-1-

6 0 00

-1-

أهي صدفة أم ضرورة ؟ أم قدر رسمته قوى مجهولة تتحكم بمصائرنا ؟ ألا نقوم بسفرة الصيد المشؤومة الا في الأول من آذار حيث يحتفل الإنليليون بعيدهم الأكبر.

وحيث يخطط أعداؤهم الكوريون للانقضاض عليهم مستغلين انشغالهم بالعيد العظيم.

ترى. أي أصابع مجهولة تحركنا كما تحرك بيادق الشطرنج ؟ وتجر أقدامنا الى هذا المنزلق؟ وتقودنا من مطب الى آخر، فأي شيطان وسوس في أذني لأدعو أخي الصغير

عباسا ليشاركنا سفرة الصيد التي قادتنا الى هذه النتيجة المظلمة ؟ أهو الشيطان الكوري كما يزعم الإنليليون ؟ أم ابليس اللعين ؟ كما تقول أمّي يوم اعترضت

طريقنا ، ونحن نزمع القيام بتلك السفرة ؟.. وأي بصيرة نافذة تتقد في ذهن هذه القروية العجوز لترى انياب القدر مكشرة ؟

أتذكر وجهها قبل سبع سنوات وهي تهمس في أذني صبيحة الأول من آذار:

-أ ضروري أن تأخذوا عباسا معكم ؟

كنا نتهيأ - انا وعباس - للقيام بسفرة صيد في وادي المهاري ، برفقة بعض الاصدقاء . قلت لها وأنا أتنكب بندقية الصيد :

-عباس لم يعد طفلا . يا أمّي . أن عمره صار ستة عشر عاما .

-انه مازال طفلا متهورا . لا تأخذوه معكم .

سمعها عباس فرد بصوت ثائر:

-ماذا .. هل تريـدين مني أن اقعد في البيت كالنساء .

-قلبي يحدثني بأن أمرا خطيرا سيحصل لك . إلعن الشيطان ولا تذهب معهم .

-لا تقفي في طريقي سأذهب .

عقبت‘ بتذمر شديد

-الذي يرى حالتك يتوقع ان ابنك ذاهب الى معركة . انها سفرة سياحية الى مشارف المدينة برفقة سبعة رجال أشداء .

كان آخر ما سمعته منها ونحن نغادر البيت . زفرة واهنة ، ودعاء يصعد ساخنا الى السماء :

-يا راد يوسف الى يعقوب رد إلي ولدي .

* * *

اختطفتنا سيارة الجيب . وتلقفنا وادي المهاري الممتد من مشارف وادي الشنافية حتى حدود نجد . كان عباس أكثرنا مرحا وانطلاقا . يقفز من كثيب الى كثيب

، مطاردا الأرانب والحيوانات البرية . وأثناء عودتنا في الساعة الرابعة والنصف عصرا توقفنا على مقربة من تل المهالك . واقترح أحدهم :

-ما رأيكم ان نقتحم تل المهالك .

وآزره آخر:

-فكرة جميلة

اعترض ثالث:

-ما لنا وتل المهالك دعونا نمرح على هذه الأرض الجميلة .

ضحكنا منه جميعا.

-هل تخاف العفاريت التي تسكن التل .. ايها المثقف الطليعي.

اعتراه الخجل وعقب على كلامنا :

-لا تسيئوا فهمي . أنا لا استبعد أن يكون تل المهالك مخبأ للمهربين وقد نورط أنفسنا معهم في معركة غير متكافئة .

كنا - نحن السبعة - نمثل الشريحة المثقفة في المدينة .وكان لزاما علينا ان نرفض الحكايات الخرافية التي تنسج حول هذا التل كما كان علينا ان نجد تفسيرا

منطقيا لهذا التواتر في الروايات التي يتناقلها البدو حول وجود أشباح تطاردهم اذا ما اقتربوا من تل المهالك . وكيف انهم يرون في الليل نيرانا تشتعل أحيانا

على التل . وأضواء حمراء وخضراء وبنفسجية تومض منه في أحيان اخرى . كان صاحبنا الذي يحلو له أن يطلق على نفسه صفة المثقف الطليعي ، قد وجد نفسه مقتنعا

ان تل المهالك ليس الا مخبأ من مخابئ المهربين , وان تلك الحكايات لا تعدو أن تكون اشاعات يروجها هؤلاء المهربون ولا يستبعد منهم أن يفتعلوا ألاعيب يخيفون

بها السذج من البدو اذا ما اقتربوا منهم …. يفعلون كل ذلك ليبعدوا المتطفلين عن مخابئهم .

أمام اصرارنا على اقتحام تل المهالك ، رضخ صاحبنا للأمر ورافقنا نحو التل . انطلق عباس أمامنا فطلبت منه أن يتريث قليلا . لكنه قال :

-قلب عباس لا يعرف الخوف .

وانطلق بسرعة أكبر . صعد السفح بخفة حتى وصل قمته . غاب عن انظارنا بين كثبان الرمل قليلا . ثم ظهر على أعلى صخرة في القمّة . ورأيناه يضع كفيه على

جانبي فمه . ويهتف بصوت عال :

- تعالوا بسرعة … اركضوا لقد وجدت كنزا .. كنزا ثمينا . سيغنيكم جميعا .

تصورنا ا لأمر مزحة فلم نزد في سرعة مشينا . لكنه عاود النداء :

-اركضوا قلت لكم اركضوا . ما لكم كسالى . انه كنز ثقيل من الذهب لو استطيع حمله لحملته لكم .

قبيل ان نصل التل رأينا مخلوقا غريبا يخرج من كهف في أسفل السفح وينتصب أمامنا سادا الطريق علينا . كان عملاقا يزيد طوله على خمسة الأمتار ، ذا فم عريض

متقوس الى الاعلى وعينين مدورتين حمراوين وانف افطس ، واذنين طويلتين مدببتين ، وجلد مجلل بالشعر … ركض اثنان منا عائدين لكن صاحبنا المثقف الطليعي قال

:

-لا تفزعوا . اظنه دمية .

غير ان المخلوق الغريب فتح فاه كاشفا عن أسنان طويلة ثم جثا على ركبتيه . ونهض ثانية، فعل كل ذلك ، ربما ، ليخبرنا انه كائن حي وليس دمية . ظلت عيناي موزعتين

بين أخي الذي يقف على قمة التل وبين المخلوق الغريب. صوبت بندقيتي نحو جسد العملاق . لكنه لم يأبه لتهديدي . أطلقت عليه النار وحذا جماعتي حذوي . والعملاق

لم يتزحزح من مكانه ، ظل يواصل تحريك اذنيه الطويلتين ساخرا منا …. وحين سمع أخي أصوات الطلقات غادر موقعه متجها الينا . لكني لاحظته بعد قليل يتراجع

الى قمة التل مذعورا ، ثم يغيب بين كثبانها … واصلنا الرمي حتى نفد عتادنا . عند ذلك غادر المخلوق الغريب متجها الى الكهف الذي خرج منه .

وقفنا في مكاننا قليلا بانتظار عودة عباس ، لكنه بقي مختفيا عن الآنظار . وارتقيت الى القمة ورأيت صحابي يتبعونني ببنادقهم الفارغة .. توزعنا بين القمة

والسفوح لكننا لم نجد لعباس أي اثر . ووقفت على الصخرة التي كان يقف عليها أخي قبل قليل واصلت النظر في الصحراء الممتدةأمامي دون أن ألمح إنسانا ….

عند غياب الشمس قررت البقاء على التل حتى أجده . ولكن اصحابي رفضوا . قال احدهم :

- المسألة اصبحت أكبر من طاقتنا . اذا كنا لم نعثر عليه في وضح النهار . فكيف سنجده في الليل . علينا ان نخبر الشرطة .

رضخت للأمر وعدت معهم . ووجه أمّي يرتسم أمامي وهي تقول :

-يا راد يوسف الى يعقوب اردد الي ولدي .