربة.. محالٌ أن يقضيَ العمر هكذا منبوذاً كالكلب الغريب. كتم غصّصاًً حارقة في الكبد والحلق!.
ـ غداً تتعوّد، وتجد الحياة مستساغة.
تساءل في قرارة نفسه بمرارة: "هل سيملك هؤلاء الفقراء بيوتاً دافئة وزوجات وأطفالاً؟!" زفر بأسى. تناهى إلى سمعه صوت عادل يهدّئه:
ـ غداً يفرجها ربك. نم الآن. إذا أردت العمل في الغد، فيجب أن تعطيَ جسمك حقّه من النوم والراحة.
واستبدّ به التفكير: "أيّ نوع من العمل يمكن أن تشتغل به؟... أكثر من عشرين عاماً انقضت من عمرك، من دون أن تعرف فيها حراثةً أو زراعة
أو تجارة.. ابتدأتَ صبيّ حلاّق وانتهيت كما ابتدأت، لا تجيد إلاَّ مداورة الشعر وتشذيبه، وقراءة القصص والروايات بنهم. تفوّقت في الثانوية، لكنك لا تملك نفقة الجامعة والإقامة في دمشق. معدّلُك يخوّلك الانتساب إلى كلية الصيدلة... وهاأنت تنتهي مشرّداً.. سبحانك ربي!."
تزاحمت الأفكار في رأسه. امتدّت به الرحلة. لم يدرِ كيف انتهى منها فسرقه النوم، ولم ينتبه إلاَّ على يد عادل تهزّه لتناول طعام الإفطار.
مع إطلالة الشمس بدأ يتفقّد معالم المكان. ساحةٌ عريقة واسعة. تنتصب على جوانبها المحالّ التجارية.. ابتدأت الحركة تدبّ في الشوارع.. التفت إلى الرفاق الباحثين عن العمل، وجدهم يتحلّقون جماعات. يلغطون بأصوات ناشزة.. عاوده الخوف في هذا المكان البعيد من العالم.. اجترّ آلاماً وأحزاناً مريرة، ازدادت الشمس توهّجاً، وقف من جديدٍ ينظر إلى الأبنية المتطاولة، فجأة توقفت قربهم سيارة (بيك آب) أطلّ منها رأس (خواجة) متقدّم في السنّ. اقتربوا منه. اتفق مع فيصل وفالح، فركبا معه، وانطلق.
بقي مع عادل. تواردت على رأسه عشرات الأسئلة التي لم يجرؤ على التلفّظ بها. نظر إلى رفيقه. شعر بأخوّةٍ حقيقية تصله به، لكن الخوف انتابه من جديد. خشيَ أن يذهب إلى العمل ويتركه وحيداً على الرصيف. بدت لـه بيروت مدينةً مخيفة. تحسّس النقود في جيبه فاطمأنّ. أطبق يده عليها بحرارة.
ـ عادل... أنا لا أريد أن أوَفَّق في عمل اليوم... سأذهب معك للاستئناس. أشعر بوحشةٍ غريبة!.
ـ لا تهتمّ. كلنا تعذّبنا أولَ عهدنا بالغربة.
أعجبته الثقة التي يتمتّع بها. صعّده بنظرات فاحصة. وجهه الحنطي. قميصه. سرواله القديم. كل ما فيه ينمّ عن البساطة، ويريح النفس.. توقّفت سيارةٌ صغيرة قربهما. ترجّل منها رجلٌ بدينٌ. توجّه إلى عادل:
ـ هل تعمل في الحفر يا عمي؟.
ـ أين؟.
ـ هنا. في بيروت، في الدورة.
ـ نحن اثنان.
ـ عندي عمل لواحد. سيحفر بعض الحفر في الحديقة.
ـ يمكنك أن تجد عاملاً بمفرده.
كان أجر العامل اليومي عشرين ليرةً لبنانية، وهذا مبلغ جيد. لكنّ عادلاً استطاع بشيءٍ من التنازل والمناورة أن يقنع الرجل بأن عاملاً واحداً لا يمكن أن يحفر الحفرة، ويخرج التراب. لابدّ من مساعد، فقبل الرجل أن يدفع ثلاثين ليرة أجراً لاثنين.
كان العمل سهلاً. سبع حفرٍ في حديقة (الفيلا) لغراس الليمون. لم يهتمّ بادئ الأمر حين أمسك بالرفش، وبدأ يُخرج التراب.. كان يلتفت بين لحظةٍ وأخرى، ليتمتّع بسحر البناء.. "إنها المرة الأولى التي يقع فيها بصري على مدينة كبيرة تنبض جنباتها بالحيوية. عالم آخر غير العالم الذي كنت أتحرّك خلاله في أم الكرز... لأول مرةٍ ألمس بنفسي آفاقاً جديدةً، لم أكن أتوقّعها على هذه الشاكلة. في الماضي عرفت حلب، وأعجبت بها كمدينة عريقةٍ تعبق بالتاريخ، وتعمر بالأصالة والحيوية. لكن بيروت، بدت لي خلال الساعات القليلة التي قضيتها مذهولاً تحت سمائها ذات نكهةٍ خاصة. نكهةٍ غير نكهة التاريخ العادي، وغير الأصالة، وغير العالم... ومع أن شبح الحرب يتهدّدها إلاّ أنها تبدو لي نمطاً فريداً من الحياة الجديدة والحضارة والغربة.."
انتهيا بعد الظهر. نقدهما الرجل الأجر، وزاد عليه تكلفة العودة
إلى الساحة.
جلسا على الرصيف في الظلّ ينتظران رفيقيهما. بينما أخذت راحتا يدي نبيل تتجمّدان، وقد بدأ الخدر يسري فيهما بألم!..
عند المساء التأم الشملُ. تناولوا طعام العشاء. رغب في دفع ما يخّصه من ثمن الطعام، لكن الجميع اعترضوا:
ـ من عادة العرب إكرام الضيف ثلاثة أيام.
في السهرة، سمعهم يتهامسون خفيةً في غفلةٍ منه. خشيَ أن يكون قد أثار فيهم شيئاً يستحقّ التهامس... لكنّ عادلاً ما لبث أن صارحه:
ـ سنذهب في مشوار قريب، وسترافقنا.
لم يوافق ولم يعترض. انتابه شعور غامض بالخوف مرةً أخرى. أنقذته من شعوره المتعب ابتساماتٌ ارتسمت على وجوههم. تبدّد الخوف شيئاً فشيئاً:
ـ ألا تريد أن تختليَ بامرأة؟.
أُسقط في يده. ارتجفت شفتاه من دون أن تنبسا بحرف واحد. سار معهم كالأبله إلى نهاية الساحة في الطرف الشمالي. انعطفوا إلى جهة الشرق. دخلوا حياً غريباً.. واجهات أبنية مفتوحة على جانبي الطريق، ومحالٌ بواجهات زجاجية مطلية بألوان زاهية، تعلوها لافتاتٌ مضاءة. كُتبت عليها أسماء نساء.. سلالات من النساء بالألوان الصارخة تعرض بضاعتها في صورٍ مقيتة، وأشكال منفّرة. أجساد مترهّلة وأخرى معروقة تذكّره بالسلع الكاسدة بعد العصر في سوق بلدته. تأمّل ما حوله. أحسّ بالإقياء. هذه تعرض نهديها. وتلك تظهر فخذيها، وأخرى تعرض كل شيء. كل شيء!!. وثمة قوادات مصبوغات الوجنات والجفون، وقوّادون بشوارب وغير شوارب. وأصوات مغنيات يغنين أغنيات ماجنة، وصوت قوادة تنادي "تفضل يا ولد. شهد وعسل.." ويئزّ بابٌ يندسّ فيه كهل ويغلق!!.. وفجأة تذكّر "مومس" "نزار قباني":
كان في أم الكرز يستمع إلى مغامرات أترابه المراهقين الذين يقصدون حلب من أجل الاستمتاع بامرأة يختلون بها في مبغى (بحسيتا) لكنه لم يكن يتصوّر أن النساء رخيصات مبتذلات إلى هذا الحدّ. نسوةٌ في كل باب وشرفة، وداخل كل صالة مشرعة الأبواب.. لحمٌ رخيص من جميع الألوان والهيئات، وأنواعٌ من الرجال شباب وكهول.... المرأة مثيرة للاشمئزاز، وهي تفرش جسدها أمام الأنظار التوّاقة إليها.
استغربَ "لماذا تستغرب؟.. ألست غريباً في بلاد غريبة؟."
دخل معهم منزلاً يعرفونه جيداً. بضع نسوة مبتذلات يعرضن أجسادهن. أحسّ بالاشمئزاز والغثيان "أهذه هي المرأة؟." تمالك نفسه. كاد يقع لولا إمساكُ عادل به.
ـ ما بك؟.
هجمت عليه صورة الشيخ خالد مجسّمةً، وهو يجوس في زاوية الحارة بسبحته الطويلة، وجبّته الأبدية.. أشاح بوجهه عنه.
ـ أرجو أن نخرج. أكاد أختنق!.
لم يستمع أحد لـه. انتقى كل واحدٍ منهم امرأة.. فيصل وفالح يفضّلان الشقراوات، أما عادل فسيجرّب السمراء هذه المرّة.. دفعوا به إلى واحدة. غمزوها.. أخذته من يده إلى غرفة لم تحكم إغلاق بابها جيداً. وقف جامداً مبهوتاً أمامها. صعقته بعريها. بدا لـه جسدها وقحاً قذراً مثلَ عرْي امرأة مهترئة اللحم. غدا كالأبله!.. حرّكته، وجدته أشبه برجلٍ آلي.. أمرته بالخروج، وشتمته بألفاظِ بذيئة نابية ترافقت باللعاب، لو امتزجت بنهر عذب
لأفسدت ماءه.
خرج إلى الشارع مذعوراً. شمّ هواء ملوّثاً. مفاصله ترتجف، وقف ينتظر.. تساءل بمرارة وخيبة:
"ليست المرأة ورقةً ملونة كالتي أحببناها في الصغر! أهذا هو الجسد الذي تخيّلنا لـه في ليالينا الطويلة ألف صورة بألف لون ولون؟!. ثم لا شيء يهمّها سوى أن تقبض مقدّماً، وثوبُها الوحيد جاهز للخلع..."
تقيّأ على الرصيف، وانتظر!.
خرج الرفاق بعد الغزوة الليلية. عاد معهم إلى الساحة. ظلّ طوال الطريق يبصق حتى جفّ حلقه!. تمدّد على العشب. تراءت لـه وداد غزالةً في صحراء من الطهر.
عاودته الأفكار والأخيلة.. هاهي المرأة تغدو في ناظريه دودةً منفّرة تثير الغثيان، وقد زرع الجسد العاري في نفسه الاشمئزاز "أنا حتى الآن لم أعرف المرأة. لم أدخل معها في تجربة قطّ.. هل تدفعني أزمة وداد لكره جميع بنات جنسها؟!"
لكن الشيخ خالد برز من جديد يتوكّأ على عصاه. يقترب منه في ساحة البرج. يلمح على محياه طيفَ ابتسامةٍ نورانية، فيرتعش ثانيةً...
وهو ممددٌ على العشب في الساحة، فندق المشرّدين المجاني، أحسّ بالرطوبة تتسرّب إلى خاصرته وبوادرُ صداع في رأسه. عاود التفكير في حادثة الليلة. فتحٌ جديدٌ ينداح أمام ناظريه في ثاني يومٍ من غربته... ورفاقُه يعملون طوال نهارهم، ثم يأتون متعبين طائعين في الليل، ليدفعوا ما حصلوا عليه من أجرٍ ثمن امرأة وفنجان قهوة وعلبة دخان أجنبيّ.
فجأة ملأ الساحة صياحٌ وصراخ ينمّ عن امتعاض وانزعاج!.. وقبل أن ينهض أحسّ بشلال من الماء البارد ينصبّ عليه قوياً، ففزع وتحرّك من موضعه، وكأنه يخرج من مستنقع!.
تساءل عن معنى ذلك. قال فالح ساخراً:
ـ يعلمون أننا صرنا (جُنُباً) فأرادوا أن يطهّرونا. فتحوا علينا
خراطيم المياه.
اعترض عادل:
ـ ولكننا لم نفطن للنيّة الواجبة قبل الغسل.
كاد يجن!، حمل حقيبته، وهو يتساءل بحيرة مدمّرة:
ـ ولكن.. لماذا يحدث كل هذا بحقّ الإله؟!.
ـ عمال البلدية جاءوا لينظّفوا الساحة من الأقذار.
ـ ونحن؟!.
ـ علينا السلام.
تأفّف غاضباً، وهو يلحق بهم عبر زقاقٍ جانبي، بعد أن اجتازوا سوق سرسق. ليحطّوا رحالهم في ركن منه ويقضوا بقية الليل.
جعل من حذائه وسادةً، وأخذ يسرح: "آه يا بيروت. أتيتُ إليك أجرّ خيبات كل البسطاء. أنا الدرويش الصغير. أسعى كمعظم الدراويش في العالم إلى موطئ قدم أقف فيه بين صفوف المنسيين، ولكني لن أرفع عقيرتي بالنداء "من مال الله يا محسنين. "أنا حرٌّ أموت ولا آكل بكرامتي!".
* * * * *
وقف عند الصباح مع رفاقه على رصيف ساحة البرج كطفلٍ صغير فقدَ أمه في زحمة المدينة الصاخبة. انتظر معهم القادمين بسياراتهم الخاصّة. توقّفت سيارة صغيرة مطهّمة سوداء، تقودها امرأة متقدّمة في السنّ.
أشارت باستعلاء بإصبع يدها إلى واحدٍ منهم. أسرع الثلاثة إليها. ارتموا على السيارة. بينما وقف نبيل من دون اكتراث "لابدّ أن يتدبّروا أمري"... وعلى غير ما يتوقّع، عاد الثلاثة وهم ينظرون إليه.
قال عادل:
ـ اذهبْ. وقع اختيارُها عليك. مبروك يا عم.
صعّده بنظراتٍ وجلةٍ مستريبة!. لكنه لم يدعه يستغرق في نظراته، وسرعان ما أمسك بيده، وقاده إليها. حدّجته السيدة بنظرات مدّققة من خلف مقود سيارتها.. لمح نظراتها تتغلغل إلى نقي عظامه.. ارتسمت على ملامحها إمارات الرضى. أشارت إليه بالصعود.. أرسل نظرات استعطاف إلى عادل يستنجد به.. لم يدعه يتراجع. فتح لـه باب السيارة، ودفع به من ظهره دفعاً، ثم همس بعبارة وداع.