1

7 0 00

1

حينما قرّر كريم بن محمّد الاستجابة لدعوة يزيد َلحْرَشْ، بعد ليلة مضطربة، أنهكه فيها الأرق والقلق، لم يكن يتصوّر طبيعة ولا حجم الهوّة المرعبة التي ستبتلعه بعنف ساحق. كان على دراية بالوضع الجديد الذي آلت إليه قرية وادي الرمان. تغيرت أشياء كثيرة أثناء غيابه الذي دام قرابة السنة. وقد عدّها كريم بالحساب اليومي الدقيق: عشرة أشهر وسبعة وعشرون يوما مرّت من الليلة التي حاصرت فيها قوات الأمن الحي الغربي واعتقلته مع ستة أفراد آخرين إلى غاية الصبيحة التي أنزل فيها من الشاحنة المغطاة وسط مدينة البليدة وهو لا يملك دينارا واحدا لإتمام السفر إلى غاية وادي الرمان. تمرّد يزيد لحرش وعدد من شباب القرية وشكلوا مجموعة مسلحة لجأت إلى الأحراش والغابات المجاورة، لا تتوقف عن الغارات المتكرّرة. تردّد طويلا قبل أن يستقر على رأي. قلّب الأمر من جوانب عديدة حتى أرهقه التفكير. الآن وهو يمشي بخطى خفيفة، تحت ظلال أشجار الدُّلب، قاصدا حوش غريس، المكان المحدّد للموعد، ما زال التردّد يقضم ألياف مخّه ويضاعف من توجّساته. الصيف في بدايته والحرارة ملتهبة رغم اقتراب غروب الشمس. تجاوز البنايات الأخيرة للقرية وسلك دربا مستقيما إلى حد ما ومظللا. تراءت أمام عينيه الذابلتين من فرط السهاد والتخمين بساتين التشِّينة وكروم العنب المكسوة بالغبار. المطر كان شحيحا هذه السنة رغم صلاة الاستسقاء التي أقيمت قبل أزيد من شهر، طلبا للغيث من سماء مزهوة بزرقتها وصممها. "الله غاضب على عباده". هكذا يردِّد الأئمة في خطب المساجد، ويلوكها الناس في المقاهي، باحثين عن مبرِّرَات لهذا الغضب. الله رحيم وكريم بعباده، لا يغضب عليهم إنْ هُم أطاعوه وعملوا بتعاليمه. المساجد عامرة بالمصلين، ولكن يبدو أنّ هذا غيرُ كافٍ. الناس يصلون ولكن صلاتهم لا تنهاهم عن ارتكاب المعاصي والفواحش والمنكرات. هكذا فكّر كريم وهو يحدّق في أوراق الكروم المصفرة وحَبّ العناقيد يكاد يجف قبل أن ينضج. الأرض جرداء والحشائش النادرة تحوَّلت إلى تراب من كثرة الغبار المتراكم فوقها. أشجار البرتقال قصُرت قاماتها وذبلت أوراقها. إنها على وشك الانقراض. جال كريم بصره في الأفق المُمتد حوله وأطلق زفرة يأس وتحسّر.

أين تلك الأعوام المثمرة حيث كنا نتقاذف فيها بعناقيد العنب وحبات التشينة والماندرين والكليمانتين؟ كنا مجموعة أطفال الحي الغربي الذي لا زلنا نسمِّيه باسمه القديم "روزو"، برغم تسميته الجديدة باسم أحد شهداء الثورة الذي لم يبادر أحد إلى النطق به. يزيد، خويا علي، عبد القادر، إبراهيم، أنا وآخرون لا أتذكرهم، نجوب البساتين المثمرة بشجاعتنا العنترية، نسرق الفواكه خفية أنْ يرانا الحارس سي العربي. نتسارَع كالثعالب الجائعة في سباق صبياني، نختفي بعض الدقائق خلف الجذوع والأجمات قبل أن نركض في الخلاء، مفتخرين بمباغتة فطنة الحارس الذي يكون غافيا في قيلولته اليومية داخل كوخه القصبي. لعبة الغُمَيْضَة، بين القط والفئران. نكاد نزحف على بطوننا، نتسلل وسط الدالية، نقطف العناقيد نصف الناضجة، نِصْف الغّلة يسقط أرضا، نتقاذف بما تبقى، نُقَهقه فرحين بانتصارنا على المغفل سي العربي، نسهو قليلا، ننسى أنفسنا وإذا بسي العربي فوق رؤوسنا يمسك عصاه الغليظة ويشتط غضبا. الويل ثم الويل لمن يمسك بتلابيبه. ولكنه لا يمسك أحدا. كالفئران كنا، نتزَربَع عبر كل الاتجاهات وبخفة جنونية. في لمح البصر، يدرك سي العربي بأنه عجّز وعليه أن يأخذ تقاعده ويستريح. في المساء يعود سي العربي بقفة مغطاة مليئة بالعنب الناضج، ننتظره في مدخل الحي ونتظاهر بالتعقل، بالبراءة، نتمسكن. هل نضج العنب يا سي العربي؟ ينظر إلينا بخبث ظاهر ويجيب: ألَم تذوقوه بعد؟ ترتفع حناجرنا في إنكار متصنِّع: لا يا سي العربي، لم نذق ولا عنقودا واحدا. يهزّ رأسَه وابتسامة مَكر تملأ ثغره المتورّم ثم يضع القفة أرضا ويخرج بضع العنيقدات ويوزعها علينا وهو يقول: قريبا يصل موسم القطف وتشبعون عنبا وزبيبا. ثم حينما يبتعد قليلا، يلتفت إلى الوراء ويلوح بيده الفارغة بدون أن يتفوّه بكلمة. تلك الإشارة من يده هي التي كانت تشجعنا على الدخول إلى الدالية، مقتنعين بأنه سيغضّ البَصر ويتركنا نخرِّف في راحة تامة. مثلنا، كان سي العربي يقطن الحي الغربي، ويعرفنا واحدا واحدا، كما يعرف آباءنا، ورغم ذلك لم يشتك ولا مرة واحدة. الخير كثير، والناس فقراء، والزمن زمن السنوات الأولى للاستقلال، فلنتمتع جميعا بخيرات البلاد. الله يرحمك يا سي العربي برحمته الواسعة. آه على تلك السنوات السعيدة. بعد سنوات انقلب الوضع رأسا على عقب. خرج سي العربي وعوضه ناس آخرون. أصبح الحارس مسلحا ببندقية صيد، يصطاد الأطفال مثلما يصطاد سراب الغربان الناعقة، بلا رحمة ولا شفقة. عدنا إلى عهد مُعمّري الاستعمار. يأتون بالعمال من أماكن أخرى، ورجال وادي الرمان يسندون ظهورهم إلى الجدران ويتفرجون وبصدورهم يتراكم الغضب والحقد. ثم انتشر خبر طرد جميع القاطنين في الأراضي الفلاحية كما ينتشر الطاعون القاتل. لم تعد المزارع ملكا عموميا ينتفع بها الجميع. بيعت للمعمرّين الجدد بالدينار الرمزي، أصحاب المناصب العليا وضباط الجيش والمجاهدين المزيّفين وأصحاب الشْكارة، فقاموا بإحاطة البساتين بالأسلاك الشائكة ونصّبوا عليها حراسا بالبنادق والهراوات. كنا نترقّب كل صباح مجيء الشاحنات مصحوبة برجال الدرك لتهجِّر سكان الأحواش بعيدا، تعيدهم إلى جبالهم النائية التي غادروها في السنوات الأولى للاستقلال مثلما أُشيع. بدأنا نشاهد سيارات سوداء فخمة تقتحم الطرقات المغبرة خاصة في أيام العطل الأسبوعية. لحسن الحظ جاءت مظاهرات الخامس من أكتوبر وأنقذتنا من التهجير. وضعت تلك المظاهرات الصاخبة حدّا لتلك المبادرة الجهنمية. تراجعت السلطة عن خَوْصَصة الأراضي الفلاحية التي بقيت مهملة، تكسوها الحشائش البرية. وعادت إلينا الطمأنينة بعد أنْ اختفت تلك السيارات السوداء، برغم أننا قرّرنا رشقها بالحجارة إن سلكت دروبنا المغبرة مرة أخرى.

تماطل كريم في المشي وهو يقترب من حَوْش غْريس. استمع إلى دقات قلبه تخفق بقوّة في صدغيه المتصبِّبَين عرقا. مِن جديد، استولَت عليه صورة وكلمات ذلك الزائر الذي باغته داخل المسجد ظهيرة أمس. من عادة كريم أن لا يغادر البيت إلا بعد حوالي الخامسة بعد الزوال، حيث تكون حرارة الشمس قد سكنت قليلا. في ذلك اليوم، أعدَّت أمّه وجبة غداء يفضلها كثيرا: كُسْكُسي باللبن الرائب. فأكل إلى حدّ التخمة. أحسّ بثقل في جسده ورغبة إغفاءة تضبِّب بصره، فتمدد ليستريح في قيلولة مسكرة، تساعده على الهضم وتنقذه من لهيب الحرارة المستفحلة خارج البيت. ولكنه لم يتمكن من إغماض جفونه بسبب بكاء رضيع أخته التي جاءت خصِّيصا لرؤيته بمناسبة إطلاق سراحه. ولكن الزيارة تحوّلت إلى إقامة. ويا ليتها كفّت عن الشكوى وسرد مشاكلها مع حماتها وسِلفتها وزوجها الذي يعطي أذنيه لهما، فيلومها ويعنفها ويتوعّدها بالطلاق. تطيل الحكي مجترة أدنى التفاصيل، بحيث أصبح الجميع في البيت يحفظها عن ظهر قلب. تحكي وتصر على المستمعين أنْ يوافقوها الرأي. وإنْ حدث أنْ خالفها أحد، وألقى اللوم على سلوكها وسلاطة لسانها، تنفجر باكية، لائمة، فتنزوي في ركن وتناجي نفسها بصوت مسموع وسط شهقات وزفرات الثكلى: اللَّحْم إذا فاح يَرَفْدوه مواليه، وأنا ولية ما عندي غيركم. لو كان يطلقني زوجي ترموني في الشارع، أولادي يموتوا من الجوع... هكذا تحبوا...

تقلَّب كريم بعض الوقت دون فائدة. تحمَّل بكاء الرضيع وصداع شكوى أخته التي استرسلت في هذيان تلوم حظها التعيس وتصرخ في وجه طفلتها البكر ذات الثلاث سنوات، فنهض وغادر البيت خلسة لا يعرف مقصده بالتحديد. المسافة بين الحي الغربي وبين المسجد لا تتجاوز الكيلومترين. الطريق مستقيم وخالٍ من أية شجرة قد تنثر بعض الظلال. مشى بخطى سريعة تحت لهيب الشمس الذي يبدو أنه على وشك أن يضرم النار في الأخضر قبل اليابس. لم ينتصف الطريق حتى كان وجهه يتلألأ بحبات العرق. الشارع فارغ من أية حركة بشرية ولا حيوانية كما لو أنّ القرية هجَرها سكانها بغتة. المقهى أيضا كان فارغا. الذباب وحده احتل الطاولات المتسخة، يطن ويقفز متنقلا بين بقايا قطرات الحليب والقهوة والسكر والليموناد. فيما ارتخى القهواجي على كرسيّ جانبيّ ناعسا وغير مبالِ بأسراب الذباب الملتف حوله. مع اقترابه من المسجد، تجاوز رجلا مسنا مرتديا غَنْدورة وشاشية بيضاء لونهما، يمشي الهوينا، مستعينا بعكاز غليظ. ألقى عليه التحية ولكن العجوز لم يجب. ربما كان ثقيل السمع أو غارقا في أدغال من الهموم تشكل قوقعة تصد كل الإشارات الخارجية مهما قويت منبهاتها. لم يهتم كريم للأمر كثيرا. ألقى نظرة خاطفة على الرجل ثم تابع سيره بخفته المعهودة. كان المسجد شبه فارغ أيضا. الشيء الذي لاحَظه مُنذ إطلاق سراحه هو أن المسجد لم يعد مكتظا بالناس مثل سابق عهده. يفضّل المصلون إقامة الصلاة في بيوتهم. لم يعد المسجد مكانا للعبادة بل أضحى حلبة للمناوشات الحزبية والنقاشات البيزنطية العقيمة حول مسائل بدت لعامة المصلين غريبة عجيبة لا تقدم ولا تؤخر. اختار كريم مكانا قرب عمود وجلس يسترد أنفاسه. فكر في تناول مصحف من الرف الأمامي والانشغال بقراءة بعض الآيات إلا أنه لم يجد في نفسه القوة الكافية للوقوف مرة أخرى وتخطي الصفوف الأمامية للوصول إلى المكتبة، ولا الرغبة في القراءة. كان جسمه ثقيلا ومبللا بالعرق يرغب في التمدد، وعيناه ذابلتان يغويهما النوم. مكث على تلك الحالة، منكَّس الرأس وجفناه تكادان تنغلقان. في لحظة ما، شعر برجل يجلس بجانبه. لم يُعر للأمر اهتماما يُذكر. المسجد مكان عمومي والجلوس مباح في أي مكان. كان القادم الجديد يرتدي غندورة رمادية اللون ويعتمر شاشية بنية، ولحيته سوداء غابية تغطي معظم الوجه.

- يزيد لحرش يريد ملاقاتك، قال الرجل الملتحي دون أن يدير وجهه نحو كريم، وهو يتظاهر بانشغاله بالسُّبْحة التي بين أصابع يده اليمنى، يمرر كرياتها بحركة سريعة تنم عن القلق والارتباك.

التفَت كريم نحو الصوت ليتأكد من أن الكلام موجَّه إليه.

- لا تتحرك كثيرا وانظر أمامك. قال الرجل دون أنْ يغيِّر من جلسته ولا من حركة أصابعه حول كريات السبحة. ثم واصل حديثه:

- اسمع جيدا ما أقوله لَك. نحن بحاجة إلى خدماتك. لا يمكن أن نتحدث هنا بطمأنينة. عيون الأمن حارسة والجدران لها آذان تلتقط أدنى همسة. ننتظرك غدا في حَوش غْريس داخل المخازن القديمة، مع صلاة المغرب. طلب مني يزيد أن ألح على حضورك. ثقتنا فيك كبيرة، فلا تخيب آمالنا.

وقبل أنْ ينطق كريم بن محمد بكلمة واحدة، وقف الرجل وكبّر للصلاة. ثم انسحب بالخفة التي ظهر بها. لم يتمكن كريم حتى من النظر إلى وجهه والتعرف على هويته. أكيد أنّه من قدماء الإخوة في الحزب. يُمكن للصوت أن يفضح هوية الفرد ولكن كريم لم يتمكن من وضع اسم على الصوت الذي بدا له غريبا. تم اللقاء بسرعة خاطفة مثل طيف حلم تبخر مع أول حركة. أيقظه الصوتُ من إغفاءة لذيذة كادت تمتصه امتصاصا. صعقته المفاجأة، فالتزم مكانه دون حراك، شارد الذهن، لا يعي بوضوح تام تفاصيل ما حدث له. فمنذ أن عاد إلى وادي الرمان قبل حوالي أسبوعين، لم يتصل به أحد من أصدقاء الحزب الذي اتخذت السلطات العسكرية قرارا بحله ومنع نشاطاته وتشميع مقراته. اندهش كريم من الحذر والخوف السائدين. أمّه وحدَها وعبر همسات لا تكاد تُسمع، روت له ما جرى من فواجع وهي تنصحه بالابتعاد عن الهول الذي أصاب البلاد والعباد.

- اختلَط الحابل بالنابل يا ولدي، لم يعد أحد يفرق بين الصديق والعدو. فبعد الذي جرى لك، من صالحك أنْ تقبع بالبيت وتبتعد عن المعمعة. أصبح الموت يحصد الناس مثل الجراد، دون تمييز بين المذنب والبريء. قالوا ناس الزمان: الوادْ إذا احْمَل ما يفرَّق بين الحشيشة وجذع الشجرة.

في الفترة التي كان فيها كريم مسجونا في أقاصي الصحراء، وقعت أحداث مهولة في القرية، غيرت أشياء كثيرة. البعْضُ من الذين نجوا من قبضة الأمن، سرقوا أسلحة والتحَقوا بالأحراش والجبال المجاورة وهم لا يتوقفون عن القيام بالغارات على القرية، عبر الاغتيالات والتخريب والنهب. فضَّل البعضُ الآخر الهجرة إلى أوربا، بحثا عن اللجوء السياسي. الكثير منهم قُتِل في اشتباكات مسلحة.

منذ اللقاء القصير والمفاجئ، لم يتوقف كريم عن التفكير في السبب الذي جعل صديقه القديم يطلب لقاءه. في البداية انتابه شعور بالفرح والاعتزاز، أعادت إليه ثقته بنفسه وأشعرته بالمكانة المهمة التي يحتلها وسط الجماعة. إذ ما زال في نفسه حنين إلى تلك الأجواء الأخوية التضامنية عبر التجمعات والنشاطات السياسية والخيرية. ولكنه تذكر حكايات أمّه الهامسة، المليئة بالأحداث الدموية والجثث المخيّطة بالرصاص أو المذبوحة والملقية داخل سواقي الطرقات مثل جثث القطط والكلاب والخنازير البرية، فأدخلت إلى نفسه شعورا بالانقباض والخوف.

حوش غريس بناية قديمة على حافة الانهيار التام. تقع على بعد كيلومترات من وادي الرمان. خزانات إسمنتية استخدمت لمدة طويلة لتخمير عصير العنب، أيام كانت كل الأراضي المحيطة بالقرية مغروسة بالكروم يستخرج منها أعتق الخمور. أما اليوم فلم يبق من هذه الكروم إلا النزر القليل. اعتبرت السلطة الوطنية هذه الكروم إحدى مخلفات الاستعمار، فأمرت بقلعها من جذورها، لتعوِّضها بزرع القمح والشعير والخضر وأشجار الفواكه. فبقيت الخزانات الكبيرة مهجورة، عرضة للهدم والدمار، كما بقيت الأراضي بورا لا تصلح إلا لرعي الغنم. الخضر والأشجار المثمرة مثل البرتقال وأنواعه بحاجة إلى سقي دائم، والمياه المتوفرة قليلة لا تفي بالغرض، خاصة بعد جفاف السنوات الأخيرة.

يعرف كريم هذا المكان معرفة جيدة. في صغره، سلك جميع الدروب والمسالك وجال عبر المزارع إلى درجة أنه يشك أن يكون متر مربع واحد قد نجا من رفس قدميه. "لم يتغيّر شيء هنا"، هكذا فكّر كريم وهو يتقدم من الخزانات. مالَت الشمس نحو المغيب، مُعلنة عن قدوم نسمات ليلية رطبة ستخفّف من لهيب الرمضاء السائدة طوال النهار. دخل تحت صف من أشجار الدلب الطويلة التي ألقت ظلالها على المكان، وكسته بقليل من الظلمة، مما ضاعف من قلقه وجعله يتوقف فجأة ويلتفت حواليه في حركات مريبة، كأنه شعر بأحد ما يترقبه. يمكن لأيّ شخص أن يتواجد قرب الخزانات بمحض الصدفة ليشهد ضده ويَشي به عند الضرورة ! إنّه ذاهِب إلى مَوعد مع متمردين يعرف بأن رجال الأمن يبحثون عنهم، في وقت يُفترض أن يلتحق ببيت أهله. لاحت من بعيد البناية المهترئة، فتضاعفت مخاوفه، وفكّر في الاختفاء عن الأنظار المحتملة. لا يريد لمروره أنْ يترك أثرا ما. كانت البناية تسبح في ظلام جزئي وفي صمت اطمأن لهما. مشى بهدوء متسائلا إنْ لم يكن قد وصل متأخرا. ألقى نظرة نحو المغيب، فلم يقابله إلا احمرار باهت في الأفق، يكاد ينطفئ خلف هضبة جرداء حيث مازال يرعى قطيع من الغنم. هدأ توتره وهو يدرك أن وقت صلاة المغرب لم يحن بعد. إنهم في انتظاره ولكن أين؟ مسح المكان الخالي بنظرة تفتيشية قلقة، وحينما لم يشاهد حركة غريبة ولم يسمع ضجيجا مريبا، تقدم نحو السياج الحديدي الصدئ. جاءه صوت من داخل الخزان: - ادخل كريم، نحن هنا.

حينما وقف في فتحة الباب، لم يتمكن من رؤية شيء، ذلك أنه ما يزال يحمل احمرار الشمس في عينيه. وقف جامدا لثوانٍ طويلة وهو يفرك عينيه، في محاولة منه لاختراق العتمة المتلألئة التي منعته من مشاهدة الوجوه الملتحية لمضيفيه. اختفى الاحمرار واستعاد كريم بصره ببطء ليشاهد الخراب الذي يحيط به على الأرض. تتناثر أوساخ متراكمة من القاذورات، ممزوجة بالتراب والأحجار وقطع من الألواح الخشبية والحديد. الجدران متآكلة، مقشّرة، باهتة اللون ومليئة بِبُقع محفورة مغطاة بنسيج العنكبوت. أمعن النظر في المكان دون أن يلفت انتباهه شبح إنسان. يمتد الفضاء أمامه خالٍ تماما، يبدو أنه مهجور منذ زمن بعيد. في العمق، على اليسار، تنفتح كوّة دائرية الشكل ومرتفعة قليلا عن الأرض. يبدو أن الفرجة حديثة الصنع، ذلك أن على التراب ركام من الإسمنت وقطع الآجر والغبار. تراءى له وجه ملتحٍ عبر الفرجة، مائل نحو الأسفل. الظلمة سائدة داخل القبو ولم يتعرف كريم على صاحب الوجه. سمع نفس الصوت يردد مرة أخرى: ادْخُل يا كريم، نحن هنا.

داخِل القبو، جلس خمسة رجال، مُسندين ظهورهم إلى الجدار. تنبعث من المكان رائحة زيتون قوية مختلطة برائحة البصل. تخطى كريم العتبة ومكث مرتبكا مترددا لا يعرف ماذا يفعل بجسمه وسط الظلمة التي كادت تسوّد القبو كله. وقف يزيد لَحْرَش واحتضنه مُرحِّبا، مهللا. تبعه الآخرون بنفس العبارات المضيافة. أجلسوه وسطهم وهو لم يتفوّه إلا بتمتمات لا تكاد تُسمَع. شكَّلت العتمة حاجزا أزعجه إزعاجا مقلقا لأنه لم يتمكن من رؤية الوجوه والمكان بوضوح مريح. دقائق طويلة قضاها قلقا، صامتا قبل أنْ يتعوّد بصره على الظلمة الخفيفة السائدة داخل القبو. حينئذ اتضحت ملامح الرجال، فتعرّف على ثلاثة منهم، أصلهم من وادي الرمان. أما الآخران فلم يشاهدهما قبل ذلك أبدا. كان يزيد لحرش يرتدي جاكيتَه عسكرية أكبر من قامته وسروالا رماديا. لحيته سوداء، عَكِشة، تغطي ثلاثة أرباع الوجه المستدير. وجنتاه معظمتان، بارزتان. فريد زيتوني المعروف في القرية بفريد تِكْساسْ يلبس جاكيته جلدية وسروالا من نوع الجينز وحذاءا رياضيا. منذ أن عرفه كريم قبل سنوات عديدة، لم يغير طريقة لباسه. في فصل الشتاء، ينتعل جزمة مرتفعة الكعب أعطته مظهر أبطال التكساس في أفلام الوَسْتَرْن. وحده كان أمرد الوجه. الرجل الثالث هو ذلك الذي اتصل به في المسجد. تعرف عليه الآن. اسمه بوشاقور، لا تُعرف له مهنة محددة. استبدل غَندورة الأمس ببذلة صينية في زرقة حائلة مائلة إلى البياض. لاحظ كريم أغطية متراكمة في زاوية بقرب أواني طبخ عديدة. بقربها بنادق صيد مقطوعة الماسورة والتي أصبحت تسمى بالمحشوشة، واقفة متكئة على الحائط. "أسلحة مسروقة بدون شك"، علق كريم في داخله، محولا بصره عنها. قال يزيد:

-- أقدّم لك الأخوين اللذّين لا تعرفهما. لقد جاءا خصّيصا من العاصمة بأمر من الأمير الوطني لمساعدتنا في مسائل الجهاد والكفاح المسلّح: الأفغاني وأبو سعد. يُتقنان جيدا فنون القتال. لقد مكثا في أفغانستان سنوات عديدة. ونحن بحاجة ماسة إليهما لتكثيف عمليات الجهاد في منطقتنا.

ابتسم لهما كريم ولكنه لم يتفوّه بكلمة. الارتباك بادٍ على ملامحه. ولم يسعفه لسانه على تشكيل الكلمات المناسبة للترحيب. قال أبو سعد:

- مرحبا بك بين إخوانك. وهنيئا على خروجك من المعتقل سالما مُعافى. نعرف أنّ ظروف اعتقالكم ونَفيكم إلى الصحراء كانت قاسية ومهينة، ولكن الله سيجازي كل المُهَجَّرين ظلما وعدوانا، ويعوّضكم من حيث لا تحتسبون ويسلّط على الظالمين أشدّ العقاب، في الدنيا قبل الآخرة.

هدأ توتر كريم فقال وبصره يسبح في الظلمة بعيدا، تفاديا لتلاقي بصره مع تلك الأبصار المصوَّبة جميعها نحوه:

- لو كنت أعرف نية العَسْكَر في اعتقالي، لما انتظرتهم في البيت كالخروف الذي يقاد للذبح دون مقاومة. يزيد كان أحرَس من الجميع. حينما شعر بالخطر، اختفى عن الأنظار.

- عسى أنْ تكرهوا شيئا وهو خير لكم. إنّه ابتلاء ربّاني لعباده المؤمنين. قال الأفغاني بصوته الغليظ وهو يحرك كريات السبحة العاجية بين أصابع يده اليمنى. كان رأسه حليقا تماما، خالٍ من الشعر، فيما أطلق العنان للحيته السوداء، تكاد تلامس صدره، ممررا عليها من حين لآخر راحة يده اليسرى، مزهوا بها، مثلما يفعل الصياد مع طريدة ثمينة.

طأطأ كريم رأسه وتمتم قائلا:

- نِعْمَ بالله... إنّنا قانعون بما كتب الله لنا.

في الليلة التي داهمت فيه فرقة لقوات الأمن من درك وعسكر الحي الغربي لاعتقال مجموعة من النُشطاء الإسلاميين في بيوتهم، كان يزيد غائبا. في تلك الأيام، وبعد شهور قليلة من توقيف الانتخابات التشريعية في منتصفها وإقالة الرئيس واستقدام المجاهد بوضياف من منفاه بالمغرب ليترأس مجلس دولة، انتشر خبر اعتقال كثير من الذين شاركوا في احتلال الساحات العمومية وتظاهروا في الشوارع أو داخل المساجد للاحتجاج ضد اعتقال شيوخ الجبهة الإسلامية للإنقاذ وتوقيف المسار الانتخابي. لم يعر كريم اهتماما كبيرا للأمر لأنّه اعتبر نفسه خارج هذه الدائرة. كانت قرية وادي الرمان على هامش ذلك الغليان الذي يصل صدى صخبه من أحياء العاصمة وضواحيها، تترقب مجريات الأحداث وتطورها دون أن ترى ضرورة للدخول في المعمعة. واصل كريم الالتحاق بمدرسته ومزاولة مهنة تدريس الأطفال كما لو أنه يعيش في جزيرة تمنع المياه المحيطة بها وصول أي خطر إليها. أما يزيد فاحتاط لنفسه أشدّ الاحتياط، بحيث أضحى يغيب باستمرار عن وادي الرمان. يختفي أياما، ثم يظهر فجأة في الحي، سائلا أسئلة محددة. وعادة ما ينتظر في محطة الحافلات في بوفاريك ليسأل القادمين من وادي الرمان، من الذين يعرفهم ليسأل عن الوضع وعن الأصدقاء. وحينما يتأكد من هدوء الوضع، يعود إلى الحي، يقضي يومه هناك. وعند اقتراب الليل يختفي، دون أن يُخبر أحداً بمقصده. ما ساعده هو أنه لا يملك وظيفة قارة في وادي الرمان. بل لا يشتغل أصلا منذ انضمامه إلى النشاط الحزبي، بحيث ابتلعته كثرة التجمعات والتنقلات. وصلته أخبار الاعتقالات وهو في محطة المسافرين ببوفاريك، يتأهب للعودة إلى وادي الرمان. كانت مداهمات العسكر ليلا للحي الغربي واعتقال جميع الملتحين على كل لسان. روى له أحد العمال القاطنين بالحي ما وقع في تلك الليلة، وهو يلتفت يمنة ويسرة، خيفة أن يسمعه أحد، قبل أنْ يختفي مسرعا وسط حشد المسافرين. منذ تلك الصبيحة، لم يشاهده أهل القرية حتى عُدّ من المفقودين، إلى أنْ وقّع عودته باغتيال هزّ قلوب أهل القرية وضمائرهم رعبا واستنكارا.

وقف الأفغاني بتثاقل وأعلن عن وقت صلاة المغرب. كان يزيد يتكلم فتوقف عن الكلام فجأة وألقى نظرة خاطفة إلى خارج القبو ليتأكد بنفسه من غروب الشمس كلية. اصطف الجميع خلف الأفغاني وأدوا الصلاة . وبعد ذلك مباشرة، ودون مقدمات، استأنف يزيد خطابه وهو يتفرس في قسمات وجه كريم. أشعل بوشاقور شمعة وأثبتها فوق قطعة آجر ملطّخة بالإسمنت. كلام يزيد خليط من الفصحى والدارجة، تتخلله آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأسماء فقهاء مشهورين ومغمورين. لم يكن كريم ينصت بتركيز. ما كان يشغل باله سبب الدعوة. ماذا تنتظر منه هذه الجماعة؟ ما طبيعة المهمة التي ستكلفه بإنجازها؟ تأكّد بأن الدعوة ليسَت للمجاملة. أما مثل هذه الخطب الرنانة، فقد استمع إليها إلى درجة التخمة في الوقت الذي كان وزملاؤه ينتقلون من تجمّع إلى تجمّع، ومن مسجد إلى مسجد، للاستماع إلى الشيوخ والخطباء الذين يتداولون على المنابر والمنصات المعدة خصيصا لمثل تلك التجمعات الشعبية. آلاف الشباب غادروا عملهم وحياتهم العائلية ليجوبوا المدن والقرى، عبر الحافلات التي يكتريها الحزب أو تلك التي يضعها تحت تصرفه الأنصار والمتعاطفون. يشكِّلون جماعات تبدو متجانسة في مظهرها الخارجي، بتلك الألبسة الغريبة من جلابيب وشواشي وأقمصة وجاكيتات جلدية وأحذية رياضية، والوجوه الملتحية، فينزلون على المدن والقرى بحماس وسلوك الفاتحين الغانمين، الآتين بإسلام جديد، هم وحدهم أصحابه ومُبشّروه، أما الآخرون فليسوا إلا طوائف ممجوجة من المشركين والوثنيين والكفرة والشيوعيين والمنحرفين عن الدين الصحيح. كان سلوكهم وكلامهم يتسم بالغرور والزهو والانتصار المسبق، يتحدَّون غيرَهم ويُمطرونهم بشلالات من النظرات المحتقِرة، متوعدين إياهم بأشد العقوبات بعد أن يستولوا على السلطة وهي ليست بعيدة المنال. في تلك السنوات القليلة، سافر كريم كثيرا، متغيبا عن عمله، دون أن يحاسبه أحد. فوضى عارمة سادت البلاد، لا رئيس ولا مرؤوس، الجميع يترقّب ما ستؤول إليه الأمور.

لكن حماس كريم فتَر بنسبة كبيرة أثناء إقامته في المعتقل، حيث شاهد عن قرب السلوكات اليومية للأمراء الجدد، الذين أظهروا جهلهم المطبق بالمسائل الفقهية وعوّضوه بالغطرسة والتسلط على جنودهم، ناهيك عن الخلافات الشرسة حول مسائل جانبية لا تقدّم ولا تؤخّر، والعنف اللفظي والعبارات السوقية والشتائم البذيئة التي يمطرون بها بعضهم بعضا في حالات الغضب والنَرفَزة. في الحلقات التي كانوا ينظمونها يوميا، سواء في الصباح الباكر بعد صلاة الفجر مباشرة أو تلك التي تنظم في بداية الليل بين صلاتي المغرب والعشاء، عرف كريم ضيقهم واستياءهم من المناقشة واختلاف الرأي. وحدها الأسئلة مسموح بها أو طلب توضيح بعض الجزئيات. وكل من سوّلت له نفسه بإبداء اختلافه مع ما يطرح في الحلقات، اتّهم علانية بالخروج عن تعاليم الدين الصحيحة. ويذكر كريم ذلك الطالب الجسور المتخرج حديثا من الجامعة الإسلامية بقسنطينة الذي تمادى في مناقشة الأمير لبضعة أيام رغم التهديدات الصريحة المتضمنة في الردود. فصدَرت في حقه فتوى تقول بأن عفريتا مجوسيا يسكنه ويُوَسوس له أفكارا تبدو في ظاهرها دينية ولكن حقيقتها غير ذلك. أمسكوه وسوّطوه بحزام جلدي لإخراج العفريت من جسده. قضوا نصف الليل وهم يمارسون عليه طقوس الرُقْيَة والجلد المبرح ليطردوا الجان الذي هلوسه وهو لم يتوقف عن الصراخ بأعلى صوته. الغريب أنّ العَسْكر المكلفين بالحراسة لم يتدخلوا. ربما أقنعهم أحد الأمراء بأن المسألة داخلية ولا شأن لهم فيها.

أثناء ظهيرة، حرارتها مرتفعة حيث بدت الخيام على وشك أن تضطرم نارا، كان كريم عائدا إلى خيمته بعد أن تأخر عند أحد أصدقائه الجدد، حينما تواصلت إلى سمعه أصوات واضحة المعالم من داخل خيمة قريبة. تصوّر الرهط يناقشون موضوعا من الموضوعات الفقهية المتداولة، فانحنى أمام المدخل ورفع جزءا من الباش المتدلي ليشاركهم الحديث. صعقته مفاجأة المنظر. لقد تحلق مجموعة من الأمراء القياديين في المعتقل حول مائدة مزينة بما طاب ولذّ من المأكولات: دجاج محمر، عرجون تمر من دقلة النور، زيتون بنوعيه الأخضر والأسود، الجبن، البرتقال، الليموناد... تجمد كريم في وضعيته. كان منحنيا وروائح المأكولات تدغدغ أنفه المغبر. كانت مدة اعتقاله قد تجاوزت الخمسة أشهر وقد نسي الروائح الطيبة للمأكولات، خاصة أن الوجبات المبرمجة لا تتعدى الحبوب اليابسة من لوبيا وعدس وأرز وعجائن غذائية من مَعكرونة وسباغيتي وبطاطا بالمرق الأحمر. يتلقى بعض السجناء مأكولات من ذويهم في زيارات متباعدة ولكنها تُلتهم في يومها، لتترك في حلوقهم مذاقا حلوا يهيج الذاكرة ويشعرهم أكثر بوضعيتهم كسجناء منفيين في أقاصي الصحراء. تفاجأ الأمراء المحلَّقين حول المائدة الأميرية. لم يكونوا ينتظرون دخيلا يعكر صفوهم في هذا الوقت من النهار حيث يركن الجميع إلى نوم القيلولة. انتفض أحدهم قائلا وعلامات الغضب بادية على محياه:

- أيها الفضولي اللعين، من أذن لك بالدخول؟ ألم نعلمكم بأن لا تدخلوا بيوت الناس قبل استئذان أهلها.

- معذرة أيها الإخوة، تشابهت علي الخيام في هذه الحرارة المصدعة. أجاب كريم وسط الحرج والدهشة، وهو ينسحب إلى الوراء. اصطدمت قدمه اليمنى بحبل، كاد يسقط. في ذلك اليوم وهو يطوف بين الخيام، باحثا عن خيمته تحت الشمس الملتهبة والعرق قد بلل كامل جسده، انتابته أسئلة أرَّقت مضجعه لليالٍ عديدة. أدرك لماذا يحافظ الأمراء على صحة أجسامهم بل ويزدادون وزنا، فيما أصاب معظمَ السجناء نحولٌ ظاهر كاد يحوِّلهم إلى أشباح. اضطر مرّة إلى شراء حفنة تمر من نوع القَرْباعي بخمسين دينارا، نصف حباته نخرها الدود، لا تكاد تُؤكل. حينما رجع إلى بيت أهله بعد إطلاق سراحه، استقبلته أمّه بهلع كبير وهي تحدق في نحافة وجهه وبروز عظام وجنتيه، متسائلة في حزن ظاهر عن الأسباب التي جعلت ابنها يضمر إلى هذا الحد. قال الأخ الأصغر بلهجة بريئة:

- ماذا كنتَ تأكل حتى تصبح يابسا مثل المسمار؟

- العقارب...أجاب كريم مبتسما.

أردفت الأم مطمئنة وخيالها يستذكر الأطباق المسمِّنة، خاصة تلك التي تخصَّص للمرأة النَفساء:

- لا تقلق يا كريم يا ابني، سأهتم بصحتك حتى تسترجع وزنك السابق وأكثر.

في الأيام الموالية، وفَّت بوعدها بحيث أصبحت تطهي له من تلك الأطباق الشهية، المزدانة بالتوابل التي تدغدغ الأنوف وهي على النار. فتقف عند رأسه كالحارس الأمين، تحضُنه بعيون حنونة وحرص شديد على المزيد إلى أن يقسم بأنه شبع ولا يمكن لأيّ ملعقة أخرى أنْ تجد السبيل إلى المرور إلى بطنه، ولا تمل من اجترار النصائح والأمثلة وأقوال الأولين حول صعوبة الحياة وتقلباتها ورضا الإنسان المؤمن بما كتبه الله له، وأن بعد العسر يأتي اليسر دائما إن شاء الله.

ومنذ تلك الظهيرة، أضحى كريم يدقق النظر في سلوك الأمراء ليكتشف الامتيازات الهائلة التي منحوها لأنفسهم مثل عدم المشاركة في تنظيف المعتقل، وعدم غسل ملابسهم، وتأثيث خيامهم بأفخم أنواع الزرابي والأفرشة... هم المكلفون بتنظيم الحياة اليومية للمعتقلين بدل العَسْكر. ربما وجد هؤلاء في ذلك طريقة تعفيهم من الاحتكاك المباشر بالسجناء وما يترتب عن هذا الاحتكاك من احتجاجات ومناوشات. يَبدو أنّ العسكر لم يتعودوا على حراسة السجناء المدنيين، وأن الكثير من أفراده يتعاطف معهم ويقاسمهم حلمهم السياسي وقناعاتهم الأيديولوجية.

هكذا، مع كرّ الأيام، انطفأ التبجيل الذي كان كريم يكنه للأمراء والخطباء والدعاة، فأضحي لا يستمع بنفس الاهتمام والحماس للخطب والدروس الفقهية. ما فائدة الخطب الرنانة والنصائح النبيلة إن لم يلتزم أصحابها بتطبيقها في حياتهم الخاصة قبل أنْ يفرضوها على غيرهم. بدأت خطبهم تشبه خطب المسئولين على رأس الدولة الذين يقولون ما لا يفعلون بل ويكذبون علانية ودون خجل، زيادة على الامتيازات المادية التي يمنحونها لأنفسهم ولعائلاتهم. في البداية حافظ كريم على هذه الشكوك لنفسه دون أن يُسرّ بها لأحد. ثم رويدا رويدا، طفق يهمس ببعض منها إلى الميلود، رفيقه في الخيمة، الشاعر الذي لا يتحدث في أمر إلا ووجد له العيوب السبعة. ولكن هذا الأخير نصحه بعدم الجهر بها، ذلك أن العقوبة ستنزل على رأسه الهشّ مثلما ينزل البرق على شجرة منعزلة ويفحمها في رَمش عين. قال الشاعر:

- انظر كيف يتسابق الجَميع على خدمة الأمراء والتقرب منهم والحرص على الجلوس قربهم والتمسّح بجلابيبهم أثناء الصلاة وحلقات الدروس ! الغوغاء بحاجة إلى قائد قوي يحميها، يوجِّهها، ويهاجر بها إلى أقاصي الدنيا، في غزوات فاتحة غانمة، بحثا عن واحة ريحانة شبيهة بصورة الجنة المرسومة في مخيلتها، بخيراتها اللامحدودة، من أكل وشرب وجنس: الحدائق الفيحاء بفواكهها اللذيذة من تفاح ورمان وتين، تجري من تحتها أنهار العسل والخمر بأنواعه وألوانه، القصور الملكية الفاخرة المزدانة بحور العين، بجمالهن الفتّان وأنوثتهن الماجنة، قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان. و بعد ذلك يمكن للقائد أن يمنح لنفسه ما شاء من الامتيازات وأن يتجبر ما استطاع من التجبر، فلا يُنقص ذلك من ولائهم ولا من طاعتهم العمياء، من حيث أنه يستطيع أن يوصلهم إلى الواحة-الجنة التي طالما راودتهم في حياتهم التعيسة وأحلامهم المضطربة.

كان للشاعر الميلود تأثير واضح على كريم، ساعده على فتح عينيه على مسائل متعددة وإعادة النظر في دلالاتها. ولكن الشاعر لم يمكث طويلا في المعتقل. أفرج عنه بعد أسابيع قليلة وبقي كريم عرضة لشكوكه ووساوسه المتزايدة.

امتدّ حديث يزيد لحرش في رتابة منوِّمة، إلى درجة أن كريم لم يعد يسمع إلا طنين نحل، طفق يضجره وهو العارف بأن هذا الكلام المطول ما هو إلا تمهيد لعبارة واحدة سيختم بها خطابه. حاول أنْ يُشغل بصره بشيء ما ولكن ضيق القبو وضوء الشمعة الخافت أرغماه على العودة مكرها إلى الإنصات. كان الصمت يخيّم على المكان. وحده الصوت الخشن يرنّ ضد الجدران المتآكلة. هاجس مركزي هيّج ذهن كريم وهو يتابع الخطاب بأذنين مشمعتين وعينين نصف مغمضتين، ملتقطا بعض الفقرات وسارحا أغلب الوقت، باحثا عن ملامح واضحة لهذه الدعوة غير المنتظرة. ومن بين كل الافتراضات التي ما فتئ يصنفها الواحدة بجانب الثانية والثالثة والربعة، لم يضع في حسبانه أبدا أنّ صديقه، ومعه الجماعة المسلّحة، سيطلب منه اغتيال رجل. وأيّ رجل؟ صديق يعرفه حق المعرفة. اقتراح القتل في حد ذاته ودون معرفة هوية الضحية، زلزل كيانه وحبس كل كلمة يمكن أن يتلفظ بها، إنْ للاعتراض، وإنْ للاستفسار. ولكن بعد سماعه اسم الشخص المستهدف، ارتعش جسده مثلما لم يرتعش قبل ذلك أبدا، ولفّه انقباض مفاجئ، ضاغط، كأنه تلقى خنجرا في الصدر. اسْوَدَّ بصره لحظة وارتفعت أمام عينيه غشاوة مربكة، أغرقته في ظلمة مطبقة وفراغ مهول عطلا تفكيره كليّة. لم يستطع أنْ يتفوَّه بعبارة يُواجه بها الاقتراح. بعد لحظات امتدت إلى ما لانهاية، تبخر الضباب وحينها لم يعد يبصر إلا وجه الصديق الذي يريدون تصفيته، بشلاغمه الكثة التي أكلت الشفة العليا وجبهته العارية، يحلق في فضاء القبو المظلم. وقبل أن يستعيد الذهن صفاءه، شعر بحديد ثقيل وبارد يوضع بين راحة يديه الدبقتين. تلمَّسه بفضول وتلهف، فتعرف على مسدس آلي، تماما مثل ذلك الذي كان يتدرَّب عليه في حصص تعليم الرمي أثناء فترة الخدمة العسكرية. قال الأفغاني:

-- مُسدَّس أحدِ الطغاة الذي صرعناه وبعثناه عند عزرائيل ليرميه في أول لهيب جهنّم، يحوي عشر رصاصات تمكنك من التخلص من ذاك الصحفي اللعين على أحسن مل يرام. القيادة في العاصمة تنتظر هذه العملية بشغف لا نظير له. ستعطي لجهادنا صدى واسعا عبر العالم وسنثبت لحكم الطاغوت أننا قادرون على ضرب معاقله في أي مكان وفي أي زمان.

ودون انتظار، قال يزيد مُشجِّعا ومُحمِّسا:

-- لا تقلق يا أخانا، تستطيع، من هذه اللحظة، طمأنة القيادة العليا في الداخل والخارج. سيُؤدي كريم، صديقي العزيز، هذه المهمة على أحسن وجه.

ثم التفت إلى كريم وهم يشد يديه ويهزهما بحركة خفيفة:

- أظن أنك ما زلت تُحسِن استخدام المسدس وإتقان الرمي؟ كم مرَّت من سنين بعد أدائك الخدمة العسكرية، أظنها سنوات قليلة ليس إلا؟

- ثلاث سنوات... بالتقريب...

- أكيد أنك تعلمت الرمي جيدا في الثكنة، أليس كذلك؟ هؤلاء الطغاة، أعماهم الله، فدربوا رجالا بأعداد لا تحصى. وها قد حضَر اليوم الذي سينقلب فيه السحر على الساحر، وبفضل عون الله تعالى سنبيدهم عن بَكْرة أبيهم.

أسئلة عديدة تزاحمت على لسان كريم. لماذا هذا الرجل بالذات؟ ما هو الذنب الذي ارتكبه؟ ما قول الفقه في هكذا اغتيالات؟ ولكنّه لمْ يجد الكلمات المناسبة ولا الجرأة الكافية لمجادلة الجماعة وهو قد عاصر شيئا من بطشهم في المعتقل. صَعقه الاقتراح. لم يتفوَّه بلفظة ولكن ذهنه كان يغلي، ترتطم في ألياف مخّه أمواج هائجة تقذف بالكلمات وللعبارات والجمل والصور في حركة دائرية تمنع تشكيل أي كلام واضح المعالم. عصره صداع مُدوّخ. حرارة مرتفعة ألهبت أذنيه وصدغيه. أمسك المسدس بيد مرتعشة. ما زال الأفغاني يتحدث بصوته الجهوري، مقدما نصائح عملية في كيفية التخلص من الصحفي. ولكن كريم لم تسعفه حالته النفسية كي يستمع إلى تفاصيل هذه النصائح. طنين مضجر أصمّ أذنيه. أراد الانسحاب، تردد دقائق طويلة ثم أخيرا أطلق زفيرا مسموعا، جمع طاقة أنفاسه الكامنة في أحشائه المرتعدة وقال بصوت لم يتجاوز الهمس:

-- حان وقتُ العودة... لا تنسَوا حضر التجول...

وقف بصعوبة ملحوظة والمسدس بيده اليمنى. قال يزيد:

-- لا تخيّب أملنا فيك يا كريم... العملية مهمة ولها بعد إسلامي يتجاوز الحدود. لستَ وحدك، نحن موجودون لمساعدتك. سنبقى في اتصال دائم معك وإذا اعترضَتك صعوبة ما، لا تنس بأننا واقفون إلى جنبك في كل لحظة.

هزّ كريم رأسه بالموافقة دون أن يتلفظ بحرف. رافقه يزيد إلى غاية السياج الخارجي دون أن يكفّ عن الكلام. كان القلق باديا بوضوح على محيا كريم. عند الافتراق، اكتفى بهز الرأس وشدّ يد يزيد الممدودة برخاوة ظاهرة. أراد أن يختلي بنفسه ليفكّك هذه الأحبولة التي طوّقته خيوطها إلى حدّ الاختناق. غادر حوش غريس نحو القرية مسرع الخطى. نسمة رطبة، منعشة سوَّطت وجهه. توقف لحظة، استنشق الهواء فاتحا منخريه على مصراعيهما، في حركة تنفسية طويلة، كي يعيد الحركة إلى جسده ويطرد الانقباض الذي أمسك بحنجرته مثل شوك سمك غليظ. أدرك في تلك اللحظة كم كانت الحرارة مرتفعة داخل القبو. استأنف السير بخطوات وئيدة. من بعيد، لاح له المصباح العمومي المضيء الذي يؤشر على وجود المنازل الأولى للقرية. في البداية شعر بشيء من الطمأنينة تحت الضوء الشاحب ووسط المنازل العامرة. ولكن فجأة انتابته فكرة نخرت جسده بوجع لدغة عقرب، فألقى نظرات خاطفة حوله في ارتباك ظاهر. الطريق فارغ والمنازل مظلمة ولا ينبعث منها صوت ولا ضجيج. وحدها النوافذ تسرّب أضواء زرقاء خافتة، لا تكاد تبين. مرّ قرب نافذة، تواصل إلى سمعه صوت منخفض لحوار فيلم تليفزيوني. ماذا لو تمر دورية للدرك في تلك الآونة؟ ما هو المبرّر الذي سيقدمه لأفرادها عن سبب وجوده خارج بيته في مثل هذا الوقت من الليل. منذ إطلاق سراحه، أُجبِر على تسجيل حضوره كل صباح على الساعة العاشرة لدى مركز الدرك بكتابة اسمه ولقبه مع الإمضاء في دفتر خاص. ولا يُسمَح له بمغادرة وادي الرمان دون إذن منهم. وفي جميع حالات الغياب، عليه بالعودة إلى البيت قبل غروب الشمس. أكد له رئيس فرقة الدرك بأنهم سيقومون بدوريات ليلية تفتيشية ليتأكدوا من عدم غيابه. ولكنهم لحد ذلك اليوم لم يفعلوا. أضجره الضوء الشاحب، انتابه إحساس بالفضيحة والعري مثل الذي يعبر ساحة عمومية بدون لباس. مسح الشارع بعينين مليئتين بالهلع بحثا عن زاوية مظلمة يحتمي بها. عاد قليلا إلى الوراء وسلك زنقة فرعية عائمة في الظلام. في الثواني الأولى، كانت الظلمة مطبقة ولم يبصر شيئا. كان يرمي رجليه في الفضاء دون أنْ يدريَ أين يحطهما. رفَس قطا نائما، أطلق مواءً مُصفِّرا وقفز راكضا وسط مزبلة مليئة بعلب حديدية، تناثرت على الرصيف في صلصلة وقعقعة متعالية. في صمت الليل المطبق، تجمّد كريم كالتمثال وحرَّكَته رعشة مرعبة. تصور بأن الصرير الحاد والمتعاقب للعلب الحديدية على الإسفلت سيوقظ السكان وستُفتَح النوافذ والأبواب. ثوانٍ قليلة وخيّم الصمت من جديد. لم يسمع كريم دوي حركة ولا صوت إنسان. تابع طريقه محاذيا سور المنزل وهو يسخَر من خوفه بعد أن تأكد من أنّ قعقعات العلب التي ما زالت ترن في أذنيه لم تكن في حقيقة الأمر إلا مجرد دقات خفيفة الوقع لم يسمعها أحد، وأن الصمت الليلي وخوفه من الدرك زادا من هلعه وجعله يضخم من قوة الرنات كأن مكبِّر صوت حمل صداها فوق البيوت. استرجَع هدوءَه وأضحى يُبصر شبَح الأشياء بوضوح، فأسرع المشي ليلتحق ببيت أهله عبر أقصر وأضمن طريق.