(4)
الإنكسار
"من هم المنغمسون في شؤون الغير؟ إن الإجابة
بسيطة، إنهم أكثر الناس الذين عرفتهم حبا واهتماما بالآخرين"
(لوني أوين)
اتصل الدكتور عصام بالسيدة سعاد مديرة التحرير، ورحبت به ليكون ضمن كتاب الصحيفة بمقالة أسبوعية أسماها "الصامدون". عزل عصام نفسه عما حوله وقبع داخل شقته، وبدأت تتزايد أعقاب السجائر التي يدخنها، لقد امتلأت طفاية السجائر، وهو يبحث عن عينات معطاءة داخل مجتمعه، تتكيف مع كروب الحياة، وتتجاوز ذاتها إلى خدمة الآخرين، جادت ذاكرته بمعرفة مجموعة قليلة جداً، لا تتجاوز أصابع اليد، والبلد يتجاوز عدد سكانه السبعين مليوناً، وبدأ يثير السؤال أين راحت العينات السابقة التي كانت تحرص على مصالح البلد في المقام الأول؟
أحس بأنه مخنوق؛ وأمسك بجهاز التحكم عن بعد الخاص بالتلفاز"الريموت كنترول"، وقام بالضغط على الأزرار، ينتقل من قناة تلفزيونية إلى أخرى. ثم لفت انتباهه أحد البرامج التي تناقش "الصحة النفسية في الوطن العربي". الصحة النفسية كما عرفها المتحدث تقوم على جودة الحياة الجسدية والنفسية والإجتماعية والروحية، وهذا يقود إلى تحقيق السعادة، أما إذا غابت الصحة النفسية فالإحباط يعم المجتمع؛ وتصبح الهموم مصدر تأثير على مخ الفرد وعرضة للضغط والسكر والدهنيات، ويضطر البعض إلى تناول الدخان والمخدرات والعلاجات الخاصة بالاكتئاب، ومن ثم يعيش الفرد يوماً بيوم ويفقد الإنتماء إلى الوطن، وذلك بسبب فقدان الثقة بين الناس، فعندما يحدث خلل في الصحة النفسية يحدث خلل في الأخلاقيات عدا الذين يملكون درجات عالية من الصمود فهم يخرجون على ذاتهم ليعيشوا الهم العام وغالباً ما يكونون من النخبة التي تريد أن تفعل شيئاً للمجتمع.
أحس عصام بالخواء، وأن الصحة النفسية غير موجودة عند المواطن العربي على الرغم من سلامة بنيته الصحية، فقد بدت عليه علامات الحل المؤقت، وبدأت صالته يعمها الدخان من جراء كمية السجائر التي قام بتدخينها، كرر بداخله، الحرية هي الحل، ولكن كيف؟ فقد يأس الناس وأصيبوا بالإحباط، وفعلا تذكر كثيراً من الأشخاص الذين يعرفهم تقوقعوا داخل حلولهم المؤقتة من خلال تعاطي المخدرات لنسيان واقعهم المرير.
أحس بأنه يختنق وأنه في حاجة إلى الخروج من شقته التي لا يوجد بها جهاز إنذار الحريق وإلا لصاح الجهاز وأيقظ سكان البناية وسكان البنايات المجاورة.
عض على شفته، وسأل نفسه: لماذا أتيت؟ لماذا لم أكمل ما تبقى من عمري في الولايات المتحدة؟ هناك الملايين من البشر يحسون بانتمائهم للوطن، حتى المهاجرين أيضاً، وفي بلدي نشعر بالغربة، بدأ يوجه التهم إلى النخب السابقة والحالية التي لم تقدم شيئاً وإنما تكيفت مع الواقع وتحررت من القلق والتفكير بهموم الغير. اعتبر نفسه أحد الذين تكيفوا مع واقعهم واستسلم للأمر الواقع لولا فكرة الدكتورة روعه الخاصة بممارسة الكتابة الصحفية.
لقد تعقد موضوع الحرية كثيراً وأصبحت لقمة العيش تنافس المفهوم الذي لم يتحقق منه شيئ. أعلنها عصام بصوت مرتفع: لن أكتب حرفاً واحداً لا يسمعه إلا الجدران المحيطة به.
كأنه بدأ يغبط الذين لا يتمتعون بقدر كاف من التعليم أو القصور النفسي، ولم يعلقوا أنفسهم بآمال وأحلام لن تتحقق منها شيئ. إنه يجمع بين الشخصين الناجح في عمله وتطلعاته، والفاشل في تحقيق ما يطمح إليه على مستوى الأمة.
إنه غير مستقر في صفحته الأولى من حياته الجديدة بعد تقاعده المبكر ثلاث سنوات في الولايات المتحدة وعدة أسابيع في القاهرة غير كافية أن تجعله يتحرر من القلق بهموم الآخر. هناك أعداد كبيرة في الوطن العربي، دفعت إلى أن تقع في إدمان الكحول والمخدرات، كبديل عن أشياء يفتقدونها. فهل الدكتور عصام سيقع في هذا المنحنى الخطير؟ أم سيقف عند أعقاب السجائر؟
يرى الدكتور عصام أن التحرر من هموم الآخرين يقتل آخر جبهة صامدة في الوطن، إنها الحب، حرم الفرد من الحرية، وها هو في طريقه إلى أن يحرم من شيء اسمه الحب.
أشياء كثيرة تجعل الدكتور عصام يبكي؛ عندما يسمع بأحكام قضائية ضد أناس يكافحون من أجل الحرية، أو حتى مشاهدته لمسلسلات وأفلام تلفزيونية يرى فيها الحب الإنساني يتدفق من بعض الأبطال، هذه الأشياء هي التي قربت بينه وبين الدكتورة روعه، إلا أنها تختلف عنه بأنها لا تبكي!!
إنهما يعيشان مرحلة الإنكسار، التي تعيشها الدول العربية، لكن ردة الفعل تتفاوت بينهما.
شعور داخلي مليء بالسكينة، حل على الدكتور عصام لتخفيف حدة الانكسار الموجودة بداخله، وبدأ كيانه يتغير شيئاً فشيئاً تجاه الاهتمام بنفسه، وأن لديه حياة خاصة يجب أن يعيشها، أقنع نفسه بأنه لا أمل مرجو بتغيير درجة الإنكسار، طالما أن ثقافة النقد مفقودة، واظب على حضور المسرحيات، وبعض الأفلام الكوميدية، وبدأ يشعر بالغبطة، لأنه يحس بأنه بدأ في إسعاد نفسه، التي كانت محرومة في السابق، وجل اهتمامه كان منصباً على هموم الغير، يريد أن يمنح جسمه الوقت الكافي للتعافي من آثار الإنكسار، خوفا من هموم الأمراض أو الوقوع في الإدمان.
حقيقة القدر تظل سراً غامضاً من الصعوبة الجزم بها، فالإيمان بالقدر مطلب ديني إسلامي يرى أن الأشياء قد قدرت سلفاً نتيجة اختيار الفرد والظروف المحيطة به، فالأمور معروفة مسبقاً في ظل القدر، لذلك ذهب البعض إلى الكهنة وقراء الكف والفنجان والأبراج كي يستشرفوا شيئاً من مستقبلهم.
إنهم يريدون أن يطّلعوا على دفاتر القدر ويقرأوا شيئاً من صفحاته، قد تكون جملة أو جملتين، صفحة أو صفحتين، فصلاً أو فصلين، وهذا يرجع إلى مقدرة القارئ ومدى تأثيره على نفسية المستقبل الذي يبحث عن شعاع نور يطمئنه على مستقبله أو إلقاء أسباب ونتيجة فشله وإخفاقاته في الحياة على شماعة القدر.
ها هو القدر يطل برأسه على شاكر ووالدته والدكتورة روعه، ويعيق سفرهما ويلغي الرحلة التي كانت مقررة إلى لندن. فهل هذه الإطلالة قادت الثلاثة إلى جهة أخرى؟
اكتشفت السيدة سعاد أنها تعاني من داء السكري وارتفاع في ضغط الدم، اضطرت إلى المكوث في المستشفى ثلاثة أيام. صاحبت الدكتورة روعه سعاد في المستشفى، وكان شاكر يوفر لهما احتياجاتهما. زار الدكتور عصام السيدة سعاد في المستشفى أكثر من مرة، وأوصى باهتمام بالغ المشرف على حالتها صديقه الدكتور جمال يعقوب بأن يبذل كل ما يستطيع من أجل السيدة سعاد، كان هناك اهتمام واضح من إدارة المستشفى بحالتها، أصبحت السيدة سعاد مزاراً لأصدقائها من الوسط الإعلامي وخارجه طيلة أيامها الثلاثة على الفراش الأبيض.