الفصل الثاني

3 0 00

الفصل الثاني

في منزل السيد مراد عاشور

استيقظت السيدة علا صباح يوم السبت المنتظر نشيطة وفي أتم الاستعداد للذهاب لمنزل السيد مراد عاشور. ارتدت بدلة سوداء واخذت حقيبتها الصغيرة ونزلت لغرفة الطعام حيث كانت جنة بانتظارها، فبادرتها جنة بالقول: صباح الخير سيدة علا أراكِ اليوم في تمام نشاطك.

فردت السيدة علا مبتسمة: صباح الخير جنة، نعم اليوم موعدي مع السيد عاشور وأنا متشوقة لمعرفة ما يريد مني.

جلستا لتتناولا طعام الإفطار. لتسألها جنة: هل ستتناولين الغذاء هنا؟

أومأت السيدة علا بنعم وخرجت لتقف امام منزلها منتظرة مرور سيارة أجرة لتستقلها للذهاب لمنزل السيد مراد عاشور. ما هي إلا لحظات حتى توقفت إمامها سيارة فاخرة سوداء، نزل سائقها فاتحاً لها الباب الخلفي للسيارة وهو يقول: صباح الخير سيدة علا تفضلي بالركوب.

التفتت له وعلى وجهها علامة استفهام، فقال لها السائق: لقد أرسلني السيد مراد عاشور كي أقلك الى منزله.

فقالت: آه حسناً.

ثم ركبت السيارة وانطلقت في طريقها لمنزل السيد مراد عاشور الذي كان يقع على حدود المدينة على بعد بضعة كيلومترات. وفي الطريق راحت تتأمل المنازل الصغيرة ذات الحدائق الجميلة، وتنشقت النسيم العليل المشبع برائحة المطر، كل ذلك أشعرها بالارتياح والهدوء والطمأنينة .

انتقلت بها ذاكرتها الى الماضي، وتذكرت كيف إن زوجها كان

يحب مراد الذي وقف معه حين أفلست شركته فأعطاه مالاً حتى يستعيد مكانته ورفض أن يسترجعه حين اراد شوقي إرجاع المال لمراد. كانا صديقين حميمين منذ الطفولة، أكملا دراستهما معاً حتى الجامعة وسافرا للخارج وكونا ثروتهما ورجعا وفتحا شركة ثم انفصلا بعد فترة وبقيا اصدقاء .

توقفت السيارة وقال السائق: ها نحن قد وصلنا سيدتي.

نزلت ووقفت تتأمل المنزل الكبير ذو الطابقين بلون ابيض وسقف

المنزل قرميد باللون الأحمر الداكن، وشرفات جميلة بلون زهري

فاتح .

دخلت السيدة علا من بوابة المنزل فانبهرت بحديقته الكبيرة وبركتها المليئة بالطيور كونها تعشق الحدائق. وسارت الى أن دخلت المنزل، فانبهرت بجمال المنزل برخام ارضه الأسود بينما جدرانه بيضاء، أما الأبواب فكانت باللون الذهبي ذو نقوش الجميلة. استقبلتها الخادمة بالترحيب وقادتها لغرفة الضيوف. فقالت الخادمة: سيأتي السيد مراد حالاً، ماذا تحبي أن تشربي سيدتي؟

فطلبت السيدة علا القهوة، وجلست تنتظر مجئ السيد مراد وهي تفكر بالخدمة التي سيطلبها منها. نظرت حولها فوجدت الغرفة مبهجة بألوانها ومكتبتها التي كانت تحتوي على كتب ومجلدات لا تحصى، ففكرت إنها تستحق تصفحها ولكن في وقت آخر.

دخل الى الغرفة السيد مراد عاشور ومعه ابنه وزوجة ابنه والخادمة التي وضعت القهوة وخرجت. فقال: صباح الخير، كما عهدتك جئت بالموعد المحدد.

فردت علا مبتسمة: نعم، أنت تعرف إنني لا أحب التأخر في مواعيدي.

فرد مراد: نعم اعلم، أعرفك بإبني عماد وزوجته بثينة.

تعارفوا وجلسوا جميعاً يشربون القهوة. وبينما هم كذلك التفت مراد للسيدة علا قائلاً: حدثت جريمة قتل وقعت بظروف غامضة واتهم شخص أنا متأكد من إنه برئ وإن هناك شخص آخر ارتكب الجريمة.

فسألت السيدة علا: من هو القتيل؟

قال السيد مراد: صدقيني ليس لدي أي معلومات أفيدك بها.

السيدة علا: ولكن...

قاطعها السيد مراد: صدقيني ليس لدي أي معلومات، إنما اخترتكِ لأنني اعلم مواهبكِ وقدراتكِ في هذا المجال. انتظري لتصلكِ اشياء تساعدكِ في تحقيق عدالة الحياة.

- لكن ما هي هذه الاشياء التي ستساعدني؟ وكيف ستصلني؟

رد عليها السيد مراد: لا تسألي إنما اعملي ما يملي عليكِ حدسكِ يا

عدالة الحياة، اعلم إنكِ لن تخذليني. بقي شيء أخير، لا تتصلي بي

إلا في حالتين، إما نجاحكِ أو إنسحابكِ.

اجابته علا: إني أكن لك كل الاحترام، سأعمل كل ما بوسعي سيد مراد، والآن عليّ الذهاب.

السيد مراد: اتمنى لكِ كل التوفيق، خذي هذا المبلغ ستحتاجين إليه.

اخذته علا وخرجت لتركب السيارة التي أتت بها. ظلت تفكر طوال طريق العودة بكلام السيد مراد وغموضه والمهمة الصعبة التي كلفت بها حتى وصلت لمنزلها. دخلت المنزل لتستقبلها جنة قائلة: بالتوقيت الصحيح لموعد الغذاء سيدتي.

توجهت لغرفة الطعام شاردة الذهن وجلست لتأكل. سألتها جنة عما حدث، ولماذا هي شاردة الذهن، وماذا قال لها السيد مراد؟

فردت علا: لا شيء، إنما اراد أن يطمئن عليّ.

ثم إتجهت لغرفتها وهي شاردة تفكر. تصفحت بعض الصحف لديها وتتحدث عن جرائم القتل التي يمكن أن تتعلق بالسيد مراد حتى غلبها النوم.

حل الصباح وأشرقت الشمس بخيوطها الذهبية، فاستيقظت السيدة علا من نومها مرهقة ومتأخرة بعض الشيء. ذهبت لتأخذ حمامها وغيرت ملابسها ثم نزلت للطابق السفلي متوجهة لغرفة الطعام حيث كانت السيدة جنة تنظرها في الاستراحة. وما أن رأتها جنة حتى ابتسمت قائلة: صباح الخير سيدة علا، لم تنهضِ مبكراً كعادتكِ.

جلست علا على الكرسي بتثاقل: نعم، اشعر بإجهاد، فنمت طويلاً. ما لدينا لنأكل؟

ضحكت جنة وقالت: كل شيء.

فضحكتا ثم شرعتا تأكلان، عندها قالت جنة: سيدة علا وصل اليوم صباحاً هذا الظرف من ابنتكِ.

السيدة علا بفرحة: حقاً!

اخذته وفتحته فقرأت الرسالة التي فيها...

بسم الله الرحمن الرحيم

والدتي الغالية، كيف حالكِ، اشتقت إليكِ كثيراً، انتبهي لصحتكِ وخذي المال المرفق لمساعدتك على قضاء حاجتكِ.

ابنتك المحبة لك.

نظرت للمبلغ المالي الذي فيه ثم قالت لجنة: إنها تطمئن على صحتي كما بعثت لي هذا المبلغ كمساعدة.

جنة وهي ذاهبة للمطبخ: إنها تحبكِ سيدتي.

وافقت على كلامها السيدة علا ثم نهضت لتتجه الى غرفة المكتب،

وهي تفكر بجدية بالمهمة الصعبة التي كلفت بها، وقالت لنفسها إنها لن تنتظر حتى تأتيها تلك الاشياء التي وعدها بها السيد مراد، عليها أن تتحرى بنفسها، ثم تذكرت السيدة مها التي كانت تعمل كحافظة إسرار السيد مراد فهمت بالاتصال بها.

أجاب على إتصالها شخص ما لم تعرفه، لتستفر منه إن كان هذا منزل السيدة مها وإن كان فهي تريد مكالمتها. إجابها إنه زوجها وإن مها قد توفت منذ سنة، وعرض عليها خدماته. خجلت السيدة علا من لطفه واعتذرت منه لأنها لم تكن تعلم وعزته بوفاتها. أغلقت الخط وهي تقول لنفسها إن الخطوة الاولى فشلت. أخذت تفكر في شخص آخر يساعدها في إعطائها أي معلومة توصلها لطرف الخيط. تذكرت المحامي إسماعيل يحي الذي يعمل لحساب السيد مراد عاشور فإتصلت به، وما أن عرفت إنه على الخط حتى قالت: انا علا صديقة السيد مراد عاشور و...

قاطعها المحامي: اعرف اخبرني السيد مراد عاشور بكل شيء، لا تستعجلي سيدة علا وانتظري، لا تستبقي الاحداث. ستصلك الأسبوع القادم رسالة، استلميها ولبي الدعوة ولا تستعجلي ابداً، ليس هناك ما يدعوا للعجلة.

اغلقت السيدة علا الخط قائلة: موافقة على كلامك لكنني فشلت في الخطوة الثانية. حسناً سأنتظر ما سيأتي من اشياء تدلني على المهمة التي كلفت بها، لأني لست بهذا الذكاء المفرط الذي يظنني به السيد مراد عاشور، هل يظنني امرأة خارقة؟ ما هذا الجنون ؟ سأعتبره تحدي وانتظر واحل اللغز الذي يريد السيد مراد عاشور مني حله.

دقت الساعة الثانية ظهراً، فقرع جرس باب المنزل مرتين. فتحت جنة الباب ووجدت رسالتين، فأخذتهما لتسلمها للسيدة علا. قرعت جنة باب غرفة السيدة علا واعطتها الرسالتين، فطلبت منها أن تحضر لها قهوة.

فتحت السيدة علا الرسالة الاولى التي كانت من ابنها وقرأت ما مفاده...

بسم الله الرحمن الرحيم

والدتي العزيزة اعرف إنني قصرت في حقكِ ولكنكِ أنتِ دائماً على بالي وفي قلبي. كما تعلمين مشاغل الحياة أثقلت علي، ولكن أريدكِ أن تدعي لي في كل وقت.

لقد أرفقت اليك مع هذه الرسالة مبلغ مالي لأني لا استطيع زيارتك هذه الفترة. والى أن نلتقي...

ابنك المخلص لكِ.

نزلت دمعتها وهي تأخذ المبلغ المالي وتدعو لولدها بالصحة والعافية والخير. ثم فتحت الرسالة الثانية وقرأت ما فيها...

بسم الله الرحمن الرحيم

السيدة علا المحترمة

تحية طيبة وبعد،

نحن شركة سياحية نعلمكِ بأنكِ مسجلة لدينا في رحلة داخلية حول

مشاهدة الآثار التاريخية، ارجو أن تأتي إلينا كي نسلمكِ تذكرة

السفر وتحديد موعد الرحلة.

مع شكر الشركة السياحية.

طوت السيدة علا الرسالة في الدرج بعد أن اكملت قرأتها وهمست لنفسها قائلة: قد بدأت المهمة، لا بد إن هذه الرحلة قد نظمها السيد مراد، ولكن ما علاقة رحلة سياحية كهذه بجريمة قتل؟ سيتضح كل شيء فيما بعد، غداً إن شاء الله سأذهب للشركة ربما تتضح بعض الأمور.

دخلت جنة غرفة السيدة علا حاملة معها القهوة ووضعتها على الطاولة ثم جلست بجانب السيدة علا قائلة: ماذا وجدت في الرسائل التي قرأتيها؟

السيدة علا: الاولى من ابني ارسل لي سلاماً ومبلغاً ماليا، أما الثانية فهي دعوة لمشاركة في ندوة لرعاية الأيتام ودعمهم.

لم تشأ السيدة علا إخبارها عن الشركة السياحية. فقالت جنة: هذا جميل سوف تجدد الدعوة من نشاطك، ومتى ستذهبي؟

السيدة علا: غداً إن شاء الله، لنتناول القهوة الآن.

تناولتا القهوة وهما تتبادلا أطراف الحديث حول مواضيع مختلفة.

أشرق صباح اليوم التالي وكانت السيدة علا على أتم الأستعداد لمهمتها. نزلت الى الطابق السفلي متوجهة لغرفة الطعام لتتناول إفطارها كالمعتاد. ثم خرجت السيدة علا مودعة جنة واستقلت سيارة أجرة للشركة السياحة. إستغرق وصولها للشركة حوالي النصف ساعة من زحمة السير. وصلت السيدة علا الى الشركة السياحية ونقدت السائق إجرته وتوجهت فوراً نحو المكتب المخصص للرحلات الداخلية. استقبلتها السكرتيرة وعندما عرفت إنها السيدة علا طلبت منها أن تتبعها للطابق العلوي. دقت السكرتيرة باب المكتب ودخلت قائلة: سيدي لقد جاءت السيدة علا.

المدير: دعيها تدخل واجلبي لنا قهوة.

دخلت السيدة علا الى المكتب، فقام المدير وسلم عليها قائلا:

تفضلي بالجلوس سيدتي.

ثم بادرها قائلاً: لقد ارسلنا لكِ رسالة مفادها إن هناك رحلة سياحية لكِ لمشاهدة بعض من الآثار التاريخية في البلد، وهناك شرط وضعه السيد مراد وهو إنكِ إن قبلت الرحلة فلا تتراجعي عنها مهما سيحدث، لكن لكِ الخيار برفضها أو قبولها.

فكرت السيدة علا قليلاً ثم قالت: سأقبلها.

المدير: حسناً، هذه تذكرتك وفيها كل المعلومات عن رقم الرحلة والتوقيت وهذه أيضاً الحجز في الفندق ورقم غرفتكِ. سيكون معكِ إثنى عشر شخصاً في الرحلة التي ستبدأ يوم السبت القادم الساعة الثامنة صباحاً. والآن ارجو أن توقعي إمضاءكِ هنا سيدتي.

وقعت إمضاءها على الأوراق وتناولت من المدير التذكرة وشكرته، فتمنى لها رحلة سعيدة وموفقة. خرجت السيدة علا لتعود لمنزلها بعد أن اشترت بعض الأغراض التي كانت بحاجة لها، ثم استقلت سيارة إجرة وعادت لمنزلها.

دخلت السيدة علا المنزل فاستقبلتها جنة قائلة: الحمد لله على سلامتكِ لقد تأخرت فقلقت عليكِ، الغداء جاهز.

السيدة علا: حسناً سأتي لكن بعد أن أغير ملابسي يا جنة.

نزلت متوجهة لغرفة الطعام حيث كانت جنة تنتظرها بمائدة غنية بأصناف السمك التي تحبها السيدة علا. وما أن اكملتا الغذاء حتى جاءت صديقة للسيدة جنة لزيارتها. فرحت جنة بها كثيرا وجلسن يتبادلن اطراف الحديث ثم استأذنت السيدة علا للذهاب للراحة بغرفتها.

مر الوقت سريعاً وهبط الليل بستائره المضاءة بضوء القمر. بعد العشاء، أثنت السيدة علا على صديقة جنة لدماثتها ولطفها. فوافقتها

جنة، ثم سألتها عن الندوة. أجابت السيدة علا إنها كانت موفقة ثم فتحت الحديث التالي: لقد قابلت صديقاً قديماً دعاني لرحلة سياحية داخلية لمشاهدة الآثار التاريخية.

جنة: حقاً هذا جيد، ولكن ارجو أن تهتمي بصحتكِ خلالها، وأن

تطمئنني عنكِ من وقت الى آخر. ولكن ماذا عن اولادكِ، هل

ستخبرينهما؟

أجابتها السيدة علا: بالتأكيد يا جنة.

فتمنت لها جنة التوفيق في رحلتها.