5

7 0 00

5

يقطن عمي في المدينة الأوربية، عند نهاية زقاق معبّد بالإسفلت، تحيطه منازل صلبة، أنيقة وهادئة، بسياجات من الحديد المُطرّق والنوافذ بمصراعين خشبيين. كان زقاقا جميلا بأرصفة نظيفة، مُزينة بأشجار تين مُشذّبة بعناية. في أماكن متفرقة، توجد مقاعد يجلس عليها الشيوخ ليتسلوا بمرور الوقت. يركض الأطفال في الحديقة العمومية. لا يرتدون أسمال أطفال جنان جاتو، وليست لهم ملامح حتمية على وجوههم الجميلة المرحة، بدوا كما لو أنهم ينهلون من الحياة بملء صدورهم وبمتعة صادقة. تَسود في الحيّ سكينة لا تُصدَّق؛ لا تُُسمع إلا قهقهات الأطفال وزقزقة العصافير.

كان منزل عمي يرتفع بطابق واحد، وبه حديقة صغيرة عند المدخل وممر قصير على الجانب. تتدفق نبتة "الجهنّمية" على الجدار الواطئ الذي يقوم مقام السياج وتتدلى في الفراغ، مزيّنة بأزهارها البنفسجية اللون. وفوق الشرفة، تتشابك أغصان الكروم إلى ما لا نهاية. قال عمي وهو يدفع الباب الصغير:

- في الصيف، تتدلى عناقيد العنب في كل مكان. يكفي أن ترتفع قليلا على أطراف قدميك لتقطف منها ما تشاء.

تبرق عيناه بألف نار. يكاد يطير فرحا.

- سيطيب مقامك هنا يا ولدي.

فتحت لنا الباب امرأة صهباء، في الأربعين من عمرها. كانت جميلة، بوجه دائري وعينين كبيرتين خضراوين. حينما رأتني واقفا عند درج المدخل، ضمت يديها الملتصقتين إلى قلبها وبقيت واجمة بعض الوقت، بلا صوت، منذهلة. ثمّ جرى بصرها يسأل بصر عمي، وتنفست الصعداء حينما أشار لها هذا الأخير بالإيجاب. قرفصت أمامي لتراني عن قرب وصاحت:

- ألهي، ما أجمله؟

أمسكتني بين ذراعيها بخفة كادت تفقد لي توازني. كانت امرأة قوية بحركات فظة أحيانا، رجولية تقريبا. ضمتني بقوة إلى صدرها؛ أحسست حتى بخفقات قلبها. تفوح عطرا طيبا مثل حقل من الخزامي، وزادت الدموع التي تلألأت على جوانب أهدابها من تعميق اخضرار عينيها. قال عمي بصوت مرتعد:

- عزيزتي جرمان، أقدّم لك يونس، بالأمس ابن أخي، اليوم ابننا.

شعرت بارتعاش يهزّ جسد المرأة؛ تدفّقت الدمعة المتردّدة على حافة أهدابها والعاكسة لعميق التأثر وسالت على خذها بطفرة واحدة. قالت وهي تحاول خنق شهقة:

- جوناس... جوناس... لو تعرف كم أنا سعيدة...

- حدِّيثيه بالعربية. لم يدخل المدرسة بعد.

- هذا ليس مشكلا. سنتدارك الأمر بسرعة.

وقفَت مُرتعدة، أخذَت بيدي وأدخلتني صالة بدت لي أكبر من إسطبل، مزينة بأثاث مهيب. يلج ضوء النهار جارفا عبر باب-نافذة ضخمة، بها ستائر وتشرف على شرفة حيث يسترخي كرسيان متحركان حول منضدة صغيرة. قالت جرمان:

- إنه منزلك الجديد.

يتبعنا عمي، الابتسامة تنير وجهه، وعلبة تحت الإبط.

- اشتريت له بعض الملابس. عليك أن تكملي الباقي غدا.

- طيّب، سأهتم بالطفل. زبائنك ينتظرون.

- على حسب ما أرى، تريدينه لوحدك.

قرفَصت جرمان من جديد لتتأملني جيّدا. قالت بالعربية:

- أظن أننا سنتفاهم جيدا، أليس كذلك، جوناس؟

حطّ عمي علبة الملابس على صُوان وجلس براحة على أريكة، يداه على ركبتيه، والطربوش مائل قليلا إلى الخلف. قالت جرمان:

- هل تنوي البقاء في البيت فعلا لتتجسّس علينا؟ عُد إلى عملك؟

- هذا غير مقبول يا نصفي الثاني. اليوم عطلة بالنسبة لي. عندي طفل في البيت.

- هل أنت جاد فيما تقول؟

- لم أكن جادا في حياتي مثل هذه اللحظة.

قالت جرمان مستسلمة:

- طيّب، جوناس وأنا سنذهب لأخذ حمام.

- اسمي يونس.

ردّت عليّ بابتسامة لطيفة، لمست خدي براحة يدها وهمست في أذني:

- ليس الآن يا عزيزي...

ثمّ وجّهت كلامها إلى عمي:

- بما أنك هنا، كن مفيدا وسخِّن لنا الماء.

دفعتني إلى غرفة صغيرة حيث يوجد نوع من القدر الفولاذي، فتحت حنفية الماء، وفيما كان الحوض يمتلئ، بدأت تنزع لي ثيابي.

- أوّلا سنبدأ بالتخلص من هذه الأسمال، أليس كذلك جوناس؟

لم أعرف ماذا ينبغي لي أن أقول. تابعت بعيني يديها البيضاوَين وهي يحوم حول جسدي لأتخلص من شاشيتي، وجلابيتي، وقميصي البالي، وجزمتي المطاطية. خيّل إليّ أنها يعريني ورقة ورقة كما يفعل الخريف مع الشجرة.

جاء عمي بدلو حديدي يفور ماؤه. وقف في الرواق، محتشما. ساعدتني جرمان على التسلل داخل الحوض، ودعكتني بالصابون من الرأس إلى القدمين، غسلتني مرات عديدة وهي تحكّ جسدي بقوة بسائل معطّر، ثمّ جفّفتني بمنشفة عريضة وراحت تحضر لي الملابس الجديدة. بعدما ارتديتها، أوقفتني أمام مرآة كبيرة؛ لقد تحوّلت إلى شخص آخر تماما. كنت أرتدي سترة بحّار يَعلوها طوق عريض ومزيّنة من الأمام بأربعة أزرار نحاسية خشنة، وسروالا قصيرا بجيوب على الجانبَين، وقبّعة "بيري" كالتي عند هواري.

وقف عمي ليستقبلني عند عودتي من الشرفة. كان سعيدا جدا إلى حدّ أربكني. صاح:

- أليس رائعا أميرنا الحافي القدمين؟

- أحذر، ستجلب عليه العين الحسود... أما بالنسبة للقدمين الحافيتين، فإنك نسيت أن تشتري له الأحذية.

ضرب عمّي جبهته براحة يده.

- صحيح، أين كان رأسي؟

- فوق الغيوم بدون شك.

خرج عمّي فورا. عاد بعد قليل بثلاثة أزواج من الأحذية بمختلف القياسات. تناسبت مع قدميّ أصغرها. إنها أحذية بخيوط سوداء وليّنة، تدغدغني في الوتدين، ولكنها تغلف قدميّ بشكل رائع. لم يُرجِع عمي بقية الأحذية؛ يحتفظ بها لي للسنوات القادمة...

لم يفارقاني قيد أنملة، محلقَين حولي كفراشتَين حول شعلة نور، وهما يطوفان بي داخل الغرف الواسعة بسقوفها العالية التي بإمكانها إسكان جميع مستأجري بليس السمسار. تتدلى الستائر من جهتي النوافذ ذات الزجاج النظيف والمصاريع الخشبية المدهونة بالأخضر. كان منزلا جميلا مشمسا، بدا لي في البداية متاهيا بأروقته وأبوابه المتوارية وأدراج سلالمه الملولبة وخزائنه الحائطية التي خلتها غرفا. فكرت في أبي، في كوخنا، في أراضينا الضائعة، وثقب الجرذ في جنان جاتو؛ بدا لي الفرق شاسعا إلى حدّ الدوار.

كانت جرمان تبتسم لي كلما رفعت بصري باتجاهها. تدلّلني من اليوم الأول. لم يعرف عمّي من أي طرف يمسكني، ولكنه لم يغادرني ثانية. يتنافسان على تقديمي كل ما بالبيت. يضحكان حول أي شيء؛ أحيانا، يشدّ بعضهما بعضا من اليد ويكتفيان بالنظر إليّ، يترفّقان بالدموع، فيما كنت أكتشف، مبهورا، أشياء العصور الحديثة.

في المساء، تعشينا في الصالون. غرابة أخرى، لم يكن عمّي بحاجة إلى قنديل بترولي كي ينير لياليه؛ يكفي الضغط على زر لتشتعل مجموعة مصابيح في السقف. كنت منزعجا جدا على الطاولة. أنا المتعوّد على الأكل في صحن واحد مع عائلتي، أحسست بنفسي مُتَغرِّبا أمام صحن شخصي. لم أبتلع الشيء الكثير. انزعجت من النظرات المتواصلة التي تراقب أدنى حركاتي، ومن الأيدي التي تعود بلا كلل لتحش شعري أو تقرصني من الخد.

كانت جرمان تكرّر لعمي دون توقف:

- لا تتسرّع. لنترك له الوقت الكافي ليتلاءم مع معالمه الجديدة.

يتماسك عمّي لبعض اللحظات، ثمّ يأخذه الحماس من جديد، برعونة أكثر.

بعد العشاء، صعدنا إلى الطابق الأول. أعلنت جرمان:

- ها هي غرفتك.

غرفتي... تقع في عمق الرواق، أكبر مرّتين من تلك التي كنت أتقاسمها مع عائلتي في جنان جاتو. يحتل سرير كبير الوسط، تحت الحراسة المشدّدة لطاولتين صغيرتين من الجهتين. لوحات معلّقة على الجدران، يصوّر بعضها مناظر رائعة، وعلى بعضها الآخر أشخاص في وضعيات خشوع، الأيدي مضمومة تحت الذقن والرأس مكلل بالذهب. فوق المدفأة الكبيرة، يوجد تمثال نحاسي لطفل بجناحين يقف على دكّة مربعة الشكل، يعلوه صليب. وغير بعيد عنه، مكتب صغير يرافق كرسيا مبطّنا. تحلق رائحة غريبة داخل الغرفة، لطيفة وعصية التحديد. من خلال النافذة، يمكننا أن نرى أشجار الشارع وسقوف المنازل المقابلة.

- أعجبتك الغرفة؟

لم أجب. أخافني هذا البذخ الفظ الذي يحاصرني. خشيت أن أسقط كل شيء أرضا بخطوة واحدة في غير موقعها الصحيح، ذلك أن النظام الصارم المحيط بنا بدا متوازنا في أدنى تفاصيله ولا يشدّه إلا خيط رقيق.

طلبت جرمان من عمّي أن يتركنا. انتظرت خروجه لتبدأ بنزع ملابسي وإمدادي فوق الفراش، كما لو أنني لست قادرا على النوم بدون مساعدتها؛ اختفى رأسي وسط الوسائد.

- أحلام لذيذة، يا ابني.

أرجعَت الغطاء على جسدي، وضعَت قبلة لا نهائية على جبهتي، أطفأت المصباح الجانبي وفارقتني على أطراف أصابع قدميها وغلقت الباب خلفها بعناية فائقة.

لا تزعجني الظلمة؛ كنت طفلا وحيدا، بلا خيال يُذكر، ونومي سهل. ومع ذلك، أمسك أحشائي ضجر غير مفهوم بداخل هذه الغرفة المحاصرة. أوحشني والديّ. لم يكن غيابهما هو الذي يرعد بطني. يوجد شيء غريب بداخل هذه الغرفة لم أتمكن من تحديده رغم أنني أحسّ به يطوف في الهواء، غير مرئي وضاغطا في آن. هل هي رائحة الأغطية، أو تلك المحلقة في الزوايا هي التي تصعد إلى رأسي؟ هل هي هذه الرائحة اللاهثة التي ترن هنا وهناك، وأحيانا بداخل المدفأة الكبيرة؟ كنت على يقين أنني لست وحيدا، بأن حضورا ما يتربّص بي في العتمة. ارتعدت رقبتي وكاد تنفسي يتوقف حينما أحسست بيد باردة تلامس وجهي. في الخارج، يضيء البدر الشارع. تصفر الريح ضد الأسْوِجة فيما تقلع الأشجار شعرها تحت الزوابع. أغمضت عينيّ بشدّة وأنا أتشبّث بالجوخ. لم تنسحب اليد المثلجة. وبدا الحضور مُهيمنا شيئا فشيئا. أحسّ به واقفا إزاء السرير، مُستعدا للانقضاض عليّ. بدأ الهواء ينقصني؛ وقلبي على وشك الانفجار. فتحت عينيّ وتفاجأت بالتمثال يدور ببطء فوق المدفأة الكبيرة. يحدّقني بعينيه الكفيفتين، الفم مشلول في ابتسامة حزينة... قمت مرعوبا وتخندقت خلف السرير. اشرأب عنق تمثال الطفل ذي الجناحين كي يواجهني؛ غطى ظله الوحشي الجدار كلية. ولجت تحت السرير، انكمشت في طرف غطاء، قلبي يخفق بشدّة، وانكمشت على نفسي وأغمضت عينيّ، متأكدا أنني لو فتحتهما، سأفاجئ التمثال بأقدامه الأربعة وهو يتفرّسني.

كنت خائفا جدا إلى حدّ لا أعرف إن غفوت أو أغمي عليّ...

- ماحي...

أيقظتني الصرخة. ارتطم رأسي بشفرات السرير. صرخت جرمان:

- جوناس ليس بغرفته.

ردّ عمي غير مُصدّق:

- ماذا تقولين، جوناس ليس بغرفته؟

سمعتهما يَركضان في الرواق، يصفقان الأبواب، يتدحرجان عبر أدراج السلالم. قال عمي: "لم يخرج من الدار. الباب مغلق بالمفتاح. باب الشرفة مُغلق أيضا. هل نظرت في المرحاض؟... ردّت جرمان بنبرة هلعة: "تفقّدت ولا أثر له... – هل أنت متأكّدة أنه ليس بغرفته؟... – قلت لك بأن سريره كان فارغا...

بحثا عني في الطابق الأول، حركا بعض الأثاث، ثمّ صعدا ثانية وعادا إلى غرفتي.

صَرخَت جرمان وهي تكتشفني جالسا على حافة السرير:

- إلهي... جوناس... أين كنت؟

كان جانبي الأيمن مقسوطا وأحس بالوجع في مفاصلي. انحنى عمي على الحدبة الصغيرة التي نمت على جبهتي.

- هل سقطت من السرير؟

مددت ذراعا مفلوجا باتجاه التمثال الصغير:

- لقد تحرّك طوال الليل.

ضَمّتني جرمان مباشرة.

- جوناس، يا عزيزي جوناس، لماذا لم تنادِني؟ وجهك شاحب وهذا بسببي.

في الليلة الموالية، اختفى تمثال الطفل الصغير من غرفتي؛ وكذا الصليب والأيقونات. بقيَت جرمان بقربي تحكي لي قصصا في خليط من العربية والفرنسية وتدعك شعري إلى أن خطفني النوم.

مرّت أسابيع؛ اشتقت إلى والديّ. لم تدخّر جرمان أي جهد كي تجعل حياتي مريحة. في الصباح، عندما تذهب للتبضّع، تأخذني معها عبر المحلات ولا ترجعني إلى البيت إلا ومعي سكرية أو لعبة في اليد. في الظهيرة، تعلّمني القراءة والكتابة. أرادَت تسجيلي بالمدرسة ولكن عمي لم يرد استعجال الأمور. أحيانا، يأذن لي بمرافقته إلى الصيدلية. يجلسني إلى مكتب صغير، في الغرفة الخلفية للمحل، وفيما ينشغل مع زبائنه، يكلفني بنقل حروف الأبجدية على كراس. وجدَت جرمان بأنني أستوعب بسرعة ولم تفهم لماذا يتردّد عمي بإسناد تعليمي إلى معلم حقيقي. بعد شهرين، تعلّمت قراءة الكلمات دون أن أتعثر كثيرا في المقاطع اللفظية. أصرّ عمي على موقفه؛ رفض الحديث عن المدرسة قبل أن يتأكّد من أن أبي سوف لن يرجع في موقفه ويأتي لاسترجاعي.

ذات مساء، فيما كنت أسرح في أروقة الدار، دعاني للالتحاق به في مكتبه. كانت غرفة بسيطة، بكوة صغيرة تضيئها إضاءة خافتة. كانت الجدران معبأة بالكتب بأغلفة كرتونية؛ توجد الكتب في كل مكان، على الرفوف، فوق الأصونة، على الطاولة. كان عمي يجلس على كرسي، منحنٍ على كتاب ضخم، وعلى أنفه نظارات. أخذني على ركبتيه ووجهني نحو صورة امرأة معلّقة على الجدار.

- ينبغي عليك أن تعرف شيئا مهما يا ولدي. لم تسقط فجأة من أعلى شجرة لتقع في هاوية... أترى هذه السيّدة على الصورة؟... لقد أطلق عليها جنرال اسم "جان دارش". كانت سيّدة نبيلة، غنية وصاحبة نفوذ كبير. اسمها لالة فاطنة وكانت تملك أراضٍ بسعة بلد. تعج السهول بقطعان ماشيتها، ويأتي الأعيان من كل حدب وصوب لطلب الإعانة والمشورة. كان الضباط الفرنسيون أنفسهم يكنون لها احتراما مهيبا. يحكى أن الأمير عبد القادر لو التقى بها لغيّر مجرى التاريخ... أنظر إليها جيدا، يا ولدي. هذه السيّدة، هذا الوجه الأسطوري، إنها جدّتك.

كانت جميلة، لالة فاطنة. كانَت مُتكئة على وسائدها، الرقبة مستقيمة والرأس شامخ فوق قميص من القفطان المرصّع بالذهب والأحجار الكريمة، يبدو كما لو أنها تتسيّد على البشر وأحلامهم. مرّ عمي إلى صورة ثانية تجمع ثلاثة رجال ببرانيس الأسياد، الوجوه وقورة بلحى معتنى بها، النظرات قوية كما لو أنها ستنبثق من الإطار.

- هذا الذي في الوسط هو أبي، أي جدّك. الآخران إخوته. على اليمين، سيدي عبّاس. هجر إلى سوريا ولم يعد أبدا. على اليسار عبد المؤمن، عالِم متنوّر. كان يمكن أن يصبح حجر الزاوية للعلماء بسعة معارفه التي أطبقت الآفاق، ولكنه استجاب بسرعة إلى نداء المغريات. عاشر البورجوازية الأوربية، أهمل أراضيه وماشيته وبذّر أمواله في البيوت المستهترة. عُثر عليه ذات يوم مقتولا بطعنة خنجر في الظهر.

وبعد ذلك، أدارني نحو صورة ثالثة أكبر من الصورتين الأوليين.

- هنا يظهر جدّك في الوسط محيطا بأولاده الخمسة. لقد رزق بثلاث بنات من زواج أوّل ولكنه لا يحكي عنهن أبدا. على يمينه، كبير الإخوة، قدّور. لم يكن يتفاهم مع الشيخ وقد تمّ تجريده من الوراثة عندما التحق بفرنسا كي يمارس السياسة. على اليسار حسان؛ كان يحي حياة مستهترة، يعاشر النساء المنحرفات اللائي يغدق عليهن الأموال والذهب، ودون علم القبيلة أبرم اتفاقات استهلكت جزءًا كبيرا من مزارعنا وخيولنا. حينما جُرَّ جدّك أمام المحاكم، صعق من هول الخسارة. فلم يشفى من هذه الضربة أبدا. إلى جانب حسان، عبد الصمد، صبور في العمل، اضطر إلى مغادرة المنزل العائلي لأنّ الشيخ منعه من الزواج بقريبة لنا انضم أهلها إلى مساندة الفرنسيين. مات عسكريا في مكان ما بأوربا في نهاية حرب 14-18... وهذان الصغيران اللذان تراهما جالسين عند قدمي الشيخ، هما أبوك عيسى، صغيرنا، وأنا، أكبره بسنتين. كنا متحابين كثيرا... حدث أنني أصبت بمرض خطير، لم يتمكن الأطباء ولا الدراويش من علاجه. كنت في سنك تقريبا. يئس جدّك من شفائي. حينما اقترح عليه أحد أصدقائه أن يأخذني عند الأخوات المسيحيات، رفض رفضا قاطعا. وبما أنّ صحتي كانت تتدهور يوما بعد يوم، اضطر ذات صباح إلى أن دقّ على باب ديرهن...

أراني صورة تظهر فيها مجموعة من الراهبات:

- إنّ الأخوات الطيّبات هنّ اللائي أنقَذن حياتي. دام العلاج سنوات حيث كنت أتابع دراستي، فتحصلت على البكالوريا. وبعد ذلك، قبِل جدّك بأن يدفع لي مصاريف دراسة الصيدلة برغم إفلاسه بسبب الرهانات والأوبئة. ربما أدرك أنّ حظّي في الخلاص مع الدراسة أفضل من حظي مع دائنينه. حينما التقيت بجرمان في كلية الكيمياء حيث كانت تدرس البيولوجية، لم يعترض على اقتراننا برغم علمي أنّ عينه قد حطت على قريبة أو بنت حليف ليزوّجها لي. بعد نيل شهادة الصيدلي، سألني عما أريد أن أفعله بحياتي المهنية. اخترت العيش في المدينة وفتح صيدلية. وافق دون شروط مسبقة. هكذا اشتريت هذا المنزل وهذه الصيدلية. لم يأتِ جدّك لزيارتي هنا ولو مرة واحدة. ولا حتى حينما تزوّجت بجرمان. لم ينكرني، أراد أن يمنح لي حظي في الحياة. مثلما فعل أبوك حينما سلّمك إليّ... أبوك عامل شهم ونزيه. حاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه، ولكنه كان وحيدا. لم يكن مخطئا. من سوء حظه أنه كان آخر عجلة لعربة انحرفت عن سيرها العادي. ربّما لو اتّحدنا نحن الاثنين لاستطعنا أن نعيد المياه إلى مجاريها الطبيعية، ولكن القدر قرّر خلاف ذلك.

أخذ ذقني بين الإبهام والسبابة ونظر إليّ جيدا في العينين:

- ربما تساءلت لماذا أحكي لك كل هذا يا ولدي... لكي تعرف جذورك جيدا. بداخل عروقك، تجري دماء لالة فاطنة. يمكنك أن تنجح في مكان أبيك وتخرج من الورطة التي انزلقتم بداخلها وترجع إلى غاية القمة التي كنتم في ذروتها.

قبّلني على جبهتي.

- الآن، عد إلى جرمان. تكون قد اشتاقت إليك.

انزلقت من على ركبتيه وركضت نحو الباب.

قطّب حاجبيه حينما رآني أتوقف فجأة.

- نعم يا ولدي؟...

نظرت إليه بدوري في العينين وسألت:

- متى تأخذني لرؤية أختي الصغيرة؟

ابتسم:

- بعد غد، إنه وعد مني.

رجع عمي إلى الدار مبكرا على غير عادته. كنّا أنا وجرمان في الشرفة، هي على الأريكة تقرأ، وأنا أحاول العثور على السلحفاة التي صادفتها بغتة بالأمس بين نباتات الحديقة. حطّت جرمان الكتاب على الطاولة الصغيرة وقطّبت حاجبيها؛ لم يأتِ عمي ليقبلها مثلما يفعل كل يوم. انتظرت بضع دقائق؛ لم يظهر عمي، وقفت ولحقت به.

كان عمّي في المطبخ، جالسا على كرسي، يضع مرفقيه على الطاولة، الرأس بين يديه. فهمت جرمان أنّ أمرا خطيرا قد وقع. رأيتها تجلس مقابلة له وتمسك قبضته.

- مشاكل مع الزبائن؟

ردّ عمّي بعصبية:

- لماذا تريدين أن تكون لي مشاكل مع الزبائن؟ لست أنا الذي يسجل لهم ما يتناولونه من أدوية...

- أراك مضطربا.

- طبيعي، أنا عائد للتوّ من جنان جاتو.

اهتزّت جرمان قليلا:

- أليس من المفروض أن تذهب هناك مع الطفل؟

- فضّلت جسّ النبض أوّلا.

قامت جرمان وأحضرت إناء ماء وسقت كأسا لزوجها الذي أفرغه في جوفه بجرعة واحدة.

رأتني واقفا وسط الصالون وأشارت إلى السقف، قائلة:

- جوناس، انتظرني في غرفتك. سنراجع دروس البارحة.

أوهمتها أنني أصعد السلالم، مكثت بعض الوقت وسط الرواق، نزلت بعض الأدراج واسترقت السمع. لقد أجّج اسم "جنان جاتو" فضولي. أردت أن أعرف ماذا يوجد خلف سحنة عمي المنهارة. هل حدثت مصيبة عند أهلي؟ هل تمّ التعرف على هوية قاتل ألمورو واقتيد أبي إلى السجن؟

سألت جرمان بصوت خفيض:

- تكلم، ما هي الأخبار؟

ردّ عمي متعبا:

- أي أخيار؟

- هل رأيت أخاك؟

- إنه في حالة لا تبشّر بالخير أبدا.

- هل أعطيت له النقود؟

- هنا الضربة الموجعة ! حينما وضعت يدي في جيبي، تشنّج كما لو أنني سأخرج سلاحا. قال غاضبا: "لم أبع لك ابني على حسب ما أعرف. سلّمته لك لبعض الوقت فقط." صعقني ردّ فعله كما لا تتصوّرين. عيسى على شفى حفرة من الهاوية. أخشى عليه السقوط الفج.

- إلى هذه الدرجة؟

- حالته سيّئة للغاية. لو رأيت عينيه؟ تخالينه عفريتا.

- وجوناس، هل ستأخذه غدا لرؤية أمه؟

- لا.

- ولكنك وعدته.

- غيرت رأيي. لم يخرج أنفه بعد من الوحل؛ ولا أريد أن أرجعه إليه ثانية.

- ماحي...

- لا تلحّي. أعرف ماذا يجب أن لا أفعله. من الآن فصاعدا، على طفلنا أن ينظر أمامه. خلفه، لا يوجد إلا الخراب.

سمعت جرمان تتحرّك بعصبية على كرسيها.

- استسلمت بسرعة ماحي. أخوك بحاجة إليك.

- أتعتقدين بأنني لم أجرّب؟ عيسى قنبلة، يكفي أن تلمسه كي ينفجر. لا يترك لي أدنى فرصة. سوف يقطع ذراعي لو مددت له يدي. بالنسبة إليه، كل ما يأتيه من الغير يعتبر صدقة.

- أنت لست الغير، أنت أخوه.

- هل تعتقدين أنه يجهل ذلك؟ في رأسه الصغير، الأمور متساوية. مشكلته أنه يرفض الاعتراف بأنه سقط إلى الحضيض الأسفل. الآن، وبعد أن أصبح ظل نفسه، كل ما يبرق يحرقه. ثمّ إنه حاقد عليّ. لا تتصورين كم يحقد عليّ. لو بقيت بقربه، كنا سنتمكن من إنقاذ أراضينا، هكذا يفكر. بل هو مقتنع بهذا أشد الاقتناع. اليوم أكثر من ذي قبل. أنا متأكّد أن هذه الفكرة هي التي تسيطر على ردود أفعاله.

- أنت الذي تعتقد ذلك...

- ربما، ولكنه مهووس بهذه الفكرة. أنا أعرفه جيدا. يسكت كي يجتر جيدا غضبه. يكرهني. بالنسبة إليه، لقد بعت روحي للشيطان. أنكرت أهلي، تزوّجت بكافرة، تخليت عن أرضنا مقابل دار في المدينة، استبدلت غندورتي ببدلة أوربية، وحتى وإن وضعت الطربوش على رأسي، فهو يلومني على رمي عمامتي لحشائش القرّاص. بينه وبيني، لم يعد التيار يمر أبدا.

- كان عليك أن تمنح بعض الأوراق النقدية لزوجته.

- لم تكن لتقبلها. تعرف أنّ عيسى سيقتلها.

صعدت بسرعة إلى غرفتي وأغلقت الباب على نفسي.

في منتصف نهار الغد، أنزل عمي ستار محله الحديدي وجاء ليأخذني. يكون قد فكّر بهدوء، أو ربما تكون جرمان هي التي أقنعته. على كل حال، أراد التأكد بشكل نهائي. تعب من العيش في حيرة أن يرى أبي يتراجع عن موقفه. ترهن الشكوك سعادته؛ يملك مشاريع خاصة بي، ولكن احتمال تراجع أبي ينغّص أيامه. إنّ أبي قادر على المجيء بلا سابق إخبار، يمسكني من اليد ويجرني خلفه دون حتى أن يقدّم أدنى تفسير.

أخذني عمي إلى جنان جاتو. فبدت لي جنان جاتو أرعب من السابق. هنا يدور الزمن في حلقة مفرغة. بلا تتابع في الأفكار. الوجوه السمراء الداكنة نفسها تلقي نظراتها المكثفة حولها، الظلال الصينية نفسها تتداخل مع الظلام. أعلى ساق الحطب عمامته إلى قمة رأسه بحركة فظة حينما رآنا نقترب من الحي. أما الحلاق، فكاد يقطع أذن الشيخ الذي كان يحلق له رأسه. أوقف الأطفال أفعالهم وحركاتهم واصطفوا طول الدرب لينظروا إلينا مليا. تقسم أسمالهم على أجسادهم الضامرة.

تجنّب عمي إطالة النظر على البؤس المستشري؛ مشى مستقيم القامة، رافع الذقن، النظرة متملّصة.

لم يدخل معي إلى الفناء، مفضلا انتظاري في الدرب.

- خذ كل وقتك، يا ولدي.

ركضت داخل الفناء. كان ابنا بَدرَة يتشاجران قرب البئر، الذراعان متشابكان في صراع لاهث. يشدّ الأصغر جسد الكبير إلى الأرض ويحاول طي مرفقه. في زاوية بقرب المرحاض، قرفصت حَدّة فوق إناء قدّ في برميل حديدي تغسل ثيابها. كان فستانها معقوفا إلى غاية نصف الفخذين مانحا ساقيها الجميلين العاريين إلى دفء الشمس. كانت تدير لي ظهرها ولا يبدو أنها منزعجة من الصراع الشرس الدائر بين ابني جارتها.

رفعْت ستار غرفتنا وانتظرْت بضع ثوانٍ كي تتأقلم عينايّ مع الظلام السائد بداخلها. رأيت أمّي ممدّدة على فراش رثّ، لفّت جسدها بغطاء، ورأسها معصّب بمنديل.

قالت متأوّهة:

- يونس ابني، هل أنت يونس؟

ركضت نحوها، وارتميت فوقها. حزمتني بذراعيها وضمّتني إلى صدرها؛ كانت الضمّة رخوة. تحترق أمّي بالحمى.

دفعتني برفق؛ ربما كان وزني يمنعها من التنفس. قالت:

- لماذا رجعت؟

أختي جالسة بقرب المائدة. لم أرها من الوهلة الأولى لأنها كانت صامتة ومنسحبة. تبصرني بعينيها الكبيرتين الفارغتين متسائلة أين تكون قد رأتني سابقا. تغيّبت لشهور قليلة وها هي لا تتذكرني. أختي لا تتكلم بعد. لا تشبه أقرانها الآخرين ويبدو أنها ترفض أن تكبر.

أخرجت من كيس صغير لعبة كنت اشتريتها من أجلها، وضعتها على المائدة. لم تأخذها أختي؛ اكتفت بالنظر إليها قبل أن تواصل تفرّسي. أخذت اللعبة ثانية –إنها دمية صغيرة من القماش- ووضعتها بين يديها. لم تنتبه لذلك.

سألتني أمّي:

- كيف اهتديت إلى طريق الحَوْش.

- عمي ينتظرني في الدرب.

أطلقت أمي صرخة مدوية كي تجلس على فراشها. من جديد، شدّتني بذراعيها وجذبتني إلى صدرها.

- أنا مسرورة برؤيتك. كيف الحال عند عمّك؟

- جرمان لطيفة جدا معي. تغسلني كل يوم وتشتري لي كل ما أحب. عندي لعب كثيرة وأواني المربى، وأحذية... أتعرفين ماما، الدار كبيرة جدا. بها غرف كثيرة ومكان يتسع للجميع. لماذا لا تأتون للعيش معنا؟

ابتسمت أمي، فاختفت بقدرة قادر كل الأوجاع التي دعكت قسماتها. أمّي جميلة، بشعرها الأسود الذي ينسدل على ظهرها إلى غاية الخصر وبعينيها الواسعتين اللوزيتين. حينما كنا في أرضنا، وأراها تتأمل حقولنا من فوق ترعة تراب، كنت غالبا أحسبها سلطانة. إنها رشيقة، متأنقة، وحينما تتدحرج عبر سفح التلّة، إنّ البؤس الذي يتشبث بأذيال فستانها كما رهط من الكلاب لا يتمكن من الالتحاق بها. قلت بمزيد من الإلحاح:

- صحيح ماما، لماذا لا تأتي للعيش معنا في دار عمي؟

قالت وهي تمسح شيئا على خدها:

- لا تجري الأمور هكذا عند الكبار يا ابني. ثمّ إنّ أباك لن يقبل أبدا العيش عند شخص آخر. يريد أن يبني نفسه من جديد بقدراته الخاصة ولا يدين لأحد بشيء.

أضافت:

- وجهك مشع، يبدو أنك سمنت قليلا. ثمّ... يا إلهي، كم أنت جميل في هذه الملابس. كما لو أنك ابن رومي.

- جرمان تسميني جوناس.

- من هي؟

- زوجة عمّي.

- أمر طبيعي. لا ينطق الفرنسيون أسماءنا جيدا. إنهم لا يتعمدون ذلك.

- أعرف القراءة والكتابة...

حشت أصابعها في شعري.

- هذا شيء عظيم. لم يكن أبوك ليتركك عند عمك لو لم يتأكّد بأنه سيمنح لك ما لا يستطيع أن يمنحه لك.

- أين هو الآن؟

- يشتغل... بلا توقف... سترى، قريبا سيأتي للبحث عنك ليأخذك إلى منزل أحلامه. أتعرف بأنك ولدت في منزل جميل؟ إن الكوخ الذي تربيت فيه ملك لعائلة من الفلاحين كان أبوك يشغلها عنده. في البداية كنا تقريبا أغنياء. احتفلت القرية بأكملها بعرس زواجنا. أسبوع كامل من الغناء والولائم. منزلنا كبير وتحيطه حدائق من جميع الجهات. ولد إخوتك الثلاثة الأوائل كالأمراء. لم يكتب لهم العيش. أنت جئت بعدهم ولعبت في تلك الحدائق إلى حدّ اللهث. ثمّ قرّر الله أن يستبدل الشتاء بالربيع، فجفت حدائقنا. إنها الحياة، يا ابني. ما تمنحه لنا بيد، تخطفه باليد الأخرى. ولكن لا يمنعنا شيء من استرجاعه ثانية. وأنت ستنجح إن شاء الله. سألت باتول العرافة. قرأت في خطوط الماء بأنك ستنجح في حياتك. لهذا، كلما اشتقت إليك، أصف نفسي بالأنانية وأقول: إنه مريح في المكان الذي يوجد فيه. لقد نجا.