ـ 3 ـ

4 0 00

ـ 3 ـ

جاءت إليه لورا ذات صباح، فوجدته منهمكاً في القراءة. أدهشها ذلك: "أيعقل أن يكون مثّقفاً وهو من فصيلة العمال المشرّدين؟!. "أعجبها وضعه. قفزت إليه كعصفورة تتعلّم الطيران:

ـ لابدّ أنها رواية عاطفية.

قالت بعد أن قرأت العنوان، وقد تبدّل حالها:

ـ ضائع في سوهو. ما شاء الله!...

لفت نظرها كتاب آخر إلى جانبه. أمسكته. قرأت العنوان. ارتسمت علامات الفرح على وجهها، وهتفت:

ـ عشاق فينيسيا.. يا سلام... صحيح أن من تجذبه عشاق فينيسيا

لا تروق لـه نساء بيروت.

ارتبك. نظر إلى عينيها. وجدها أنثى تودّ التمرّد والانطلاق.. قطةً برية متوحّشة. وهذا مواؤها المكتوم لا يخفى!.. أغضى من طرفه.. جلست إلى جانبه على السرير. نظراتها تخترق مسام وجهه.. غلت دماء الشباب البكر.. بدأت تحاول تبديد خجله. تُخرجه من القمقم الذي يسجن نفسه داخله.. عرفتْ كثيراً من الشباب الأسوياء أمثاله من قبل. انطلقت معهم إلى المصايف والمسابح والملاهي. رقصت معهم. شربت. تخدّرت على الأسرّة. قضت ساعات لذيذة أنعشت جسدها، سعدت بالفتوة والحياة المنفتحة الخالية من العقد والمخاوف، ولكن:

ـ نبيل أنت تخفي سرّاً كبيراً.. أنت صورة لعاشق مهزوم.

ـ لا. لورا.

ـ نبيل. أنا خبيرة في المسائل العاطفية. نظرتي لا يمكن أن تخيب. أنا لست صغيرة.

ـ لورا..

ـ أرجوك نبيل. بحْ بما في نفسك لترتاح. اعترف. أزح عن كاهلك ما يتعبك. حدّثني عما تعاني... نبيل. أنت خجول وحييّ جداً. منطوٍ على نفسك كثيراً، والخجل لم يعد مرضاً لأن الزمان تجاوزه.. الأطفال في هذا الزمن لا يخجلون.

نظر إليها متوّسلاً أن تصمت. لكنها أردفت:

ـ نبيل. كأس واحدة من الويسكي، شراب الآلهة، البلسم الناجع لترميم الروح، كفيلةٌ بأن تقلب حياتك رأساً على عقب.

" يا إله السماء!! هل صحيح أن هذا البلسم الخادع يرمّم أوجاع أرواحنا؟!". "زفر بعمق. ازداد وجهه حمرةً.. تركته لورا لحظات، ثم ما لبثت أن عادت مسرعةً بـ (سيجارتين) أشعلتهما. قدّمت إليه واحدة، ووضعت الثانية بين شفتيها:

ـ دخّنْ. نبيل دخّن. أنا أعجب كيف تعيش وحيداً منعزلاً.. انطلق. حلّقْ مع حلقات الدخان. أنت تقرأ الروايات....

وضع اللفيفة لأول مرّة في فمه، ما كاد يمتصّ دخانها حتى بدأ يسعل،

وقد أغرورقت عيناه بالدموع، فأخذتها منه، ودهستها بغيظ في المنفضة!.

ـ حسناً. يكفي الآن. اسمع سأحكي لك حكايتين، الأولى محزنة، والثانية ممتعة.. وعندما أنتهي، سأستمع منك إلى واحدة من قصصك. هيه؟ لا أدري كيف أبدأ.. حسناً.. كان عمري أربع عشرة عندما دخلوا علينا في منزلنا الجبلي.. كنت صغيرة جداً بين أيدي ثلاثة رجال، عرّوني أمام أبي وأمي المقيّدين، واغتصبوني. كانوا وحوشاً... بكيت. استجرت بالجدران، بالقديسين، وحين صحوت وجدت أمي تغطيني بثيابي، وأبي ينزف حتى القطرة الأخيرة!.

أما أول إحساس بالحب، فقد هجم عليّ عندما كنت عند الجزار أشتري لحماً في قريتنا الجبلية، وكان في الحانوت شابّ وسيم، بدأ ينظر إليَّ بنهمٍ. أحسّست أن في نظراته شيئاً غير عادي، وعندما خرجت تبعني.. داعبني بكلمات ساحرة خدّرتني.. ثم تركني وأنا أشعر بنشوةٍ علوية... وعلى أحرّ من الجمر، صرت أنتظر الغد لألتقيَ به... وانقضت تلك الليلة.. لم أعرف فيها النوم...

في اليوم الثاني التقينا... ذهبنا معاً. تمشينا بهدوء متمهّلين، وأنا مسحورةٌ بالألفاظ التي تقطر عسلاً وشهداً. دخلنا كرماً تزّينه جفنات العنب. كانت أشبه بعرائس يغازلهن الشباب. هناك تلقيت أول قبلة... وبعدها لم أعد أذكر شيئاً!...

صمتت لترى وقع قصتها عليه. لكنه لم يعلّق. فحثّته:

ـ هيه. قل أنتَ. ما حكايتك. لابدّ أن لك مشكلةً عاطفية؟.

صمت. توسّل إليها أن تدعه.. عجزت عن زحزحته. قرأت في عينيه بوادر زوبعة عاصفة. مدّت يدها فقرصت شفته:

ـ سأعرف كيف أجعل هذه الشفة تبوح...

حين تركته، ناداها:

ـ لورا... هل ما تحدّثتِ به، حدثَ معك حقيقةً؟!.

ـ أقسم بالعذراء...

ـ يعني أنتِ... أنت صاحبة تجربة... و

ـ مسكين... واحدة بعمري تجاوزت العشرين، تبقى بلا تجارب؟!

في القصر بعد أن تعرف إلى هاتين السيدتين، أخذت تداهمه عشرات الأسئلة كل آونة، ويحاول تفاديهما، لكنه ما إن يخلو بنفسه حتى يجدهما يفرضان طيف وداد على خياله، ويغدو الجسد الأنثوي أشدّ سطوةً عليه

في غربته.

وضع رأسه على الوسادة، فحاصره طيفها.. تقوقع على نفسه خائفاً. أحسّ بالعزلة، كأنه ثاوٍ هنا جسداً من دون روح، يأوي إلى خُلُقٍ يعصمه من النساء.

* * * * *

تسلّم الأجر آخر الشهر... نادى لورا. طلب إليها أن ترافقه في جولة قصيرة. فرحت. ظنّت أنه بدأ يتفّهم الواقع، وتنجلي عقدته الريفية الضاربة في مجاهل القِدم...

استوت إلى جانبه... "سترشدينني إلى الجامعة اللبنانية" "لماذا؟". "سأدرس الحقوق" " إذن"..

أجريا معاملة التسجيل، ودفع الاشتراك، ثم عادا معاً في غمرة ذهولها..

جاءت إلى غرفته في السهرة يمامةً عاشقة. جلست على السرير، وهي تترنّم بلحن فيروزي دافئ:

ـ مبروك نبيل. الجامعة.

ـ شكراً.

ـ ألا أستحق الحلاوة منك؟.

ـ لن أنسى معروفك أبداً.

ـ ولكني أريد الحلاوة.

ـ حسناً. اطلبي.

ـ وهل تنفّذ؟.

ـ إذا كان بوسعي.

ـ أهذا وعد؟.

ـ وعد.

ـ إذن. هات قبلة.

أُسقط في يده. تراجع إلى الخلف من دون إرادة منه. انتابته رعشة عارمة. تفصّد العرق من جبينه. فار الدم في عروقه. تمنّى أن تغور الأرض به... سمعها تهمس:

ـ وعد الحرّ دَين.

ـ والمؤمن إذا وعد وفى. لورا. الله يستر عليك...

لم تدعه يفلت. هجمت عليه بشراسة. التقطت شفته. أذهلته المفاجأة!. لم يقاوم!. أحسّ أنه غُلب على أمره. كأن مصارعاً غرز نصله في ظهره فانتفض وكمد لونه، وتفتّحت أبواب الكآبة في وجهه، ولم يتمكّن من التخلّص منها إلاَّ حينما تجمّع دمه في وجنتيه، وكادت نبضات قلبه تتحوّل إلى رنات جرس كنيسة.. أبعدها عنه، وأخذ يحدّق في وجهها ببلاهة، وقد اتسعت عيناه!.. أحسّ أنها لسعته، وتركت مذاقها يسري في جسده، فغدا كالأبله، وأمضى الليل بطوله متكوّراً على نفسه يتلظّى!. يضع يده على شفته. يتحسّس موضع قبلتها.. تعقد الدهشة لسانه. تزهر في أعطافه وردة صغيرة تؤكّد لـه أنه مراهق غرّ. يتساءل: "يا سبحان الله!.. ما سرّ هذه الجاذبية الإلهية التي تجذب الذكر للأنثى، والأنثى للذكر؟!.

أنفاسها المحمومة تركت لفحاً، لكنه نسيم الربيع الدافئ، نقله من عالم الواقع إلى عالم الحلم والأطياف الملوّنة، والليلُ موطن الصبوات، وفي غياهب الروح تضجّ رغبات، وتنداح صور وأخيلة!..

فجأة ينتفض!. يجتاحه توتّر حادٌ يعصف بكيانه، فيستيقظ وعيه كشفرة مرهفة.

أيمكن؟!..

أيمكن أن ينحاز، وأيّ خطأ في الحساب يمكن أن يؤدّي به إلى السقوط. يمرّغه في الوحل ويجلّله بالعار؟!. ومع ذلك فقد أمضى الليل بطوله يتلظّى!.