ـ 2 ـ
"أنت الآن في (حضرة) سيدة كبيرة من سيدات المجتمع الجديد. اختطفتك من الساحة. انتشلتك من فوق الرصيف. تقبع خلفها في سيارة أنيقة.. صفحةٌ من صفحات الحياة تبتدئ بالمرأة أيضاً.. في الليل شتمتك عاهرة، ومن قبلُ أُرغمتِ الحبيبةُ على التخلّي عنك، والآن تأتي واحدة أخرى تلقي القبض عليك. تُجلسك خلفها على بُعد أقلّ من مترٍ. تجعلك تشمّ عبير شعرها الأخّاذ. تتملّى من شعرها الذهبي الملتفّ بشكلٍ أنيق.. أنت حلاّق. تعلم أكثر من أيّ إنسانٍ آخر أن هذه ليست (باروكة) شعر مستعار، وإنما هي شعر حقيقي. حبذا لو كانت ترغب في أن تصفّف لها شعرها. هذا أمر سهل. سهلٌ للغاية، وهو من اختصاصك. صحيح أنك لم تقصّ من قبل شعرَ امرأة وتسرّحه، ولكن المبدأ واحد، واللعبة واحدة.. سائق السيارة عندما يتعلّم القيادة، يبتدئ بسيارة صغيرة، وعندما يتقن العملية، تسهل عليه قيادة السيارات الصغيرة والكبيرة... شعرُ شابّ من الخنافس، أو شعر فتاةٍ لا يهمّ ما دام المبدأ واحداً.
الصفحة الثانية والثالثة تبدأان بالمرأة، وعمرك تؤرّقه النساء. حسناً.
حسناً يا نبيل!."
كان خجلاً. بدا عليه الارتباك. رمى بنظراته إلى الأسفل، تجرّأ لحظةً فرفع بصره. وجدها تراقبه من خلال المرآة.. اضطرب قليلاً، ثم عاد كالعصفور الجريح إلى جعبة الصياد.
الصفحة الأولى ختمتها وداد بانفلاتها من فلكه مرغمةً، إلى فلك رجل آخر ظهر فجأة في أفق حياتها كالبرق اختطفها وطار.. ثم كانت الهزيمة، وبدايات الغربة. يحسّ بمرارة.. يحمد ربّه لأن القضية انتهت به إلى السفر والبعد، قبل أن تحدث مضاعفات أخرى، ولولا إيمانه العميق الذي غرسه في نفسه الشيخ خالد ـ كما يعتقد ـ لحدث ما لا يحمد عقباه.. يسمع عن آخرين، ويقرأ في الروايات عمن هم في مثل حالته، أنهم ينتحرون، أو يصابون بمسّ من جنون، ولكن يكفيه أن يقابل المشكلة بالهزيمة... ومن ثم لا يدري ما يخّبئ لـه القدر.. وهاهو الآن في كنف سيدة تجلس خلف المقود مثل كبشٍ لم يُقصّ صوفه منذ سنوات...
يحدق في الأشياء الجامدة والمتحرّكة خارج السيارة، فيرى موجوداتٍ غريبةً مبهمة. كأنها أدوات للرسم ترسم لـه الفصل الثاني من عمره الضبابي.
اجتازت السيارة شوارع وأحياءً سكنية متعدّدة. توقّفت داخل حديقة قصرٍ فخم لم يحلم بالدخول إلى مثله. ترجّلت السيدة. تبعها متأبّطاً حقيبته كأنه يتأبّط شرّاً... صافحت عيناه التماثيل الناطقة، والشرفات الواسعة المكشوفة للشمس، ألقى نظرة سريعةً على الحديقة المظلّلة بأشجار النخيل البحري والبرتقال والليمون.. صعد خلفها الدرج الفخم. أذهلته اللوحات الزيتية الرائعة التي تزيّن الجدران. توقّف لحظة أمام لوحة "المستحمّة" ثم عَبَرَ ممراً واسعاً من المرمر الأبيض المائل للزرقة.
استقبلتهما امرأة في أوج صباها. عاجلها بنظراتٍ مسروقة. وجدها في مثل عمره، أو تزيد قليلاً. عرف بعد قليل أنها الخادم. جلست السيدة في صالون مفروش بأثاث ثمين. وقف قرب الباب. انتابه شعور بوضاعته.. انتظر بقلق إشارتها.. أُصيب بالخيبة عندما سمعها تطلب إليه أن يجلس. ظنّ بادئ الأمر أن سمعه قد أفضى إليه بكلمات وهمية.
أردفت، وعلى وجهها طيف ابتسامة: "اجلس."
جلس على مقدّمة الكرسي خشية أن يدنّسه. انتابه شعور طفلٍ ينتظر عقاب أمه بعد أن اقترف ذنباً كبيراً.. طلبت القهوة.
ـ كم أجرُك اليومي؟.
ارتبك. لعن هذه العادة الذميمة التي لا تفارقه. خجل. وهو يخجل مع الكبار من الرجال، فكيف به وهو في حمى سيدة غريبة الزيّ؟!. تشجّع فتلفّظ بكلمات تكاد لا تبين:
ـ الأمر إليكِ سيدتي.
لاحظت تهذيبه. إنه ليس كغيره من العمال. رشفت القهوة بهدوء.
ـ طيب. اشرب قهوتك.
ارتجف الفنجان بين أصابعه. استند بكليته إلى حافة الكرسي الجانبية. بلّل شفتيه بالسائل الساخن.
ـ هل تعرف بيروت من قبل؟.
ـ أبداً سيدتي. وصلت قبل أمس.
ـ أهلاً وسهلاً.
ـ هل لي أن أعرف طبيعة عملي؟.
كانت السيدة تزمع أن يعمل عندها لمدة يوم أو يومين. لكنها بعد أن انجذبت إلى وسامته، ووقفت على تهذيبه وحيائه، قرّرت في دخيلة نفسها أن تحتفظ به إلى ما لا نهاية...
ـ لا تهتمّ. العمل بسيط جداً. ستكون معنا في المنزل. أنا ولورا وأنت. دورك يتلخّص في تأمين مستلزمات القصر. ستعرّفك لورا على المنطقة، وتعلّمك قيادة السيارة، وستحصل لك على رخصة قيادة...
ازداد ذهولاً. لا يدري ما يقول!.. هل يقبل بهذا العمل الأبدي؟. هل يعتذرُ؟. أم أنه يبقى متردّداً بين القبول والاعتذار، مع أن رغبةً انبثقت في داخله تدفعه للدخول في هذا العالم، والوقوف على جانبٍ من حياة هذه الطبقة.
جال بنظراته في أرجاء المكان. سحرته جمالياته. اختلس نظرةً فاحصةً من لورا. بيضاء البشرة تميل إلى الشقرة. جسدها ممتلئ من دون إفراط. وجهها الجيوكاندي محيّر. أمعن النظر إليه. تردّد في تفسير ملامحها.. فيها شيء من ملامح بنات الريف. لكنها تتصرّف بحيوية بنات المدينة وعفويتهن.
مرّت به لحظات قلقة، وهذا العالم الغريب الغامض، يجتاح كيانه، ويؤكّد اغترابه. والمدينة هي الأخرى يكاد يشعر تجاهها بالعزلة والحياد، مع أنها تثير فيه شتى ألوان الأحاسيس والمشاعر المبهمة!.
اقتادته لورا إلى غرفةٍ صغيرةٍ، لكنها مؤثّثة تأثيثاً جيداً. أعلمته أنها إلى جوار غرفتها. كأنها أُعدّت خصيصاً لشخص مثله.. وضع الحقيبة على الأرض. هجم عليه القلق من جديد. خشيَ أن يفقد في هذا القصر الفخم متعةَ لقاءِ رفاقه في ساحة البرج..
الليلة الثالثة في بيروت....
عندما وضع رأسه على الوسادة، هجم عليه طيف وداد فأرّقه: "هل ستأتين كل ليلة قبل النوم وبعده. هل ستأتين في المساء وغبش الفجر. أنثى الحلم. تنشرين رائحة الحقول المضمّخة بلون النحاس وهيئة عرائس البحر... أيتها الجميلة المجبولة من عطر طفولتي الفقيرة. أعلم أنك أنقى البنات، وأطولهن رموشاً، وأكرمهن جدائل، وأعلم أنك من الزمن الصعب، طاهرة النهد. نابضة بالبراءة. وأنك بعيدة بعيدة!.. هي الشمسُ مسكنُها في السماء، فعزِّ الفؤادَ عزاءً جميلاً، فلن تستطيع إليها الصعودَ، ولن تستطيع إليك النزولا."
"وأنتِ أيتها المدينة الغامضة. هل سأظلّ أعدّ لياليك واحدةً واحدة؟. وما الرقم الذي يمكن أن أصل إليه؟ وهاهي الصفحة الجديدة من العمر تنكشف عن لونٍ جديدٍ كل الجدّة.. لابدّ أنه سيحمل إليّ شيئاً من حكاياه وطرائفه الغريبة..."
من قبلُ عرف امرأتين في هذا العالم. وداد التي خرج معها من جنة الحلم، وعاهرة البرج التي شتمته، ورسمت على جبينه أول وصمة ذلّ وعار.
بدأت الحياة في قصر السيدة عاديةً جداً. لوّن فيها الفراغ أيامه ولياليه، وقد غدا التفكير ـ في البداية ـ لحمةَ هذا الفراغ وسُداه، ثم وجد نفسه ينغمس في المطالعة، وكأن الأيام قد منحته هدنةً جديدةً وسط هذا الفراغ الكبير.
أخرج رواية عاطفية.. ابتدأ المطالعة بشغفٍ ومتعةٍ تتناسب والفراغ الذي يلفّه من كل الجهات. تخلّص إلى حينٍ من وقع الغربة والملل والحزن.. نسيّ الحلم الجريح الذي أدمى فؤاده.
ولورا ـ هذه الصبيّة تستشيط حياةً وحيويةً ـ أشبه بنحلةٍ لا تعرف السكون. تدور حوله في جميع أوقاته. أنِسَتْ إليه منذ وقعت نظراتها الأولى عليه، وهاهي تُعرّفه على معالم المدينة، وتعلّمه قيادة السيارة... أخذته إلى شوارع بعيدةٍ وطرقات خلفية، وأماكن خالية... عندما كان يخطئ، وتتعثّر قدماه فوق أجهزة الحركة، وتنحرف السيارة للاصطدام برصيف، أو تهمّ بالجنوح نحو منحدرٍ أو سيارةٍ متوقّفة، كانت تلتصق به، فتعيد السيارة إلى توازنها، وهو محصور بين جسدها وباب السيارة، عندئذٍ يحسّ بخدرٍ، فيضطرب، ويغتسل بعرق الخجل، ويعتذر كطفل كسول يتعثّر في حلّ مسألةٍ رياضيةٍ بسيطة.
كانت السيدة المتأنقّة تدعوه أحياناً إلى غرفتها. تصطنع حديثاً تديره معه، وتأتي لورا بفناجين القهوة، فيرشفها مرهقاً، وهو يعاني تردّداً وخجلاً لا ينتهيان.
قالت السيدة:
ـ لم نحدّد الأجر.
نظر إليها ملياً. فكّر باتّزان... ثم قال بفتور:
ـ لا يهمّ يا سيدتي.
ـ لا يهمّ؟!.
انتابه شعورٌ بفقره. فقال منكمشاً:
ـ ما دمت أعيش في كنفكِ. آكل وأشرب وأنام، فهذا أجري.
أضحكتها بساطته، وربما خالجها شعور بأن به قصوراً عقلياً، مع أن وسامته توحي بغير ذلك.
ـ أربعمائة ليرة. هل هذا أجر معقول؟.
ـ شكراً سيدتي. هذا كثير. وكرَمٌ منك!..
ـ وإذا تقدّمتَ وتجاوبت معنا. سنزيد المبلغ.
تساءل ببلاهة:
ـ ولكن ما العمل بالضبط؟
ـ تُشرف على متطلّبات القصر. نحن بحاجة إلى شابّ يدير شؤونه..
ازدادت دعواتها لـه لتناول القهوة، وبصورة خاصة في الصباح.. يأتي إليها. يجلس فيشعر بأنه مرغوب، يتملّى من قوامها السارب في دروب الكِبرَ، الملتفَ بغلالاته الثمينة. فيحمد الله على ما أنعم عليه.. ثم وجدها مع مرور الأيام تتمادى في عدم اكتراثها بستر جسمها أمامه. تحوّلت إلى أنثى مكشوفة... ثم في مراحل متقدّمة تفسح لـه مكاناً للجلوس قربها. تعصف برأسه رائحة (البرفان) الأنثوي. يتخدّر لحظات. يتذكّر الشخصيات الأنثوية في رواية
(امرأة من روما) ونساء (رباعية الإسكندرية) فيشعر بالغربة لحظات. يكتسي وجهه حمرةً قانية. ترتعش منه الشفتان، ويتخيّل أنها تسعى إليه. يتماسك.. يتذكّر أن الشاب الذي يرتعد حين تتحدّث إليه امرأة غريبة، وهو لا يملك ثمن رغيف خبز، يتوجّب عليه أن يتجاوز نفسه إلى مثل أعلى.
ـ نبيل. ما بك؟ لماذا تضطرب؟.
ـ عفواً سيدتي.. ليس الأمر بيدي.
ـ ألم تجلس إلى امرأةٍ من قبل؟.
ـ أقسم لك يا سيدتي. أني لم أجلس إلى امرأة مثلك في حياتي.
تساءلت متضاحكةً.
ـ أيعقل أنك لا تعرف النساء؟.
ـ نساء؟!.
ـ إذن لابدّ أنك تُخفي شيئاً.
يعتذر، وينسحب كالسلحفاة، وقد هيّجت في كيانه الذكرى، فيدلف إلى غرفته، ويحبس نفسه.
* * * * *
نازعه الحنين إلى رفاق الساحة. انتظر حتى أرخى الليل سدوله، ثم انطلق وحيداً بالسيارة الفخمة، يحمل بعض الأطعمة والفواكه. تحدوه رغبةُ شوقٍ إلى أحبّةٍ شعر أنه ابتعد عنهم أمداً طويلاً. أوقف السيارة. بحث عنهم. وجد فالح وفيصل، أما عادل فقد غادر إلى مشغرة للعمل في دباغة الجلود.
دار الحديث هنيّاً عذباً. أفرد لهما طعامه. حدّثهما عن حياته الجديدة. غبطاه.
ـ لو لم تكن نيّتك طيّبة، لما وقعت عند هذه السيدة المحسنة!.
وعلّق فيصل:
ـ هنيئاً لك يا عمّ. الذي أسعدك يسعدنا.
دعاهما للقيام بجولةٍ ليلية على (الكورنيش) نهضا طائعين. طاف بهما على الكورنيش والبربير والأوزاعي وتوغّل في طريق صيدا، ثم عاد عبر الطرق الداخلية، فانتهى إلى الكارنتينا حيث بيوت الفقراء المصنوعة من الصفيح... لأول مرة ينطلق في بيروت بحيوية ونشاط وحبّ، وقد بدا لصاحبيه إنساناً آخر غير الذي عرفاه من قبل.