(2)
وجه ونصف
"النساء أشجع مما نتوهم"
(فولتير)
كان الكلام الذي دار بين الدكتور عصام والدكتورة روعه بالغ الأثر على نفسيتيهما، إنهما وجه ونصف لعملة واحدة إسمها الحرية التي تضع نصب عينيها حقوق الضعفاء الذين هم في حاجة ماسة إلى من يأخذ بأيديهم ويضعهم على الطريق السليم.
أصبح الدكتور عصام بنصف وجه لأن خطوته بدأت تتراخى لقد أصيب بمرض رخاوة الإرادة؛ حاله مثل ألوف النخب المثقفة في الوطن العربي التي أصيبت بالمرض ذاته، وقل من تجده في خندق الصمود. فالوقت الحاضر زمن هزائم ضربت أخلاقيات الإنسان بلا هوادة، فهو محاصر بالجوع والمرض والظلم من الداخل والخارج.
أما الدكتورة روعه فلها نصيب من اسمها؛ وجه كامل للحرية والصمود، لم تتنازل عما سعت إليه، لقد عملت مثل سائق العربة عندما يثبت السرعة على درجة محددة، ثبتت سرعتها ووجهت عربتها سواء أوصلت إلى غايتها أم لم تصل. إنها تسير في الطريق الذي توقف في منتصفه الدكتور عصام، ولم تمهل نفسها أي فرصة للمشاورة عن إمكانية أخذ قسط من الراحة.
حين زار الدكتور عصام الدكتورة روعه في منزلها، كان مجمل ما قالته عبارة عن عتاب إنساني صادر عن قلب مثقل بهموم أمة كاملة.
وسؤال مدح:
- لماذا توقفت في منتصف الطريق، ولم تستمر في المسير؟ إنك تعيش على ماضيك وإسهاماتك السابقة. انفض الغبار الذي حط على كاهلك بعد التقاعد.
- اسمحي لي يا عزيزتي؛ أصبت بالإحباط، أنا لم أتراجع عن شيء، إنما توقفت قليلاً يمكن أن تعتبريها استراحة محارب. قد يكون وجودك دافعاً ومحركاً لي.
- لست في حاجة إلي فنحن نكمل بعضنا.
- عزيزتي أنا كالكأس الذي يوجد فيه نصف الكمية، أما أنت فالماء يفيض عن الكأس.
كان وقع كلام الدكتورة روعه عليه كالتدليك لعضلات لاعب كرة قدم نقصت لياقته، أو كجهاز حاسوب يحتاج إلى إعادة برمجة، فهل الدكتورة روعه هي من ستعيد برمجة تفكيره؟
سأل الدكتور عصام الدكتورة روعه:
- هل سيكون عندك بيات شتوي في أرض الوطن؟
- أنا لا أعرف شيئاً اسمه بياتاً شتوياً، إلا حين يلم بي عارض صحي، لكن طبيعتي كامرأة مسالمة أكره أن أصل إلى درجة التصادم مع الآخرين، لأن الحقيقة لا يملكها شخص واحد أو جماعة واحدة.
كشف الدكتور عصام جميع أوراقه أمام الدكتورة روعه على غير عادته، كان يحتفظ لنفسه بكل الأمور التي يعجز عن تحقيقها، لكن لماذا فعلها هذه المرة. ماذا تملك الدكتورة روعه كي يبوح لها بكل شيء حتى أموره الخاصة جداً؟
إنها تملك الإيمان القوي بعدالة قضيتها التي تقوم على أجمل مفردتين يملكهما الإنسان مهما كانت جنسيته أو ديانته (الحب والحرية). فهي ترى أن الحب والحرية وجهان لعملة واحدة، تؤثر ملامح كل وجه في تشكيل ملامح الوجه الآخر، فالحب الغذاء الرئيس للحرية والعملية عكسية، فكلما تغذى الحب على رحيق الحرية ثبتت جذوره في أقصى أعماق العدالة الإنسانية النسبية.
وعلى ضوء فهمها الصحيح لهاتين المفردتين وجدت الأشخاص الذين يتعاملون معها يكنون لها كل الاحترام والتقدير، ومن بينهم صديق الطائرة الدكتور عصام الذي قال لها بكل صراحة: هذه قصتي بين يديك، وفتح النار على أقفال القلب وتم إخراج الجديد والقديم.
ترى الدكتورة روعه أن هناك قواسم مشتركة بين الحب والحرية، وإلا لما جمعت بينهما مثل الصدق والمصلحة العامة، واحترام الرأي والرأي الآخر، فالحب والحرية لا يتصادمان أو يتضادان مع الأخلاق.
أوضحت الدكتورة لصديقها الجديد الدكتور عصام أن الإنحياز ليس موجوداً فقط في وسائل الإعلام فحسب، إنما موجود أيضاً في الحقل الثقافي والأدبي. فالموضوعية في النقد مثلا تعتبر عملة نادرة هذه الأيام لأن الصفاء الذهني قد فقد. فقد شوشرت على ذهن الإنسان أمور كثيرة، فنحن ندفع ثمن ثقافة العولمة بدلاً من أن نعولم الثقافة، ونخرج بتجانس وتثاقف فكري.
تعرف الدكتورة روعه أن هناك العديد من المنغصات، لكنها لم تستسلم، أو توقف عجلة مسيرتها.
يبدو أن الدكتور عصام سلم أمره للمقولة "على قد لحافك مد رجليك" وأخذ غفوة.
إن ما تحاول أن تفعله الدكتورة روعه معه هو استبدال اللحاف الموجود عنده بآخر، حتى لو أدى ذلك إلى الاقتراض، وسهر الليالي من أجل تسديد القرض، أو أن يجعل قدميه مكشوفتين، ورأسه مرفوعة حتى لو هجم عليه البعوض، فكل شيء له ضريبته في هذه الحياة. لكن تنزيل الرأس، وثني الأرجل، وتقوس الظهر في الفراش لا ينتج عنه سوى عينات قد بلعت ألسنتها، ورضيت بنصيبها.
حاول الدكتور عصام الخروج من مناقشة المواضيع الجادة والإرتماء في أحضان الفكاهة والأسئلة الإجتماعية كعلاج مهدئ لحالة الإحتراق الموجودة داخله.
أما الدكتورة روعه تناقش وتناقش وتعمل ولم تصل إلى درجة اليأس. فشخصيتها القوية المدعومة بثقافتها تبتعد كثيراً عن الوصول إلى منطقة الغضب، فطرحها العقلاني المبني على الحجج والبراهين والشواهد يمنعها من الوقوع في محرقة الغضب.
في الوقت الذي كان الدكتور عصام موجوداً في منزل الدكتورة روعه، تذكرت صديقتها القريبة من قلبها، والمشتاقة لرؤيتها إنها الأستاذة سعاد مديرة تحرير صحيفة "الإثنين". اقترحت الدكتورة روعه على الدكتور عصام أن يكتب مقالة أسبوعية في الصحيفة التي تكتب فيها زاويتها الأسبوعية "سؤال الحرية" كي لا يستسلم للفراش المعاق والمشوه، إنما يتمدد ويحرك أرجله ويسرح في القضايا الكثيرة التي تتجاوز عدد حبات الرز الهندي.
وافق الدكتور عصام على أن يكتب في الصحيفة شريطة ألا تتم تعديلات أو إضافات على المقالة أو اجتهادات من المشرفين.
- أرى أن ترفض المقالة على أن يتم نشرها وهي معدلة.
- نادراً ما تم تعديل على مقالاتي، لكن يطلب مني أن استبدل المقالة بأخرى في حالة لم يمررها الرقيب!
- لا أتخيل أن يجرى على المقالة بعض التعديلات، وهي أصلاً خضعت لرقابة ذاتية جعلتني أقرأ ما أكتبه بعين الرقيب، التي قد تدمر خلايا الإبداع والصدق والموضوعية.
- يا عزيزتي روعه إني عندما أمد رجلاي على قدر فراشي أو بالأصح على مساحة القدر الذي أتحرك في داخله أكن مرتاحاً قليلاً. دعيني أكون عبداً حراً من المطالبة واتخاذ القرار، فالحي أبقى من الميت كما يقول المثل الشعبي.
- أعرف أن مفهوم القيم الإنسانية بدأ ينحدر وأصبحت اللذة معياراً لأحكامنا القيمية. وأعرف أننا سائرون في طريق العبثية لكن لا أريد أن أصبح واحدةً من العبثيين.
داخل الدكتورة كلام كثير، لكنها لم تشأ إخراجه دفعة واحدة كي لا تخسر الدكتور عصام. وفي داخلها أيضاً إعجاب بأخلاقه الفاضلة، التي تقوم على الصدق في طرحه، وعدم المراوغة وأحست أنها غاصت في أعماق روحه وإنسانيته.
ودّع الدكتور عصام الدكتورة روعه وشكرها على كل اللمسات الإنسانية التي قدمتها له. طلب منها أن تزوره المرة المقبلة في منزله، ووافقت على طلبه بكل حرارة.
التقت الدكتورة روعه بالدكتور عصام بعد ثلاثة أيام من لقائهما الثاني. لكن هذا اللقاء تمَّ في أحد المطاعم المشهورة في القاهرة يدعى مطعم النيل. هذه المرة اهتم الدكتور عصام بكامل أناقته، مع أنه من الأشخاص الذين يكرهون الملابس الرسمية، فمن يشاهد غرفة نومه يدرك أنه شخص فوضوي خارج نطاق الترتيب والتنظيم، إلا أنه دقيق في مواعيده وملتزم في وعوده، أما الدكتورة روعه فهي على النقيض من عصام تهتم بمظهرها العام وبدأت بشكل جذاب وهي تجلس أمام عصام، سألته الدكتورة روعه عن سبب تواجده بمفرده في الولايات المتحدة خلال السنوات الثلاث الماضية فقال:
- تزوجت قبل عدة سنوات، واستمر الزواج ثلاث سنوات، ثم تم الانفصال، لقد كانت امرأة طيبة، لكنها غير معطاءة. قد يفسر البعض كلمة معطاءة بأنها رومانسية وهذا صحيح في جزء منه.
أكدت الدكتورة روعه على كلام الدكتور عصام بخصوص مفردة العطاء.
- الحب يقوم على العطاء، فهو مثل الحرية في حاجة لتقديم أشياء وأشياء كي تحصل عليها. فالحب في حاجة إلى روح العطاء. الحب مرآة الحرية؛ إذا توقفت توقف كل شيء، لا يكفي قدر قليل منه وتقول ارتويت. إنها عملية مستمرة دون انقطاع، وإلا حل الجفاف كما يحل بالأرض عندما ينقطع عنها المطر. قد يكون هناك عطاء، ولكنه ناقص إذا ربط بتحقيق مقاصد خاصة، وفي ضوء ذلك ينقص العطاء ذو المقصد المحدود المبني على منفعة، فكم من الثورات حدثت في الوطن العربي كان فيها روح العطاء من أجل الثورة، ولكن سرعان ما تنطفئ جذوة روح الثورة بتحقيق المصالح الخاصة لمن خطط ووصل إلى ما كان يصبو إليه.