(1)
النـخبـة
"التطلع إلى الفردوس ...
هو في حد ذاته فردوس"
(جبران خليل جبران)
حزم الدكتور عصام حقائبه، تاركاً القاهرة متوجهاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية الدولة التي حصل فيها على شهادة الدكتوراه في مجال الإعلام. كان هاجسه الأول والأخير الوصول إلى درجة متقدمة في مجال الحرية الإعلامية في الوطن العربي. فأمضى قرابة العشرين عاماً في تدريس المواد الإعلامية في الجامعة التي ابتعث منها، وأحس أنه قدَّم كل ما يستطيع تقديمه حول معضلة الحرية الإعلامية.
قرر الحصول على التقاعد المبكر، ومن ثم العودة إلى الولايات المتحدة. كتب العديد من الدراسات والبحوث حول الحرية الإعلامية، حتى أنه دخل مجال إنتاج مادة تلفزيونية عن الحرية الإعلامية؛ قدمها ممثلون من أفضل الفنانين العرب.
كانت خطوته الأولى عندما أهدى بحث الماجستير إلى الرئيس الأمريكي الراحل توماس جفرسون بسبب مقولته المشهورة التي بينت أهمية قوة الصحافة "إذا خيِّرت بين وجود حكومة بدون صحافة، أو صحافة بدون حكومة، لاخترت الثانية بلا أدنى تردد"، هذه المقولة سمعها الطلاب العرب الذين درسوا معه المادة، والذين من قبله ومن بعده، ولم يقفوا لها وقفة احترام وإجلال مثلما فعل الدكتور عصام.
دخل العالم في بوتقة العولمة الإعلامية، ولكن معضلة الحرية لم تنحل بعد كما يراها هو.
يرى أن التقدم في السن حالة نفسية وليست أرقاما حسابية، يريد أن يتمتع في مستقبله على رغم تجاوزه سن الخمسين. ظل في الولايات المتحدة بعد تقاعده لمدة ثلاث سنوات تقريبا ينتقل من ولاية إلى أخرى زار خلالها الجامعة التي احتضنته وحمل اسمها في وثيقة التخرج، ولكن طيلة تنقله لم يستغن أبداً عن متابعة أحداث المنطقة التي زرعت داخله الخوف والجبن والفشل. قرر العودة إلى بلده بعد جولته غير القصيرة التي أراد منها أن يستذكر ذكرياته الأكاديمية خارج بلده. اشتاق لمشاهدة الوجوه المثقلة بالهموم. لقد قيل إن الشخص لا ينسلخ من جلده، والهموم شكلت له جلداً جديداً اكتسبه منذ الصغر لا يستطيع الفكاك منه. أحياناً يجعله هذا الجلد مشتاقاً إلى بني جلدته في الأسواق والمقاهي الفقيرة ليتقاسم معهم كعكة الإحباط.
تزامن وجوده في الطائرة وهو عائد إلى بلده مع عودة الدكتورة روعه حماد، الأكاديمية التي أمضت عشرين عاما في التدريس في بعض الجامعات الأمريكية، كان قد حضر إحدى محاضراتها في جامعة القاهرة كأستاذ زائر قبل عدة سنوات. وقد شدّه عنوان محاضرتها التي ألقتها بحضور مدير الجامعة وعدد كبير من الروائيين، كانت تتحدث عن آفاق الحرية في الرواية العربية، من خلال عدة روايات لكتاب عرب، كان هاجسها الأول والأخير حرية التعبير في أروقة الرواية العربية. خلال الرحلة دار بينهما حديث طويل، الحرية كانت القاسم المشترك بينهما. يسحب الحرية برهة إلى الإعلام، وتقوم هي بسحبها إلى الرواية والثقافة. حديثه مع الدكتورة روعه في الطائرة قاده إلى التعرف على أشخاص آخرين، تمنى لو أنه عرفهم من قبل، فالدكتورة عرفته على صديقتها مديرة تحرير صحيفة "الاثنين"، ومجموعة من الشباب الواعد.
وقع الدكتور عصام في خانة الذين يرون الحياة بمنظور عاطفي يجعله متأثراً ومستنفراً دائماً حول قضية الحرية التي عافها بعض الفلاسفة ومن تبناها بسبب محدودية الحياة المحاصرة بالموت، وفي ضوء تأثره العاطفي أصبح يهرب إلى عالم الإبتسامة والمواقف الفكاهية. فعلاقته مع الكوميديا متلازمة كعلاقة الروح بالجسد، فلو اختصر الحالة ونظر للحياة بعقله لاكتشف أن الحياة بطبعها كوميديا مجنونة ليست في حاجة إلى الفكاهة.
أخيراً، أرادت الدكتورة روعه أن تستقر في بلدها بعد انفصالها عن زوجها والد إبنها أكثم وعادت إلى مصر. خلال الفترة التي أمضتها في الولايات المتحدة درّست خلالها مادة الحب في جامعة شيكاغو عدة سنوات. إمرأة قوية الشخصية توَّجت جرأتها بثقافة واسعة استطاعت خلالها أن تسيطر على أي درجة من درجات الغضب أو تضخم الذات. تعمل جاهدة على إحداث حراكٍ ما على من حولها كي تقوم بالرسالة الحقيقية للمثقف. لا يستفزها أي نقد لها أو لمشاريعها الثقافية.
دبجت الدكتورة روعه عشرات المقالات التي زاوجت فيها بين مفهومي الحب والحرية، وكانت تنشرها في صحيفة "الإثنين" التي تدير تحريرها السيدة سعاد الصالح والدة الشاب شاكر. كانت العلاقة بينهما قوية جداً من قبل سفر الدكتورة روعه، وازدادت خلال وجودها هناك من خلال زاويتها الأسبوعية والتي تعنونها ﺑ "سؤال الحرية". وأيضاً بعد الزيارة التي قضتها سعاد وإبنها شاكر في الولايات المتحدة لمدة ثلاثة أشهر مع الدكتورة روعة. اعتبرت السيدة سعاد هذه الرحلة من أجمل أيام حياتها على الإطلاق، قضتها عند صاحبة القلب الحنون، التي لا يعرف البخل طريقاً إلى قلبها أو يدها. طافت بها أغلب المدن الأمريكية، من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، حتى أوصلتها "جزر الهاواي". كلام كثيف من داخل الدكتورة روعه تحدثت به مع صديقتها سعاد. وفي أوقات أخرى تحكي لها سعاد معاناتها مع الصحافة والقضايا التي تؤرقها بعض الأحيان.
وعلى النقيض من الدكتور عصام رسم الشاب شاكر لنفسه منهجاً مختلفاً عن الذين يحيطون به، يبرمج خططه على قصر فترة وجود الإنسان على كوكب الأرض؛ إذ يرى أن من واجبه التمتع بالسويعات التي يمتلكها مع آلة الموسيقى. أبعد نفسه مسافة طويلة عن أية حرارة قد تقوده إلى الإحتراق من أجل الآخرين، إنما الذات هي محل اهتمامه أو بالأصح الإهتمام المؤقت. إنه لا يقف عند أية إشارة تقول له: فلان صار له ما صار، أو أن الأمة العربية تنتحر كما ينتحر شخص فقد الأمل بعيشة هنيئة.
خطى خطوات واسعة أولاها عندما أوقف مضمون إسمه الذي ارتبط به منذ الصغر؛ فكان اسمه شايل، إختارته له أمه ليكون امتداداً لشخص ارتبطت به في السابق، يحمل هموم وطن وأمة كاملة.
لقد قبل بالتعديل الذي طرأ على إسمه فأصبح ينادى "شاكر" على الرغم من أن أوراقه الثبوتية تقول إن إسمه الحقيقي شايل سعد، وكأنه يريد أن يوصل رسالة إلى أمه مفادها أن تغيير الإسم أراد منه أن يمسح من تفكيرها أية مطالبة منها له بتحمل أية مسئولية تجاه الآخرين، سواء من يحيط به أو القضية المصيرية للأمة العربية.
إنَّ الافتتان بالوطن والدين أمران غير موجودين في تفكيره. وهبه الله قوة شخصية وعذوبة صوت وطول قامة، كلها صفات تخدم الذي يريد أن يستفيد منها، ويوصل من خلالها رسائل ومضامين تؤثر في الآخر، وهو خال تماماً من أية أدلجة أو تسييس لمشاريع سواءٌ أكانت صغيرة أم كبيرة، يرفض انتهاك الخصوصيات أو التلاعب بمشاعر الآخرين، يحس بمشاكل الآخرين وبسرعة، لكنه لا يجعلها على حساب سعادته اليومية المقدمة على كل شيء. إنه بعيد جداً عن حب الجسد، حبّه كحب عنترة لعبلة، وقيس لليلى.
هاهي المحامية "ريم" التي تخرجت في الجامعة الأمريكية من القاهرة تقع في فتنة حبها لشاكر، وهو يدير ظهره لها كي لا يقع في حبها، على الرغم من الخصال الجميلة التي تمتلكها. هذه الخصال الربانية التي تشتمل على طول القامة، وجمال الوجه، وجاذبية الشخصية، والذكاء الحاد، قد اصطادت شاباً عربياً في مقتبل العمر هو أكثم، أتى من بلجيكا ليستقر في بلده ويتزوج، ثم سقط في فتنة حب المحامية ريم.
هل يصمد شاكر أمام عنفوان حب ريم التي قد تكون سقطت في لعبة الحظ الذي يقف إلى جانب أشخاص دون آخرين، وبذلك يكون شاكر نصيباً لامرأة أخرى أقل بكثير من إمكانات ريم. وتستمر عجلات الحظ نزولاً وارتفاعاً في مسيرة القدر. فالصفات الرائعة التي تمتلكها ريم موجودة عند أكثم حيث يقول العقل؛ أكثم أفضل بكثير من شاكر من واقع شخصية ريم، دفؤها نفس الدفء الموجود لدى أكثم، الإحتراق من أجل الآخرين صفة مشتركة بينهما، الشفافية ميزة واضحة لديهما. إنهما يشكوان دائما من سلبيات الآخرين ومحاولة الوصول إلى درجة من الكمال.
أما شاكر على النقيض تماماً لا يشكو أبداً، ويرى أن هذه الصفة سلبية لدى الإنسان، تمنعه من التمتع بالحياة وجمالها. عاش فترة قصيرة من حنان الأب "سعد"، سبع سنوات جعلته يحب خلالها آلة الجيتار وسماع الأغاني، أدخله والده معهداً لتعليم الموسيقى، ولم تكن أمه سعاد مستاءة من ذلك.
كان الأب يرى أن الموسيقى تهذب الروح وتبرز العبقرية التي في قلبه وتوقد الذهن. ولكن جدَّ في الأمر جديد، جعل الأم تغير رأيها في تشجيعها لابنها شاكر، لكن بعد فوات الأوان.
من ينظر إلى هذه المجموعة يجد أن هناك نوعاً من الإختلاف البسيط، ولكنه لم يقم على زرع أي نوع من العداء أو الكراهية، بل تقع أخطاء ليست قاتلة أو تصادمية. إنهم نتاج ثقافة واحدة، تأثر البعض بثقافات أخرى نتيجة إيمانهم بتلاقح الأفكار. في السياق العام هناك تقارب في أغلب وجهات النظر، لأن عازف الجيتار شاكر لم يشأ أن يخلق جواً من الصراع، إنما صهر الجميع في بوتقة جيتاره؛ ووحّدهم لفترات ينطلقون بعدها إلى متابعة شؤونهم التي هي مرآة تنعكس عليها رؤيتهم الخاصة لفلسفة الحياة.
كان شاكر يتأمل جميع الوجوه المحيطة به، والتي يجتمع بها بشكل شبه يومي، ولم يعطهم أي جواب عن تساؤلاتهم بينما أخذت ريم تتلمس طريق الفرح، ولكن إلى أي حد سيستمر السير في هذا الطريق؟!
أعجب الدكتور عصام بشاكر وشخصيته فهو لا يؤمن بقصة الإحتراق من أجل المبادئ والآخرين. لكن هذا الإعجاب أتى متأخراً بعد أن تجاوز الدكتور عصام سن الخمسين واحترق عشرات بل ألوف المرات، وظهرت رائحة شوائه، كأن الإنسان قدر عليه أن يعيش في محطة. مع أنه متأكد أن القطار لن يمر منها، وأنه لن يكمل مشواره الذي يصبو إليه، فقرر أن يرتاح ويتكيف مع من فيها.