3

6 0 00

3

في باب المسجد، وهو يبحث عن صندله، التقى كريم مرة أخرى بمحمد يوسفي الذي كان هو أيضا ينتظر وسط حشد المصلين المغادرين لينتعل حذاءه. انحنى بخفة، أدخل رجليه جزئيا وسط الصندل المغبر ثم استقام ليفسح الطريق للحشد الزاحف خلفه، فوجد نفسه وجها لوجه مع الصحفي. انتابته رعشة هزته بعنف. غمغم تحية وأدار بصره. كان الارتباك باديا على ملامحه ولم يتمكن من إخفاء قلقه رغم الابتسامة المصطنعة التي ارتسمت على شفتيه. تخطى درجات السلم العريض بسرعة وسلك الرصيف الأيمن مطأطئ الرأس ومنشغل الذهن. هاجس وحيد يطارده بلا هوادة. وها هو يكبر ويتضخم ليسُدّ كل المنافذ الأخرى. يرى نفسه واقفا وبيديه مسدس يصوبه نحو محمد يوسفي. هل سيطلق النار أم لا؟ لا يستطيع الجواب. كلما استعاد هذه الصورة إلا وارتعش جسده بقوة تشلّ كل تفكير.

- كريم...كريم... انتظرني لحظات، لي حديث معك. قال الصحفي وهو يسرع الخطى ليلتحق به.

وصله الصوت واضحا فأبطأ مشيه دون أنْ يلتفت كلية. اضطر إلى الالتصاق بالجدار للانتظار. ثلاثة رجال يمشون متلاصقين، جنبا إلى جنب. احتلوا عرض الرصيف كاملا. يتحدثون بحماس ولكن بصوت خفيض. هم أيضا عائدون من المسجد.

- ما بك يا كريم ؟ كأنك تتجنَّب لقائي. قال محمد يوسفي وهو يقف أمام كريم، مادا يده للمصافحة. كان يرتدي بذلة رياضية خضراء مزركشة بخطوط بيضاء وبَلْغَة مطاطية سوداء.

- أتجنّبك... ولماذا؟ قال كريم مصطنعا الدهشة مع رغبة عارمة في إخفاء قلقه.

- هذا ما شعرت به ونحن نخرج من المسجد. ولا تنس لقاء الأسبوع الماضي. سلّمت وانصرَفت كالغريب. أليس كذلك؟

- أصارحك القول يا محمد، فمنذ خروجي من السجن وتفكيري مُشتَّت. انقلبَت علي الأمور ولم أعد أحسن التمييز بين الأشياء. لهذا فضلت الصمت والعزلة، تجنبا للمشاكل .

- لهذا السبب أردت محادثتك. اعتبرني صديقا يمكنك الاعتمادَ عليه في وقت الشدّة. إذا احتجت إلى أي شيء، فأنا رهن إشارتك. نَحن أصدقاء منذ الطفولة، أليس كذلك؟

- أشكرك جزيل الشكر على هذه المبادرة النبيلة، ولكن بفضل الله تعالى أحوالي اليوم مستورة. قال كريم متأثرا. غمره خجل مذنب أرغمه على التهرب من النظر إلى صديقه.

- إذا احتجْتَ إلى نقود، يمكنني أن أقدّم لك سُلفة. لا تخجل مِن طلب المساعدة من الأصدقاء. لا أحد ضامن نفسه من نوائب الدنيا. مول التاج ويحتاج.

تلعثم كريم بعبارات شكر سريعة. رفع رأسه ونظر إليه مليا. ما زالت صورة ذلك الفتى الخجول الذي عرفه في الثانوية راسخة في ذاكرته. يَستمع أكثر مما يتكلم، وتحمّر وجنتاه البارزتان كلما انحرف الحديث حول الفتيات والحب والجنس. أنيق دوما في لباسه وهادئ ومؤدب في كلامه على خلاف أغلب طلبة الداخلية الذين يكتشفون لأول مرة الحرية والرجولة، فيستثمرون عبقريتهم في معارضة كل ما يُذكِّرهم بالطفولة والبراءة. فتجري على لسانهم أرذل وأقبح العبارات، كما يستغلون أوّل فرصة مناسبة لإظهار قوتهم الجسدية في معارك طاحنة أليق بالمتصارعين الرومان. وليظهر رجولته، اعتنى محمد يوسفي بشلاغمه. كانت تكبر بسرعة وحينما يُسأل عن السر، يقول بأنه يسقيها يوميا بماء الزهر وينثر فوقها السماد. يقولها بجدّ إلى درجة أن البعض كاد يُصدّق الخبر. وها هي اليوم الشلاغم في عظمتها تغطي نصف الوجه، وتزيده رجولة ووقارا. لم يتغير كثيرا. قال محمد يوسفي بحماس فائض:

- اليوم لن تفلت من قبضتي. أدعوك لشرب قهوة، تسمح لنا بالحديث قليلا .

ثم شدّ كريم من ذراعه وسحبه على طول الرصيف، بحثا عن مقهى يستريحان داخله. كان كريم منزعجا. فكر في رفض الدعوة. بحث عن عذر ملائم يسمح له بمفارقة صديقه دون أن يوقظ شكوكه حول نية الجماعة في تصفيته الجَسدية. لكن ذهنه المشتّت لم يُسعِفه في العثور على حيلة تخلصه من الورطة. كان محمد يوسفي على علم بالعلاقة العاطفية التي جمَعت أخته جميلة وكريم قبل اعتقاله. حينما أخبرت جميلة أمّها عن نية كريم في خطبتها، أضافت بأن أخاها محمد يعرفه أحق المعرفة. الأم طموحة ولم تكن ترضى لابنتها عريسا عاديا. فهمست في أذن ابنها لتعرف المزيد عن هذا الخاطب الذي استولى على وجدان ابنتها بهذه السرعة. فتحمّس محمد للفكرة ونوّه بسلوك كريم. ولكن الذي كان يهم الأم بالدرجة الأولى الوضع المادي لزوج ابنتها المحتمل. إنه ما زال يسكن في الحي الغربي مع والديه، وهي تحتفظ بذكريات مقيتة عن هذا الحي الذي سكنته في سنوات زواجها الأولى. ولا تريد لابنتها أن تعود إليه ثانية. فوضعَت شرطا واحدا لتوافق على الخطوبة والزواج: أنْ يكون للخاطب سكن فردي. ولم تُخبر جميلة كريم بشرط أمها. فبقيت المسألة عند هذا الحد. ذرفت جميلة دموعا مدرارة عندما بلغها خبر اعتقال كريم. بكته وحدها، منعزلة في غرفتها. لم تكن لديها الشجاعة الكافية لإظهار حزنها. في نظر العائلة، كريم رجل غريب، ذلك أن الخطوبة لم تتم رسميا بعد.

دخل الرجلان "مقهى الصداقة" الكائن في زاوية شارعين، مقابل الساحة العمومية المحاذية لدار البلدية. عند العتبة، توقفا لحظات يمسحان الصالة بنظرات خاطفة، بحثا عن طاولة فارغة. كان المقهى عامرا لكنه هادئ. الشيء الذي لاحظه كريم هو أن الناس لم يعودوا يرفعون أصواتهم مثل سابق عهده بهم. أضحوا يتهامسون وهم يلتفتون حولهم بحذر شديد كأنهم يتحدثون في مسائل خطيرة ومحظورة. في السابق، كان الناس يجهرون بمواقفهم أمام الملأ، يرفعون بها أصواتهم في تحد ظاهر. هم قرويون ومتعودون على الصراحة والحديث بصوت مرتفع.

الصراحة راحة، واللي في القلب اِجيبوا اللسان. اللي ما عَجْبوش الحال إيدَزْ معهم. الذراع كاين والموت واحدة.

أما اليوم، فالظاهر أنّ الخوف قد استبد بقلوب الجميع، فأصبحوا حذرين بشكل ملفت للنظر. لا ينطق أحدهم بكلمة حتى يتأكد من خلو المكان المحيط به مثلما يفعل أهل المدينة. يتهامسون، مادين رؤوسهم إلى الأمام حتى تكاد تلتصق تماما مثل الديكة المتأهبة لاشتباك عنيف، وعيونهم مثل الكشافات الضوئية المتحركة التي تلاحق الظلام لتسحقه، تسافر في كل الاتجاهات تحسبا لأي رقيب. الناس محاصرون بين معسكرين لا يترددان في استخدام وسائل جهنمية يحار إبليس نفسه في مكرها وشيطنتها، بل وتجعله يفكر جديا في أخذ تقاعده وتوريث إمارته إلى أحدهما. فمن جهة، عيون أجهزة الأمن المثبتة في كل زاوية، تلاحق المشتبه فيهم، ومن جهة أخرى السيوف الصدئة المسلولة وخراطيش المحشوشة للجماعات الإسلامية المسلحة التي تحصد دون تمييز بين الحشائش الضارة وسنابل القمح النافعة. يترصد كل قطب الآراء التي تسانده وتلك التي تعارضه. إن الذي ليس معي هو بالضرورة ضدي وعليّ بمحاربته دون هوادة. وعلى الأفراد إذاً أن يتملّصوا من الجهر بآرائهم. خاطيني، ما يْهَمْنيش الأمر، احفظ الميم تحفظك، ما اسْمَعْت، ماشَفْت، ماهْدَرْت... ويبدو أن هجرة الأماكن العمومية مثل المقاهي والمساجد والأسواق والتخندق في البيت هو الحل الأنسب. خبِّي راسك تَسْلك.

كان القهوجي المُكرَّش يقف خلف الكونْطوار، منشغلا بتحضير القهوة ولكن بصره يتابع كل داخل بحذر ملحوظ. ربما يكون هو نفسه عينا من العيون المنتشرة مثل الكاميرات المخفية. في الجهة اليُسرى طاولة فارغة. جلس الصديقان. كانت رائحة كريهة تنبعث من المرحاض. فكر كريم في تغيير المكان ولكن الطاولات كلها كانت محجوزة. قال محمد يوسفي بصوت مرتفع: زُوجْ اقْهاوي من فضلك. تابع كريم حركات القهوجي بصمت. هَمٌ ثقيل سيطر على حواسه وجعله مرتبكا وغير قادر على السيطرة على نفسه. محمد يوسفي هو الذي كسّر جدار الصمت بعد أن ارتشف الجرعة الأولى من القهوة في صفير مسموع. تحدّث ليتغلب على الضيق المخيم بينهما. سافر بعيدا في زمن كاد ينمحي، ليغوص في أيام الدراسة في الثانوية، ليذكر بعض الأحداث الطريفة. بطريقة عفوية، أراد تغييب الحاضر الذي لم يعد يجمعهما ليتشبث بتلك الشجيرات القديمة التي توشك على اليبس. ولكن الحاضر كان عنيدا وقاسيا، يصعب الإفلات منه. كل ما ذكر اسم طالب أو مراقب الداخلية أو أستاذ إلا وأردف عبارة: أما زلت تتذكر يا كريم؟ رويدا، رويدا، طفق كريم يطرد همومه ليجوب في دهاليز الذاكرة، مسترجعا تلك السنوات الجميلة أين اكتشف فيها مدينة البُلَيْدَه وشوارعها النظيفة المعطرة ومحلاتها الملونة المليئة بأجمل أنواع الألبسة والقماش حيث يأتيها الزوار من بعيد خاصة لتحضير جهاز العروس. مدينة الورود والفتيات الحسناوات. وكان كريم بن محمد مستعدا للغوص في عمق الذاكرة لمدة طويلة ليلفظ جانبا كل ما يربطه بالحاضر لولا الوجه الملتحي الأسود الذي مرق فجأة بالقرب منه، مصوبا نحوه نظرة قاسية، مهدِّدة. كان بوشاقور جالسا هناك، قبالته مباشرة وبيده زجاجة ليموناد. تفصل بينهما طاولة أحاطها ثلاثة رجال يرتشفون قهوتهم ببطء وهم صامتون، يسبحون بعيونهم في الفضاء المضبّب الحار. وكان محمد يوسفي يدير ظهره للزائر غير المرغوب فيه. تساءل كريم بانفعال ملحوظ عن سبب وكيفية وجود بوشاقور في المقهى. هل كان موجودا قبل دخولهما؟ هل اقتفى أثرهما منذ المسجد؟ لم يعد كريم قادرا على التركيز. أكيد أن بوشاقور لم يأت إلى المقهى من أجل أن يبرد حلقه بليموناد مهما اشتعلت الحرارة والتهبت. تحولت كلمات الصحفي إلى طنين نحل يدوي في أذنيه حينما التقت عيناه بعيني بوشاقور الذي بدا له مؤنبا بل ومهددا. دام اللقاء ثوان، ولكن خيل لكريم أنه تجاوز دهرا كاملا. بوشاقور هو الذي بادر إلى توقيف المواجهة الصامتة، فانشغل بزجاجة الليموناد. رفعها بحركة بطيئة، شرب جرعة ثم حطها دون أن يسحب يده منها. بقيت اليد متمسكة بالزجاجة كأنه أراد إرجاعها إلى فمه مرة أخرى لإفراغ آخر كمية من ذلك السائل الليموني اللون، المشكوك في صفائه. أجال نظره الثاقب عبر الصالة، كأنه ينوي ارتكاب فعل مريب. تابع كريم باهتمام كل حركات بوشاقور ولم يعد يسمع إلى حديث محمد يوسفي الذي واصل مسترسلا دون أن ينتبه إلى مستجدات الوضع. كاد قلب كريم يتوقف عن الخفقان حينما شاهد اليد تبتعد عن الزجاجة وتختفي تحت الطاولة. أكيد أن الجماعة غيّرت خطتها أمام تباطئه وها هو بوشاقور يعزم على تنفيذ الاغتيال. ربما سيقتلهما معا. من يدري؟ اختفت اليد وطال مكوثها تحت الطاولة. تحوّل قلق كريم إلى هلع حقيقي. تجمدت ملامح وجهه الذي شحب واصفر بل صار بلا لون محدد. عيناه وحدهما تتابعان حركة اليد التي لا تأبى الظهور مرة أخرى. كل حواسه مهووسة باللحظة التي ستنبثق فيها اليد الخشنة ماسكة المسدس الذي سيقضي عليهما في لمح البصر. عادت إلى ذهنه صورة يزيد وهو يطلق النار على ابن عمه، رئيس البلدية. ربما يكون قريبا من المقهى ينتظر اللحظة المناسبة للتدخل. أخيرا عامت اليد على سطح الطاولة. كانت فارغة. عادت إلى الزجاجة ثانية. حينذاك تنفس كريم الصعداء وارتخت عضلاته، أغمض عينيه قليلا، وحينما فتحهما كان بوشاقور قد غادر الطاولة متجها نحو الكونطوار. تابعه كريم والخوف لم يغادر محياه بعد. تقدم بوشاقور باتزان نحو القهوجي، حط قطعة نقدية فوق الكونطوار واتجه نحو الباب الخارجي دون أن يلتفت خلفه.

- ما بك يا كريم، أتسمعني؟ كأنك سابح في السموات السبع، تساءل محمد يوسفي.

- إيه يا محمّد... ردّ كريم محاولا إخفاء انفعاله. أيقظَت هذه الذكريات في نفسي حنينا إلى تلك الأيام الحلوة. آه على ذلك الزمان، الشباب، اللامبالاة، وبالأخص الأمن، السلم. أين نحن من تلك الأيام؟ زماننا هذا مليء بالمشاكل، بالصراعات، بالعنف، بالدم.

أراد أن يضيف أشياء كثيرة ولكنه توقف فجأة. لم يكن يرغب في الحديث عن الحاضر. ذلك أن الحديث عن الحاضر يؤدي مباشرة إلى الخوض في السياسة، وهو ناقم على السياسة التي أوصلته إلى المعتقل وهي الآن بصدد تحويله إلى قاتل.

- لا تكن متشائما. صحيح أنك في وضع محرج بعد أن قضيت أكثر من سنة في المعتقل، ولكن الدنيا ما زالت بخير. مع الدخول المدرسي، ستعود إلى عملك، ستنشغل وستطرد الذكريات الأليمة وبسرعة ستنسى.

- العودة إلى العمل... قال كريم بحسرة وهو يهز رأسه في حركة نفي وابتسامة صفراء ترتسم على وجهه النحيف. لا أظن أنّهم سيعيدون إدماجي في المدرسة.

- لماذا لا يعيدونك إلى العمل؟ اعتقلت في إطار حملة وقائية ذات طابع وطني. لم تحاكم حسب علمي. ولم يصدر ضدك حكم قضائي. معناه من الناحية القانونية أنك بريء. ثم إنّ كثيرا من المعتقلين في مثل حالك، سرحوا وعادوا إلى مناصبهم بدون إشكال. وأنا متأكد بأنك ستعود إلى عملك بدون صعوبة.

- إنك قلتها بصريح العبارة، أنا بريء ولكنني قضيت قرابة السنة في السجن، وأي سجن؟ جحيم لا تتمناه لألد أعدائك. وماذا فعلت حتى أعاقب بهذه الطريقة اللاإنسانية؟ لو أحكي لك كيف دخل العسكر إلى بيتنا ليلا، وكيف قادوني بعنف همجي بمنامتي فقط ... لو أحكي لك تفاصيل الأيام والليالي التي قضيتها تحت خيّم تنتقل فيها الحرارة من الصفر إلى الأربعين في ساعات قليلة... لو أحكي لك...

سكت فجأة وطأطأ رأسه وسمّر بصره على الفورميكا الباهت اللون. خنقته الذكريات، جفّ حلقه ومنعته من مواصلة الكلام. ثم رفع رأسه وقال:

-- هذا ظلم سافر ونتائجه مدمرة لنا جميعا.

أراد أنْ يضيف أشياء أخرى ولكنه ابتلع ريقه، استنشق الهواء الحار بصخب، ثم هزّ رأسه مرارا في حركة يأس ومرارة. به رغبة عارمة للتعبير عن مكنون صدره ولكنه تذكر تحذيرات أمه التي أوصته بالكتمان، كما تذكر المهمة التي كلفه بها يزيد لحرش. ما جدوى الكلام الآن؟ ما فائدة الكلام أمام المحشوشة والكلاش والسيف المسلول والمداهمات الليلية. يظهر أن زمان الكلام انتهى لأن كل طرف اقتنع بعدم جدواه. لا أحد يريد أن يسمع الآخر. كل واحد يقول أنا ربّكم فأطيعوني. ومباشرة يستل السيف لبتر الرأس الأجلف الذي يرفض الطاعة والانصياع للأوامر.

- أنا أفهمك وأتعاطف مع شقائك ولكن الدنيا هكذا دائما تسير بالمقلوب. الأبرياء هم دائما الذين يدفعون الثمن الغالي. كن صبورا وستمر الأزمة بخير، إن شاء الله. يبدو أنّ تغييرات جوهرية ستحدث هذه الأيام على هرم السلطة. هناك حديث حول غلق المعتقلات وإجراء مفاوضات حقيقية من أجل استعادة السلم.

- أتظن بأن الكسر سيُجبَر؟ تساءل كريم بصوت خفيض. إنّ كسر قدم الحصان لا شفاء له، وينبغي أن يُقتل تخفيفا لألمه. هكذا نحن... لا أظن بأن جرحنا سيشفى. الجرح عميق ومتعفن، وسيسوس الجسد كله. امتلأت النفوس غيظا ولم تعد قادرة على كظمه. حتما ستنفَجر لتلطِّخ المحيط كله مثل انفجار قنبلة نووية. تلوثت حياتنا بصفة نهائية، ولم يعد لها طعم. أصبحنا ننادي الموت بكل جوارحنا.

- لا تكن متشائما يا كريم ؟ قلت لك بأنّ تغييرات أساسية ستحدث هذه الأيام وسيتم وقف سفك الدماء. قال محمد يوسفي بحماس. صمَت لحظة، ألقى نظرة خاطفة حوله ثم قرب وجهه من وجه كريم وقال هامسا:

- أخبارٌ مُؤكدة تقول بأنّ وزير الدفاع نفسه زار شيوخ الجبهة في سجن البليدة. مفاوضات جدية انطلقت وأكيد أنّ الطرفَين سيتفقان على صيغة نهائية لوقف سفك دماء الجزائريين. أنا متفائل جدا.

- أنا شخصيا، لم أعد أثق في أحد. سي الطيب الوطني، ذلك الثوري العملاق، الرجل الطاهر الذي قاوم كل الانحرافات، ورفض كل الإغراءات بما فيها أن يُصبح أول رئيس للجمهورية بعد الاستقلال، يعود إلى الجزائر بعد ثلاثين سنة من النفي الذي عانى منه الويلات السبع، أول فعل يقوم به هو نفي الآلاف من الجزائريين إلى أقاصي الصحراء. وهو الضحية الأولى بتعسف الاعتقال والنفي إلى الصحراء. سبق لي أن قرأت كتابه "أين تذهب الجزائر"، وحزنت بصدق للطريقة التي اعتُقل بها تحت جسر حيدرَة، ثم تلك التنقلات المتعبة، المهينة، من مكان إلى مكان إلى غاية الصحراء البعيدة ويُرمى في شبه حفرة مرمَّلة وسط الفيافي المقفرة، أشبه بمصاب بمرض الجذام اللعين. يكتب كتابا ليندِّد بذلك الاعتقال والنفي. ثم حينما يعتلى هرم السلطة، لتلك المدة القصيرة، فعِوَض أن يبحث عن حل يجمع حوله المتخاصمين، يقوم بارتكاب جريمة سبق أن كان ضحية لمثلها وندّد بها بكل جوارحه. تساءلت مرارا عن الأفكار التي راودته وهو يقرأ التقارير التي تخبره بعمليات الإبعاد الجماعي تماما مثلما كان يفعل الاستعمار بالمتمردين... كاليدونيا، كايان... هل تذكر ذلك السفر الشاق وهو مرمي في السيارة ككبش العيد يقاد للذبح رغما عن إرادته؟ هل تذكر تلك الحرارة الملتهبة التي تكاد تُخرج الروح من الجسد؟ هل تذكر طعم الأكل المخلوط بحبات الرمل وهو يلوكه بقرف مخضب بمرارة كاسرة؟ لا أظن بأنه تذكر شيئا من هذا. لو تذكّرها فعلا لرفَض الاعتقالات والنفي إلى الصحراء، خاصة أنّ الأغلبية الساحقة اختُطِفوا ليلا من ديارهم وهم يتساءلون عن الجريمة التي ارتكبوها كي يُزَج بهم في السجون بهذه الكيفية المتوحشة. أتعرف بأنّ يوم اغتياله، كنت في المعتقل. لأوّل مرّة في حياتي، أشاهد أشخاصا يفرحون ويقيمون عرسا لوفاة إنسان آخر. تعالت صيحات النصر من كل الخيام وتبادل السجناء عبارات التهنئة مثلما يفعلون صبيحة يوم العيد وسارعوا إلى صلاة ركعتين شكرا لله الذي خلَّصهم من الطاغية المستبد، فدعوا الله طويلا وفي خشوع فياض ليخلصهم من بقية الطغاة. عرس لا مثيل له ساد المعتقل لأيام عديدة. ولا أظن بأن المسلمين الأوائل فرحوا لموت أبي جهل مثلما فرح هؤلاء باغتيال الرجل. لم أستطع مشاركتهم الفرح. كنت حزينا على الرجل العظيم الذي صام دهرا وأفطر على قدم ضفدعة. كيف يسقط هذه السقطة الكاسرة. الرجل الذي قاوَم الظلم وندّد بالتجاوزات، مُعرِّضا حياته للخطر، يأتي في أواخر أيامه لينقذ الطُغمة الفاشية التي تسبّبت في كل عذاباته. ما هي الكيفية الغريبة التي مكنتهم من إغرائه بالعودة والتخلي عن القيم النبيلة التي عاش من أجلها؟ لا أفهم خفايا هذا التحوّل وهذا السقوط المفاجئ.

ساد صمت ثقيل بين الرجلين. تناول كريم فنجان القهوة وارتشف آخر جرعة. كانت القهوة فاترة. لم يستسغ طعمها. الحرارة مرتفعة والجوّ داخل المقهى خانق بدخان السجائر. تحدث بعفوية، لم يقاوم الرغبة الجامحة في البوح بما كان مكتوما في أعماقه. امتلأ الصدر وكان لا بد أن يفيض. تكلم كثيرا وشعر بجفاف في الفم والحلق. التفت نحو القهوجي:

- كاس ما، يرحم والديك؟

- ما كانش الماء يا خويا. أجاب القهوجي متأسفا.

- اشرَب قازوز... قال يوسفي ودون أن ينتظر الجواب، قال:

- هات زوج حمُّود بوعلام.

- لا، شكرا. القازوز يزيد في العطش. اعطي لي شايْ.

- واحد حَمّود وواحد شاي. قال يوسفي مبتسما. يظهر أنك اكتسبت عادة جديدة. الناس في الصحراء يشربون الشاي فقط، وبقليل من السكر.

بعد لحظات، حضر النادل بصينية فيها الشاي والليموناد. كان فتى لا يتجاوز الخامسة عشر من عمره. يرتدي مئزرا أبيض اللون، متسخا وملونا ببقع رمادية وبنية، ظاهرة بشكل يثير القَرف. في المرة الأولى لم ينتبه إليه كريم. حينما وقف ثانية بالقرب من الطاولة، التفت إليه، هكذا دون فضول مقصود. بدا له وجه الفتى أليفا. فتذكر المدرسة. تأمله جيدا. أحس الفتى بالنظرات المدققة في سحنته، فخفض عينيه وأسرع بحط المشروبات على الطاولة لينسحب بسرعة. تعرف كريم على أحد تلاميذه، مسكه بلطف من ذراعه قائلا:

- تخدم هنا... وكيف حال الدراسة في المتوسطة؟

- طردوني، أجاب الطفل باقتضاب.

- ولم تَجد شغلا غير شغل القهوة، تساءل كريم وعيناه مسمرتان في وجه الفتى الذي وقف دون حراك كأنه واقف في القسم ليجيب عن سؤال صعب.

- رايَحْ نَخْدَم passeport وانْدَبَّر فيزا schengen ونهرب من هذا البر.Adieu l’Algérie.

قال الفتى بثقة نفس واعتزاز وبَصره يسرح بعيدا يطارد تلك المدن التي استولت على أحلامه كلية. تأمله كريم باستغراب ولم يقل شيئا. في حقيقة الأمر لم يجد ما يقوله له. قال محمد يوسفي معلقا:

- فكرة صائبة... الهجرة هي الحل الوحيد لأمثاله. ماذا بقي له في هذا البر الخالي. أتعرف يا كريم بأن حمى الهجرة قد استولت على عقول الناس جميعا. في الدْزايَرْ لا شغل للناس إلا الانتظار أمام السفارات الأجنبية لتدبير تأشيرة إلى أي مكان. المُهم الهَربَة. باريس، لندن، فرانكفورت، أوطاوَه، سيدني، دبي، المنامة، دكار، طومبوكتو... أي مكان... المهم مغادرة البلد. إطارات كبرى، مستقرة ولها كل الامتيازات، المادية والمعنوية، ترحل بأفواج كبيرة، في الليل قبل النهار. فلماذا لا يفكر هذا القهوجي المسكين في الهجرة؟

- هل الهجرة هي الحل لمشاكلنا؟ تساءل كريم بصوت شبه هامس كأن السؤال في حد ذاته لا جدوى منه.

تعالى صوت من الزاوية المقابلة يطلب النادل. انتبَه كريم إلى أن يده مازالت ماسكة ذراع الفتى. سحبها بخفة وفكر: "بالفعل، ربّما تكون الهجرة حلا مناسبا لأفراد كُثَّر لا حياة كريمة لهم هنا. حينما يصطدم الفرد بسلسلة من الممنوعات ولا يقوى على زحزحتها، تحاصره إلى درجة الاختناق، ترهبه، تحوله إلى كلب مذلول، لا يصلح إلا للتشرد أو الانتحار، حينئذ لا يبقى أمامه إلا خياران لا ثالث لهما: الهجرة وهي أسهل طريق. الجماعة أيضا، يُفكرون في الهجرة، ولكنها هجرة مختلفة. رحلة بحث جماعي قد تنتهي بالعودة وبالفتح المبين. أما هجرة الأفراد، فأغلبيتهم الساحقة لا يعودون، يذوبون في المجتمعات المضيفة. كم عاد من المهاجرين الذين غادروا البلاد في السنوات الأولى للاستقلال، بحثا عن العمل. القليل النادر. اندمج أبناؤهم ونساؤهم في الحياة الغربية وباتت عودتهم مستحيلة. الحل الثاني وهو أشق طريق: المقاومة، التمرد، رفع السلاح في وجه الظلم والطغيان. ولكن هل التمرد على الظلم والطغيان يُجبرني على قتل صديقي الذي يجالسني بصدق وعفوية؟ لو كان عَدُوِّي لما التقينا ولما تحدثنا ولما سألني عن أحوالي وعرض علي مساعدته؟ ثمّ إنّني في يوم ما ليس بالبعيد، نويت مصاهرته. ربما كان على علم بعلاقتي مع أخته. هلا سألته... لا، الوقت غير مناسب. لأعرف رأي جميلة أولا، تكون قد غيرت موقفها. لا... مستحيل، هي تحبني، والحب كالوشم البربري لا يُمحى، يخفت، يتضاءل ولكن أثره يبقى شاهدا أبد الدهر، يستعيد نبضات قلبه مع أدنى شرارة، أصغر ذكرى."

تناول كريم الشاي ولكنه كاد يبصقه. فيه من السكر ما أفقده طعمه. زيادة إلى أنه فاتر أقرب إلى البرودة. حط الكأس بعصبية وقال:

- خاص غير اشَرْبونا بول الماعز... شاي قديم، فاتر ومسكّر أكثر من اللازم.

- الداب راكب مولاه يا خويا كريم. كَوَّر واعطِ للأعور... لا المطاعم تقدم وجبات شهية ونظيفة، لا المقاهي تحسن تحضير القهوة والشاي، ولا المصانع تراقب ما يقدم في زجاجات الليموناد. تجد بداخل السائل أقدام الرَّتَيْلَة والقرْللّو وشعر الفئران وكريات الشَمَّة، عائمة، يراها الأعمى قبل المُبصر. تأشيرات استغلال المحلات التجارية والصناعية تُمنَح لكل من هب ودب. لا يراعى فيها صاحب صنعة، ولا ملاءمة المحل. أدهن السير اسير. تفشت الرشوة بسرعة هائلة، وعمت كل المصالح العامة والخاصة. الرشوة هي خاتم سليمان، تفتح جميع الأبواب الموصدة. أضحت عُرفا يلجأ إليه كل من استعصت عليه مشكلة. ووجدها المفتشون والمكلفون بالمراقبة وسيلة للإثراء. يتلقون عمولات شهرية ويرفعون تقارير مزوَّرة، يُخطُّونها في المكاتب دون زيارات ميدانية. الثراء الفاحش ظاهر في السيارات الفَخْمة التي يركبونها، وفي العمارات التي يشيِّدونها. الحكومة على علم بهذه الممارسات بل وتشجِّعها. مَن هم الوزراء ومدراء الشركات والمؤسسات؟ كانوا في السابق موظفين صغارا، فزوَّروا ونهبوا وكتبوا تقارير غير مزعجة، تشيد دائما بالمجهودات الجبارة التي تقوم بها الحكومة لحل مشاكل المواطنين، فيكرَّمون بمناصب عليا ليزيدوا نهبا لأموال الشعب وتزويرا للتقارير. هذه هي البلاد للأسف الشديد.

سكت لحظات ثم سأل:

- لماذا لا تذهب إلى مديرية التربية لإعلامهم بعودتك. ربّما أسرعوا بالإجراءات ودفعوا لك راتبك الشهري في أقرب وقت ممكن.

- صحيح، فكَّرتني في مبادرة مهمة. علي بأخذ التسريح من الدرك للانتقال إلى البليدة.

- اتصل بي، ربّما كنت في عطلة، وسنذهب سويا. لم أزُر البليدة منذ وقت طويل. إنها فرصة للذكريات الجميلة.

أراد محمد يوسفي أنْ يحدثه عن أخته جميلة التي ما فتئت تطلب منه أخبار كريم منذ وصلها نبأ عودته. لكنه لم يفعل. لا يليق برجل أن يحدث آخر عن أخته مهما كانت النوايا نبيلة. ربما نسي كريم الأمر من أساسه. مضت أزيد من سنة وخلالها يكون كريم قد غير رأيه، ربما كان وعده عابرا، تلفظ به في لحظة ضعف استبدت به، ثم عاد إلى رشده وسخر من نفسه وهيامه الرومانسي. ساد الصمت من جديد بين الرجلين. طالت الجلسة وتشعب الحديث عبر مسالك غير متوقعة. آن أوان الافتراق. التعب والقلق باديان على وجه كريم. ضاعفت اللحية الشعثاء التي لم تمسسها موسى الحلاقة منذ أيام من سمرة وجهه. عيناه ذابلتان من الأرق وكَثرة التخمين. خطان ظاهران ينحدران من الوجنتين إلى أسفل الذقن، يزيدان في تكريس صورة الرجل المكبَّل بمشاكل مستعصية، لا حل لهل، المثقل بأطنان مُطَنْطَنة من هموم الدنيا والآخرة، يحملها على عاتقه.

وقف كريم ببطء، وهو يفتش في جيب سرواله عن نقود يدفعها للقهوجي. أوقَفه محمد يوسفي مُسرعا مقسما بأنه سيدفع ثمن المشروبات. في الشارع، وقفا جنبا إلى جنب صامتَين. الحرارة انخفضت قليلا. نسمات هوائية منعشة تعصف من الشمال، معلنة ليلة رطبة. فكر كريم:"النسمات الباردة آتية من البحر الذي يكون مضطربا دون شك. ليت أمواجه لا تنقطع عن الاضطراب والهيجان كي نتمكن من النوم المريح. آه على البحر... محظوظون سكان السواحل، مناخ رطب في عِزّ الصيف..."

بعد قليل، افترق الرجلان دون تحديد موعد لاحق. كان لقاؤهما صدفة، فلتعمل الصدفة على لقائهما مرة أخرى. لا اثنان بدون ثلاثة. ولكن كريم كان منقبضا، انتابه إحساس بأن اللقاء الثالث مع محمد يوسفي سيكون مأساويا أو لا يكون.