الفصل الأول
تداعيات
إن نسيتُ .. فلا أنسى تلك البحيرة التي كانت هادئة هذا الصباح كهدوء حبِّك لي .. والتي أبدعتها اليد الإلهية، وكان لنا فيها لقاءات لا تُنسى ...
فهنا ... تنهد الصباح بأجمل إشراقة للشمس وأبدعها منظراً ..
وهنا ... اغتسلت أرواحنا بدموع من اللهفة والحنين ... ولثم خدودنا نسيم قادم من وراء هذه البحيرة ليضفي على دموعنا الصفاء والنقاء ...
وهنا تحادثت العصافير عن قصة مارغريت الذائبة العاشقة لفاوست...
ومرَّ الغروب ملامساً أمواج البحيرة الصافية وحوّلها لمرآة سحرية تعكس لون الأفق الأرجواني فتضفي على أفئدتنا سحراً ما بعده سحر ...
وهنا ... تناثر الشوق عطراً ففاح عبير الربيع منه ياسميناً وارتعش الياسمين من عطر الشوق...
كنتُ جالسة قبالة هذه البحيرة أفكر بالألم الذي خلّفه غيابكَ عني ...
رحتُ أنعم النظر فيها ... شاردة في أيامٍ كنتَ فيها الأكثر جمالاً والأكثر عذاباً ...
ولولا شعوري بالألم في هذه اللحظات ... لكنتُ استمتعتُ بمنظر هذه البحيرة وذكرياتي معها ...
ولكن الجرح الذي حَفَرْتَهُ في قلبي ... عاد ينزف !!!
كنتُ أتناول فنجان قهوتي الصباحي على ضفاف هذه البحيرة ... وأذكر جلساتنا وحبكَ للقهوة وولعكَ بها ...
كانت قهوتك مُرَّة كمرارة الحرمان الذي أشعرتني به منذ اللحظة الأولى التي اعترفتَ لي فيها بحبك، وكشفت أمامي أوراق قلبك ...
كنتُ أدرك بشعور الأنثى وحدْسها أن الطريق بيننا مسدود ... وأنني في النهاية سأعود وحدي محمّلة بآلامي وأحزاني ودموع يأسي ...
ولكم أحرقتني تلك الدموع ... !!
كنتُ في إجازة قصيرة بعد أن شاركتُ في مؤتمر للمكفوفين ... قيل إنني: قد أبدعتُ فيه ... وحينما تسلمتُ شهادة التقدير من قبل رئيس المؤتمر ... لم أكن سعيدة بها كغيري ... بل كنتُ حينها أفكر بك وأنا في قاعة التكريم وأضع يدي على قلبٍ قد انفطر لشدة ما أحبكَ، وسط تصفيق جمهور أعتقد أنني أضع يدي على صدري شاكرة له ...
ويا لشقاء صدرٍ أحبكَ لحدّ الألم !!!
عدتُ إلى مقعدي وكلي شوق إليكَ ... أوّاه منها لوعة المشتاق !!!
كنتُ أتمنى أن تكون معي في هذه اللحظات التي أحنّ فيها إلى وجهكَ الملائكي ... ويدك الذهبية وعينيك اللوزيتين..!!
إلى كل ما فيك ...
دمعتكَ التي لم أرها آخر لقاء بيننا ... ولكنني شعرتُ بها ...
صفاء عينيكَ واخضرار قلبك ...
ضجيج غضبكَ ... وكل شيء.. كل شيء.. كل شيء!!!
وما زلتُ أذكر كل كلماتك ... وكل الجراح التي غرستَها في صدري ...
كمْ يحلو لكمْ معشر الرجال أن تجرحوا الأنثى التي تهواكم ...!!!
أَتَعْلَمْ ؟! …
حتى تلك الجراح أفتقدها وأتوق إليها ...
وما بين جرح وآخر يموت أمل فيّ، ويحيا يأس ، وما بين الأمل واليأس ألف عبارة " ابقَ معي " ...
يدمرني نزيف حبي الدامي لك ... نزيف من القلب إلى القلب!!!...
يأخذني إليكَ حنيني المجروح ... فتعيده إليَّ دماءً مبعثرة ...!!!
وعدتُ بذاكرتي إلى ما قلتَهُ لي :
" أستأذنكِ... أريد أن أغسل وجهي من حرِّ الصيفِ"..
ولم يخفَ عني كعاشقةٍ أنكَ تريد أن تغسلَ الدموع التي خلَّفتْها لك لحظات صمتي وغضبي !!!
قلتَ لي: إنّ آخر لقاء بيننا قد أراك أشياء لم ترها من قبل لشدَّ ما آمل أن يكون ذلك حقاً.
فهمتُ قصدك … ولكنني اتخذتُ له بكبرياء الأنثى المجروحة منحىً آخراً…
فأنتم معشر الرجال لكم يحلو لكم أن تروا دمعة الأنثى التي لملمت ما تبقى من عمرها لتضعه أمانة بين أيديكم …
لشدَّ ما أتمنى أن يكون آخر لقاء بيننا قد أراكَ حقاً ما لم تره من قبل...!!!
لشدَّ ما أتمنى أن يكون قد أراكَ خوفي من مستقبلي معكَ...
مستقبلي الذي تريده كما تريده أنتَ وحدك وليس كما نريده نحن الاثنان معاً!!
ولشدَّ ما أتمنى أن يكون قد أراكَ رغبتي الجامحة بك وبأن يحتويني صدركَ ... وشوقي إليكَ ونيراني التي تحاوطها بمائك، تنثر عليها بضع قطرات حتى لا تنطفئ !!!
لعلّكَ رأيتَ ... من الأشياء التي لم ترها من قبل.. مقدار الألم الذي سَبَّبْتَهُ لي طوال سنة ونصف السنة ... ومدى ألم احتضار الهوى حينما كنتُ أمامك أنثى تتفتّحُ لك، ولك وحدك وروداً، ولكنك ويا للأسف نسيتَ أن تسقي ورود الحديقة !!!
ولعلك رأيت أيضاً كيف كنتُ نبضات قلب يموت بك ويحيا لك !!! ... ويعشقُ موته لأجلك ... ويكره حياته بعيداً عنكَ!!!
كنتُ أحاول الاستشفاء من حالة العشقِ التي راودتني طيلة هذه المدة ... فأنا وفي اللحظة التي كنتُ أتسلّم فيها شهادة التقدير والجمهور يصفق لي ...كنتُ أسلّّمكَ شهادة فشلي في تجربتي معكَ وقلبي يقطر دماً ...
ولتشفى من حالة عشقية ـ كما تقول أحلام مستغانمي في روايتها عابر سرير ـ يلزمك رفاة حبٍّ ، لا تمثالاً لحبيب تواصل تلميعه بعد الفراق ، مصرّاً على ذيّاكَ البريق الذي انْخطفْتَ به يوماً . يلزمك قبر ورخام وشجاعة لدفن من كان أقرب الناس إليكَ ...
أنت من يتأمل جثة حبٍّ في طور التعفن ، لا تحتفظ بحبٍّ ميت في براد الذاكرة ، اُكتُبْ ، لمثل هذا خُلِقَتِ الرواياتُ ... "
لكأنَّ أحلام كانت تعيش بقلبي ... تّطلِعُ على تمزقي بعشقي ... لتكتب بذكائها العاطفي إحساسي الممزق وإحساس كل عاشقة مثلي .
كنتُ شاردةً بكل آمالي بكَ التي استحالت منك آلاماً ... ومنظر البحيرة يأسر قلبي... وكنتُ حينها أهيم حزناً على ضفافها ... أنظر إليها فلا أرى إلاّ وجهكَ يتراقص على صفحة مائها ...
أغرف قليلاً من مائها بيدي ... فأرى وجهك من جديد في يدي ...
تتسارع نبضات قلبي ... ويخفق فؤادي ألماً لفراق فؤاد هذه البحيرة!!!...
فعلى هذه الصخرة شربنا معاً من نقائها !!!
وتحت هذه الشجرة جلسنا نستظل من حرِّ الهوى، ونستخرج خمراً يُسكر أفئدتنا ...
وهنا كانت لنا بصمة أبدية لأروع حكايا الحب ...
وهنا ... وتحديداً في هذا المكان ... وعلى هذه الصخرة البيضاء ... وقرب هذه الشجرة ... قدّمتَ لي دون أن تدري أيقونة سُكٍر ... أولها سُكّر وآخرها علقم ... وقدمتُ لكَ وليتك كنتَ تدري أيقونة عشق أبدية.. أولها عشق وآخرها هذيان!!
فكوني اليوم لي خمراً أيتها البحيرة ... أسكر به لأنسى آلامي وأحزاني... كوني نبيذاً أحمر يرِّطبُ وحدتي ويؤنس وحشتي ...
كوني صرخة ألم من هوى يكاد يفتك بفؤادي ... علَّ الصوت يصل إلى الحبيب فينتزعني من صمتي ويأسي..
كوني راوية ... تروي قصة ألمي مع حبيب تركني ... أهذي وحدي على شاطئك اللازوردي أزرع أحلاماً وأجني أوهاماً ...
كوني اليوم لي صديقة أيتها البحيرة ... أبثّها أشجاني ...
اجمعي ما تبقى من أشلاء حبي وانثريه وروداً على وسادة حبيبي..
كوني ترنيمة سحرٍ أتغنى بها لمن تركني وحدي، أعاني سطوة الألم!!!
ودعيني أنهل من أعماقك عبراتٍ أبكيها حزناً على فراق أجمل لياليكِ !!!
كنتُ كاتبة مقالات عاطفية ... أكتبُ بضعاً من أحاسيسي وأحاسيس غيري وأنشره في بعض المجلات والصحف..
وكنتَ بعد كل لحظة نشوة تجمعنا تسائلني :
- أكتبتِ شيئاً ؟!
أقول لك :
- ليس بعدُ ...
فتعود لتسألني مازحاً :
- هل تنتظرين أن آتي لَكِ بدفتر وأقلام ؟
أجيبك على رأي أحلام مستغانمي :
- " لتكتب ، لا يكفي أن يهديكَ أحد دفتراً وأقلاماً ، بل لا بد أن يؤذيكَ أحدٌ إلى حدّ الكتابة " ...
ولهذا تراني الآن أكتب قصتي معكَ !!!
قصتي التي ابتدأتَها بحب هادئ عميق ... وأنهيتَها بسطوة الألم ...
قصتي التي ابتدأتَها بالحب الذي أهداني وروداً ... وما أسرع ما تذبل الورود !!!
الحب الذي سألني يوماً : من أنتِ ؟!
من أنا !!! ؟!
أنا الغريبة التائهة بلا عنوان !!!
أنا الوجود الضائع بين أشلاء الأماني !!!
أنا المتهمة بحبي !!! وما ذنب المحب حبيبي ؟!!!…
وهاأنا ذا في المكان نفسه … وحيدة… أشيدّ ممالك الذكرى … ذكرى الأحبة الذين رحلوا … أضيء ماضي الليالي المطفأة ...
أنا !!! ... أنا التي تحترق جمراً لتصبح رماداً خامداً بعد ليل غريب طويل ...
أنا !!! أنا التي تصرخ الآه منكِ يا ليالي الشوق ... يا مساءات الحريق...
كم مضى من الوقت على فراقنا ؟ لست أدري !!
وإذا سألتني يوماً أيها القارئ: هل من نصيحة تزجيها لعاشق يرتاد الهوى؟.
أجيبكَ:
ألاّ يهوى من أول نظرة ... وإن فعل فليترو كثيراً وليفكر قبل البوح لمحبوبه ... تلك النظرة التي أهدتني عمراً حينما التقيتك أول مرة ... وأهدتني رفاتاً حينما ودّعُتكَ آخر مرة...
رفاتي التي حملتها وحدي ومضيتُ إليكِ أيتها البحيرة... أناجي نوارس روحي ...
أسائلها: إلى أين تمضين بي؟! إلى أين الرحيل !! ؟!..
أللبحيرة عائد أنتَ ... أم آتٍ من حلمِ المستحيل ؟!! …
أسمع همهمة الرياح ونمنمة النسيم على شطِّ البحيرة ...
هي ذي وشوشات الحصى تحدثني هامسة عن حلم المستحيل ...
رحماكَ ربي ... إلى أين هو ماضٍ نورس الروحِ ؟!!
خوف الأمس ما زال يتغلغل بأعماقي ... ويملأ بالدمع أحداقي ...
عدتُ في ذاكرتي وأنا أرشف آخر رشفة من فنجان القهوة إلى اللحظة الأولى التي أحببتك فيها ... وهي اللحظة الأولى التي رأيتك فيها ... وليت تلك اللحظة كانت قد ألغيت من سنوات عمري ...
تذكرتُ حينها الحوار الذي دار بيني وبين الأستاذ عبد المعطي صديق العائلة الذي تكفَّلَ بي بعد رحيل والدي ... إذ كان يحاول جاهداً إقناعي بالعدول عن رأيي فيما يخص التدريس في مدرسة المكفوفين ...
وليته لم يفعل ذلك ... لأنه من دون أن يدري ... خطّ بيديه جرح عمري!!!
وعدتُ أذكر حينما قلتُ له :
أرجوكَ أيها الأستاذ عبد المعطي ... أرجوكَ اقبل اعتذاري ... فالعمل هنا متعبٌ ومضنٍ...
أُقدّرُ أنك تذكرّتني وحدي دون سواي في هذا العمل ولكنه لا يناسبني ...
ألا ترى معي أن هذا النوع من العمل سيسرق عمري ويشغلني عن عملي ككاتبة مقالات.
ثم لا تنسى أنني عما قريب ربما أسافر للعمل في الخارج، فما فائدة أن أضيع وقتي هنا ؟
قال الأستاذ عبد المعطي :
ـ لتجربي مرة واحدة؛ يوماً فقط أو يومين، فإذا ما تأقلمت استمري وإلاّ فلكِ حرية الاختيار !
ـ لا أستطيع ذلك يا أستاذ وأنت تدرك ذلك جيداً فما الرابط بين كتابة الشعر والتدريس؟؟! ثم إنه تدريس فريد من نوعه، وأنا لا أعرف شيئاً عن المكفوفين… ولا عنْ طرائق تدريسهم إلاّ الشيء اليسير ... وربما لن يعينني ذلك في شيء ... أستأذنك بالانصراف الآن ولنبقَ على اتصال ...
انصرفتُ عنه متوجهة لمنزلي فناداني ثانية :
ـ وفاء اسمعيني !!!
التفتُّ إليه ... فرأيتكَ !! يا مهجة الروح ... يا نبع الحنان ومنبتَ الحبِّ...
هناك في المكان الراسخ أبداً بذاكرتي ... في تلك الزاوية تسمّرت عينايَ على قامتك... أتعبني حضورُك المفاجئ المليء بالقوةِ والمفعم بالرجولة ... وغمرني ما يشبه سطوة الألم ...
سطوة الألم التي اعترتني حينما رأيتك …
سطوة الألم التي انتشرت بأعماقي حينما وقعت عيناي عليكَ لأول مرة...
سطوة الألم التي جرت بجسدي مجرى الروح فيه ...
كان الأستاذ عبد المعطي ما زال يحاول جاهداً إقناعي بالبقاء والعودة غداً كي أستمر في عملي ...
كنتُ أسمعه وأنصت إليكَ …وكنتُ أراه وصورتك ماثلة أمامي ... أسرق النظر إليها بين حين وآخر ... رحتُ في دوامة غريبة لم أعهدها من قبل وبدأتُ أتساءل : هل هذا إعجاب بك ؟! هل هو حب لك، من أول نظرة ؟! لستُ قادرة على تحديد تلك المشاعر التي اعترتني في تلك اللحظة !!!
استيقظتُ من تساؤلاتي على صوت الأستاذ عبد المعطي قائلاً:
ـ ما بكِ يا وفاء ؟!! لماذا لا تجيبيني ؟
قلتُ له بصوت متهدج ...
ـ كما تريد يا أستاذ !!!
كاد يطير من الفرح وهو يعتقد أنه أقنعني أخيراً ...
لكنه لم يدرك أنني لم أبقَ هنا لأجله هو ... وإنما لأجلكَ أنتَ ...
لم يعد يهمني العمر الذي يمضي ألماً طالما أنتَ فيه تداويه…
ألغيتُ لحظتها قرار السفر ... وقررتُ السفر إليكَ مهما كانت النتائج ...
شعرتُ حينها بتناقضات في داخلي ...
مشاعر غريبة تعتريني لأول مرة ... بعد زمن طويل ... طويل ...
أي نوع من الرجال أنتَ ؟!
كنتُ أعتقد أنه لا يوجد رجل في العالم أجمع يستطيع التسلل إلى قلبي ...
وكنتُ أعتقد بكبرياء الأنثى أنني لن أسلّم قلبي لأحد لا من أول نظرة ولا من ألف نظرة...
فأي كبرياء ذاك الذي حطمته ؟!
يا لأحاسيسي التي استيقظت في اللحظة التي التقيتكَ فيها … ويا لروعة لقياكَ ...
أردتُ أن أعترف لنفسي بأشياء وأشياء ولكن ... خانتني اللغة، وتكشفت عجمة الكلمات ...
أردتُ أن أصرخَ بأعلى صوتي ببضعة كلمات ولكن ... ماذا أقول وأنا بعد لا أعرف من أنتَ ولا كيف أتيتَ ؟…
صرتُ أحدث نفسي: لعلّه سحر اللحظة الأولى التي تومض حالما تلتقي الأنثى برجل يشبه فتى أحلامها ... وسرعان ما تنطفئ ...
ربما هي الحاجة لملء الفراغ العاطفي الذي أعيش فيه..
هل شعوري تجاهك نزوة ؟!! …
لا … لا أعتقد ذلك … فكل ما بأحلامي يناديك … يناجيك …
يا روعة الأحلام !!!
كانت هواجس عدة تدور في مخيلتي وأنا في طريقي إلى المنزل ... وأسئلة كثيرة لا أجد لها أي جواب ...
* * *
أيقظني من هواجسي تلك وأنا على ضفاف البحيرة صوت من ورائي :
- صورة يا آنسة ؟
سألته :
- وحدي ؟!
أجاب :
- ولكن لا أحد معكِ !!! ... انظري إلى روعة البحيرة وصفاء السماء... ما رأيك بصورة في هذا المنظر الخلاّب؟
أعدتُ السؤال :
- وحدي ؟!
نظر إليَّ بجزع ثم ولّى عني ظانا أنه يكلم امرأة فقدتْ عقلها … ولكنه لم يفطن إلى ما رميت … فكيف لي أن آخذ صورة، أنتَ لستَ فيها ؟!
طلبتُ فنجاناً آخر من القهوة ...
جاءني فنجان القهوة محملاً بأنغام أغنية عبد الحليم حافظ " أي دمعة حزن لا" ...
لكأن البحيرة كانت تحدثني ... لكأن الشاهد الوحيد على عمق حبنا يخفف بعض آلامي ...
كنتُ أعشق تلك الأغنية :
" أي دمعة حزن لا ...
أي جرح في قلب لا ...
أي لحظة حيرة لا ...
حتى نار الغيرة لا ..."
أين أنتَ الآن ؟! وهل تذكرني كما تسيطر عليّ ذكراكَ؟!
"عايشين سنين أحلام ...
دايبين في أحلى كلام..
لا عرفنا لحظة ندم ...
ولا خوف من الأيام ..."
مع أني كنتُ أستشعر الخوف منذ بدء قصتي معك !!!
وها أنت يا عمري تتركني وحيدة لا حول لي أو قوة...
وبيني وبينك جبال شاهقة ... ومسافات واسعة ... وبحيرة سرمدية...!!!
أشتاق إليك ... فبُعدك أذبل رائعات الزهور ...
كنتَ الزمان الذي أعيش له ... وكنتُ المنسيةُ في ذاك الزمانِ ...
آهٍ منك ما أقساكَ وألف آهٍ من قلبٍ ليس ينساكَ!! ...
رشفتُ أول رشفة من فنجان القهوة الثاني وعدتُ ثالثة بذاكرتي إلى اليوم الذي فكرتُ فيه بنوعية العمل الجديد ... وهل سأنجح فيه ؟!
هل ستصادفني أية صعوبات ؟! ...
إنه أول عمل من هذا النوع أقوم به ...
مهنة تدريس المكفوفين ...
كان لدي فكرة سابقة عن التعامل معهم ولكني لم أشأ أن أعترف بها للأستاذ عبد المعطي ... فقد كنتُ ملمة إلى حدًّ ما ببعض الكتب المؤلفة عنهم... وطالما تساءلتُ بيني وبين نفسي :
لماذا لا يؤهَّل المكفوفون ... من خريجي الجامعات لتدريس المكفوفين ؟!
أليس من الواجب على السلطة التعليمية أن تنتقي بعض المكفوفين الذين تخرجوا في الجامعات بأقسامها المختلفة وتؤهلهم تأهيلاً تربوياً لكي تستفيد منهم المدارس التي تخرجوا فيها ؟!
أوَليس من الأَوْلى أن يُدرِّسَ المكفوفون في المدارس التي دَرَسُوا وتعلموا فيها؟!
كنتُ قلقة للغاية تلك الليلة ...
أفكار تأخذني وأخرى تعيدني ... وألف ألف سؤال ... وبين كل فكرة وسؤال يمر طيفك الغالي ... حارماً عينيَّ لذة النوم ... حتى تواطأتُ معه على حلمٍ لذيذ.
وما بين صحوي ونومي ، رنَّ جرس المنبه ... أقفلته لأبدأ بتجهيز نفسي...
لبستُ أجمل ما عندي ولم أكن أدري أذاهبة أنا إلى عملي أم إلى حبي!!!
مشاعر متناقضة تعترينا نحن بنات حواء حينما لا ندرك حقيقة مشاعرنا...
وأنا لم أكن أدرك بعد أمعجبةٌ بكَ أم بالهالة التي انطبعت بذهني عنك لأول مرة ...
فالأنثى تكابر وتخاف وتخشى ... ويغلبها حياؤها حينما تباغتها أحاسيس جديدة ... تفرح كفرح أم بطفلها الأول ...
وتحزن خوفاً من فقدان تلك المشاعر كحزن أم فارقت طفلها ... فلذة كبدها..
وتسعد وتأمل ويغلبها الحياء كسعادة وأمل وحياء عروس في ليلة زفافها...
ورأيتكَ ثانية حينها ... ولكن بطريقة مغايرة ...
من خلف الباب الموارب رأيتك تجلس خلف مكتبك ... واضعاً يدك خلف رأسك نافثاً دخاناً من لفافة تبغك ... شارداً في زمان ما أو مكان ما !!!
لم أجرؤ على إلقاء التحية ... وعدتُ أدراجي إلى مكتبي الذي دلّني عليه الأستاذ عبد المعطي والذي كان مواجهاً لمكتبك ...
عدتُ إلى المكتب متسائلة ... ما اسمكَ؟ … كم هو عمرك ؟ ... ما هي طبيعة عملك هنا ؟؟ ...
أين تسكن ؟ … هل قلبك مشغول بإحداهنَّ؟
بداية لم أتأقلم مع عملي الجديد ... تعبتُ كثيراً حتى عرفتُ ماهيته ...
فالتعامل مع ذوي الحاجات الخاصة له خصوصيته، فكيف إن كانوا مكفوفين ...
«إن فقدان البصر يؤثر في الأمن الشخصي عند الكفيف وفي ثقته بنفسه مما ينعكس على علاقته بالمحيط الاجتماعي، وبالمقابل فإن الاتجاهات الاجتماعية السلبية نحو الكفيف تزيد من عدم تكيفه وشعوره بالقلق . وهنا علينا نحن القائمين على تربيتهم و تدريسهم مراعاة ذلك ...
فالأشخاص المكفوفون غالباً ما يُنْظر إليهم على أنهم أشخاص عاجزون لا حول لهم ولا قوة، يعتمدون على غيرهم وغالباً ما يوضعون في مواقف اجتماعية لا تمنحهم أية سلطة أو امتياز... وهذا يضعهم في حالة قلق مستمرة من المستقبل...
ويختلف حال الأطفال المعوقين بصرياً في إطار أسرهم باختلاف ثقافة الأسرة ومدى تقبلها لطفلها ، ويختلف أيضاً باختلاف طبيعة الإعاقة وشدتها وزمن حدوثها ...
إلاّ أن الوالدين بردود أفعالهما يحددان الطريق المتبع مع طفلهما، فردود الأفعال القائمة على الرفض أو التقدير المبالغ فيه لكف البصر تؤدي إلى أخطاء في النمو ويؤدي إلى مظاهر غير مرغوب فيها لدى سلوك الطفل، أما ردود الأفعال القائمة على التقبل الموضوعي للأمر الواقع والدراية الصحيحة والمعاملة المعتدلة فإنها تقود إلى نمو طبيعي قدر الإمكان ...
ولا بد للأسرة كما لا بد للمعلم أو المربي أن يتعاملوا مع الطفل الكفيف كما يتعاملوا مع الطفل العادي، فلا حماية زائدة ولا رفض، بل ينبغي العمل على تعزيز الأفعال الصحيحة التي يقوم بها، وإطفاء الأفعال الخاطئة بالأسلوب التربوي القائم على الفهم والدراية».
لقد عاهدت نفسي على أن أتخذ من هذه المقولة صراطاً أمشي عليه مع طلابي لعلي أكون عيوناً لهم يرون بها العالم وقد ازداد روعةً وجمالاً..
دخلتُ مكتب المدير ... فأعلمني أنني مسؤولة عن ستة تلاميذ في الصف الثالث الإعدادي وأعلمني أيضاً أنني مسؤولة عن تسعة آخرين من الصف الثالث الثانوي... وسألني إن كان لدي أي مانع بأن أدرس تلاميذ الصف الثالث الإعدادي بعض موادهم... ترددت في البداية ، فهذا شاقٌ ومضنٍ ...
تصورتُ وجودي معهم لمدة ساعتين أو ثلاث في اليوم الواحد وعلى مدار سنة كاملة .. تصوّر لو أنك تتحدث مع شخص كفيف لمدة ساعة ... ربما ستُذهل لأنك تنظر إليه وتكلمه بينما هو لا يراك ... فكيف وأنت تجلس مع عدة تلاميذ قد حُرِموا نعمة البصر.. وتعلمهم وتشرح لهم الدروس وتجيب على أسئلتهم ...
هذا ما قلته للسيد المدير وأنا أناقشه في هذا الموضوع.
فقال لي باسماً :
- صدّقيني ... ستشعرين أنهم يلاحقونك بنظراتهم كل لحظة رغم أنهم لا يبصرون ... أنتِ لا تعرفين بصيرتهم وحدسهم ولا تشعرين بأحاسيسهم الأخرى ...
ثم أنتِ قلتِ أنك ستجربين ... وهي عدة أشهر ريثما تعود مدرِّستهم من إجازتها ... فلتكن تجربة لمدة أسبوع وبعدها تقررين ما تريدين ...
كان يتكلم معي وأنا أفكر في حديثه... وهل هو على صواب فيما قاله لي؟! ولم لا وهو المسؤول عن مدرسة كاملة للمكفوفين… ثم هي تجربة لمدة أيام قليلة قبل اتخاذ القرار… فلأجرب فربما عجّلَ ذلك في اتخاذ القرار المناسب...
وافقت على اقتراحه ... وقررتُ خوض التجربة ... تجربة تدريسهم جميع موادهم ... وهنا استوقفني سؤال فسارعت بطرحه على المدير.
- ولكن يا حضرة المدير، لم يتبقَ لي وقت لتدريس طلاب الصف الثالث الثانوي!!!
فأجابني وهو ينظر في برنامج موضوع أمامه :
- يوم السبت الحصة السادسة لديك ساعة ... ويوم الأحد الحصة السادسة أيضاً لديكِ ساعة أخرى...
سألته :
- وماذا سأدرسهم ؟
أجابني:
- مادة التربية الرياضية…
قلتُ له باندهاش :
- ماذا ؟ مادة التربية الرياضية ؟ لم يقل لي الأستاذ عبد المعطي أنني سأدرس مادة بعيدة عن تخصصي إلى هذه الدرجة ، فأنت تعرف أنني تخرجت في كلية الآداب قسم علم الاجتماع وما طلبته مني يحتاج لمتخصص في التربية الرياضية ... ثمَّ ...
قاطعني قائلاً :
- على رسلكِ ... لماذا كل هذه العصبية ؟!
قلتُ له :
ماذا تريد مني ؟ وأنا أرى أنني أعمل بغير تخصصي … لا يا سيدي … أنا لا أشاطرك الرأي من هذا الموضوع.. ولتتقبل رفضي برحابة صدر ...
قال لي :
- انتظري قليلاً ... أرجوكِ اهدئي ... فلن نستطيع التفاهم وأنت بهذه الحالة ...
أجبته قائلة :
- اسمع يا سيدي ... بالمختصر المفيد سأبدأ التجربة مع تلاميذ الصف الثالث الإعدادي . وبالنسبة لطلاب الصف الثالث الثانوي تستطيع أن تقترح على أستاذ غيري أن يُعطيهم هذه المادة ... وتستطيع أيضاً أن توكلها لمتخصص فيها ... أما الآن فأستأذنك في الانصراف ..
خرجتُ من مكتب المدير مضطربة .. هل سأنجح في هذا العمل ؟! أشك في ذلك … فأنا أكره أن أَزُجَّ نفسي أو أُزَجُّ في عمل ما وأفشل به..
عدتُ أدراجي إلى مكتبي شاردة تائهة وأنا أفكر بتلاميذي ووضعي معهم ووضعهم معي...
لم يوقظني من أفكاري هذه إلاّ سماعي عبارة " أهلاً وسهلاً بالمدُرِّسة الجديدة "
رفعتُ نظري منشرحة الصدر بهذه العبارة في مجتمع جديد غريب علي...
ورأيتك ثانية ... وقابلت عينايَ عينيكَ ... كان فيهما حنان غريب يشدني إليهما ... وبريق يأسر كل من يراه ...
تسمرّتُ في مكاني ... أخمدتُ أنفاسي ... وتأملتكَ كثيراً قبل أن أردَّ عليك بصوتٍ هامس يكاد لا يُسمع :
ـ " أهلاً بكَ "
أعترفُ أنني كنتُ في مثل هذه المواقف أجهل التصرف...
استأذنتَ دون أن تضيف كلمة أخرى ... حرفاً آخراً ... ومضيتَ ...
ومضت إليكَ عيوني ...
راقبتك وأنت ترحل ... وعاد السؤال يلح من جديد ...
وعادت اللهفة لمعرفة من أنتَ ...
وسيطرت علي سطوة الألم من جديد ...
قارنتُ بين سلامكَ القصير واستئذانكَ مني وذهابك السريع بعد رؤيتك لي... وبين إبصاري اللامتناهي لكَ وقراري بالبقاء الطويل الأمد حينما رأيتكَ...
دنيا غريبة …
قارنتُ بين سرعة انتقاء كلماتكَ وسلامكَ الهادئ المتزّن عليَّ ... وبين بعثرة كلماتي وردّي السريع المتلعثم عليك...
غريبة هي الدنيا !!! ...
عرفتُ بطريق المصادفة أن نساء كثيرات أحببنك ... بل وأنك محبوب جداً من معشر النساء ...
الشقراء والسمراء والمثقفة والأمية والقريبة والبعيدة ... كل أولئك أحببنك حتى الثمالة ... قررتُ حينها أن أبتر غصن المشاعر الذي بدأ ينمو ويكبر بأعماقي ... لأنني لا أحب أن أكون إحدى النساء اللواتي يدرن في فلكك، ويحرقن أجنحتهن حول مصباح حبك ... ولكنني خطوت بالرغم عني كي أكون كل هؤلاء النساء مجسدات بواحدة فقط .
دخلتُ إلى قاعة التدريس، حيث تلاميذي من الصف الثالث الإعدادي. وبادرتهم قائلة:
ـ صباح الخير..
وبلمح البصر وقف الجميع احتراماً لمُدرِّستهم الجديدة قائلين بصوت واحد:
ـ صباح الخير آنسة..
بدأت بالتعريف عن نفسي بشكل مختصر.. وعندما انتهيتُ.. اقتربتُ من أول تلميذ ووضعتُ يدي على كتفه فانتفض كالعصفور واقفاً قبل أن أسأله عن اسمه ...
قال بصوت واثق :
ـ اسمي جهاد ...
أحسست بأنّي أعرف هذا الوجه…
سألته :
ـ كم عمرك يا جهاد ؟
أجابني :
ـ خمسة عشر عاماً
سألته ثانية :
ـ هل تحب المَدْرسة يا جهاد ؟
أجابني مباشرة :
ـ نعم أحبها كثيراً ... أحبها مثلما أحب والدي ...
قلتُ له :
ـ ألا تحبها أيضاً بقدر ما تحب والدتك ؟
أجابني بحزن :
ـ أمي ليست على قيد الحياة ...
لم أشأ أن أسأله كيف ومتى توفيت والدته إذ كنتُ حريصة جداً على مشاعره .
قلتُ له :
ـ اجلس يا جهاد.. شكراً لك ...
كان جهاد تلميذاً هادئاً تسطع جبهته بإشراقةٍ وردية وتنم شفتاه عن ابتسامة حزينة .ببساطة يستطيع أن يحتل زاوية في قلب محدثه منذ الجملة الأولى ...
ويحافظ على مكانه حتى نهاية الحوار بل إلى ما بعد ذلك ...
تابعتُ التعرف على التلاميذ واحداً تلو الآخر.
سألني جهاد :
ـ آنسة هل سمعتِ آخر الأخبار ؟
أجبته :
ـ أي أخبار تقصد يا جهاد ؟!
ـ يقولون إن بغداد ستسقط بيد الجيش الأمريكي !!
ذُهِلتُ لاهتمام تلميذ بعمره بأخبار كهذه ...
قلتُ له :
ـ بغداد لن تسقط يا جهاد ... وستقاوم حتى آخر قطرة من دم أبنائها لو هُدِّدت لا قدَّر الله
قال عبد الرحمن (الجالس بجوار جهاد) :
ـ أبي يقول إنهم ربما يحتلون بغداد ... ولكن المعركة الحقيقية ستكون معركة ما بعد الاحتلال ...
ويقول إن الشعب العراقي شعب مثقف له كرامة وكبرياء ولا يمكن أن يسكت على انتهاك حرماته وتدنيس مقدساته.
بادرته قائلة :
ـ نعم ... إن الشعب العراقي ذو ثقافة عالية ولديه من الكرامة وإباء الضيم ما لا يستهان بهما ... ليحمه الله وليحرس بغداد …
قاطعني هيثم، وهو تلميذ ذكي سريع البديهة حاضر الجواب، قائلاً :
ـ نحن نحب الشعب العراقي يا آنسة وندعو له في صلواتنا أنا وأهلي...
كانوا واثقين وهم يتحدثون إلي ... ممتلئين حباً وصدقاً وتهذيباً ... وأعجبتُ كثيراً بطريقة تفكيرهم ... ووعيهم العفوي البريء .
أخذوا يحدثونني عن المُدرّسة التي أتيتُ مكانها ...
كان حديثهم يدل على أنها كانت ترعاهم إلى أقصى الحدود وأنهم كانوا يحبونها حباً جماً ما بعده حب ... إذاً، لقد صعبت مهمتي أكثر فأكثر ...
ولكن كان عليَّ إثبات وجودي ... وأن أحبهم مثلما أحبَّتهم ... لا بل أكثر من ذلك بكثير ...
كان التلاميذ من النوع الذي تألفه بسرعة ... رغم غرابة أطوار بعضهم ... ولقد تمكن حبهم في قلبي وتفشى في مسام روحي بأسرع مما تصورتُ.
لم أشأ في البداية أن أبدأ معهم بشرح الدروس ... وإنما أردتُ أن أتعرف عليهم وأن يتعرفوا علي ... وهي فرصة لي لأقرر مقدار نجاحي معهم ، ولكي أطوّر نفسي بما يتناسب مع هذه الفئة الرائعة ...
فَهُمْ على الرغم من فقدانهم لبصرهم إلاّ أنهم لم يفقدوا بصيرتهم ... كانت كل حاسة فيهم تعمل وكأنها تبصر أمامها...
كنتُ أشعر أحياناً أنهم يراقبونني ويراقبون طريقة حديثي معهم وملامح وجهي وأنا أتحدث إليهم ، بأسئلتهم الذكية وتعليقاتهم البريئة .
حتى أن أحدهم قال لي حينما احتك ثوبي بيده وأنا أقترب منه :
- ثوبك رائع يا آنسة ...!!!
هذا الشقي !!! فعلاً لقد كان ثوبي الأرجواني ناعماً...
تذكرتُ بحثاً قرأته يوماً عن التصور البصري عند الكفيف حيث الصور عنده ليست أكثر من تركيب لفظي لعب فيه الاقتران دوراً كبيراً ، إلاّ أن هذا الاقتران قد يكون اقتراناً بين إحساسين :
أحدهما بصري ، حيث ينشئ الكفيف الصورة البصرية مستعيناً بالإحساس الآخر الذي يتلقاه فعلاً ...
ويمكن توضيح ذلك بما قد يجري على لسان الكفيف حين يقول :
- " إن السماء زرقاء أو السماء غائمة "
وقد تكون فعلاً السماء زرقاء أو غائمة، وكأنه يصفها كما يصفها المبصر ...
لكن مع ذلك، لا يدرك الكفيف هذا الإحساس البصري إلاّ من خلال الإحساس الآخر الذي يصاحبه، وهو الإحساس بهدوء الجو الذي لا يوجد فيه المطر أو الرعد أو الرياح وغير ذلك من الإحساسات التي يمكنه بحواسه الأخرى أن يعرف أن الجو مضطرب ممطر ، فيقول إن السماء غائمة وغير صافية، وتفسير ذلك أن الكفيف قد يكوِّن أفكاراً بديلة عن الألوان عن طريق الترابطات بينها وبين الألفاظ ومختلف الإحساسات والانفعالات .
ويصبح كثير من الارتباطات الاقترانية اللفظية لديه مادة لصياغة هذه الصور كالدم الأحمر مثلاً والثلج الأبيض ، أما المعنى الحقيقي للون الدم الأحمر ولون السماء الزرقاء والثلج الأبيض فمعنى غامض لا يمكن للكفيف أن يلمسه إلاّ من خلال الإحساسات الأخرى المقترنة به .
فقد تنشأ لدى الطفل فكرة بديلة عن اللون الأحمر بالربط بينه وبين انفعالات الألم التي يشعر بها ...
وقد يؤخذ عن اللون الواحد أكثر من فكرة بديلة تختلف باختلاف المكفوفين، وقد تؤخذ عنه عدة أفكار بديلة لدى الكفيف الواحد، تختلف باختلاف المواقف، وتكون هذه الأفكار البديلة للألوان جزءاً من حياة الفرد التصورية كما تكون جزءاً آخراً من ذخيرته اللغوية التي يستخدمها في حياته العامة.
فمثلاً يستطيع كفيف ما أن يربط بين اللون الأحمر وبين رداء يلبسه أعجب به زملاؤه المبصرون، فيتحسس الطفل رداءه الذي يقال عنه أنه أحمر اللون فيشعر بأنه ناعم رقيق فتنشأ عنه فكرة بديلة عن هذا اللون بالربط بين اللون الأحمر وملمس الرداء وثمة طفل آخر قد يتكون لديه ارتباط بين اللون الأحمر والدم الذي نزف منه جرحه فيبدأ في الربط بين اللون الأحمر وانفعالات الألم التي شعر بها ...
عدتُ إلى المنزل وفكري منشغل بتلاميذي الجدد ... يبدو أن العمل معهم شاق وممتع بالوقتِ نفسه، فهم مهذبون وأذكياء وقابلون للتطور ...
فكرتُ كثيراً بوالد جهاد وكفاحه مع ابنه ... فمن الواضح من خلال جواب جهاد :
- " أحبها مثلما أحب والدي" أنه أب متفانٍ وصبور ويحب ابنه ويرعاه كثيراً ...
أدرتُ المذياع وبدأتُ أقلّب محطاته إلى أن استوقفني صوت عبد الحليم حافظ وهو يغني:
" يا راميني في سحر عينيك التنين ... ورحتُ أدندن معه :
مَ تقولي وخدني ورايح فين
على جرح جديد ولاّ التنهيد
ولاّ عالفرح موديني
أنا بسأل ليه
ومحتار كده ليه
بكرة الأيام حَتوريني ... ..."
ولا أدري لماذا شعرتُ حينها بدفء يغمرني ؟
أتراني ذكرتك لحظتها ؟
أتراك عدتَ لتسكن فيّ من جديد بعد أن قررتُ أن أبتر غصن المشاعر الذي بدأ ينمو ويبرعم بداخلي وأنا لا أعرف بعد ماهيته ؟!
تذكرتُ بيت شعر للمتنبي في هذه اللحظة :
يراد من القلب نسيانكم
وتأبى الطباع على الناقل
أقفلتُ المذياع ... ولسان حالي يردد موشحاً أندلسياً :
ما احتيالي يا رفاقي
في غزالْ
علّم الغصن التثني
حين مالْ
ذبتُ شوقاً
وهو عني معرض
لستُ أدري
أهو بخلٌ أم دلالْ ؟…
لم أعلم كم من الساعات مرَّ وأنا على هذه الحالة؟
كنتُ أحسب الوقت وأنا في طريقي إلى المدرسة ...
وصلتُ مبكرة بعض الوقت ... ورأيت الأستاذ عبد المعطي جالساً في غرفة المدرسين، وكنتَ حين تراه لا تعرف إن كان جالساً أم هو واقف، إلاّ إذا أمعنت النظر فيه وذلك لفرط قصر قامته، وكان يتحدث مع رجل مسترخ كل الاسترخاء على كرسي أمامه، تلامس أنامله كرشه الكبير وتعبث به، وتتدلى لحيته حتى صدره، عرفت فيما بعد أنه الأستاذ كامل أبو طبلة … مدرس الكتابة على آلة برايل، وثمة امرأة تتوسطهما، كانت واقفة بينهما وقد عقدت أصابعها الخشنة على أرنبة أنفها الطويل تنظر إليهما بعينين جاحظتين نظرة حمّلتها كل معاني الاستخفاف، ربما بحديثهما أو بعقد مقارنة بين قصر وضآلة هذا ، وطول وضخامة ذاك ... وكانا يناديانها بالسيدة فصيحة ، ربما لأنها كانت تحشر أنفها في حديثهما بين الحين والآخر .
وفي هذا الوقت تقدَّم منهم رجل مسنّ أبيض الشعر، طيب الملامح، ترتسم على وجهه مسحة من الحزن ... تحكي قصة الزمن الذي جار عليه، وقلب له ظهر المجن ... وقدّم لهم ثلاثة فناجين من القهوة المرة ... كان قد أعدّها للتو ... فالبخار ما يزال يتصاعد منها ... ورائحتها تتضوع في أرجاء الغرفة كما تتضوع رائحة الأرض الزكية في الشتاءات الماطرة ...
اتجهت نحو مكتبي ... وجلستُ أفكر بقضايا كثيرة ...
لم أدرِ كم من الوقت انقضى وأنا رهينة أفكاري المشتتة.
مرَّ الأستاذ عبد المعطي رافعاً يده بالتحية ... فرددتُها عليه وعدتُ إلى أفكاري ...
صوت طرقات خفيفة على باب المكتب ...
وهالني وجهك القمري ... واضطرَبتْ أعماقي حينما حاصرت كفك كفي بالسلام وأنت المقبل بالبشاشة كلها، ولسان حالي يقول :
حينما تلامس يداك يدي ... تتوه بك الأعماق ولا تهتدي...
أخال نفسي حين تراكَ ... تمشي الهوينى بلا مرشدِ ...
دفءُ يديكَ سرى بدمي ... تغلغل بأعماقي وأضنى مرقدي ...
لو تشعر بروحي كيف تهيم ... كلما لامَسَتْ يداك يدي...
للهِ درّك لو أنني ... إلى سماء عينيك أرتقي ...
ما في العيون يناجيك ... ومن دفء يديك يستقي...
أيقظني سحر صوتكَ :
ـ صباح الخير آنستي ...
ـ صباح الخير ... ( لم أدرِ كيف قلتُها !!!)
سألتني :
ـ هل من متاعب ؟
أجبتك :
ـ حتى الآن لا ... ولكني أعتقد أن العمل هنا متعب وشاق ...
كنتُ أنظر إليكَ وشيء ما بعينيك لا يخفى علي ... كنتُ أرى فيهما حناناً عجيباً ... وأستشف من مجيئك وتحيتك شيئاً غير اعتيادي ...
هل تراكَ أنتَ أيضاً ؟؟!! ... هل تراك؟؟!!...
يا إلهي ماذا دهاني ؟ ... هل جننتُ ؟!...
أيقظتني من تساؤلاتي باقتراحك :
ـ إن أردت أية مساعدة فلا تترددي ... نحن زملاء .
أجبتك بكلمتين لا ثالث لهما :
ـ شكراً لك .
ومثلما حييتني بتلك الابتسامة ... ودّعتني بأخرى لا تقل عنها حناناً ودفئاً ...
كالدهشة جئتَ !!!
وكالدهشة مضيتَ !!!
وما بين دهشة وأخرى ألف سؤال !!!
وما بين السؤال والسؤال دمعة وهذيان ... وحزن... و ... سطوة ألم!!!
لم أدرِ لماذا تراءى لي ميشيل ساردو يشدو بأعذب الأغاني الفرنسية :
Elle court, elle court
La maladie d’amour
Dans le coeur des enfants
De sept a soiscante – dix sept ans .
"مرض الحب يجري في قلوب الأطفال ...
من سبعة أعوام وحتى سبعة وستون عاماً ..."
عدتُ لهذياني ببعض المقاطع التي كنتُ أرددها في طفولتي ...
يا من نشا حبه في الحشا
فاق الظبي قده إذ مشا
وبحسنهِ
وبسحره
في القلب يفعل ما يشا ...
لا تنأى عني
بل أدنُ مني
ودعِ الواشي وما وشى
* * *
عدتُ إلى المنزل محملة بتناقضات غريبة ...
ما الذي أشعره نحوك يا رجلاً زرع بداخلي أجمل الورود ؟!
ما هذا الذي بدأ ينبت بأعماقي ويتجذر حارماً عيني من رقادها ؟!!!
بدأتُ بتحضير فنجان من القهوة لعلّي أصحو به من سكرتي وتأملاتي..
وضعتُ الماء على الموقد ... ثم أضفتُ ملعقة كاملة من القهوة وقليلاً من السكر ...
أشعلتُ النار وبدأت أراقب المزيج ...
رائحة القهوة تتغلغل في أعماقي ... ولون سوادها يخيفني من الآتي...
وما هو الأتي ؟!!
أشعر باهتزاز في العمق يجتاح كل جوارحي ... نارٌ بين الضلوع وأمطار غزيرة في الفؤاد ...
كيف اقتحمتَ هكذا حرمة روحي؟!! ألا يقولون أن الهوى يمر بمراحل عدة :
يولد طفلاً ثم ينمو وينمو …
لماذا بدأ عندي وهو في أتم نضوجه؟!!
صحوتُ من تأملاتي على منظر القهوة التي لم يعد لها أثر … فقد طافت وأطفأت النار … لأعود من جديد إلى أسئلتي التي لا تنتهي ... وكنتُ في الوقت نفسه أذكر أبي الذي خطفته الأيام مني وكان كل شيء في حياتي ...
وكنتُ أخشى أن تكون تلك المشاعر المفاجئة التي اعترتني تجاهك هي مجرد حنيني وشوقي لوالدي … كنتُ وحيدته بعد أن انفصل عن أمي التي تزوجت غيره وسافرت معه إلى فرنسا مع أختي التي كانت تكبرني بأعوام ...
أنتَ تشبهه في كل شيء ...
بقامتك المربوعة ... وسواد عينيك ... بذراعيك المفتولتين ... وشفاهك الخمرية ... ونظرتك الحنون ... بتسريحة شعرك الكستنائي المتماوج بالرمادي… وبحضورك الأخاذ… وصوتك الرجولي… ولفافة التبغ حينما تزم عليها شفتيك وتشرد في الأفق البعيد…
كان أكثر ما يسحرني فيك، شعرك المخلمي ... كيف حاكته أنامل الزمان؟!!…
بل كيف رُسِمَتْ تلك العيون الواسعة الجريئة؟!!
وكان أكثر ما يميز وجهك … تلك الغمازة التي تبدى إذا ما ابتسمت أو ضحكت فتأسر كل من حولك...
ولكن الشبه الأكبر بينك وبين والدي كان في تلك الكلمات المختصرة التي تحمل فيها كل ما تريد قوله ... وفي تلك الثقة الكبيرة والرجولة الساحرة الآسرة ...
ولعل أكثر ما يجذبني إليك رائحة عطرك التي تنبعث في كل مكان تطوف فيه …
كنتُ بقرارة نفسي أشعر أنني لا أستطيع أن أفرّقَ بين حنيني لوالدي الذي أراك فيه ومشاعري تجاهك ...
هل كان شوقي لك يعادل حنيني لوالدي ؟!! …
في صباح اليوم التالي وصلتُ متأخرة بعض الوقت ... فاتجهتُ مباشرة إلى الصف ... فوجئتُ به فارغاً ... أين تلاميذي ؟!
اتجهتُ مباشرة إلى غرفة المدير ... فرأيته في ممر المدرسة مقبلاً نحوي قائلاً :
- يا ليت كل المدرسين يبكرون مثلك بالمجيء هكذا ... بعد أن ينتهي درس التربية الرياضية وقبل أن تبدأي بدرسك ... أرجو أن تأتي إلى مكتبي ، فثمة تعديل طفيف طرأ على برنامج الدروس وأرى من الواجب إطلاعك عليه.
قلتُ له :
- كما تريد …
إذاً ، المسألة أنني لم أكن متأخرة مثلما اعتقدتُ...
كيف لم أنتبه إلى أن دروسي تبدأ اليوم من الجلسة الثانية ؟
ما الذي كنتُ أستعجله ؟
هل كنت أستعجل رؤيتكَ ؟!!!
عدتُ أدراجي إلى مكتبي محملة بالدهشة … لم أشعر بالأستاذ عبد المعطي إلا وهو يصطدم بي قائلاً :
ـ ما بكِ ... شاردة يا وفاء ؟!
ـ أستاذ !! … ما اسم الأستاذ الذي يقع مكتبه قبالة مكتبي ؟!
ـ اسمه محمد ... وهو خريج كلية الآداب قسم التاريخ ... ولكن لماذا تسألين ؟!
ـ لا لشيء ... فقط للتعرف على أسماء زملائي ...
دخلتُ مكتبي ... كانت هناك آلة تَقْبَعْ في الزاوية اليسرى منه ... لعلَّها الآلة الكاتبة لأبجدية برايل ...
لم أنتبه لوجودها حتى هذه اللحظة ... ولم أكن قد عرفت عنها بعد إلاّ الشيء النظري.. اقتربتُ منها وبدأتُ أتفحصها ...
ثلاثة أزرار على اليمين ... وواحد في المنتصف ... وثلاثة على اليسار...
مددتُ يدي أجربها ... وقع خطوات خلفي ... لم أكترث ... ضغطتُ على أول زر من جهة اليمين ... ثم أتبعتُ ذلك بضغطة من الجهة اليسارية، وبدأتُ أضغط بشكل عشوائي…
غمرني إحساس غريب ... التفتُّ فجأة لأراك ماثلاً أمامي ولتتسمر عيوني في بحر عينيك، ولأشعر أني ماعدتُ أرى أو أسمع غيرك ... مثل كفيف تسمر أمام حورية حسناء ... لا يراها وإنما يسمع عذب ألحانها ... ورقيق كلماتها... وبليغ تعابيرها ...
قلتَ بكل ثقة :
- صباح الخير
أجبتكَ بكثير من التردد :
- صـ...بـ...ا...ح... الخير !! ...
سألتني :
- هل تعرفين الكتابة على آلة برايل ؟...
- لا...ولـ...كن...كنتُ أجربها فقط ...
كانت عيونك تحادثني بأشياء لا أعيها ... كنتُ أراها بعكس شفاهك ... فشفاهك واثقة ... قوية... كلماتها موزونة ... أما تلك العيون فكانت مضطربة ... ضعيفة ... تحمل بين طياتها كلمات مبعثرة ومشتتة ...
عاد صوتك الساحر يقول لي :
- هل تعرفين إلى من يرجع الفضل في اختراع هذه الآلة ؟!
قلتُ بصوت يكاد لا يسمع :
- نعم ... إلى لويس برايل ...
أجبتني :
- بالضبط، فإليه يرجع الفضل في تعليم أبنائنا المكفوفين القراءة والكتابة عن طريق الآلة التي اخترعها عام /1824م/ ولم يكن قد بلغ من العمر إلاّ خمسة عشر عاماً.
وقد كان يعزف على آلة الأورجون الموسيقية ، مع أنَّ أسرته اعتقدت أنه فقد كل شيء في حياته بعد ما فقد بصره وهو لا يتجاوز الثالثة من عمره عندما كان يلعب في حانوت والده بالسكين فأفلتت منه وأصابت إحدى عينيه فأعطبتها وفقد بصرها ، وبعد زمن قليل فقد بصر الأخرى ...
- ما شاء الله يا أستاذ ... يبدو أنني سأجد من أنافسه في هذه المدرسة…
- ولم لا ؟! … أتريدين أن أدربك على هذه الآلة ؟!
غافلتني الكلمات وانسكبت لتكشف أوراق قلبي:
- لَكَمْ أتمنى ذلك ...
نظرتَ إليَّ نظرةً حمّلتَها كل معاني الدفء والحنان وقلتَ لي :
- لنبدأ من الغد ...
- ولكن غداً عطلتي الأسبوعية ... ليكن بعد غدِ ...
- آسف بعد غدٍ عطلتي الأسبوعية ...
- إذاً لنؤجل ذلك إلى ما بعد عطلتينا ...
- أليس ذلك بكثير!!!؟
شعرتُ لحظتها أن تدريبك لي هذا النوع من الكتابة ليس هو الذي سيتأخر … وإنما رؤيتك لي … ولا أدري كيف خرجت الكلمات ثانية ودونما تفكير :
- إذاً ليكن في الغد ...
- ولكن ألم تقولي أن غداً هو يوم عطلتك الأسبوعية !!
- نعم ... إذن ... ليكن في يوم آخر ... سنتفق على ذلك فيما بعد ...
- كما تشائين ...
- شكراً لكَ.
لملمتَ أوراقك وكتبك المرتبة وخرجتَ ... ولململتُ أجزائي المبعثرة وجلستُ متعبة...
يا لمأساة الروح إذا تبعثرت أجزاؤها في الفضاء ... من ذا الذي يضمها ويعيدها نضرة كما كانت ؟!
هل تُستعاد وريقات الزهر يوماً إذا تبعثرت ؟!!!
لماذا تجاهلتَ رغبتي برؤيتك والتعرف عليك أكثر ... أم أنك لم تفهم مطلبي ؟!!! أم تراك الآن فهمته وندمتَ عليه ... ولماذا تندم ؟!
هل أعني لكَ مثلما تعني لي كل المعاني الجميلة والبريئة ؟!!
ما بال قلبي يحدثني عنك هكذا ؟!
أفق أيها القلب من أحلامك الوردية.. أفق من شعورك العارم بالفرح القادم … أنتَ الذي عاش طيلة عمره كليلَ الفرحِ ضعيفَ الحظِّ كفيفَ السعادةِ...
أفق أيها القلب من هذا الشعور الفجائي ... واستفق إلى الضعف الذي يخامرك وأنت معه ... قد ينكرك وينكر مشاعركَ يوماً فتخرج منها وحيداً يائساً متألماً ...
وأي مشاعر تلك وقلبي بعد لم يتجاوز حدود الإعجاب به ... تراني أكذّب قلبي ؟!
يقولون: هناك أشخاص نعرفهم ونعاشرهم لمدة سنين وسنين .. ولكن من دون أن نشعر بأية عاطفة نحوهم ... وهناك أناس أول ما تقع عليهم عيوننا ... نشعر وكأننا نعرفهم من سنين طويلة ... وكان محمد منهم...
لملمتُ أغراضي وذهبتُ باتجاه الصف ... دخلته فوقف الجميع قائلين بصوت واحد :
- صباح الخير آنسة ...
- صباح الخير ... تفضلوا بالجلوس ... أرجو أن تفتحوا كتاب القراءة على الدرس الثالث .
أخرج الجميع كتباً لم أرَ مثلها من قبل ... وبكل ثقة قلبوا الصفحات إلى أن وصلوا إلى الدرس المطلوب ...
كانت عيونهم مصوبة تجاهي ... وكانت عيوني مصوبة تجاه كتبهم ...
اقتربتُ منها ... يا إلهي ماذا أرى ؟ الصفحات كلها بيضاء … اقتربتُ ثانية من كتاب جهاد ونظرتُ إليه … لمِ أرَ إلاّ نتوءات صغيرة لم أعهدها من قبل ... لعلَّ هذه النتوءات هي ما يقال لها أبجدية برايل ...
يا إلهي ... كيف غاب عن ذهني أن أسأل الأستاذ محمد عن أحرف هذه الأبجدية ؟
طلبتُ من جهاد أن يقرأ بصوت عالٍ ...
وضع يديه الاثنتين على رأس الصفحة وقرأ العنوان، ثم انتقل بكل ثقة إلى أسفل العنوان ووضع إبهام يده اليسرى أول السطر ثم لصق به إبهامه الأيمن وبدأ يقرأ من اليسار إلى اليمين.
كنت شاردة واجمة ... إنه يقرأ وكأنه يبصر الحروف ... يقرأ بلا تلكؤ أو خطأ ... دون أن يغفل عن التشكيل ... يا إلهي ... حقاً إن عالمكم لمليء بالأسرار الوديعة ...
أيقظني من شرودي هذا صوت زاهر عذباً ندياً يريد أن يعيد القراءة ... قلت له باندهاش :
- أعِدْ ! ...
رأيتُ ابتسامة خبيثة ارتسمت على وجه ماهر ذاك الشقي الذي أعجبه لون ثوبي ... لقد أحسَّ بالفطرة أنَّ شيئاً ما قد أحرجني ...
أعاد زاهر قراءة النص كما قرأه جهاد ... وكان كمن يعزف بأنامله على البيانو فتتصعد أنغام ملائكية كأنها تراتيل تتلى في معابد السماء ...
أردتُ أن أباغت ماهر الذي يولي عينيه شطري أنّى اتجهتُ وكأنه يراقبني ...
فقلتُ له :
- تابع يا ماهر !
فقرأ بصوت لا يقل ثقة عن زميليه ... وببراعة مدهشة ... إلى أن انتهى من النص ...
انتقلتُ منه إلى بقية زملائه ... واحداً تلو الآخر ...
شرحتُ لهم ما قرأوه شرحاً مفصلاً ... ومثلما بدأنا بدرس القراءة ... انتهينا من درس العلوم ...
كانوا رائعين ومرحين ... ومجدين للغاية ...
قُرع الجرس فودّعني الجميع بابتسامة ساحرة وكلمات مرهفة ...
لم أكن أعلم إن كانوا يجاملونني أم أنهم فعلاً تأقلموا معي ... ولكن هل تكفي هذه المدة التي قضيتها معهم لينسجموا معي ؟!
ما يدريني ؟؟
تذكرتُ فجأة أنه يتوجب علي التعريج على مكتب المدير.
طرقتُ بابه ودخلتُ بعد أن أذن لي قائلاَ:
- أهلاً وسهلاً ، تفضلي بالجلوس.
اعتذرتُ عن التأخير وجلستُ واجمة بعض الشيء ... أنتظر ما سيقوله لي ... ولم يطل انتظاري، إذ جاء صوته مباغتاً:
- آنستي ... لقد طُلب منا تقسيم المواد بينك وبين أستاذ آخر، وقد كنا البارحة في اجتماع لمجلس المدرسة واقترحتُ هذا الموضوع على بقية الأساتذة فتحمس أغلبهم للفكرة، وكان الأكثر حماساً الأستاذ عصام، هل تعرفينه ؟
- لا أبداً ... لم أتعرف بعد على زملائي كما يجب ...
تابع قوله :
- إنه إنسان عصامي ... قال إنه تعب من العمل الإداري وهو يريد خوض تجربة التدريس لأنه يرى في هذه المهنة كلّ العطاء والتضحية ... وهو بطبعه يحب العطاء جداً ... فهل تمانعين في ذلك؟
أجبته مستغربة:
- ولماذا أمانع؟ ما زلت في طور التجربة ... أليس كذلك ؟!
قال لي :
- أتمنى أن تستمري معنا ... على كل حال سنبدأ بتقسيم العمل بدءاً من الأسبوع القادم ... و...
قاطعته قائلة :
- هذا حسن ، هل بقي شيء آخر ؟!
أجابني مستغرباً :
- لا شكراً لكِ !!!...
خرجتُ متألمة ... لا أدري لماذا ... ألأنَّ الأستاذ عصام تحمس للفكرة ولم تتحمس لها أنت؟!
ربما لم تكن في الاجتماع البارحة … وربما كنتَ ولم تعجبكَ الفكرة ... بل لعلك لم تبدِ أي رأي فيها ...
ولماذا أتساءل ؟! وماذا تعني لي أنت ؟! هل يكفي أن أُعجب بقامتكَ ولون شعركَ وسحر عينيكَ وتلك الغمازة الآسرة ؟!
ثم لعلكَ متزوج … ولعل لديك أطفالاً ينعمون بظلك … بل لعل قلبكَ مرتبط بأجمل النساء وأروعها … يحق لكَ ذلك...
لماذا أشعر بأن كياني كله متألم ؟! وأنا بعد لم اجتمع بكَ إلاّ لحظات قصيرة… ولكنها كافية لأعرف مقدار صدقك وروعتك ومدى ثقافتك..
لا، لا … بل ربما نحتاج إلى سنين طويلة لنعرف ماهية الشخص..
لماذا لم تبد رأيك البارحة ... ربما لم تتذكر اسمي ... أو ربما اعتذرت حالما طُرح الموضوع ...
آهٍ من سطوة الألم التي عادت تسيطر علي ...
كدتُ أبكي ... وتساءلت لماذا لا أغني متناسية تجاهلك لي ؟!
وما بين البكاء والغناء صمتٌ أستوحي منه نداءاتي لك...
أشعر بحنين إلى ماضٍ أجهله ...
تراه حنيني لوالدي ؟!
كنتَ تذكّرني به كثيراً … عيناه سوداوان.. وإني لأغرق في سواد عينيك...
وجهه كطلة القمر في ليالي الصيف ... وإني لألوذ في فضاءات وجهك القمري ...
حديثه عذب مختصر ... وأتقوقع في عذب كلماتك وسحر أحاديثك ...
نعم ... نعم ... ربما ما أُحسّه تجاهك هو ما أشعره من حنين لوالدي...
لا ... لا... بل ما أشعره نحوك شعورٌ مليء بالسعادة يغمره القلق ... ومبطن بالحزن... والخوف من الغد الآتي ومن استبداد سطوة الألم !!!
لم أعد إلى المنزل مباشرة ... وإنما تمشيتُ قليلاً في شوارع دمشق باتجاه منطقة الحلبوني في البرامكة ... فهناك تجمع ضخم للمكتبات ... دخلتُ إحداها... واشتريتُ عدة كتب عن المكفوفين .
" الخصائص النفسية والاجتماعية للمكفوفين "
" علم نفس المكفوفين "
" التربية الخاصة للمكفوفين "
" أبجدية برايل"
" حياة لويس برايل "
" تعليم الصم المكفوفين " ...
إذ إنني قررتُ أن ألم بهذه الفئة المتميزة وأن أثقف نفسي بكل ما أجهله عنهم.
وصلتُ المنزل الذي كنتُ أسكنه أنا وأختي ... آه كم أفتقدها الآن وكم أتوق إلى وجودها معي في هذه اللحظات...
كانت أختي مرح مرحة للغاية ... باختصار كانت اسماً على مسمى ...
تغديتُ وحضّرتُ كوباً من الشاي وبدأتُ أقرأ كتاب التربية الخاصة للمكفوفين.
إلى أن غلبني النعاس ...
في الثامنة صباحاً ... كالمعتاد ... كان جميع التلاميذ يقولون بصوت واحد:
- صباح الخير.
- صباح الخير... تفضلوا بالجلوس .
طلبتُ منهم أن يفتحوا كتب اللغة الفرنسية ...
كان درسنا يتحدث عن قصيدة قصيرة كُتبت باللغة الروسية وترجمت إلى عدة لغات ومنها الفرنسية، ولكنني لم أشأ أن أبدأ بشرحها قبل أن أعطيهم فكرة عامة عن كاتبتها "أولغا سكوروكودوفا ". سُرّ الجميع بذلك لأنهم كما أخبروني كانوا يسمعون عنها من دون أن يعرفون أي شيء عن حياتها...
قلت لهم أن يسألوا ما شاؤوا عنها .
سألني جهاد:
- متى ولدت أولغا سكوروكودوفا يا آنسة وأين ؟
أجبته:
- ولدت عام 1914 في قرية في أوكرانيا من أهل فقراء فلاحين وكانت أمها تعمل خادمة عند كاهن القرية.
- وكيف فقدت بصرها ؟ سألني ماهر .
قلتُ له :
- لقد أصابتها حمى شديدة في صيف عام 1919 وكانت آنذاك في الخامسة من عمرها.
كانت تتخيل أنها ترى حرائقَ وكلاباً مسعورة من لهب تلاحقها وتخيفها وهي تحاول الخلاص منها .
ومن ذكرياتها أن أمها كانت قد قدّمت لها يوماً الشاي مع مربى المشمش حينما كانت تشعر بالوهن الشديد وبعجزها عن فتح عينيها لترى ما حولها .
وذات يوم أرادت أن تعرف مكان المربى وما لونه ، ففتحت عينيها فما رأت شيئاً لا المربى ولا لونه .
سألني زاهر بشيء من القلق :
- وكيف استطاعت أن تتابع حياتها ؟
أجبته :
- في خريف عام 1922 أدخلها المسؤولون عن التربية الوطنية في مدينة اسمها نرمسون إلى مدرسة المكفوفين في أوديسا، وقد مكثت فيها حتى عام 1924.
وفي بداية عام 1925 أُرسلت إلى مدينة تُدعى خاركوف لتقيم في مشفى خاص بالصم والبكم .
سألني وسام مندهشاً :
- وكيف استطاعت متابعة حياتها وهي لا تسمع ولا ترى ؟!
أجبته :
- عن طريق حاسة اللمس والشم .
سألني الجميع بصوت واحد:
- كيف؟!
قلتُ :
تقول أولغا سكوروكودوفا في كتابها " كيف أدركُ العالم":
ـ في الصباح الباكر وبينما كنتُ مستغرقة في نومي ، جاءت إحدى صديقاتي لتوقظني، دخَلَتْ بهدوء من دون أن أشعر بوقع خطاها، لكنني أحسستُ بحركة الهواء الذي أثاره تنقّلها تلامس وجهي .
فبادرتها بمدِّ يدي إليها قبل أن تصل إلي .
وتقول أيضاً:
- ذات يومٍ، حينما كنتُ أصعد الدرج في قصر الطلائع، أحسستُ بوجود سجادة تحت قدمي، وكان السجاد يغطي كل الممرات والقاعات، لكن حينما دخلنا إحدى القاعات، لاحظتُ أن الأرض رخامية .
وتضيف:
- بينما كنتُ اقترب من الطاولة في غرفة الطعام ، أحسستُ أن شيئاً ما على الأرض، سألت إحدى زميلاتي :
- ماذا على الأرض ؟
أجابتني :
- قليل من الملح .
سألني جهاد :
- ولكن يا آنسة أولغا كفيفة البصر. فكيف تقول عن نفسها :
" لاحظتُ أنّ الأرض رخامية "؟!
أجبته :
- لاحظتُ يعني هنا أدركتُ ببصيرتي .
تابع جهاد سؤاله :
- هذا عن حاسة اللمس . ماذا عن حاسة الشم يا آنسة؟
قلتُ له :
تقول أولغا سكوروكودوفا:
- خلال مروري بجانب الصيدلية شعرتُ من رائحتها أننا اقتربنا من المنزل ، فالصيدلية ليست بعيدة من بيتنا .
وتتابع :
- بينما كنتُ أقرأ مع إحدى زميلاتي ، شعرتُ برائحة أحذية جديدة فسألتها :
- هل اشتريت حذاءً جديداً ؟
أجابتني :
- نعم
عدتُ وسألتها :
- متى لبسته ؟
قالت :
- هذا اليوم .
لقد وضح الأمر لي ، فأنا أشم رائحة جلود طازجة .
وتضيف أولغا قائلة :
- لدى دخولي إلى غرفتي أدركتُ أنَّ أرضها الخشبية قد غُسلتْ، وحينما لمستها كانت فعلاً ما تزال مغسولة.
سألني جهاد مقاطعاً بأدب :
- ولكن يا آنسة، أنتِ تقولين أنها لا تسمع ولا تتكلم . فكيف تتحدث هكذا مع زملائها ؟!
أجبته :
- عن طريق لغة إشارة الصم والبكم واستخدامها لأبجدية الأصابع.
قال هيثم :
- وهل كانت تمارس نوعاً من الهوايات ؟
أجبته :
- نعم لقد كانت تكتب الشعر .
سُرَّ الجميع بذلك وطلبوا مني أن أُسمعهم شيئاً من أشعارها .
فقلت لهم بفرح:
- إليكم إحدى قصائدها :
ويتساءل الناس من ذوي الآذان المرهفة
القادرين على تأمل ضوء القمر وشعاع الشمس
ماذا يمكن أن تقوله عن هذه الروائع ؟
ماذا يمكن لصَمّاء أن تسمعه من نداءاتها ؟
* *
آه... بلى ... أنا أدري بشذا الربيع
وأناملي تترجم حفيف السنديان
والحديقة الندية تبرج لي على الدوام
وتدعوني إلى أن أحلم وأترنح بحبها .
* *
قاطعني عبد الرحمن قائلاً :
- آنسة !!
- نعم يا عبد الرحمن!
- آنستي ، هل من الممكن أن أسألك سؤالاً ؟!
- تفضل اسأل ما بدا لك !!...
- هل صحيح أنك ستتركينا وسيحل أحد الأساتذة مكانك؟
- ومن قال لك ذلك ؟!
- سمعته بطريق المصادفة ...
- أيها الأشقياء الصغار ما أوسع حيلتكم، ألا يخفى عنكم أي شيء؟!..
ثم أردفت قائلة:
- بل سنتقاسم الدروس أنا والأستاذ الجديد...
قال بفرح بادٍ على وجهه:
- الحمد لله فقد أحببناكِ للغاية .
ردّد زملاؤه من ورائه:
- الحمد لله.
- شكراً لكم ... ولنعود الآن إلى أشعار أولغا سكوروكودوفا.
تقول أيضاً:
- وأنا بالعقل أرى وبالقلب أصغي .
وأحلامي تجوب العالم .
ترى هل يحسنُ المبصرون دائماً
التعبير عن الجمال والابتسام في حضرة الصفاء ؟!!…
* *
وعندي محل السمع والبصر
ما شئت من صادق العواطف
وما زال فكري المتقد المرن المتفائل
يغمس ريشته في ألوان الحياة الزاخرة ...
* *
وإذا ما فُتنت لشعر أو نغم
فلا ... ...
وهنا قُرع الباب ودخل العم أبو عبده آذن المدرسة حاملاً فنجاناً من القهوة :
- صباح الخير ...
- صباح الخير ... ولكنني لا أتناول القهوة في الساعة الدرسية .
- ولكنه من الأستاذ عصام!! ... لقد أوصاني بذلك البارحة وألح عليَّ كيلا أنسى…
- شكراً لكما ... ضعه على الطاولة.
وضع فنجان القهوة على طاولتي وانصرف ... لم أتذوقها أو حتى ألمسها ... من هو هذا الأستاذ عصام الواثق جداً من نفسه ؟!
يا له من رجل ثقيل الدمِ ... يبدو أنني سأدخل في متاعب معه .
أيقظني من هواجسي تلك صوت أحمد قائلاً :
- آنسة . ماذا بعد : وإذا ما فُتنتَ لشعر أو نغمٍ ؟!
أتممتُ قوله :
- فلا تزْهُ بذلك علي ...
وخيرٌ للأعمى ألف مرة
أن تمدّ له يداً دافئة
تعتقه من قفصه
دونما شفقة مزيفة ...
* *
عندما انتهيت ... رأيتُ وجوههم كلها مهللة فرحة...
لقد أغدقوا علي الشكر ... وقالوا إن هذا أجمل درسٍ أخذوه في حياتهم ... وتمنّوا جميعاً أن يصبحوا شعراء في المستقبل ...
خرجوا إلى استراحتهم وذهبتُ لمكتبي ...
جلستُ متجهمة بعض الشيء وهواجس عدة تدور في مخيلتي ...
كنتُ قد قرأتُ يوماً أن فنجان القهوة يعني الترحيب الشديد والفرح الكبير بالضيف...
نحن بنات حواء ننزعج كثيراً من أي رجل لا يروق لنا، أو نراه يلاحقنا و يبادر بأية مبادرة مهما كانت لطيفة...؟
ونُسَرُّ من أية لفتة صغيرة معبّرة من الذي نُعجبُ به أو نهواه ... بل إننا نؤلف من حرف همس به أو كلمة قالها لنا قصيدة شعر ... ومن القصيدة ديواناً ... ومن الديوان أعمالاً كاملة ...
وعدتُ أفكر بجملة قالها عبد الرحمن، وردّدها زملاؤه وراءه :
"الحمد لله فقد أحببناكِ للغاية "...
" الحمد لله " ... هاهو أول امتحان قد اجتزته بنجاح...
فقد جعلتُ المحبة تدخل إلى قلوب تلاميذي لتألفني وتودّني ...
الحمد لله ...
"سنتقاسم الدروس أنا والأستاذ عصام "
"ليتنا نتقاسم الدروس أنا وأنتَ "
تراك تسائل نفسك عني كما أسائلها عنكَ ؟!
ربما ... ربما تفكر بي ...
تراك تتقاسم معي المشاعر التي نبتت بأعماقي تجاهك؟!
كدتُ أصرخ بما يجول في أعماقي تجاهك ... ولكني آثرت الصمت ...
وقفتُ على نافذة المكتب أنظر من خلف الزجاج إلى حبات المطر التي بدأت تنقر زجاج النافذة …كان صوتها الشجي ذو الإيقاعات المتناغمة يشبه سحر صوتك الآسر حينما تتحدث ...
وكان منظرها النقي وهي على زجاج النافذة ... يشبه نقاء سريرتك وصفاء قلبك ...
كانت السماء متلبدة كتلبد مشاعري وأحاسيسي ... مغطاة بالسحب التي تنذر بيوم ماطر طويل ...
ورأيتك تسير بثقة بالغة تحت المطر ... بمعطفك الأسود الجميل ... تفتح علبة سجائر وتتناول منها سيجارة تضعها في فمك ثمَّ تحاول أن تشعلها... متجهاً نحو بوابة المدرسة لتتقي هبوب الريح ...
عدتُ إلى تأمل حبات المطر وسماع صوت نقراته الخفيفة على زجاج النافذة ...
كنتُ أتساءل... أين مقصدك الآن بعد أن دخلتَ المدرسة ؟!
وكأنك كنتَ تسمعني ... أطللتَ عليَّ بوجهك الملائكي قائلاً :
- كيف حالكِ ؟
- الحمد لله.
- وكيف حال تلاميذكِ الجدد؟
- يا لروعتهم … لا تصدق كم أحبهم وكم يحبونني … و...
- تليق بكِ المحبة.
- شكراً... لكَ !
- هل من متاعب ؟
- لا... ولكني أحياناً أشعر بحاجة لفنجان قهوة أو كوب من العصير ... ولكن لا أستطيع تناولهما في المدرسة.
- ومن قال لكِ ذلك ؟ يوجد في المدرسة مطعم صغير خاص بالمدرسين والمدرسات... تستطيعين الجلوس فيه وتناول ما تريدين وقتما تشائين ...
- لا أدري كيف أفلتت الكلمات مني :
- الحمد لله ... وأخلص بذلك من ثقل دم الأستاذ عصام!! وفنجان قهوته ...
لم أستطع تفسير الابتسامة التي ارتسمت على وجهك حينما أفلتت تلك العبارة مني!!!
قلتَ لي :
- أتسمحين لي بأن أدعوكِ إلى فنجان قهوة ؟
- الآن ؟! ولكن لم يتبقَ سوى عشر دقائق وتبدأ الساعة الدرسية الثالثة ... كنتُ... أقصد ... أردتُ أن أقول أنني سأتناول كوباً من الماء وأذهب لدرسي ... إن أحببتَ ... أقصد إن أردتَ ... فمن الممكن ... أن ...
- ستنظم المدرسة رحلة إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي. هل ستذهبين ؟
- ولكنني لا أعرف أحداً !! ...
- ولكنني موجود!!!
- لا ... بأس ... يا ... أستاذ محمد ...
- عصام ... اسمي عصام يا آنسة وفاء ...
- ولكن ... و ... ولكن ... لقد ... لقد قيل لي أنّ اسمكَ الأستاذ محمد!!!!؟؟…
- نعم … اسمي محمد عصام الفارس … ينادونني عصام والوحيد الذي يناديني محمد هو الأستاذ عبد المعطي المرشد الطلابي في المدرسة ...
- فهمت ... فهمت !!!
- إلى اللقاء يا آنسة وفاء ...
- إلى اللقاء !!!
خرجتَ من دون أن تضيف أية كلمة أخرى ... وجلستُ ومئة عبارة تلج في فكري...
محمد !!!؟ عصام !!!؟؟ محمد عصام !!!؟ محمد عصام الفارس ...
" ينادونني عصام ... والوحيد الذي يناديني محمد هو الأستاذ عبد المعطي ...
أنتَ هكذا دائماً يا أستاذ عبد المعطي تضعني في مواقف حرجة ...
" الحمد لله وأخلص بذلك من ثقل دم الأستاذ عصام " ... " وفنجان قهوته "...
ليتَ الأرض انشقت وابتلعتني قبل أن أتفوه بهذه العبارة ... أي جنيّ هذا الذي سكن لساني وربطه في الوقت الذي يتوجب عليه الرد والحديث ... وأفلته في الوقت الذي يتوجب عليه السكوت ؟!
إذاً … أنت هو الأستاذ عصام الذي تحمس للفكرة بل وكان الأكثر حماسة!!!
أنت الذي بعث لي بفنجان القهوة ترحيباً بي ؟
أنتَ الذي عرف اسمي من قبل أن أعرف اسمه ؟!…
ومثلما قدمتَ بثقة عمياء ... رحلتَ عني بثقة عمياء ...
عصام!!؟
هي ذي نفسها كلماتك الهادئة وذكاؤك اللامحدود ...
كيف شعرتَ بترددي في تناول القهوة معك ... لا بل انتزعتني من حيرتي بكلمتين اثنتين ...
" إلى اللقاء " ...
عصام !! لله ما أروع اسمكَ ... اسم على مسمى...
عصام!!
يا أحلى كلمة نطقتها شفاهي وضمها قلبي بحنين ما بعده حنين ...
ويزداد حنيني إليك ...
إلى صفوك ... وهدوئك ... وكبريائك ...
عصام !!
يا أغلى من عمري كله ... آهٍ لو يمد الله بعمري ... لكنتُ وهبتكَ إياه وفاءً وصدقاً وإخلاصاً وعطاء ...
عصام...
يا كل العمر وعمر العمر ... وما هو عمري إن لم يكن عنوانه عصام ؟!
يا من جعلتُ اسمه محفوراًَ في قلبي … على جدرانه … في شرايينه … في كل قطرة من دمائه وكل نبضة من نبضاته أهتف " عصام".
عصام !!!
كنتَ اليوم أجمل من كل يوم ... أبهى وأروع من كل عصام على الأرض... كنت كالبدر في الليلة الظلماء ...كالزهر في فصل الربيع ... كالوردة الجورية في أوان التفتح ...
سحر عينيك يكبلني ... يقيدني ... يلعثم شفاهي ويبعثر أفكاري ... فما أشعر بنفسي إلا وقد غدوت طفلةً تودُّ لو أنها تركض إليك لتضمها بين ذراعيك وتدخلها عالمكَ المسحور...
وآهٍ من عالمك المسحور ...
زرعتَ فيَّ حنين المشتاق في الغربة إلى وطنه ... ومنْ إلاَّك لي وطن؟!!
عصام !!!
يا عمري ... يا كل العمر وعمر العمر وأجمل ما في هذا العمر …
عمري هو "عصام"…
عصام الذي يدرك متى يدنو مني ومتى ينأى عني ...
عصام... ذاك الملاك الهائم في فضاءات أحلامي ...
عصام الذي دغدغ كل ذرة من مشاعري...
عصام الذي أضحكني وأبكاني ...
لماذا ترددتُ معك ... وأنا التي كنتُ أتمنى معرفتك أكثر؟!
عصام!!! ...لماذا لم أقبل بعشر دقائق وأنا التي كانت بحاجة لدقيقة بل لثانية معك ؟!
يا الله … متى يأتي موعد الرحلة ؟!!
* *
كان منظر غروب الشمس على أطراف بحيرة زرزر لا يضاهيه أي
منظر ...
وكانت كل ذكرياتي تلك تتوالى الذكرى تلو الأخرى وأنا جالسة على شاطئ تلك البحيرة ...
شاردة ... لا أعي كيف يمر الوقت في هذا اليوم ... تارةً أذكر تلاميذي... وطوراً أذكركَ ...
وكان منظر البحيرة في لحظات الغروب تلك هائجاً ثائراً كثورة حبي لك في بعض الأوقات ...
لم يعكر صفو ذكرياتي تلك أي شيء سوى ذكرى اللقاء الأخير ...
وهنا ... عادت دموعي تنهمر من جديد ... وتزايدت ثانية دقات قلبي... ولكنَّ فصاحة البحيرة وجمالها ردَّ إلى الروح بعضاً من الروح ...
لستُ مادية يا عصام كما هُيِّأ لكَ أو كما صارحتني بكلامك المبطَّنْ:
"لقد رأيتُ الآن أشياء لم أرها من قبل يا وفاء"...
لستُ مادية يا عصام وأنتَ تدرك ذلك أكثر مني ... ولكن اقتراحك الأخير هدَّني وجعلني أفقد صوابي ...
وتدرك أيضاً أنني لأجل حبكَ أهجر كل شيء ... لكن على ألا يكون جزائي وعاقبة حبي لك ذلك الإهمال الكبير وتلك الكلمات المؤلمة التي وجهتها لي آنذاك ...
كان هناك الكثير من الحلول لإنقاذ حبنا من الضياع ... ولكنك لم ترها... أو بالأحرى لم تشأ رؤيتها ...
شيء غريب لمسته من وراء اقتراحك ... لم أستطع اكتشاف ماهيته.. واستجلاء كنهه..
أردتُ أن أناقشك به فسحبت اقتراحك... لماذا؟! ألم تكن مقتنعاً به ؟!
هل صمتي طوال هذه المدة عن الجراح التي سببتها لي جعلك تطمع في إيلامي أكثر؟!!
يقولون إن معشر الرجال لا يؤمن لهم … ولا أدري لماذا بقلبي الصافي أمنت لك ...
"لقد رأيتُ الآن أشياء لم أرها من قبل يا وفاء "
أتراك رأيتَ أيضاً مقدار حبي لكَ ؟!
هل استخرجت من ركام آلامي التي نفخت في رمادها آنذاك ألف.. ألف كلمة أحبكَ؟!
هل أسعفكَ حدسكَ كرجل تجاه الأنثى التي تهواه فجعلك تغوص في حنايا روحي لترى ما حُفِرَ على قلبي وقتها" كيف السبيل إلى اقتلاع جذور هواك من الأعماق ؟!..."
رأيتَ ما رأيته ... وتركتكَ تحلّل على سجيتكَ ...
ولكني أرى ... وما عادَ يهمني أن ترى معي ... أنني أحببتكَ بقلب استثنائي ، لن تصادف ما حييت قلباً مثله ... فقد أحببتكَ حباً جاوز الحبّ بعضه وفي طول عمري ليس يمكن عرضه!!! ...
وأرى ... وما عاد يهمني أن ترى معي ... أنك لن تستطيع العيش من دون أن يكون طيفي رفيق حياتك ... يملؤها ضحكاً كما ملأت لي حياتي دموعاً ...
ويملؤها أملاً ... كما ملأتَ حياتي يأساً ...
وأرى أيضاً ... وما عاد يهمني أن ترى معي ... أنني بصدقي معك وحبي الشديد لك وكبريائي الذي طالما جرحته ... وأنوثتي التي طالما آذيتها... أرى أنك لن تقابل قلباً بريئاً كقلبي، وحباً نقياً كحبي ... وأنّ أحلامي معكَ وأحلامي بكَ ولك قد دفنتَها بيديكَ وهي تكبر شوقاً إليكَ ...
وأرى !!!! وهنا يهمني أن ترى معي ... أنني ألّفتُ من حبك رواية هي كل ما استطعتَ أن تقدمه لي ... مع بعض الأحلام المسفوكة على مذبح الغرام حينما كنتُ أحرق نفسي شوقاً إليكَ ...طيلة سنة ونصف السنة ...
وماذا جنيتُ من احتراقي شوقاً إليكَ إلاَّ وحدتي ؟ واحتراق أوراقي ؟ وذوبان أقلامي؟!…
هاأنا ذا اليوم أعود من رحلة حب مريرة مريرة … لأجلس وحدي بين جدران الأسى … مُكسَّرة ضلوعي … مغلولة شفاهي … محطماً قلبي.. يمشي في درب الليل الطويل ... يمنح نبضه من يحب ... يتوسد ظلّ هواه ويفترش عبير خطاه ويمشي ...
يمشي وحيداً في درب الليل الطويل ... حتى إذا عاد، أدمته مرارة الحرمان ... وأقعدته لوعة القلب والروح ... وشلّه سرُّ ما بأعماق الوجه الصبوح ... ليجلس كما يمشي وحيداً ... بين جدران الضلوع المطلة على الأسى ... أساي أنا..
ويل قلبي من سطوة الألم التي اعترته حينما رحلتَ !!!
وارحمتاه لقلبٍ نأى الأحباب عنه …
جريحٌ أنت يا قلبي ... تتأبط حزنك وتمشي ... تمشي في وحدة الليل الموحش ...
وحيدة أنا أكفن دموع وجداني ... أسافر في بحر الجرح العميق ... أحمل بين أضلعي قلباً مخموراً بألمه لا يستفيق ... يجدفُ وحده في خضم البحيرة اللازوردية وسط أمواجها العاتية … لتتكسر أحلامه على صخرتك أنت يا من تركتني لمصيري السيزيفي.
يتشقق ليلي الثائر ليطلع النهار ويعود إليّ هدوء الياسمين ...
يرتجف قلبي من ذكريات أمس الفراق الرهيب ... أستيقظ من حلمٍ غامضٍ أليم !!
كم إغفاءة سرقتُها في يوم الفراق لأنسى أحزاني الأليمة ؟! أحاولُ أن أدفن حنيني …
يغادرني ما تبقى من بقايا الحب والهوى ... أُبعثُ من أحلامي ركاماً ورماداً ...
أحاولُ أن أسرّجَ الهدوء في كل مكان من روحي ... من قلبي ...
نيرانٌ تمور في أعماقي ... وأخرى خامدة هنا وهناك...
أفضي للسماء ما تبقى من أناشيدي القديمة ... من أبجدية الهوى وآلامه التي لا تجفٌّ...
من تراتيل الجراح والأحلام الليلية والخوف المباغت من الغد المجهول!!
من ذا الذي يعيد إليَّ قلبي لأبدأ حياتي من جديد ... دون حب ... دون جراح ... ودون سطوة الألم !!!
يلاحقني ليل غربتي في كل مكان ... يلاحقني غدر الزمان ...
هو ذا قلبي ...
قمر الليل ما تبقى منه ... يضيء لي ذكريات الحنين...
يحترق قلبي شوقاً إليك ... لعبق الياسمين !!!
أنا !!! من أنا ؟!!
أنا التي قضت عمرها هاربةً من شراك الهوى فكانت أتعس طرائده !!!
وارحمتاه لقلبٍ أضناه البعاد وهدّه الرحيل !!! وا… رحمت… آه…!!
طلبتُ من مضيف المقهى الذي أجلس فيه أن يدير المذياع ...
صوت المطرب السعودي محمد عبده يغني :
" بعاد كنتم ولا قريبين ... المراد أنتم دايم سالمين ... وما قول غير الله... الله يكون في عون كل العاشقين ..."
كم اشتقتُ لصدى ضحكاتك يتردد في أفق أعماقي ... يرنّ في أذنيّ..
كنتَ تحتج حينما كنتُ أنشد لك بيتاً من إحدى القصائد العصماء ... وما زلتُ أذكر آخر بيت أنشدته لك:
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
وكنتَ تقول لي :
ـ أنا أحب كتاباتك أكثر ... لأني أشعر أنها من صميم أعماقك أنت لا من صميم أعماق الآخرين ...
صوت زلزل المقهى:
- "سقطت بغداد "...
بهاتين الكلمتين ... قطع المذيع برامج الإذاعة ليعلن على الملأ أن بغداد قد سقطت ... وأن آخر معاقل الكرامة قد دكت حصونها وتهاوت عروشها..
سقطت بغداد؟!!… سقط الحق والخير والجمال.. وشرّع المجهول أبوابه على الهاوية!!
ما ذنبنا ؟! فكرنا ؟! أشلاؤنا ؟! أمتنا ؟! هاروننا؟! مرواننا ؟! مأموننا؟!
وامعتصماه ...
سقطت بغداد !!!
ما ذنبنا ؟!
ذنبنا أننا وجدنا في زمن الرشوة والخداع … في زمن الضآلة والضياع... بغداد لم تسقط وإنما أُسقطت ... ولتسألوا الذين قبضوا الثمن!!!
ذنبنا أننا وجدنا في زمن القشور والبيع والشراء والأبطال المقنعة ...
سقطت الأقنعة ... سقطت كل الأقنعة..
فسقطت بغداد !!!
إرث بغداد بعثرته الأيادي الغريبة ...
مساجدها ... مآذنها ... سيوفها ...قمحها … مصانعها ... منازلها أشلاء مبعثرة...
سقطت بغداد !!!
آباؤها... أجدادها ... نساؤها... أطفالها... شيوخها أشلاء مبعثرة ...
سقطت بغداد !!!
جيوشها ... حرسها ... أبطالها ... أبناؤها أشلاء مبعثرة ...
سقطت بغداد !!!
وأنا اليوم مثلكِ يا بغداد ... أشلاء مبعثرة ...!!!
* * *