-4-

7 0 00

-4-

لنبدأ من التفاصيل الصغيرة.

في ذلك الزمن البعيد، كانت مريم طفلة تعشق الورود الملونة والوجوه الأليفة، مولعة بحب الألبسة الجميلة وتتمنى أن تخصب ذات فجر لتجد نفسها فجأة تمارس علنا طقوس الأمومة. كانت هكذا أو هكذا شاءت أن تكون. منذ الطفولة الأولى لم تكبر كثيرا.

لنقل مرة أخرى أنها كانت تحب الوديان الواسعة ومدينتها الساحلية التي استباحت ذات مساء متعجرف دمها ودم محبيها. لم تحب من الحياة كثيرا سوى أن تعشق الدروب الضيقة التي تغلق أبوابها مبكرا لتعيش طقوس الفقر في منأى عن نظرات الناس المؤذية.

-حرام! الفقر ليس كفرا ولكنه أسوأ من ذلك.

حتى جملك الصغيرة مثلك، بسيطة كالماء وملغومة كالحياة، تأخذنا على عكس العادة.

-المؤمن الطيب لا يلدغ من الجحر مرتين ولكن أكثر.

أبجديتك تشبهك. تسير عكس الرياح.

كانت مريم قبل أن يباغت الخريف أوراقه الصفراء والشتاء وديانه وجباله، تعشق البحر حد الرعشة. عندما كانت صغيرة، أخرجوها منه مرات عديدة نصف ميتة وفي كل مرة تقسم برأس أمها العزيزة أن لا تعود له ولكنها عندما تواجهه في اليوم الموالي، تنسى كل ما قطعته من عهود

وتترك نفسها تنقاد نحو سحره وموجه. وكلما حل الشتاء بحثت بشغف عن محيط المدينة المنسى لتراشق الأطفال بكرات الثلج وعندما تتعب، تدرك فجأة أنها لم تكبر أبدا وأنها بقيت بعد كل هذا الزمن على حافة الطفولة، عبثا تحاول أن تصير امرأة وعبثا تأخذ الدنيا بجدية.

مساء حين تنام، تتفتح خفية كوردة الصحاري، تحت خيمة الذعر القبلي. وحين تستيقظ على نور آخر نجمة فجرية كانت تتعشقها، تكون مبعثرة الشعر، مفتوحة القلب عن آخره كنبية خرجت من محنة الصلب إلى فضاءات الروح الواسعة.

شعلة من نور كانت، كلما حاولت اليد لمسها، انزلقت بهدوء واستقرت في المكان الذي تشتهيه: أنا هنا ونبقى هنا واللي يحبني يجيني. حين تتذكر الأغاني التركية والهندية والعربية القديمة، يتفتت قلبها كالأتربة الصلبة، وتبدأ عيناها الوثنيتان في تمنى طفلة مدهشة، بشرائط حمر، وعاشق على صهوة جواد أبيض لا تقهره رياح الصحراء الجافة ولا صمت القفار والخلاء الموحش.

-يعيشك أريد أن أسميها سارة أو نجمة. هذه الأسماء تسحرني. ما تقوليش أنك لا تحبها.

-ما تزال بعيدة.

-لماذا تغلق أبواب الحلم. رحمة ربي واسعة؟

هكذا كانت مريم وهكذا اشتهت أن تكون وسط عالم لم يكن دائما طيبا معها.

- يا يماك واشحال راسك غليظ. ما تسمعي إلا لروحك. الواحد ما يعرفش كفاش يدير معك.

-أنا قلتها لك من زمان، أنت تحاول عبثا أن تحب امرأة تشبهك. نارسيس. هذه هي أنا، امرأة غير قابلة للقسمة، تؤخذ ككل أو تترك ككل. أنا مثلك لا أشبه إلا لنفسي. ربما كنت غير موجودة أصلا. مجرد

شخصية في كتاب أدبي تعشقه، عندما تنتهي من قراءته تقفله وترميه في زاوية وتنساه ولا أحد يعرف أننا كلما أغلقنا كتابا كلما سددنا النوافذ وتركنا عالما بكامله يموت اختناقا.

كنتِ وسط الصمت والارتباكات المتتالية، تنسجين المستحيل وخيوط الموت بهدوء وطمأنينة.

وكنتُ في عنادي، أصنع نهاية مفجعة لأجمل قصة حب، عرفنا كيف نبدأها ولكننا أخفقنا في إتمامها. مشكلة الحب الكبير هو أن أصحابه يبدأون بشكل جميل وينتهون في الفجيعة.

لقد اشتركنا في انتحارنا الجميل وتسابقنا مع أقدارنا لنتأكد من أكثرنا تدميرا لنفسه وللآخر.

الأسئلة؟ دوما الأسئلة ولا شيء غير الأسئلة المستعصية. تعذبني الأسئلة التي تدخلنا وسط دهاليزها وتسد وراءها كل الأبواب والمنافذ. تدورين عينيك الكبيرتين مثل الذي اكتشف الكذبة الجميلة عند الطفل الذي يقف أمامه: ياه؟ ألم تقل لي إن الحب الكبير تقتله كثرة الأسئلة الصغيرة؟ صحيح أنك لا تؤمن كثيرا بالأسئلة الصغيرة، فكل سؤال يتطلب جوابا هو كبير. أحملك شطط الإخفاق. أنت كذلك تصر على الموت من جهتك بطريقتك الأكثر أناقة والأكثر خبرة؟

هل نبدأ الحكاية، كما تبدأ أية حكاية لامرأة طيبة عشقت العالم، لكنها اختنقت كعصفورة طوت أجنحتها قسوة الحر وشقاوة اللحظة؟ هل نحكي عن مهرجانات الرقص واللذة المسروقة التي تنخر من الداخل كالداء المزمن؟ عن القهقهات التي تتكسر في منتصف إشراقها كالأنجم الهاربة؟ عن النكت العارية التي كانت تصل أحيانا حد المبالغة؟ عن الأشياء الجميلة التي تأتي وعندما نفتح أعيننا للقبض عليها بعنفوان تكون قد انطفأت بسرعة؟ عن الرغبة الملحّة التي تهزمها العيون الهمجية؟ عنك أنت يا مريم في كل تحولاتك التي لا تستقر على حالة ولا على شكل؟

هل نبدأ قصة الحكاية المرتبكة أن نتركها للعشاق المنكسرين مثلنا،

الذين نكسوا كل رايات الفرح والسعادات الكبرى، ليتموها أو ليتركوها لخرير الوديان وتناسل أمواج المحيطات لتضع عليها بعضا من لمساتها الدافئة أن نسأل عيد وسيلفيا اللذين ناما هذا المساء على قلق آخر ينضاف إلى بقية الانكسارات؟

"باب الحيلة: اليوم نمنا مبكرا أو لنقل دخلنا الفراش قبل أن نأكل ونشرب كأس العرق الأخيرة. كم كنا بحاجة إلى بعض؟ تحايلت كالعادة على صاحبة البيت، الحجِّي، وأدخلت سيلفيا من جهة الحديقة في لباس شاب يشبه أحد عمال السكك الحديدية بقبعته التي تغطي وجهه. كنا منكسرين. للمرة الألف يكون رد عائلتها قاطعا. لا زواج. أنت مسلم ونحن مسيحيون. ما معنى الرد القاطع؟ السؤال طرحَتْهُ عليّ سيلفيا وهي تنام في حجري بحزن كالطفل الصغير وتحاول أن تفهم رد عائلتها الرافض باستنثاء جورج. هل هناك شيء قاطع في الحب؟ لا أدري ولكني في كل يوم أزداد كرها للحياة وللأديان من أن جدي، شيخ الزاوية، الله يرحمه، لم يكن هكذا، وأفكر جديا في اختصار الطريق. سيلفيا قوية. تقول لي إن الحب الكبير يُدافع عنه باستماتة. وأنا هش، عندما تأكلني هموم الدنيا أندفن في كأس عرق وأفكر بسرعة في الغرق وسط بياضه الضبابي".

من أوراق عيد عشاب

أدور ... أدور ... أدور .... كم أشتهي أن تأخذني دوخة الكلمات التي ترميني خارج هذه الأرض القلقة. تدخلني وسط الإغفاءة التي تشبه حالة السكر ليتحرر لساني وجسدي ونظري. سِنَة من النوم فقط لأتمكن من رؤية ما لا يُرى. البصر كذلك في حاجة إلى حرية استثنائية ليتمكن من لثم روح الأشياء وإلا سيظل على السطح. أشعر بنفسي أحيانا، وأنا أستعيد للحكاية، مثل الخائف من خِدَع النفس التي تقوِّله كل خباياه وتكشف مدافن يريد الاحتفاظ بها لنفسه. وفي أحيان أخرى أراني مثل فراشة مسكونة بالنور ولكنها كلما اقتربت من النار، زاد يقينها أنها هالكة لا محالة.

أدور ... أدور وأبحث عنك في مدارات الدوخة الكبيرة والحكاية وأخاف أن لا أجدك. المسالك صعبة والعمر لا يرحم. يركض بخطى مجنونة نحو النهاية وكلما ظننا أننا مددناه، اكتشفنا فجأة أننا منحناه جزءا آخر من حياتنا كنا نحتفظ به لتمطيط اللحظات الأخيرة التي نشتاق فيها لثانية واحدة نلثم فيها من نحب.

أدور ... أدور ... وأنتِ مثل النور، تنزلقين من بين أصابع اليد. كيف أقبض على النور؟ أخاف أن تكوني قد اندثرت مثلما يفعل الجسد بنا عادة حينما يتركنا في منتصف الحياة. لا يقبل بالحلول الوسطى. عندما يستسلم للتربة، يمنح نفسه لها كلية وبدون سؤال ولا تردد.

أدور... أدور... أتهاوى مثل النخلة. تأخذني الإغفاءة الشبيهة بإغفاءة الموت، أبحث عنك وأفتح هذه المرة باب الحكاية على مصراعيه وأرابط في كل الزوايا المظللة لأراك بدون أن تريني وأتتبع كل حركاتك، الصغيرة منها والكبيرة.