-2-

9 0 00

-2-

تباغتني الذاكرة في خلوتي، ضاربة عرض القلب بكل أسراري. غرباء كنا، الوطن في القلب والأحراش والمدن الساحلية والناس الطيبون والأشواق الصغيرة والأسئلة التي ظلت عبثا تبحث عن أجوبتها المستحيلة.

كنتُ في ذلك الزمن صار اليوم بعيدا، الكاتب العاشق، الغارق في الأبجديات الغامضة. وكنتِ الطفلة المعشوقة التي لم يكفها اتساع القلب لاحتضان الدنيا.

هكذا تقاسمنا الأدوار بعفوية واتفقنا منذ بداية القصة، وهكذا عشنا قبل أن تفرقنا حماقة الكبرياء والأفكار المعطلة ثم ... هذا العبث الأبله والغريب الذي اسمه الموت. هل كان من الضروري أن نفترق لندرك كم كنا في حاجة لأن نبقى قليلا ثم لنقول ما لم نستطع قوله؟ أو ما أخفقنا في قوله؟ هل ما حدث بيننا كان مجرد قصة حب من فرط الفقدان والخوف، صدقنا أنها الحقيقة المطلقة؟ أم خطوة أولى بدل أن تقع على اليابسة ابتلعتها هوة الفراغ؟

"باب الخطوة الأولى: أصعب الأشياء لدى الطفل الخطوة الأولى. اليوم قمت بشيء استثنائي. بالضبط، هذه الخطوة الأولى. عرفت اسمها بعد أن استطعت الخروج من مخبئي من وراء البرادي (الستائر) التي تمكنني من رؤية سيلفيا وهي تغير ثيابها الداخلية. كانت الخطوة جبارة. دعوتها للقاء خارج البيت بورقة رميتها من شرفتي نحو شرفتها. كنت خائفا. عندما وصلت، وجدتها هناك. قدمت لي أخاها جورح الذي انسحب

بسرعة وتركنا لوحدنا. تكلمنا في كل شيء ولا شيء. وبعدها ذهبنا لرؤية فلم: Le desert rouge بصالة الكندي. حكت لي كثيرا عن تشدد والدها وعن رغبته في تزويجها مع ابن عمها ولكنها ترفض وتقاوم لأن أخاها جورج يساعدها على تجاوز محنتها. كدت أقول لها اعتبريني أخاك الثاني ولكني صمت وفضلت الاستماع لها لأني كنت في وضعية الله وحده كان يعلم قسوتها. أشعر بالفعل أن تجربة جديدة في حياتي قد بدأت. المرأة التي كنت أظن أنها ستوبخني لاختبائي وراء البرادي لرؤيتها وهي تغير ثيابها، لم تقل شيئا، أكثر من ذلك، فقد حدثتني وكأنها تعرفني منذ زمن بعيد. يبدو لي أني بالفعل أسعد مخلوق في الدنيا".

من أوراق عيد عشاب

هل الإجابة عن الانشغالات القاسية ضرورية؟

اليوم كلما ملأني الشوق إليك، أتساءل بدون أن أستطيع الحصول على إجابة، ربما لأني لا أبحث عنها: لماذا لم تغير عشرون سنة أي شيء في حبي لك؟ كم أتمنى أن أعيش عزائي وأنساك دفعة واحدة ولكنني كلما حاولت أخفقت وازدادت وحدتي التصاقا بك. هل صحيح أن الميت يرتاح عندما يتبعثر نجمه في السماء ويتحول الكل إلى رماد بدون رائحة؟ هل صحيح أن المحب لا ينسى ولكنه يتناسى؟ أخاف أن يكون ما يحدث لي اليوم هو بداية شطط آخر أكثر قسوة من الحياة؟ لا أعرف ولا أدري حقيقة إذا كان يهمني كثيرا أن أعرف. التفاصيل أحيانا مرهقة. ماذا علي أن أعرف أكثر من الفقدان وظلم الحياة القاسية؟ لا أبحث عن الشيء الكثير سوى عن فسحة صغيرة للعزاء ومحاولة النسيان. أحيانا أقول في خاطري وأنا أفتش عن النور المخبأ فيَّ، إن أطرف كذبتين وجدهما الإنسان لمقاومة ظلمة الموت والقبر البارد هما: العزاء والنسيان بينما هما وجهان لعملة واحدة مرتسمة في دمه.

وهل يقدر الإنسان أن ينسى دمه؟