الفصل الرابع
الرحلة ودعوة مفاجئة
كانت الساعة الثامنة حين وصلت السيدة علا الى منطقة إنطلاق الباص للرحلة، فجلست في مقعدها رقم تسعة الذي بجانب النافذة، وكان معها اثني عشر راكباً والمرشدة السياحية والسائق . جلس الجميع على مقاعدهم وأغلق باب الباص، وبدأ الباص بالانطلاق.
قالت المرشدة: سوف تستغرق هذه الرحلة للمنطقة السياحة والفندق بضعة ساعات، أي سنصل حوالي الساعة الخامسة عصراً. طبعاً سنقف لإستراحة الغذاء في أحد مطاعم الإستراحة السياحية على الطريق وسنقضي هناك تقريباً ساعتين. إما الفندق الذي سننزل به فهو يقع على هضبة مطلة على البحر، والمناطق السياحية التي
سنقصدها فهي بالغالب جبلية.
ثم قامت بتوزيع اوراق على الركاب لكتابة بياناتهم مع برنامج الرحلة ولائحة بأسماء الركاب للتعارف وتفقد بعضهم البعض خلال الرحلة.، ثم جلست على مقعدها بجانب السائق.
اخذت السيدة علا تقرأ اسماء الركاب الاثني عشر:السيد احمد عز، السيدة مها وابنتها ثريا، السيدة كامليا وزوجها السيد صفوت، الشاب محمد وصديقه عمر، الانستان ليلى ومنى، المليونير رمزي وزوجته عزة وابنته آلاء، واخيراً السيدة علا.
وضعت السيدة علا اللوائح في حقيبتها، ثم راحت تتأمل الركاب ووجوههم قائلة في نفسها لعل ذلك الرجل الأنيق السيد احمد عز، شكله يدل على إنه رجل اعمال؛ وتلك المرأة البدينة السيدة مها وبجانبها فتاة صغيرة في العاشرة من العمر من المؤكد إنها ابنتها ثريا؛ ورأت سيدة في الثلاثينات من العمر وبجانبها رجل ضخم البنية، إذاً لا بد من أنهما السيدة كامليا وزوجها السيد صفوت، شكلهما يوحي على إنهما من الشرطة؛ وهذان الشابان محمد وعمر شكلهما يوحي على إنهما طالبان. أما هاتان الآنستان فمن المؤكد إنهما ليلى ومنى شكلهما يوحي إنهما مدرستان. واخيراً هذا هو المليونير رمزي وزوجته عزة وابنته آلاء، كم هي جميلة وشابة.
ثم قالت في نفسها لا أحد من هؤلاء شكله يوحي على إنه قاتل. يا إلهي ساعدني في هذه المهمة الجنونية.
ثم نظرت للسيدة كامليا، هذه السيدة شكلها مألوف لدي ووجهها اعرفه متأكدة إني قابلتها لكني لا اذكر أين. آه يا إلهي عقلي يكاد ينفجر من كثرة التفكير.
ثم نظرت من النافدة وهي ترى المناظر الجميلة مما جعل أعصابها تسترخي وتهدئ وتطمئن نفسها. وبينما هي تنظر من النافذة رأت قطار يسير على بعد مسافة كبيرة من الباص وبسرعة كبيرة جداً، إبتسمت وقالت لنفسها لعل جنة مسافرة فيه ليحفظها الرحمن، فأغمضت عينيها لتسترخي فنامت.
استيقظت السيدة علا على صوت المرشدة السياحية التي قالت: سيدة علا استيقظي.
السيدة علا بتثاقل: حسناً، أين نحن الآن؟
المرشدة السياحية: لقد توقفنا من أجل الغذاء في الإستراحة سيدتي. السيدة علا: حسناً سآتي.
إتجهت المرشدة السياحية للمطعم وتبعتها السيدة علا. دخلت السيدة علا المطعم فانبهرت بكبره وحيطانه البيضاء اللون المزركشة بالنقوش التراثية. توجهت للطاولة التي جلس عليها رفقائها بالرحلة وجلست في الكرسي الفارغ بجانب المرشدة السياحية التي قالت إن هذه الوجبة مدفوع حسابها من ضمن ثمن الرحلة. وما هي إلا لحظات حتى جاء النادلاء بأطباق شهية ومتنوعة وضعت على مائدة الطعام، فبدأ الجميع بتناول طعام بشهية، وأنهوا الغذاء بالشاي والقهوة حسب طلب كل واحد منهم.
وبعد استراحة قصيرة توجهوا عائدين للباص، حيث انطلق مواصلاً رحلته للفندق., كان جميع الركاب منشغلين بأنفسهم، عندما جلست السيدة علا تقراء لائحة البرنامج والجداول اليومية المتعلقة بالرحلة.
فمضى الوقت سريعاً حين توقف الباص امام الفندق المخصص للركاب. نزل جميع الركاب الى الفندق ودخلوا باحة الاستقبال الى حيث يوجد المسؤول عن استقبال الزبائن. وبعد إعطاء المعلومات من المرشدة السياحية حجز الطابق الخامس بأكمله والمكون من تسع غرف، وأعطيت مفاتيح الغرف للركاب، وكان نصيب السيدة علا الغرفة رقم سبعة وخمسون. ثم التفت موظف الأستعلامات للنزلاء وقال: سيوصلكم موظفوا الأستعلامات الى غرفكم وسيتم إعلامكم بموعد الوجبات.
اتجه الجميع مع حقائبهم الى المصعد ثم الى الطابق الخامس ليوزعوا على غرفهم. دخلت السيدة علا الى غرفتها تتبعتها نادلة تحمل حقيبتها. شكرتها السيدة علا لتخرج النادلة وتغلق الباب وراءها.
اخذت السيدة علا تتأمل الغرفة ثم إتجهت إلى نافذتها وازاحت ستائرها البيضاء المزركشة بالورود الزهرية كلون الغرفة لتطل على البحر الصافي بزرقته تحت أشعة الشمس المائلة للغروب. إستراحت السيدة علا من تعب السفر على سريرها بعد أن اغتسلت
وغيرت ملابسها ليطرق الباب وتعلن النادلة عن موعد العشاء.
فتبعت النادلة لترشدها لغرفة الطعام المخصصة لهم.
دخلت السيدة علا وجلست بجانب السيدة كامليا وهي متعبة قليلاً بينما كان افراد المجموعة يتداولون شتى الأحاديث بينهم. فقالت المرشدة السياحية: نظراً لأنكم تعبتم من الرحلة الطويلة فقد أجلت رحلة الصباح الى ما بعد الظهر، فما رأيكم؟
الجميع: خيراً ما فعلتي.
وهكذا إفترق الجميع على أن يلتقوا المرشدة عند العصر. فدخلت السيدة علا الى غرفتها وهي تفكر باهتمام السيدة كامليا وزوجها السيد صفوت بها ونظراتهما التي لا تفارقها، فقالت لنفسها إن هناك
سر يتعلق بهما يجب أن اعرفه، وغداً لناظره قريب.
طلع النهار بسترته البيضاء المطرزة بذهب الشمس المشع لتدب الروح معلنة قدوم يوم عمل جديد بالنسبة لسكان هذه المنطقة. أما لأفراد المجموعة السياحية فكان يعني إبتدأ الرحلة الممتعة التي إنتظروها، وما ساعد هذا الشعور هو الطقس المعتدل والجميل.
ارتدت السيدة علا فستان زهري خفيف انيق ولبست قبعتها الكبيرة المصنوعة من القش المزينة بالورود وانتعلت حذاءها التي إبتاعته خصيصاً لهذه الرحلة واخذت حقيبة يدها الصغيرة وخرجت من غرفتها مغلقة الباب وراءها بالمفتاح الذي وضعته في حقيبتها.
توجهت السيدة علا نحو المصعد فوجدت السيدة مها وابنتها ثريا، والسيد احمد عز، والسيدة كامليا وزوجها السيد صفوت امام المصعد ينتظرونه. وقفت بجانبهم ملقية التحية عليهم ليردوها لها، ثم التفتت نحو السيدة كامليا التي كانت ترتدي معطف مخملي وشعرها الأحمر المستعار يغطي نصف وجهها قائلة : سيدة كامليا اشعر أننا تقابلنا من قبل.
قاطعها السيد صفوت مقهقهاً قائلاً: لا اظن ذلك سيدة علا فزوجتي لا تخرج إلا معي.
اضافت السيدة كامليا: نحن لا نفترق ابداً، ربما إستشبهت بي بأخرى، يخلق من الشبه أربعين.
حينئذ فتح باب المصعد، فقالت ثريا ضاحكة : هيا بنا يا سادة سنموت جوعاً.
فوافقها الجميع. في غرفة الطعام اختارت السيدة علا الكرسي الذي يقع بجانب الآنستان ليلى ومنى. وبدأ الجميع بتناول طعام الافطار وهم يتناقشون في مواضيع مختلفة. عرفت السيدة علا ان توقعاتها بشأن رفقائها صحيحة، فاحمد عز رجل اعمال، وليلى ومنى مدرستان، أما محمد وعمر طالبان في كلية التجارة. مها وابنتها من عائلة متوسطة اجتماعياً، أما عائلة المليونير رمزي فهي معروفة منذ البداية. بقي لديها السيدة كامليا وزوجها صفوت لم تستطع معرفة شيئاً عنهما.
استادنت السيدة علا الجميع وذهبت الى إحدى شرفات غرفة الطعام وجلست على احد الكراسي مقابلة للبحر تتأمل أمواجه المتقاذفة وكأنها في سباق الماراتون. رأت اعداد كبير من مراكب الصيد والصيادين يتأرجحوا متراقصين على أمواجه وصوته كأنها حفلة ملكية صاخبة. وتجولت بعينيها متأملة المنازل الصغيرة ذات الألوان المختلفة، فشد انتباهها بيت صغير جميل ذو لون ابيض جميل وسقفه احمر توتي مع حديقة خالية الروح مفتقرة للحياة وحزينة، وكأن كان هناك صوت أنين لجدرانه المتداعية يصرخ من ظلم وقع عليه واندثر منذ زمن، فلا أحد يعرف عنه شيئاً سوى الله جل جلاله. كما شد انتباهها اكثر منزل صغير قديم مكون من طابقين ومزرعة متداعية تفتقر للحياة كجارها. كلاهما يقعان بجوار بعض، وبينهما مسافة صغيرة وأمامهما البحر الغامض كاتم الأسرار، وعلى مقربة منهما بعض من المنازل الصغيرة ومسجد.
انتبهت السيدة علا، وهي تشعر بقشعريرة بسيطة تمر بجسدها، الى صوت ليلى وهي تجلس بجانبها قائلة: مرحباً السيدة علا، لقد رأيتك قد أطلت الجلوس هنا.
السيدة علا: نعم فأنا أحب مشاهدة المناظر الطبيعية . ثم التفتت الى ليلى قائلة: هل أنتِ مدرسة؟
ليلى: نعم وقد جئت مع رفيقتي منى وهى ايضاً مدرسة في نفس مدرستي الثانوية للبنات. وقد جئنا لنرفه على أنفسنا قبل افتتاح
المدارس والعودة للعمل. وأنتِ لماذا جئت الى هنا؟
السيدة علا: لقد جئت الى هنا عن طريق صديق لي دفع لي ثمن الرحلة، فقد أرادني أن اجدد نشاطي.
ليلى: هذه الرحلة مكلفة، وكما علمت إن زوجك رجل اعمال متوفي، هل صديقك غني سيدة علا؟
السيدة علا: نعم إنه رجل اعمال معروف، السيد مراد عاشور. ولاحظت السيدة علا وكأن ليلى تعرف الرجل، فسألتها: هل تعرفيه؟
ليلى: ومن منا لا يعرفه ويعرف جريمة قتل حفيده جواد الذي قتل بظروف غامضة، فقد وجد غريقاً مشوهاً تماماً، وقد قتل بعد زواجه بشهر من نهال التي اتهمت بقتله. ولكني متأكدة من برأتها لأنها كانت تلميذة عندي، وهي الآن في السجن. انظري الى هذا البيت الكبير الأبيض إنه له.
تسمرت السيدة علا في مكانها تحاول تستجمع افكارها لتقول اخيراً: لم اعرف هذه القصة.
فردت ليلى: لأنها وقعت منذ اشهر، ربما لم يشأ السيد مراد إزعاجك.
السيدة علا: لماذا أنتِ متأكدة من براة نهال؟
ليلى: لأني اعرفها كونها كانت تلميذة عندي. هي فتاة بسيطة ربتها جدتها بعد وفاة والديها بحادث مؤسف، وقد احبت السيد جواد وتزوجته وكانت حامل عند وفاته، فوضعت طفلها في السجن وهو الآن عند والدا السيد جواد. هذه كل معلوماتي، آه لقد اطلت بحديثي واثقلت عليكِ سيدتي، حقاً آسفة.
- لا، لا لقد امضيت معكِ وقتاً لطيفاً.
التفت ليلى للداخل قائلة: قد بدأوا بتقديم الطعام، دعينا نذهب؟
السيدة علا مبتسمة: اذهبي أنتِ، سأكلم ابني ثم الحق بكِ.
ذهبت ليلى لتستنشق علا نفساً عميقاً قائلة: هكذا إذاً، لقد اراد أن اكتشاف قاتل حفيده الحقيقي. حسناً لقد بدأت امسك طرف الخيط.
ثم شرعت تكتب كل ما قالته ليلى بسرعة في مفكرتها وقامت متوجهة للداخل لتجلس بجانب السيد احمد عز على المائدة.
وبينما كانوا يتناولوا الشاي، قالت المرشدة السياحية: سنذهب الى زيارة أحد القصور التاريخية التي ترجع الى عهد القرون الوسطى.
فقام الجميع الى غرفهم وجهزوا إنفسهم استعداداً للذهاب.
كانت الساعة الثالثة وعشر دقائق بعد الظهر حين بدأ الباص بالانطلاق. تطرقت المرشدة السياحية قائلة: ستستغرق هذه الرحلة نصف ساعة بالباص ثم نمشي على الأقدام لأن الباص لا يستطيع صعود الأماكن الجبلية الوعرة. فردت السيدة علا: يا الهي! نمشي في منطقة جبلية وعرة.
المرشدة السياحية: لا تقلقي سيدة علا، سنساعدك جميعنا.
السيد صفوت: لا تقلقي نحن معكِ أنا وكامليا.
السيدة علا: أشكركم جميعاً.
بينما الباص في طريقه، راحت السيدة علا تراقب المنازل والمناظر الطبيعية وهي تفكر بكلام السيدة ليلى حول جريمة قتل جواد، حفيد السيد مراد عاشور، عليها أن تجد أشخاص يعرفوا جواد أو زوجته نهال لتستفسر أكثر عن الجريمة. تذكرت الرسالة الأخيرة التي وصلت إليها حول إنه ستأتي دعوة من شخص ما يجب عليها تلبيتها، وإنه يوجد أشخاص مكلفين بحمايتها. فتسائلت هل هما السيد صفوت وزوجته السيدة كامليا؟
وصل الباص الى منطقة جبلية على شاطئ البحر، فقطع حبل أفكارها كلام المرشدة السياحية التي قالت: ها قد وصلنا.
نزل الجميع من الباص مواصلين الرحلة مشياً على الإقدام. كان الطقس مشمساً قليلاً وحاراً برياح جافة، فمشى الجميع صاعدين نحو القصر التاريخي، أما السيدة علا فكان يسندها السيد صفوت والسيدة كامليا. كان الطريق متعباً لكنهم وصلوا للقصر اخيراً ودخلوا إليه.
بدأت المرشدة السياحية بالشرح قائلة: هذا القصر يرجع الى
القرون الوسطى، أعيد ترميمه فيما بعد، كما ترون إنه مبنى من الحجر على شكل حرف u ومكون من طابقين, لكل طابق خمس غرف، ما بين كل غرفة وغرفة ممر على شكل حرف z. الشكل الهندسي لهذا القصر فريد من نوعه، أبوابه ونوافذه مصنوعة من الخشب الأحمر والزجاج الملون الذي يعكس الأضواء الخارجية، والأرض من بلاط شفاف وكأنه زجاج ممرج، اما السقف فكان بأكمله عبارة عن زخارف ونقوش يدوية.
وهكذا كانت المرشدة السياحية تنتقل من غرفة الى اخرى شارحة تاريخ القصر الى أن وصلوا للغرفة الأخيرة التي كانت مخصصة للحفلات الملكية، حيث كان الملك يأتي بالغانيات للغناء والرقص مقابل المال الوفير لإرضاء مزاجه هو وأعوانه. ثم انتقلوا الى القبو حيث يوجد عدد كبير من السجون حيث شرحت المرشدة السياحية الطرق اللا إنسانية في التعذيب. ثم تركوا القبو ليتوجهوا الى حديقة القصر. فقالت المرشدة السياحية: هذه هي حديقة القصر، لقد كانت في زمانها تحتوي على انواع عديدة من الأشجار والورود والازهار، تحاول الجهات المختصة اعادة زراعتها من جديد.هذا تمثال للملك وهو على جواده وهنا تمثاله مع الأسد الذي رباه مع وحوش اخرى، وهذا البيت الخشبي كان لتربية الحيوانات.
انهت المرشدة السياحية الجولة لتقول إن عليهم العودة الى الفندق. وافقها الجميع برضى مع بعض الشكوى من التعب والجوع .
إما السيدة علا فتذمرت من المشي الطويل لتقول: لا ينقصني الا طريق العودة لأموت من التعب.
ضحك الجميع من كلامها وخرجوا من القصر. كان الطقس بارداً جميلاً و نسيم البحر يداعب وجوههم، كالطفل الذي يداعب والدته، وينثر قطراته الباردة عليهم كحبات اللؤلؤ. كافحت علا ومعها المجموعة نزولاً على ذلك الطريق الوعر المتعرج الى أن وصلوا الى الباص. فصعد الجميع الباص بسلامة.
وصل الباص الى الفندق اخيراً لتتجه السيدة علا الى غرفتها متهالكة القوى، وهي تسأل نفسها إذا عليها التحمل المزيد من اجل
حل اللغز؟ تناولت لائحة برنامج الرحلة فوجدت إن رحلة الغد تتطلب مشياً على طول الشاطئ ثم صعود الجبل. فقررت أن تتخلف عنها. بينما هي كذلك طرقت النادلة الباب لتعلن إن العشاء جاهز.
هبطت السيدة علا بالمصعد متوجهة الى غرفة الطعام، فجلست بجانب ثريا ووالدتها مها. تناول الجميع العشاء بصمت على أنغام الموسيقى الكلاسيكية. ثم فاتحت السيدة علا المرشدة السياحية عن رغبتها في التخلف عن رحلة الغد لأنها متعبة، ووافقتها على ذلك كامليا وزوجها صفوت.
دخلت السيدة علا الغرفة وجلست على سريرها ونظرت في المفكرة التي كتبت بها حديث ليلى عن جريمة قتل جواد حفيد السيد مراد عاشور، وهي تفكر ملياً حتى نامت.
يوم جديد اشرقت فيه الشمس لتستيقظ السيدة علا وتجهز نفسها للنزول الى صالة الفندق. فوجدت المجموعة متجمعين وهم يتناقشون حول الرحلة السابقة، منهم من أعجب بها ومنهم من لم يعجبه بسبب المشقة والتعب. وبينما كانت السيدة علا تمشي في الممر المؤدي الى غرفة الطعام إذ دنا منها صوت مبحوح مستوقفاً إياها قائلاً: هل أنتِ السيدة علا زوجة رجل الاعمال شوقي؟
التفت السيدة علا نحو ذلك الصوت فوجدت امرأة في الخمسينات من العمر طويلة وبنيتها متينة، وبجانبها فتاة تبدو بلهاء في العشرينات من العمر. بدا على وجهها ملامح الدهشة فقالت: نعم أنا هي، ولكن مَن أنتِ؟
المرأة: أنا مريم وهذه ابنتي سها، لقد اتصل بنا السيد مراد عاشور يعلمنا بحضورك في هذه الرحلة وأمر باستقبالكِ في منزلي لأنكِ ستتعبي من مشقة هذه الرحلة.
تذكرت السيدة علا الرسالة الأخيرة التي وصلتها، وقالت فوراً: هذه رغبة السيد مراد عاشور ويجب تلبيتها، حسناً سأتي غداً ظهراً. مريم: حسنا سأتي لإصطحبكِ، والآن الى اللقاء السيدة علا.
مرت السيدة كامليا وزوجها صفوت من جانبهم ملقيان التحية فردوا
التحية. ذهبت مريم وابنتها سها، فالتحقت السيدة علا بالسيدة كامليا والسيد صفوت لتمشي معهم متجهة الى غرفة الطعام. سألها السيد صفوت: مَن هذه المرأة الغريبة سيدة علا؟
السيدة علا: إنها مبعوثة من طرف السيد مراد عاشور الذي نظم لي هذه الرحلة، وقد أمرها باستضافتي في منزلها لأن الرحلة متعبة ولا استطيع تحمل مشاقها.
وافقتها السيدة كامليا وزوجها. تجهزت باقي المجموعة وتوجهوا الى الباص لينطلق وهم يتناقشون حول رحلة اليوم. بينما جلست السيدة علا على شرفة غرفة الطعام تنظر الى منزل جواد وتفكر بكلام ليلى. التفتت الى المنزل الذي بجواره وهي تفكر إنه لا بد لهذا المنزل علاقة بجريمة قتل جواد، وإن هذه المرأة التي تدعى مريم لديها سر، فالسيد مراد لم يرسلها لي إلا إنه متأكد إنها ستوصلني لشيء ما. لكن عليّ أن اكون حذرة كما جاء بالرسالة.
وقطع حبل أفكارها السيد صفوت الذي ظهر امامها هو وزوجته السيدة كامليا قائلا: هل تأتي معنا سيدة علا لتناول القهوة في حديقة الفندق؟
وافقت السيدة علا فوراً، فاتجهوا نحو الحديقة وجلسوا ليحتسوا القهوة وكان الطقس ملائماً. بينما الثلاثة جالسين يحتسون القهوة سألت السيدة علا: ما هو عملك سيد صفوت.
قهقه السيد صفوت قائلاً: تستطيعي أن تقولي إني رجل اعمال مستهتر.
السيدة علا مبتسمة: سوف اعتقد ذلك مؤقتاً.
ارتبك السيد صفوت وتغيرت ملامح السيدة كامليا ولكن سرعان ما تلافى الامر ليقول: ما رأيكما في الذهاب الى السينما، نقطع الوقت ريثما تعود المجموعة من الرحلة.
وافقت كل من كاميليا وعلا على ذلك. فاستقلوا سيارة اجرة لتنطلق الى المدينة. ومن اغرب الصدف إنها مرت بمنزل جواد من الشارع الخلفي فلحظت إن المنزل القديم الذي بجواره يوجد بجانبه دكان صغير وكأنه عطار. فسألت السائق عنه ليجيبها: إنه دكان عطارة وبيع توابيت الموتى ومواد تحنيط الجثث.
فإستهجنت السيدة علا ذلك. ليجيبها السائق: نعم، فغالباً يستخدمه أهالي هذه المنطقة لتحنيط الأسماك الغريبة وبيعها.
أخرجت المفكرة من حقيبتها ودونت المعلومات عن الدكان. توقفت السيارة امام دار السينما ودخلوا إليها. مر الوقت سريعا وانتهى عرض الفلم، ليقترح السيد صفوت الذهاب الى المطعم لتناول طعام العشاء. وافقت السيدتان واتجه الجميع الى مطعم قريب. جلست السيدتان على إحدى الطاولات بينما ذهب السيد صفوت لإختيار الطعام ودفع الحساب.
فقالت السيدة علا له: هذا كثير سيد صفوت، أنت كريم لكن دعني اشاركك في الحساب.
ردت كاملياعليها: لا يا سيدة علا، هذا طبع زوجي مع كل الناس. قهقه السيد صفوت: ستدفعي إذاً أنتِ ثمنه سيدة علا.
اجابته السيدة علا: مع هذا التنوع في الطعام الفاخر يؤسفني أن لا اعود معكما الى الفندق، لأن صاحب المطعم سيقوم بالواجب ويرسلني الى السجن.
فضحك الجميع وشرعوا بالأكل وهم يشاهدوا الاستعراض الذي أقامه المطعم. انتهى العرض، فشكرت السيدة علا صفوت وزوجته ليتجهزوا للعودة الى الفندق. فقالت السيدة علا: يجب أن ارتاح وأوضب أغراضي للذهاب غداً الى منزل السيدة مريم.
وصلت السيارة الى الفندق، وتوجهوا الى المصعد مباشرة بعد أن استلموا مفاتيح غرفهم. فقابلوا المرشدة السياحية وباقي المجموعة فسألتهم السيدة علا: كيف كانت الرحلة؟
الجميع بصوت واحد: جميلة ولكنها شاقة جداً.
قالت ثريا: أين ذهبتم؟
أجابت السيدة كامليا: ذهبنا الى المدينة للمشاهدة فلم في أحد دور السينما ثم تناولنا طعام العشاء.
المرشدة السياحية: رائع! هل ستتخلفون عن الرحلة غداً؟
السيد صفوت: كلا أنا وزوجتي سننضم إليكم وستذهب السيدة علا الى منزل صديقتها.
المرشدة السياحية : حقاً، ولكن انتبهي لنفسك سيدة علا وإن حصل أي شيء اتصلي بنا فوراً فمعكِ ارقام هواتفنا.
السيدة علا: طبعاً بالتأكيد سوف افعل، وشكراً.
دخلت السيدة علا غرفتها واخذت حماماً ساخنا ثم رتبت اغراضها في حقيبتها وهي تتمنى أن تنجح في هذه المهمة الغامضة. ثم قرأت مفكرتها وهي تنظر من زجاج النافدة الى المنزل القديم: لست غبية لهذه الدرجة يا سيد مراد، ولكني اعمل بالخطوات التي تقودني أنت بها، ويجب أن أحل اللغز.
أرجعت المفكرة الى حقيبة يدها، واطفات النور ونامت لتستعد لإستقبال يوم مليئ بالمفاجأت المجهولة.