مقدمة

10 0 00

رواية

واسيني الأعرج

طَوْقُ اليَاسَمِين

رسائل في الشوق والصبابة والحنين

المركز الثقافي العربي

واسيني الأعرج

طَوْقُ اليَاسَميِينْ

الكتاب

طَوْقُ اليَاسَمِين

تأليف

واسيني الأعرج

الطبعة

الثانية، 2006

عدد الصفحات: 288

القياس: 14.5 × 21.5

جميع الحقوق محفوظة

الناشر

المركز الثقافي العربي

الدار البيضاء – المغرب

ص.ب: 4006 (سيدنا)

42 الشارع الملكي (الأحباس)

هاتف: 2303339 – 2307651

فاكس: 2305726 – 2122+

Email: [email protected]

بيروت – لبنان

ص. ب: 5158 – 113 الحمراء

شارع جاندارك – بناية المقدسي

هاتف 750507 – 352826

فاكس: 343701 – 1 961 +

إليك أيتها الصديقة الغالية : زينب

شكرا لك فقد منحني حبك وصبرك فرصة أخرى لأن أكون كما أشتهي، في أصعب الظروف وأحلكها ، وأنظر بعين أخرى للجنون والأقدار الصعبة التي كادت أن تعصف بنا في الصيفين الهمجيين من سنتي 1984 و 1994 حيث تواطأ ضدنا العميان والقتلة والمأزومون.

وإلى

صديقي الحاضر دوما: عيد عشاب

الذي انسحب بصمت من الدنيا مثلما جاءها بعد أن فتح لي باب الياسمين وكشف لي أنواره وأسراره. عاش ما كسب، مات ما خلى. عشتَ وحيداً يا صديقي ومتَّ وحيداً بعد أن نسيك بسرعة الذين عرفوك وخدمتهم بطيبتك المعهودة وتفانيك.

"وَلَوْ أنَّ الدّنيا مَمَرٌ ومِحْنةٌ وكَدَرٌ، والجَنةُ دارُ جَزاءٍ وأَمانٍ مِنَ المِكارِه، لَقُلنا إِنَّ وَصْلَ المَحْبوبِ هُوَ الصَّفاءٌ الذِي لا كَدَرَ فِيه".

طوق الحمامة: ابن حزن الأندلسي

Chuuuut….

Silence, ou il va s’envoler.

La brutalite’ l’effraie.

Approchons ses soupirs d’un soufflé leger.

Ne le réveillez pas,

Laissez-le au moins rêver.

L. Rym.

سيلفيا؟

هي هي لم تتغير كثيرا. كانت هناك واقفة على القبور المنسية، مختبئة في المانطو الداكن الفضفاض وعلى رأسها قبعتها السوداء وشاش خفيف كان يغطي وجهها بالكامل، مثلما تعودت أن تفعل كل يوم جمعة منذ قرابة العشرين سنة. لم تكن هناك من أجلي ولكنها كانت تنتظرني. جورج أخوها، عندما سألته عنها البارحة، أخبرني بطقسها الأسبوعي وأخبرها بوجودي في هذه المدينة التي شهدت انطفاء الذين نحبهم ونصرّ على ألاّ ننساهم رغم العزاءات الفاشلة ورغم غوايات الدنيا.

مريم:

بقايا الأبجدية المستحيل، هل تدرين؟

بعد عشرين سنة لم أفعل شيئا مهما سوى البحث عنك. أعود إلى هذه المقبرة التي صارت اليوم وسط المدينة بعد امتداد العمران بشكل جنوني إليها، أقف على هذه الشاهدة الصغيرة التي كتب عليها كما اشتهيتِ في وصيتك:

ضيقة هي الدنيا. ضيقة مراكبنا، للبحر وحده سنقول، كم كنا غرباء في أعراس المدينة.

****

تمنيت أن أعيش طويلا لأحبك أكثر

ولكن الأقدار منحتني فرصة الشهادة قبلك

لتكون أنت المطالب بحبي وبتحمل غيابي.

سيلفيا لم تتحرك. كانت مثل التمثال. تقف بدورها في مواجهة شاهدة عيد عشاب التي كتب عليها الاسم واللقب وتاريخ الوفاة وهذه الجملة بخط بارز:

"عاش ما كسب، مات ما خلّى"

كل صباح يوم جمعة تأتي سيلفيا إلى هذا المكان بعد أن تترك كل شيء وراءها، ابنيها وأمها المقعدة ، تقف قليلا على قبر مريم وسارة الذي زينته بالنرجل وشجيرات الياسمين، لتقضي بعد ذلك بقية وقت الزيارة وهي تدور حول قبر عياد عشاب الذي ينام وسط محيط صغير يملأه نوار الدفلى الأحمر والأبيض والبنفسجي، وتنظفه مع حارس المقبرة من الأعشاب الضارة. القبور أيضاً تموت بالنسيان. وتمضي صبيحة يوم الأحد على قبر والدها تقوم بالشيء نفسه.

هذا الصباح جاءت قبل الوقت المعتاد بقليل. قامت بطقوسها لتقف أخيرا عند قبر عيد عشاب. اللباس الأسود أعطى لبياض بشرتها حضورا كبيرا. السنوات لم تفعل الشيء الكثير فيها على الرغم من أن الدنيا تغيرت كثيرا.

لم تندهش عندما وضعت مذكرات عيد عشاب بين يديها. قبلتها كمَنْ يلثم كتابا مقدسا ثم وضعتها على صدرها وضمتها بقوة.

قلتُ:

-أنتِ أولى بها مني. ضعيها في عينيك.

تمتمتْ:

-تأخرتَ؟ لماذا تأخرتَ كل هذا الوقت؟ كنت أعرف أنك ستأتي يوما وستمنحني هذه السعادة الكبيرة. منذ عشرين سنة وأنا آتي إلى مدن الأموات، أعاتب والدي يوم الأحد، في المقبرة المسيحية، على حماقاته

القاتلة، ويوم الجمعة أبكي قليلا على سارة التي لم تر شيئا من الدنيا سوى أمها، فقد كانت الوحيدة التي تعرف سر أنينها ثم أقف على مريم التي خادعتنا وذهبت بسرعة وتركتنا مذهولين. قبل أن أنزلق نحو قبر عيد عشاب لأقضي بقية الصبيحة بجواره، أزيل عنه برودة العزلة وظلم الآخرين. أتساءل اليوم، ما الذي يجمع بين عيد وبين والدي في العالم الآخر؟ هل يلتقيان بعد أن احتضنتهما نفس التربة التي رفضاها في الحياة؟ هل يتكلمان مع بعض؟ ماذا يقولان؟ أعرف أن قلب عيد هش ويمكن أن يتسامح ولكني أعرف أيضا أن والدي صعب جدا وقاس ولكنه لا يستطيع أن يشيح بوجهه مدة عشرين سنة وأكثر.

نظرتْ سيلفيا قليلا إلى المذكرات. فتحتها بعفوية في آخر صفحة متجاوزة كل البياضات. تحسستِ الكلمات كمن يلمس أجنحة وألوان فراشة يخاف عليها من التلاشي والاندثار. لا أدري لماذا نذهب دائما نحو آخر الصفحات عندما يتعلق الأمر بأشواقنا وأحزاننا التي نكتبها؟ ربما لمباغتة الأقدار التي لا تمنحنا دائما وقتاً كافيا لإتمام رحلتنا في الحياة كما نشتهي.

قرأتْ وهي تحاول أن تلمس بعينين دافئتين ما يخبيء بين الحروف المتزاحمة:

"باب اليأس: حبيبتي سيلفيا... من أين أبدأ هذا الألم وهذا الحزن الذي صار مثل الفيض يملأني ويقودني نحو يأسي الكبير؟ كل أصدقائي انسحبوا من هذه المدينة وبقيت وحدي. البارحة رأيت حلما أخرجني من وضع وأدخلني في آخر. رأيت سيدي الأعظم محي الدين ابن عربي مرتديا لباسا خيوطه من الحرير الأبيض والفضة. في يده اليمنى عصى من قصب البانبو، يتكئ عليها كلما شعر بالتعب. طلب مني أن أتبعه نحو طوق الياسمين أو الباب كما يسميه البعض. كنت أعرف أنه يقودني نحو الموت ولكني لم أتردد لحظة واحدة. كانت رائحة الياسمين والنباتات الاستوائية قوية. فجأة قام من قدام أرجلنا سرب من الطيور الملونة والفراشات، عرفت أننا صرنا قريبين من المصبات المائية. مشينا

قليلا وإذ بالماء ينهض أمامنا مثل الشلالات. سألت عن الدليل، قال لي سيدي الأعظم وهو يضع يده الزكية على فمي: شششتتتت، لقد مات منذ أكثر من قرن. جئت لآخذك معي فأنا أعرف باب العبور نحو النور جيدا. سألته، وكيف ستفعل يا سيدي وأنت لا تملك عوامة ثم أن هذا النور يخيفني يا سيدي الأعظم. قال مرة أخرى وهو يضع أصابعه على فمي: شششتتت... النور نعمة. ثم أخذني من يدي. شد علي جيدا وبدأ يمشي على الماء كمن يمشي على اليابسة، وسط الضباب والأنوار التي عمتني ولم أعد أرى شيئا. شعرت بالخوف: أنا خائف يا سيدي. الغشاوة أعمتني. ولكنه طمأنني بأننا بدأنا نقطع باب العبور نحو اللامكان. ثم فجأة سمعت عواء مخيفا آتيا من هضبات الزبداني الخالية، فقلت: يا سيدي الأعظم، الذئاب. أخشى يا مولاي أن يكون اللامكان كذلك مليئا بالذئاب؟ نظر إلى وجهي بملامح غريبة تحولت فجأة لتصير كالحة ومكفهرة. شعرت بالظلام يملأ عينيه، ثم سحب يده من كفي وتركني أغرق وهو يتشفى فيَّ: الآن عم بحرك. جئتُ لأفك وثاقك وأنقذك ولكن خوفك حرك حتى الذئاب التي ماتت منذ قرون. إذهب فأنت الطليق وعم بحرك. فقلت: لا أعرف العوم. قال إذن أغلق عينيك وفمك وسد أذنيك واترك نفسك تتهاوى نحو القاع، فهناك من ينتظرك لتصير طعماً له. زاد خوفي. عرفت أن سيدي كان يدعوني نحو المقاومة وعدم الاستسلام أمام المصاعب، فحاولت ولكن قواي الداخلية وقناعاتي كانت ضعيفة جدا ومهتزة. وعندما سدت المياه فمي، استيقظت فجأة وأنا أرتعش طالبا العذر من سيدي الأعظم.

أرأيتِ يا سيلفيا؟ سهام ماتت في الوقت الذي كان ينتظر الأصدقاء مناقشتها لموضوع العمر الذي قضت فيه زهرة شبابها ولم يسمع أحد في هذا القفر أنينها غيري. أبوك أقسم أن لا تلمس جسدك يد مسلم وهو لا يعرف أن لا سلطان على الجسد أبدا. أصدقائي ذهبوا أو يستعدون للعودة إلى أرضهم الأولى. حتى سيدي الأعظم تخلى عني؟ لم يبق لي أحد. لا ذنب لك ولا ذنب لي أيضا في كل ما حصل ويحصل لنا، كلانا ضحية كيانات مفلسة. أبوك رفض سعادتنا ووالدي رماني في برية كأي

حيوان ثم ضاع في قفر الربع الخالي. اليوم وأنا في كامل قواي العقلية صممت أن أخطو الخطوة الكبرى التي تترتب عنها كسورات كثيرة ولكنها منقذة للروح. أريد اليوم أن أحررك مني لتتمكني من رؤية الدنيا بوضوح أكثر. بدءا من هذه اللحظة قررت أن أتوقف عن كتابة هذه المذكرات القلقة وأن أذهب إلى أبعد نقطة ممكنة في الكون. تعبت من اللاجدوى ولم يبق لي ما أقوله لحياة قلقة لم تعد تأبه بي كثيرا ولا تسمعني جيدا ولا تتذكرني إلا بمزيد من الأمراض والمآسي. شكرا لحبك، فقد كان فيه الكثير من نبلك."

من أوراق عيد عشاب

ثم قلبتْ الصفحة. قرأتْ: باب "طوق الياسمين". بحثتْ عبثا عن النهاية. السبعون صفحة التي تلت هذا العنوان كانت عذراء وفارغة. علا الأوراق نوع من الاصفرار والقدم، كأنها كتبت قبل زمن وإمحت بفعل الوقت والرطوبة والنسيان. أشهد أني منذ أن سلمني عيد عشاب حرائقه، لم أر شيئا مكتوبا في هذا الباب. المذكرات كانت دائما على هذه الصورة.

ارتعشت أناملها وكأن بروردة قاسية دخلتها فجأة. أغمضت عينيها قليلا لمقاومة الدمعات والارتجافات التي ارتسمت في المحجرين. تمتمت بحرقة:

-لماذا لم يكتب شيئا في باب "طوق الياسمين" وهو الذي كان يعرف المكان جيدا ويتمنى أن يموت وهو على العوامة مثلما فعل شيخه الأكبر أو سيده الأعظم: محي الدين بن عربي عندما سدت الدنيا مغالقها في وجهه؟ عيد ترك هذا الباب أبيض ربما لأن القدر لم يمنحه بعض الوقت للعبور نحو هذا الباب.

-لا أدري. السؤال نفسه طرحته على نفسي مرارا ومازلت. صفرة الأوراق توحي بأن شيئا كُتب وتلف مع الزمن، لأن لون الأوراق التالية للسبعين صفحة، بيضاء وصافية. ربما كان هذا الباب هو الوحيد الذي

لم يستطع فتحه بسبب صعوبته القصوى. لقد دخل كل الأبواب حاملا أشواقه وخفاياه الصغيرة. كان دائما يقول على لسان معلمه الأعظم وسيده إنه أصعب الأبواب لأنه مثل الطوق، وأكثرها انسدادا، إذ يجد المرء نفسه في دائرة مغلقة إذا لم يكن من العارفين. الباب الذي يأتي بعده النور الذي يعمي الأبصار ويورث الدوخة ويصيب العيون بالغشاوة. باب كل المزالق والمهالك. من الأفضل بالنسبة للذي لا يعرف مسالكه أن يعبر من الطريق العام المخصص للزوار والسواح.

-هذا هو عيد عشاب. عندما يشرب العرق يصير حزينا كالمسيح وصافيا كدمعة وخفيفا كريشة. كم أتمنى لو كان إنسانا تافها أو عاديا لنسيته بسرعة وانصرفت للحياة ولكنه كان شيئا آخر. لم يشبه أحدا ولم يكن أحد يشبهه. العزاء مع هؤلاء الناس يزداد صعوبة، بل يصير فعلا مستحيلا. تزوجت، عفوا انتحرت مثلما أراد لي والدي لأن عيد رفض أن يهرب معي خارج المدينة. أحيانا ألومه على تعقله في أكثر المواقع جنونا وفي أحيان أخرى أعذره. الحب عندما يصير رزينا يصير شبيها بالواجب وكنت أرفض أن يتحكم الواجب في علاقتنا.

-لهذا لم يعد من حقي اليوم الاحتفاظ بهذه المذكرات. من كثرة قراءتها، حفظتها حتى سجنتني كلماتها. فقد ظل عيد عشاب يحبك حتى لحظة انسحابه اليائس من الدنيا. تكفيني اليوم رسائل مريم. فهي حمل ثقيل، من الصعب علي تحمله.

-عشرون سنة وأنا أقاوم عبثا شططه وها أنت اليوم تضيف إلى شقائي حزنا آخر. هو على الأقل ذهب وارتاح . ربما ... كم أشتهي أن أنساه لأتفرغ لأبني وأمي وزوجي ولكني مريضة به ويبدو أني سأنقله معي إلى القبر بعد أن سحبته ورائي إلى أكثر الأماكن حميمية.

-محنة العاشق أنه لا ينسى أبدا.

-لا ينسى قط؟

الضباب يزداد كثافة. الصمت المطلق لولا زخات المطر الذي كان

يتسرب بين الأتربة الجافة والنباتات الصغيرة التي كانت تملأ الممرات الخالية من القبور.

لا أحد غيرنا في المقبرة.

عشرون سنة انطفأت. أشياء كثيرة تغيرت. الأرض التي أحببنا صارت مريضة، الناس الذين قاسمونا النور والفراش والحزن تغيروا، منذ ذلك الزمن الذي صار اليوم بعيدا. من مات مات. ومن امتطى الريح أو البحر فعل ذلك بدون تردد، وبقينا نحن هنا، بالضبط كما تُرِكنا للمرة الأخيرة، على حافة هذا البحر المنسي، نحسب السنوات والوجوه والصور التي مرت بكثير من الحزن والصبر.

شاق هو الفراق الأبدي ومع ذلك علينا أن نتدرب على النسيان لنستطيع العيش. لم يبق من الوقت الكثير، يجب أن نفترق وأن نمحو من الذاكرة أنَّا التقينا ذات ليلة باردة.

بعد كل هذه السنوات القلقة، المتواطئة ضدنا وضد الحياة، سيأخذ كل واحد طريقه وسيمتطي كل منا، في هذا الزمن الموحش، موجته التي ستقوده نحو قدره لمواجهة عزلته وخوفه وربما موته، وحيدا مثلما جاء لأول مرة إلى هذه الدنيا.

شكرا على صبرك يا مريم. سأرحل. أنا كذلك تعبت. أعرف أن الموت لا يتيح فرصا كبيرة للندم ولا للحزن. ومع ذلك أقول لك عذرا.

عذرا فقد تركتك تموتين ولم أعرف كيف أحبك.

تركتك تموتين ولم أعرف كيف أحبك.

تركتك تموتين ولم أعرف ...

الفصل الأول

سحر الحكاية