٣

6 0 00

٣

قد كدنا نصل إلى أول القصة، وإن كنا لم نخطُ فيها خطوات واسعة فيما أعتقد، فليست القصة حكاية للأحداث وسردًا للوقائع كما استقر على ذلك عُرف النُقَّاد والكُتَّاب، وإنما القصة فقه لحياة الناس وما يحيط بها من الظروف، وما يتتابع فيها من الأحداث. وإذا كان الأمر كذلك — وهو عندي كذلك — فنحن قد بدأنا القصة منذ الكلمة الأولى من هذا الحديث. وعلى كل حال فليس بيننا وبين الأخذ في عرض الحوادث إلا شيء واحد، وهو أن نتبين الصلة بين القرية المُلقاة على السهل والربوة المشرفة على النهر. وهذه الصلة قريبة كل القُرب، يسيرة كل اليُسر، ليست بعيدة ولا عسيرة كالصلة بين القصر وقريته في قصة الكاتب المعروف كفكا Kafka؛ لأني لا أصطنع في حديثي رمزًا ولا إيماء، وإنما أصطنع الصراحة التي تؤثر الجلاء وتكره الغموض. والذين قرءوا قصة «القصر» لهذا الكاتب ذي الصوت البعيد، يعرفون أن قصره إنما هو رمز للعالم العلوي، وأن قريته إنما هي رمز للعالم السفلي، ومن هنا تعقدت الصلة بين هذين العالمين. أما ربوتي أنا فهي ربوة من هذه الرُبى التي يراها الناس في كل يوم ويقرءون عنها في كل كتاب من كُتب الأدب، وليس أدل على ذلك من أني قد استعرتها من ذلك الشاعر الأندلسي القديم، وأما قصري أنا فهو قصر من هذه القصور التي يشهدها الناس حين يُصبحون وحين يُمسون، قد بُني من المادة التي تُبنَى منها القصور، وأُثِّث بالأثاث الذي تزدهي به القصور، وأُترِف أهله كما تعوَّد الناس أن يُترَفوا في هذه الحياة التي نحياها، وفي هذا العصر الذي نعيش فيه، فمن أيسر الأشياء أن يهبط رجل من أهل القصر إلى القرية، ليس عليه في ذلك إلا أن يمضي أمامه حتى يقرب من شاطئ النهر، ثم ينعطف إلى يمين فيرى أمامه طريقين إحداهما ممهدة تمهيدًا حسنًا كأنها أُعدت لصعود السيارات وانحدارها، والأخرى ممهدة تمهيدًا مقاربًا ضيقة بعض الضيق، ولكنها أقصر من الأخرى، وهي الطريق التي يسلكها الراجلون، وقد يرى فيها الفرسان الذين يمتطون الخيل.

وكذلك يستطيع الرجل من أهل القرية أن يرقى إلى هذا القصر على قمة الربوة سالكًا الطريق الأولى إن أراد التيسير على نفسه بالسعي الهين والرقي السهل، وإن أراد كذلك أن يلهو بما يلقى في طريقه من هذه السيارات الصاعدة الهابطة بمن فيها من السادة والقادة والغادات الحسان وسالكًا — إن شاء — الطريق الأخرى إذا لم يشفق من التصعيد العسير الملتوي، وإذا كان حريصًا بنوع خاص على أن يبلغ القصر في أقصر وقت ممكن وفي غير تلكؤ أو إبطاء.

هذه هي الصلة المادية بين الربوة والقرية، وهي — كما ترى — قريبة ميسرة. فأما الصلة المعنوية فأشد من الصلة المادية قُربًا وأعظم منها يُسرًا، وهي صلة السادة بالخدم، أو صلة الخدم بالسادة لا أكثر ولا أقل، وما ينبغي أن تظن أن أهل القرية جميعًا خدم يعملون في القصر يرقون إليه مع الصبح ويهبطون منه مع الليل؛ فأهل القرية ليسوا من هذه الخدمة في شيء، بل هم لا يرقون إلى القصر إلا قليلًا، وهم حين يرقون إليه لا يبلغونه فضلًا عن أن يدخلوه، وإنما يبلغون مكاتب الدائرة التي أُلحِقت به، فيتصلون بهذا الموظف أو ذاك لما يمكن أن يكون بينهم وبين هذا الموظف من عمل. هم خدم للقصر على هذا النحو الذي تعرفه والذي تراه في كل مكان يقوم فيه قصر فخم وتنبسط فيه أرض زراعية يملكها أصحاب القصر، ويعيش من حوله قوم يعملون في هذه الأرض ويعيشون مما يعملون؛ فجزء عظيم من السهل المنبسط في أسفل الربوة ملك لسادة القصر، وأهل هذه القرية هم الفلاحون الذين يزرعون هذه الأرض ويستغلونها ويستخلصون خيراتها لسادتهم، يُقدمون إليهم كل هذه الخيرات ويعيشون على ما يسَّاقط منها هنا وهناك وعلى ما يتفضل به عليهم سادتهم من الفتات. لا يملكون شيئًا، وليس لهم أمل في أن يملكوا شيئًا، لا يكادون يملكون أنفسهم، وليس لهم أمل في أن يستقلوا بملك أنفسهم.

هم أحرار في ظاهر الأمر يذهبون ويجيئون، ويستيقظون وينامون، ولكنهم رقيق في حقيقة الأمر؛ لأنهم لا يذهبون إلا إلى حيث يعملون، ولا يجيئون إلا إلى حيث ينامون، ولأنهم يطعمون ما أُرِيد لهم أن يطعموا لا ما يريدون هم أن يطعموا. ولعلهم لا يريدون أن يطعموا إلا ما يُسِّر لهم؛ لأنهم لا يعرفون غير ما يُسِّر لهم، ولا يستطيعون أن يطمعوا فيما لا علم لهم به. ولأنهم بعد ذلك لا يستطيعون أن يتصرفوا في شيء لأنهم لا يجدون شيئًا، ولا يطمعون في أن يجدوا شيئًا يمكن أن يتصرفوا فيه. هم أحرار كالعبيد، وعبيد كالأحرار. ليسوا راضين ولا ساخطين؛ لأنهم لا يعرفون الرضا ولا السخط، وإنما يعيشون كما تعيش النمل تدفعهم الغريزة وتدبر أمرهم إرادة سادتهم في القصر. ويجب أن نعترف بأن هؤلاء السادة قُساة القلوب غِلاظ الأكباد، يؤثرون أنفسهم بكل شيء، ولا ينزلون لغيرهم عن شيء؛ ولأجل هذا قلنا إنهم لا يمكن أن يكونوا من المصريين.

وقد آن للحوادث أن تحدث، وللقصة أن تأخذ طريقها إلى الوجود إن لم تكن قد أخذته من قبل.

وأول ما نشهده من حوادث القصة منظر هذا الشاعر الذي نيَّف على الستين، ولكنه احتفظ بقوة توشك أن تكون قوة الشباب، وهو على ذلك يتكلف الشيخوخة ويتصنع الضعف حين يراه سادة القصر، وهو لا يمشي إلا متوكئًا على عصا يُسرف في الانحناء عليها إذا رآه الناس، فإذا خلا إلى نفسه اعتدلت قامته واستقام قدُّه، ونظر إلى ما حوله معجبًا تيَّاهًا. وقد تَعوَّد صاحب القصر الذي سنعرفه بعد قليل أن يراه منحنيًا يمشي على ثلاث، كما كان يقول أبو الهول في سؤاله لأوديب، فكان كلما رآه أنشد متضاحكًا ساخرًا قول جرير:

وتقول بوزع قد دببتَ على العصا هلا هزئت بغيرنا يا بوزع ونحن نرى هذا الشاعر الشاب الشيخ وقد خرج من الجناح الذي يقيم فيه عن يمين القصر، وسعى منحدرًا في بطء وتمهل يريد أن يبلغ المجلس الذي تعوَّد أن يلقى فيه صاحب القصر في جوسق جميل على شاطئ النهر، ولكنه يلقى في طريقه شيخًا لا حظ له من قوة ولا من شباب وهو البستاني عثمان الذي يقول له في صوته المتهالك المحطم: «في المكتب يا سيدي! في المكتب، إنه لم يخرج اليوم من مكتبه ولم يهبط إلى الحديقة ولم يقف عند أزهاره التي تعوَّد أن يُطيل الوقوف عندها.» قال الشاعر الشيخ الشاب: «عِمْ صباحًا يا عثمان، في المكتب! ماذا سيصنع سيدك في المكتب؟ أيمكن أن يعيش الناس تحت السقوف وبين الجدران حين تصفو السماء وتتألق الشمس وتزين الأرض ويتهادى النهر على هذا النحو! دعه في المكتب يا عثمان، ولا تؤذنه بمكاني إلا أن يسألك، ولكن أرسل إليَّ القهوة، قدحين لا قدحًا واحدًا، وقف على إبراهيم حتى يتقنها، فأنت تعرف القهوة التي أحب.» قال عثمان: «طاعة يا سيدي! ولكني رأيت مولاي عابسًا هذا الصباح كما لم أره قط.» قال الشاعر: «عابسًا! عابسًا! لقد أدركه بعض الخبل، إنه يعبس والدنيا باسمة، ويحبس نفسه وكل شيء يدعوه إلى أن ينعم بهذا الجمال، دعه محبوسًا عبوسًا، وأرسل إليَّ قهوتي ولا تنبئه بمحضري إلا أن يسألك.»

ثم مضى أمامه منحنيًا على عصاه مستأنيًا متمهلًا، حتى بلغ الجوسق، فجلس إلى المائدة ونشر أمامه أوراقًا، وأخذ بيده قلمًا وجعل يطيل النظر إلى النهر كأنما كان يستمليه، ثم يكتب متباطئًا على ما بين يديه من الأوراق.