ـ 4 ـ
توالت الأيام موشّاة بأحزان الرحيل.. لكن شيئاً من متعة الغربة بدأت تريه الحياة جميلةً، وأيقن بصحة من يقول في الاغتراب تجدّد...
ظلّت قبلتها تمدّه بنكهة حادّة مبهمة!... تدغدع شغافاً في داخله لا يدري كنهها، ولكنّه يحسّ بها راحةً واسترخاءً.. دفئاً وعذوبة واستمتاعاً... أهي الذكورة في أعماقه تنتظر دغدغة الأنامل وندى الشفاه؟!. أم هو الحرمان الساكن الذي غفت فيه الأنوثة وقد حان أن يستيقظ بقبلة نهمة؟!. استمتعَ بهذه الأحاسيس ولكن إلى حدّ، فإذا تجاوزها انتفض شيءٌ آخر في داخله، وأرغمه على عدم التمادي.
"آه يا نبيل... لبُعْدَ ما تحسّ به من طعمٍ ونكهةٍ بين قبلةٍ وقبلة!.. آخر مرّةِ التقيتَ وداداً في بيت أهلها. حيث كنت تجلس معها، أمها إلى جانبكما تسمع وترى، وتقرأ المستقبل الواعد في عيونكما، فتميل برأسها جانباً تداري خجلاً محبّباً، وحين نادتها جارتها تحقّقت لكما الخلوة النادرة، فغاصت عيناك في عينيها، وتلاحقت الأنفاس معبّرةً عن الأشواق المستعرة.. قرأتِ العيونُ سطورَ الحبّ المكتوب على صفحتي القلبين: "نبيل..." "وداد.. هل تحبينني كما أحبّك؟" "بل أكثر!" أتذكرُ يا نبيل كيف ملتَ إليها، وسرقت أول قبلة من أذنها؟!.. أجل. اختطفتها كلصّ من صيوان الأذن، فسعدتْ شفتاك أولاً بملامسة الأذن والقرط وخصلة الشعر النشوى، ثم سرى الخدر في سرايا خلاياك، وغبت مع الحلم الجميل. ثمة لحظات لا تنسى، حفرتْ أخاديدها في الذاكرة. ودادُ سمفونية طبيعية رفدتك بكثير من الألحان الهادئة التي ذابت في مسمعيك في ليالي بيروت الشتائية.. وهاهي لورا تعيدك إلى الأنثى فلا تثير فيك لذة أو شهوة، وإنما تبعث الحياة في الذكريات الغافية، فتضطرم النيران في شرايينك، وتبرز في مخيلتك صورة وداد، طفلة الروح... آه. يا نبيل. قبلةٌ عن قبلةٍ تختلف، خلافاً لما يزعم كتّاب الروايات العاطفية من أن الجسد هو الجسد لحظة المتعة. ووداد كانت قطعةً من البراءة والطهارة والنقاء. آه يا نبيل. صبراً.. لن يبقى الفقر والفاقة والحرمان قدرَك مع أنه نسجَ غلالاته على قلبك، كما تنسج أنثى العنكبوت خيوطها المغبرّة اللزجة.. لماذا يتعذّب القلب بين جنبيك؟!. لماذا تنطفئ الشمعة التي توهّجت فأضاءت الدرب إلى حين، وقد علّقتَ عليها أمالاً عريضة!.. كنت كالأمير الأسير الذي تُخطف حبيبته أمام عينيه، ولا يقوى على الدفاع عنها، وقد دعمت سلطةُ الأم موقف اللصّ الجميل، الذي سحرها قريبُها بمركزه الوظيفي المرموق... آه يا نبيل "وظلمُ ذوي (النعمى) أشدّ مضاضةً".. فأنى للحبّ الحقيقي أن يؤتي ثمارَه في هذا العالم المتصحّر، والمالُ عصب الحياة قادرٌ على زلزلة كل شيء، ونحن فقراء!!."
"آهٍ أيها الكسعي الغريب. لقد سُلبت منك الحبيبة، ولم تُجْدِك وساطةُ الشيخ خالد، ولا مداخلة معلّمك أبي حسين الحلاق، وفي غمضة عين طارت الحمامة من فوق غصنك، لتحطّ على فرع فاروق الدبق، وكانت الشباك محكمة، فدخلتْ ـ هي ـ قفصه الذهبي، وهربتَ ـ أنتَ ـ غير مأسوف عليك.. أبوك (المرابع) عند الآغا. كان مسكيناً، لا حول لـه ولا طول، ولم يسبق أن اختلف أو تشاجر مع أحد في أم الكرز، وهو منذ أن وقع بين براثن زوجته الثانية، غدا أسيرَ نزواتها الخبيثة، ورهن إشاراتها، فلم يكن بوسعه أن يقدّم من أجل قضيتك الخاسرة شيئاً.. في البداية حزنتَ. بكيتَ. توسّلت.. رجوتهم أن يسمحوا لك بمقابلتها دقيقة واحدة، ثم لتزفّ بعدها إلى من يشاءون، ولما رُميتَ بالصدّ، وأُغلقتْ في وجهك الأبواب، أزمعت الرحيل شطر بيروت.. وهاهي لورا قد أذاقتك طعم شفتيها، ويبدو أنها مستعدّة لأن تذيقك أكثر من الشفتين، فهي صاحبة خبرة وتجربة.. ولكن آه. يا نبيل. لشدّ ما تختلف قبلة عن قبلة!!.. والفتاة في أم الكرز مثل بيضة الدجاجة لا تُكسر إلاَّ ليلة الزفاف، على وجهها حجاب، وفي ساقيها حجاب، وبين الحجابين كنوزٌ مخبوءة من جمالٍ بكرٍ، تظلّ أخيلةُ الشباب تقيم لـه عشرات الأشكال الزاهية والصورة الملوّنة."
علمت السيدة بانتسابه إلى الجامعة، فاتخذت ذلك ذريعة للقائه. استدعته إلى غرفتها. دعته إلى الجلوس جانبها، وطلبت إلى لورا تحضير القهوة، ثم أمرتها بالانصراف.
كان الوقت أصيلاً، والسيدة في أوج زينتها، ونبيل شارد العقل. يجلس معها بجسمه.. لا يدري ما تبتغيه منه وهي على هذه الهيئة من الفتنة الصارخة، ولا يدري ما يترتّب عليه أن يفعل.. حدّق ملياً في وجهها، فغرق في متاهةٍ، وأيقن أن المرأة مهما تقدّم بها العمر تظلّ تحتفظ بشيء من الأنوثة والجاذبية، كزجاجة العطر الفارغة، التي لا تفارقها رائحة الطِّيب
وجمال الشكل.
ـ سررتُ لالتحاقك بالجامعة. منذ البداية، اعتقدت بأنك تختلف عن العمال الآخرين.
ـ شكراً سيدتي.
اقتربت منه حتى لامست فخذه. أردفت:
ـ مصاريف الدراسة سأدفعها إليك.
ـ شكراً سيدتي.
أزعجتها هذه الجملة الرسمية المكرّرة. قالت بحنق:
ـ أليس عندك غير "شكراً سيدتي"؟!.
ـ وماذا يتوجّب عليَّ أن أقول سيدتي؟.
ـ أشكرني بقبلة امتنان... ألا تعرف (الإتيكيت)؟... تحرّكْ مدَّ يدك صافحني.. وأخذت يده فوضعتها على صدرها، وضغطت عليها..
استكان وهو يطرق إلى الأرض.. قلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه.. صعق!. لا يكاد يصدق ما يحدث.. يده تتخدّر على ملمس نهدها الدافئ، والفخذ يزحف نحوه بغير هوادة، وكل شيء يطبق عليه، فتسري فيه نشوة الترياق!.
سحب يده مذهولاً.. نهض مرتعش الأوصال، يأكل الاحمرار وجنتيه!... انسحب من دون أن يستأذن.. دخل غرفته. تمدّد على السرير. فكّر بتؤدة: "إذا أردت أن تكون اجتماعياً متمدّناً في بيروت، فعليك أن تتحذلق، وتُقبّل كل امرأة تكون معها، اعترافاً بجميل، وتعبيراً عن امتنان.. لعل بعض المعايير والقيم والأحوال المتعارف عليها هنا تختلف كثيراً عما هو متعارف عليه هناك في أم الكرز.. أن تُقبّل امرأة فهذا دليل حضارة هنا.."
* * * * *
أرق في الليل. تناهى إلى سمعه صوت المؤذّن آتياً من البعيد "الصلاة خير من النوم" نهض فاغتسل، وصلّى الفجر، ثم تناول كتاباً، وخرج إلى الحديقة.. مارس رياضة الجري، وحين أسفر الصبح ندياً كعذراء حيّية، توقّف، واستند إلى جذع نخلة، فتداعت إلى مخيّلته ذكريات الطفولة في أم الكرز، الغافية على مرافئ الدفء والجمال والحبّ. حين كان يستريح في ظلّ زيتونة، فتفيض عليه نوراً على نور.
هجمت عليه صورة السيدة...
لاحظ أنها غيّرت عادتها في الأيام الأخيرة، فلم تعد تستدعيه، ولم ترغب في مشاركته القهوة الدافئة على كرسي مزدوج في غياب لورا، لكنّ تحوّلاً آخر طرأ على سلوك الشابّة الثانية، إذ غدت لورا شعلةً من الإثارة والفتنة والإغراء، وقد خاف من التبدّل المفاجئ، لأنه يحسب أن الأمر مرسومٌ بمهارة ودقّة.