١

7 0 00

١

لست أدري أين وقعت أحداث هذه القصة، ولكني أقطع بأنها لم تقع في مدينة القاهرة، فقد تتبَّعت شاطئ النيل كله في هذه المدينة، فلم أجد ربوة شديدة الارتفاع والاتساع، يقوم عليها قصر فخم ضخم شاهق في السماء، ويتكاثف فيها شجر باسق ملتفٌّ يُظلُّ ضروبًا من النجم لا تُعَدُّ، وفنونًا من الزهر لا تُحصَى، وهذه الربوة المرتفعة الواسعة تنحدر في يُسرٍ إلى النهر، كأنما تسعى للقائه، أو كأنما تيسر للشجر والزهر السعي للقائه …

لم أجد على شاطئ النيل في القاهرة هذه الربوة ولا شيئًا يشبهها؛ ووجود هذه الربوة شرط أساسي لوقوع الأحداث التي تعرضها هذه القصة، فما أظنك تخالفني في أنَّ ما يمس الإنسان من الأحداث وما يُصور هذه الأحداث من قصص لا يمكن أن يتم إلا إذا كان له مكان معروف بحدوده وأوصافه. وقد وقعت أحداث هذه القصة في مكانٍ، ما في ذلك شكٌّ، بل وقعت في هذا المكان الذي وصفته وصفًا موجزًا. وأكاد أعتقد أن هذا المكان نفسه هو الذي أنشأها، وهو الذي ابتكر أحداثها ودفع أشخاصها إلى إجراء هذه الأحداث.

وقد علَّمَنا النُقاد منذ عهد بعيد أن هناك صلة متينة دقيقة بين أقوال الناس وأعمالهم، وبين البيئة التي يعيشون فيها ويتأثرون بدقائقها في حياتهم اليومية، ولو قد عاش أشخاص هذه القصة في دار متواضعة أو في قصر يقوم على الأرض المنبسطة السهلة — لا على هذه الربوة المرتفعة التي تمتاز مما حولها من الأرض، وترفع قصرها فوق ما حولها من القصور والدور، وتنحدر بشجرها وزهرها في سذاجة ويسر إلى النهر — أقول: لو قد عاش أشخاص هذه القصة في دار متواضعة أو قصر يقوم على السهل لما أجروا ما أجروا من الأحداث، ولما أصابهم ما أصابهم من الخطوب.

فغرفات القصر وحجراته، وأفنية القصر وأبهاؤه، وهذه الدهاليز الكثيرة الملتوية، وهذه النجوم المتقابلة المتدابرة، وهذا الزهر المنسق المنمق، كل أولئك قد فرض على أهل القصر لونًا أو ألوانًا من الحياة لم يكونوا يستطيعون إلا أن يخضعوا له ويسلكوا في سيرتهم ما يلائمه، وكل أولئك قد أغرى هذا الشخص أو ذاك من أشخاص القصة بهذا العمل أو ذاك من أعماله، وبهذا القول أو ذاك من أقواله، بحيث لم يكن بد من أن تحدث هذه الأحداث في هذا المكان المقسوم لها دون غيره من الأمكنة، وإلا لبطلت قواعد الفن، ولفسد التاريخ الأدبي، ولذهب الأدباء بإنتاجهم الأدبي كل مذهب وسلكوا به كل سبيل، لا يخضعون لأصل من الأصول، ولا يتقيدون بقانون من القوانين التي وضعها أرسطاطاليس وأسلافه وأخلافه ولم يفرغوا من وضعها إلى الآن.

وإذن فلا بدَّ لهذه القصة من ربوة عظيمة الارتفاع والاتساع، ومن قصر شاهق، وشجر باسق، وزهر رائق، ونجم شائق، ونهر دافق يجري من تحت هذا كله في أناة حينًا وفي عنف حينًا آخر، فإذا فُقِد شيء من هذا ضاعت القصة وما أظنك ترغب في أن تضيع؛ فأنت محتاج إليها لتنفق الوقت في القراءة، وأنا محتاج إليها لأنفق الوقت في الإملاء، والمجلة محتاجة إليها لتملأ عددًا من صفحاتها قليلًا أو كثيرًا.

كل شيء يضطرني إلى أن أملي، وكل شيء يضطر المجلة إلى أن تنشر، وكل شيء يضطرك إلى أن تقرأ، وكل أولئك يفرض علينا جميعًا أن نقبل هذه الربوة وما فيها وما عليها لنمضي فيما يُسِّرَ له كل منا من الكتابة والنشر والقراءة. فلتكن هذه الربوة ما دام لا بُدَّ لها ولنا من أن تكون، ولكنها لا تستطيع أن توجد في القاهرة؛ لأن شاطئ القاهرة منبسط مستوٍ ليس فيه نجاد ولا وهاد. فلو زعمنا أن الربوة قائمة في هذا المكان أو ذاك من المدينة لاستطاع من شاء من القراء أن يواجهنا بالإنكار ويخاصمنا بالحقائق الواقعة، ويضيع علينا القصة وما بذلنا في كتابتها ونشرها وقراءتها من الجهود.

وأكاد أعتقد أن هذه الربوة لا توجد على شاطئ النيل في مصر كلها، فلست أزعم أني قد تتبعت الشاطئ المصري كله على النيل، ولكني لم أسمع قط عن ربوة كهذه الربوة، ولا عن قصر كهذا القصر. ولو قد وُجِدت هذه الربوة وقصرها الشاهق وجنتها الرائعة لكثر عنها الحديث في كتب الخطط أولًا، وفي الصحف والمجلات ثانيًا، وعلى ألسنة الناس بعد ذلك؛ لأن جوَّ مصر من الصفاء والنقاء بحيث لا يخفى شيء فيها على أحد من الناس إلا أن تتكاثف عليه الرمال كما تتكاثف على الآثار. وقصتنا لم تحدث في العصر القديم، وإنما نزعم أنها حدثت في هذا العصر الذي نعيش فيه، عاصرتنا أو سبقتنا إلى الوجود بوقت قصير جدًّا.

ومن الجائز أن تكون هذه الربوة مسحورة، تُوجَد لتفنى، وتفنى لتُوجَد، تظهر اليوم لتستخفي غدًا، وتستخفي غدًا لتظهر بعد غد؛ شأنها في ذلك شأن كثير من المدن والقرى التي يتحدث عنها القصاص ويراها الرحالون في قلب الصحراء أو في أطرافها. ولكني أستبعد ذلك، لا لأنه في نفسه بعيد أو مخالف لقوانين الطبيعة؛ فقوانين الطبيعة لا تستطيع أن تثبت أمام قوانين الفن، وقوانين الفن تبيح أن توجد الربى وتفنى، وأن تظهر وتخفى، بل هي تبيح أن توجد هذه الربوة في مدينة القاهرة نفسها إلى أن تقع أحداث القصة. ثم تمضي بما عليها ومن عليها كأن لم تغنَ بالأمس، وما دام الزمان يمضي فليس بأس من أن يمضي المكان كما يمضي الزمان. وإذا استبعدت أن تكون هذه الربوة في مدينة القاهرة، فمصدر ذلك أن القُرَّاء يتفاوتون في الثقافة ويختلف علمهم بأصول الفن. وما أحب أن ينجم لي منهم قارئ أو قُرَّاء يزعمون لي أن لا وجود لهذه الربوة في القاهرة ويجادلون فيما لا معنى للجدال فيه.

وأنا مع ذلك أستبعد أن تكون هذه الربوة مصرية لعلة أخرى لا تتصل بطبيعة الأرض ولا بتقويم البلدان، وإنما هي أعظم خطرًا من طبيعة الأرض ومن تقويم البلدان؛ لأنها تتصل بالأخلاق، فأهل مصر كلهم أخيار أبرار. لا يحبون شيئًا كما يحبون العدل، ولا يبغضون شيئًا كما يبغضون الجور، ولا يؤثرون شيئًا كما يؤثرون ذُكاء القلب وصفاء النفس وطهارة الضمير، ولا يرفعون أنفسهم عن شيء كما يرفعونها عن مقارفة الإثم ومصاحبة الفساد، ينأون عن السيئات أشد ما يكون النأي، ويتجافون عن الموبقات أشد ما يكون التجافي، وينزهون أنفسهم عن الخطيئة أشد التنزيه؛ فلست ترى بينهم قويًّا يستذل ضعيفًا، ولا غنيًّا يستذل فقيرًا، ولا ناعمًا يستطيل على بائس، ولا سعيدًا يستخفُّ بشقيٍّ. ولست ترى بينهم متعجلًا للمنفعة، ولا مؤجلًا لعمل من أعمال البر، ولا مضحيًا بمصلحة الكافة في سبيل المصلحة الخاصة، ولا مؤثرًا لنفسه بالخير من دون مواطنيه.

ولست ترى بينهم من يستحب الحياة الدنيا على الآخرة، ويؤثر العاجلة على الآجلة، ويتهالك على اللذات لا يصطنع في سبيلها أناة ولا وقارًا، ويقبل على الآثام لا يرى في الإقبال عليها حرجًا ولا جُناحًا؛ لست ترى من بينهم أحدًا يهم بشيء من ذلك أو يفكر فيه أو يصد نفسه عنه متكلفًا من الجهد قليلًا أو كثيرًا، وإنما هم قوم فُطِروا على البر والإحسان، ورُكِّبت في طبائعهم خصال التعاون والتناصف والاستباق إلى الخيرات، وائتلفت أذواقهم من حب الجمال المادي والمعنوي؛ فهم يكرهون أشد الكره القبح الذي تتأذى به العيون، وهم ينفرون أشد النفور من القبح الذي تشمئز منه النفوس، حياتهم الأولى في هذه الدنيا مشاكلة كل المشاكلة لحياة الصالحين المقربين في الجنة التي وعد الله عباده المتقين. وفي هذه القصة، كما سترى، شيء من ظلم وجور، وشيء من استطالة واستعلاء، وشيء من الاستئثار باللذات في غير تحرج، والإقدام على الآثام في غير تحفظ، والاستهتار بما يأبى الرجل الكريم أن يستهتر به أو يظهر الناس على ميله إليه ورغبته فيه. فلا يمكن إذن أن تحدث هذه القصة في مصر؛ لأن أحداثها منافرة أشد المنافرة للمعروف المألوف من أخلاق المصريين في عصورهم المختلفة وفي عصرهم هذا الحديث خاصة؛ لأن الأخيار يمضون في الخير كلما تقدم الزمان، كما أن الأشرار يتخففون من الشر كلما ارتقت الحضارة. وأكبر الظن أن حياة المصريين قد بلغت من الصفاء والنقاء على تقدم الزمن طورًا ليس بينه وبين حياة الملائكة في السماء إلا آماد قصار. وإذا كان الجيل المعاصر منهم يسعد بهذه الحياة الراضية الرخية النقية أكثر مما سعدت الأجيال الماضية، فإنه على سعادته العظيمة شقي بالقياس إلى ما ستظفر به الأجيال المقبلة من هذه السعادة التي لا يمكن أن تُوصَف بلغة الناس؛ لأنها لم تُقدَّر للناس في حياتهم الدنيا.

ليست هذه القصة مصرية إذن؛ لأن مكانها لا يوجد في أرض مصر، ولأن أشخاصها لا يعيشون في جو مصر، ولأن أحداثها لا تلائم طبائع المصريين. وإذن فقد تسأل نفسك كما أسأل نفسي: أين وقعت أحداث هذه القصة؟ والحق أن الجواب عن هذا السؤال ليس شاقًّا ولا عسيرًا؛ فما أكثر البلاد التي ترتفع فيها الربى على ضفاف الأنهار، وترتفع فيها القصور الشاهقة المترفة على قمم الربى! وإذا لم تكذبني الذاكرة فإن شاعرًا من أصحاب الموشحات قد صور لنا ربى كثيرة في إسبانيا، كان يطلب إلى السحب أن تجلل تيجانها بالحلي، وأن تجعل منعطفات الجداول لها أساور من لجين، وإن شئت فقل أساور يختلف معدنها باختلاف ما يُلقَى عليها من الضوء وما يُعكَس عليها من الألوان؛ فهي من فضة حين يمتع النهار، وهي من ذهب حين يترقرق على صفحاتها ضوء الأصيل.

والمهم أن هذا الشاعر الموشح الموفق قد دلنا على مكان هذه الربوة الرائعة التي يقوم عليها هذا القصر المنيف. فلنقل إذن إنها في إسبانيا. وأنت تعرف أن إسبانيا هي البلد الذي يبني الخيال فيه ما يشاء من القصور ومن القصور المطاوعة التي ترتفع في السماء وتتسع في الفضاء ما شئت لها الارتفاع والاتساع، والتي تنخفض وتنقبض حين تريد لها الانخفاض والانقباض، والتي تندك وتنهار وتصبح أطلالًا بالية حين تريد أن تقف عليها كما كان يقف الشعراء القدماء على أطلالهم، وأن تنشد عليها هذا الشعر الذي أنشده النابغة على طلله القديم:

يا دارَ ميَّةَ بالعلياءِ فالسَّنَدِأَقْوَتْ وطال عليها سالِفُ الأمَدِوقفتُ فيها أصيلًا لا أسائلهاأعيت جوابًا وما بالرَّبْعِ من أحدِ٢

ربوتنا إذن في إسبانيا، قد أشرفت على نهر من أنهارها، وانحدرت إليه كما قلت في سهولة ويسر، واتخذت لنفسها من الشجر والزهر تاجًا رائعًا بارع الجمال، واتخذت لتاجها هذا الرائع البارع من ذلك القصر الشامخ الباذخ الأنيق درة نادرة المثال منقطعة النظير، تستطيع أن تلتمس لها اسمًا بين هذه الدرر الكثيرة التي يأتلف منها كتاب العقد الفريد لذلك الكاتب الشاعر الأندلسي العظيم.

ولكني لم أصف الربوة حق وصفها ولم أصورها كما ينبغي لها أن تُصوَّر، فأنت لا تحسن الوصف والتصوير لشيء من الأشياء إلا إذا وصلت به ملحقاته التي تكمله وتعطيه صورته النهائية، إن أُتِيح لشيء من الأشياء في هذه الحياة أن يظفر بصورته النهائية في يوم من الأيام. ولهذه الربوة ملحق لا يمكن إهماله؛ لأن إهماله يخل بنظام القصة إخلالًا خطيرًا، فالجمال لا يستقيم إلا إذا جاوره القبح، والنعيم لا يكمل إلا إذا جاوره الجحيم، وما ينبغي أن تحتج عليَّ بنعيم الجنة وجمالها، فنعيم الجنة وجمالها لا يستقيمان إلا إذا كان بإزائهما قبح جهنم وما يصلى الخاطئون فيها من نار الجحيم.

لا بد إذن من أن أتم تصوير الربوة بشيء من الحديث عن هذا الملحق الذي لا يستقيم أمرها بدونه. وهذا الملحق قرية تقوم على السهل المنبسط مما يلي الربوة، وهي بعيدة الأرجاء، مترامية الأطراف قبيحة المنظر إلى أقصى غايات القبح، تقوم فيها دور منخفضة لا تكاد ترتفع في الجو إلا قليلًا، لم تُتَّخَذ من الحجر ولا من الآجر ولا من اللبِن، وإنما اتُّخِذت من الطين قد صُنِع صناعة غليظة خشنة وأُسنِد بعضه إلى بعض وأُقِيم بعضه على بعض، فائتُلِفت منه بيوت كانت تريد أن تكون جحورًا تُتَّخَذ في باطن الأرض، ولكن أهلها لم يجدوا من القوة ولا من الجهد ولا من المال ما يمكنهم من احتفار الجحور في الأرض، فآثروا أيسر الأمرين واتخذوا دورهم من هذا الطين المهمل الغليظ.

وقد قامت هذه القرية البائسة، في هذا السهل المنبسط، على شاطئ النهر الجميل، وإلى جانب الربوة الرائعة، ليعلم الناس وليعلم النهر أيضًا، وليشهد النهار المشرق والليل المظلم، وليسجِّل التاريخ الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها أن الحياة مزاج من الخير والشر، ومن النعيم والبؤس، ومن الجمال والقُبح، ومن السعادة والشقاء، وأن تمايز الأشياء وتفاوت الأحياء أصل من أصول الوجود. فلولا الفقر ما كان الغنى، ولولا البؤس ما كان النعيم، ولولا الانخفاض ما كان الارتفاع، ولولا الضيق ما كانت السعة.

ولست في حاجة إلى أن أفصل ما تمتاز به الربوة من جمال، وما تمتاز به القرية من قبح. فقد لا يكون من الخير ولا من الذوق ولا من حُسن الرعاية للقراء أن أستأثر وحدي بهذا الوصف؛ فأنا لم أستأثر بالخيال من دون القراء، بل أنا قد أكون أقلَّ الناس حظًّا من الخيال وقدرة على الوصف وبراعة في الأداء، ولم يخلق الله أديبًا يستطيع أن يستأثر وحده بوصف ما يعرض على قرائه من الأشياء والأحياء؛ فهذا الوصف شركة دائمًا بين الأديب المنتج والقارئ المستهلك.

وليس من المحقق أن الأشياء التي يعرضها الأدباء تقع في نفوس القُرَّاء كما يعرضونها عليهم، وإنما الشيء الذي ليس فيه شك أن القُرَّاء يشاركون في الخلق والإنشاء، ويسبغون من ذات أنفسهم على ما يجلو لهم الكتاب من صور ألوانًا لعل الكُتَّاب أنفسهم لم يروها، ولعلها لم تخطر لهم على بال؛ فهذه الربوة التي تحدثت عنها وهذه القرية التي أشرت إليها، تقعان من نفوس القُرَّاء على اختلافهم مواقع مختلفة متباينة، لعلها لا تلتقي ولا تتشابه إلا في القليل، فالإنتاج الأدبي إذن شركة بين الأديب وقارئه، وليس الأديب في حقيقة الأمر إلا رائدًا يمهد الطريق.

وما ينبغي للقُراء إذن أن ينخدعوا عن أنفسهم، ولا أن يخلعوا على الأدباء هذه الخصال الرائعة التي تثير فيهم الغرور وتغريهم بالكبرياء. والذي أريد أن أصل إليه هو أني أعتمد على القُراء في أن يُعمِل كل منهم خياله ما وجد إلى إعماله سبيلًا؛ ليصور لنفسه هذه الربوة جميلة كأروع ما يكون الجمال، وهذه القرية قبيحة كأبشع ما يكون القُبح، وألَّا تكون قراءتهم سلبية غير ذات غناء. فهذه القصة لا تحتمل القراءة السلبية، وإنما هي تريد، بل هي لا تقوم إلا على المشاركة الإيجابية بين الكاتب حين يرسم الخطوط وبين القارئ حين يتم الرسم ويملأ ما بين الخطوط من فراغ لعله ترك عن إرادة وعمد.

ولعل القارئ يظن، وهو معذور إن ظنَّ، أن هذا الحديث قد طال وأسرف في الطول قبل أن يصل إلى أول هذه القصة، فكُتَّابُنا قد عَوَّدوا القُرَّاء أن يهيئوا لهم الأدب كما يُهيَّأ لهم الطعام؛ فليس على القُرَّاء إلا أن يقرءوا ويسيغوا، كما أنهم أو كما أن بعضهم ليس عليه إلا أن يجلس إلى مائدة الطعام في مواعيد موقوتة ليمضغ ويسيغ.

أما أنا فلا أحب هذا اللون من الطهي الأدبي؛ لأني أكبر نفسي وأكره أن أكون خادمًا للقُرَّاء من جهة، ولأني أكبر القُرَّاء وأكره أن تكون آذانهم أفواهًا وعقولهم بطونًا يُلقَى إليها الكلام فيسمعون ثم يسيغون، لا أحب شيئًا من هذا، وإنما أحب أن أنشئ بيني وبين القُرَّاء نوعًا من الزمالة، بحيث نبدأ القصة معًا، ونمضي فيها معًا، وننتهي منها معًا، نتفق أحيانًا ونختلف أحيانًا أخرى، ويشجر بيننا الخصام من حين إلى حين.