2
برغم الظلمة السائدة داخل الغرفة والصمت المخيّم، لم يستطع كريم بن محمد أن يجلب لنفسه النوم اللذيذ الذي سينقذه من القلق والتخمينات الملتوية. أغمَض جفنيه، أطبقهما طويلا ظنا منه أنّ ذلك سيُغرقه في الغيبوبة الساكنة. ولكن دون جدوى. كان هدوءُ الليل وطولُه يُضاعفان من حيرته ويمدّدان المسافة التي بينه وبين رغبته الآنية. كانت أعصابه متوترة. تارة، يسرح بعيدا، سابحا وسط أمواج همومه المتشابكة. تارة أخرى، يُعيده شخير إخوته النائمين في نفس الغرفة إلى أرقه والمشكلة التي نزلت عليه فجأة. ينام الأخوان الصغيران على الأرض فوق أفرشة إسفنجية فيما انزوى عَلِيّ، الأخ الذي يليه مباشرة، في الجهة المقابلة فوق سرير خشبي. بدأت حالة أخيه علِيّ الذي لا يصغره إلا بسنة واحدة فقط تقضّ مضجعه. علِيّ مُجنَّد في الجيش منذ أن نال شهادة البكالوريا. قضى ثلاث سنوات من التدريب في الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال، قبل أن يُنقَل إلى شرق البلاد، وبالضبط إلى مدينة باتْنَة. وهو اليوم برتبة مُلازم. ماذا يفعل في البيت منذ ثلاثة أشهر وأزيد؟ أسرّت له أمّه عن مخاوفها حول مصيره. من غير الطبيعي أنْ يغادر الثكنة ويمكث بالبيت وهو في صحّة جيّدة. سألته الأمّ مرارا مُلحَّة لتعرف السِرّ. ولكنّه امتَنع عن إعطاء جواب واضح. قال مرّة: إنّني في عطلة مرضية. وحينما حاصرته الأمّ بأسئلة دقيقة حول نوعية المرض الذي يعاني منه، قال: في الحقيقة أنا لست مريضا، وإنما منحوني عطلة طويلة الأمد لأنني عملت لسنوات عديدة دون عطلة، فتراكمت العطل وجمعتها في واحدة كي أستريح. تَصمُت الأمّ، تهزّ رأسها وتلقي عليه نظرة مريبة، ماطة شفتيها، لتظهر له بأن حجته واهية، لا أساس لها من الصحة. إنها شبه مقتنعة بأنّ ابنها لم يكشف لها حقيقة وضعه، وأنّه يخفي عنها أمرا خطيرا. أسرَّت بهمومها لكريم الذي وعَدها بمفاتحة أخيه حول الموضوع. وما زال كريم يتحيَّن الفرصة المناسبة لفتح ملف هذا الغياب المتواصل عن الثكنة.
تقلّب كريم على السرير الضيِّق مع الحرص الشديد على عدم إحداث أية جلبة في تحركاته الحتمية، ينتابه توعّك مزعج، يتضخّم مع مرور الساعات، إلى درجة أنه أضحى يحسّ بألم طفيف في البطن وبصداع في الرأس طردا عنه النُعاس بصفة نهائية. لفترات متقطعة، يتلفظ أحد أخوته بكلمات وعبارات مبتورة وسريعة، مُرفَقة بحركة من جسده أو يديه، نتيجة حلم مضطرب أو كابوس. يتمدّد كريم على جانب لدقائق معدودة، ثمّ لا يلبث يُغيّر الجانب، بحثا عن وضعية مريحة. الجوّ شديد الحرارة، يزيده القلق التهابا. في البداية، غطى جسده بإزار خفيف، إلى أن أحسّ بقطرات العرق تبلّل بشرته، فرمى الغطاء جانبا. فكّر في إشعال ضوء القنديل الكهربائي الموضوع على طاولة صغيرة بقرب سريره، بنية تناول كتاب والانشغال بقراءته. أحجم عن الفكرة في الثانية التي كان إصبعُه سيَضغَط على الزر. سيُزعِج الضوء إخوتَه النائمين. زيادة إلى أنّه لم يكن يريد إظهار حالته النفسية القلقة للعيان. فكَّر في أمّه التي تستيقظ مرات عديدة في الليلة الواحدة، تقليدٌ حافظت عليه منذ كانوا أطفالا صغارا، تتفقَّدهم ليلا لردّ الأغطية على أجسادهم في الليالي الشتوية، أو لتوقظ بعضَهم للذهاب إلى دورة المياه خوفا من البول في الفراش. اليوم، ورغم أنّ أصغر أبنائها قد تجاوز العاشرة من العمر وهم ليسوا بحاجة إلى مثل هذه العناية، إلا أنّها لم تنقطع عن عادتها.
كيف يمكن لي أنْ أقتُل رجلا؟ فكرة لم تخطر ببالي أبدا. بل كنت كلّما أقرأ خبر قتل إلا وأستنكر الفعل وآمل في قرارة نفسي أن ينال المجرم أقصى العقاب. فكيف يمكن لي أن أتحوّل بدوري إلى قاتل، إلى مجرم، وبإصرار وترصّد؟ هكذا، بكل سفالة، أتقدّم نحو بشر، يدبّ جسده بالحياة، أصوّب المسدس تجاه صدره أو ظهره وأطلب النار، ليتحوّل إلى جثة هامدة، ليفارق الحياة في ثواني معدودة. أقتل الرجل بكل برودة دم وغياب أيّ ضمير أو الشعور بالذنب أو باقتراف جريمة نكراء، كما نفعل مع ناموسة أو ذبابة مزعجة. وفوق جميع هذه الاعتبارات البعيدة المنال، فإنّ الرجل الذي عيّنوه لي لقتله، أعرفه أحقَّ المعرفة وليس بيني وبينه عداوة أو خصام من أي نوع. كما أعرفه مسلما تقيا، يصلي، يصوم... كيف يمكن لمُسلم أنْ يقتل مسلما دون سبب قاهر؟ قال الأفغاني بأن قتل الصحفيين الذين يعملون في وسائل الإعلام العمومي التابع لدولة الطاغوت فعل جهادي، وأنّ العلماء المسلمين في المشرق العربي قد أصدروا فتاوى تبيح مثل هذه الاغتيالات. وأوضَح بأنها أفعال شرعية تُمهِّد لقيام الدولة الإسلامية. الطاغوت يستخدم هؤلاء الصحفيين لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين. إنّهم يحاربوننا بوسائلهم الشيطانية التي استوردوها من الغرب الكافر. لهذا السبب أفتى هؤلاء بجواز قتل الصحفيين وكل الكتاب الذين يفترون على الإسلام في كتاباتهم مثل الملحد المارق سلمان رشدي. فلولا حراسة الإنجليز له لكان اليوم في نيران جهنم خالدا فيها أبدا. ولكنني أعرف محمد يوسفي معرفة تسمح لي بنفي هذه التهم عنه. صحيح أنه يشتغل في التليفزيون ويقدم الأخبار ولكنه ليس ملحدا مارقا.
غرق كريم بن محمد في متاهة مثعبنة بأنفاقها المتشعبة التي تشكل شبكة دائرية لا مخرج لها. انهارت كل المشاريع التي راودته في الأيام الأخيرة. النشاط السياسي الذي مارسه قبل اعتقاله لم يعد ممكنا. بقي أمامه خياران لا ثالث لهما. الانسحاب والتزام الصمت أو الالتحاق بالجماعات المسلحة في الجبال. وهو إلى الخيار الأول أميَل. كريم رجل مسالم يكره العنف. ثم إنه حينما ينظر إلى القضية من زاوية فقهية، تتراجع المبررات التي تشهرها الجماعات المسلحة لإعلان الحرب على الدولة والمجتمع. أثناء فترة الاعتقال، كان أحد الأمراء يحدثهم في حلقاته عن الجماعة المسلمة مثلما يحددها مصطفي شكري أمير المؤمنين، أمير آخر الزمان ووارث الأرض ومن عليها، صاحب دعوة الهجرة والتكفير. إنّ الجماعة المسلمة ترى أن كل المجتمعات القائمة راهنا مجتمعات جاهلية وكافرة قطعا. وترفض كل أقوال الأئمة والإجماع وسائر ما تسميه الأصنام الأخرى كالقياس. إنّ الالتزام بجماعة المسلمين ركن أساسي كي يكون المسلم مسلما. وترفض الجماعة ما ابتدعه المسلمون من تقاليد وما رخصوا لأنفسهم فيه وقد أسلموا أنفسهم إلى الطاغوت وهو الحكم بغير ما أنزل الله. إنّ الإسلام عند جماعة مصطفى شكري ليس بالتلفظ بالشهادتين ولكنه إقرار وعمل، ومن هنا كان الذي يفارق الجماعة كافرا. إنّ الإسلام الحق هو الذي تتبناه جماعة المسلمين وهو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلّم وصحابته وعهد الخلافة الراشدة فقط. وبعد هذا لم يكن ثمة إسلام صحيح على وجه الأرض حتى الآن. أفتى مصطفى شكري بعدم إسلام الحكام والمحكومين وإن نطقوا الشهادتين.
وكانت حلقات ذلك الأمير تدور حول كتابين: "معالم في الطريق" لسيد قطب و"التوسمات" لمصطفى شكري. الكتاب الثاني مُخصّص ليدرسه أمراء المجموعات. كتاب مخطوط في نسخ مكتوبة باليد لأنّ مؤلفه اعتبر كل منجزات المدنية الحديثة متاعا كافرا. فالمطبعة متاع كافر لا يجوز استخدامه. إن إقامة دولة الإسلام هدفها المقدّس تدمير الكافرين وتوريث المؤمنين الأرض من بعدهم. إن توريث المسلمين الأرض حق ثابت لا يتغير وسنة ثابتة لا تتحول ولذلك جعلها الله وعدا منه. ولكن الرسول لم يُقِم للإسلام دولة إلا بعد الهجرة. فهل على جماعة آخر الزمان أن تهاجر تأسيا بالرسول حتى تقيم للإسلام دولة. يجيب مصطفى شكري بنعم. لا بد من الهجرة. لا إسلام ودولة تقام له إلا بعد الهجرة. ما من رسول إلا وهاجر. لذا أطلق على جماعته (التكفير والهجرة). تكفير كل من لا ينتمي إلى الجماعة والهجرة إلى أمكنة بعيدة حيث ستقام المدينة الإسلامية الأولى، القاعدة التي ستنطلق منها الجيوش في فتوحات جديدة لأسْلَمة العالم مرة أخرى. لا إجماع ولا قياس ولا مصالح مرسلة ولا رأي صحابي ولا... قال الله، قال الرسول وحسب. هكذا كانت جماعة محمد صلى الله عليه وسلّم تنهل نهلا مباشرا من كلام الله وكلام الرسول. وجماعة آخر الزمان لا بد وأن تسلك الطريق نفسه. إن طواغيت هذه الأرض لن تزول إلا بقوة السيف. إن حكام هذا العصر في ردّة عن الإسلام، تربوا على موائد الاستعمار، سواء الصليبية أو الشيوعية أو الصهيونية. فهم لا يحملون من الإسلام إلا الأسماء وإن صلوا وصاموا وادعوا أنهم مسلمون. الجماعة الإسلامية أو جماعة الجهاد مثلما تسمي نفسها أيضا تعمل على إقامة خلافة إسلامية وترفض المداهنة أو الركوع.
ولم يكن كريم مقتنعا بهذه الأفكار التي وجدها متطرفة وغير معقولة وغير واقعية أصلا. بل وتخالف المذاهب الفقهية التقليدية التي تراعي الطبيعة الإنسانية التي ليست من طينة الملائكة ولا الشياطين، بل هي النفس الأمارة دائما بالسوء وأنّ المسلم يعمل قدر استطاعته كي يقترب من الله ورسوله باحترام التعاليم القرآنية. والله لا يكلف نفسا إلا وسعها بل وطلب من رسوله أن يجادل الناس في دينه بالتي هي أحسن ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة. أين هذه الجماعة المسلمة من القرآن والسيرة النبوية في التسامح والمؤاخاة والحلم.
هي تساؤلات ما فتئ كريم يلوكها، مُشدّدا على أهم معانيها. ورغم ذلك لم يُبدِ معارضته أو عدم اقتناعه بالأفكار التي سادت الحلقات. السجناء اعتقلوا ظلما وهُجِّروا إلى أقاصي الصحراء، وحُشروا داخل خيام، عرضة للقيظ العصي الاحتمال وعقارب الرمال وعيشة قاسية أيامها. فكيف لا يحقدون على الحكام الذين أمروا باختطافهم من ديارهم ليلا ومن داخل المساجد، وكذلك على الصحافة التي ساندت الاعتقالات الجماعية والنفي القسري إلى الصحراء. سارعت إلى نشر بيانات مصالح الأمن التي وصفت المعتقلين بالجماعات المجرمة التي تستهدف أمن واستقرار الدولة والمجتمع، وأن الاعتقال فعل وطني، وقائي، هدفه حماية هذه الأمة من الدمار والخراب.
كلما أطال كريم بن محمد التفكير في وضعه والوضع الذي آل إليه البلد كلما تاه أكثر وتشعّبت به الدروب التي لا مخرج لها، فلم يعد قادرا على الوقوف على مرفأ آمن، وهو مطمئن البال.
انتابه حنين دافئ لأيام التدريس. ارتعشَت أوصاله شوقا إلى تلك الابتسامة الفائضة بالحيوية وإلى تلك النظرات الخاطفة الخجولة. توقف عن التفكير، غيَّر من وضعيته، استنشق الهواء ببطء، محاولا التركيز ليستحضر طيف جميلة ووجهها الدائري المورد ذي العينين الواسعتين، الأسودين. حينذاك أغمض عينيه وغمره شعور بالراحة والسكينة، من جديد دبّ الأمل في شرايينه. بذل جهودا قصوى للتركيز، ليفرغ ذهنه مثلما كان يفعل مع السبورة السوداء، كي تبقى صورة جميلة هي وحدها المرسومة بأناقة وحولها رنين صوتها الذي يصله في نبرات حادة لكنها مرتبكة، فيها شيء من الرعشة والاهتزاز. هل ما زالت تحبه مثلما اعترفت له في تلك الورقة المنزوعة بخفة من كراس مدرسي، في تلك الجمل القصيرة المخطوطة بسرعة كأنها كانت تهاب من أنّ تلك الكلمات التي تخطها بيد مرتعشة سوف تتفسخ وتتفجر إلى شظايا تلطخ وجهها أو تتحول إلى أصوات لائمة، مُوبِّخة، تفضَح فعلها. كيف تكتب رسالة حُبّ إلى رجل لم يفاتحها في شيء؟ ألَم ترها عين فضولية وهي تمد الورقة المطوية إلى كريم، بدون أنْ تنبس بكلمة، وهي تلتفت حولها في نظرات خاطفة، خائفة مثل نظرات نشال مقبل على السرقة؟ انتظرت يومين كاملين كالدهر اللامتناهي. لم يغمض لها جفن. لامَت نفسها على التسرّع. الورقة وثيقة مدانة. لماذا لم تبح بحبها في كلمات تنطقها على عجل؟ الكلام يتبخّر في الفضاء ولا يترك أثرا. أما الورقة فهي إدانة قاطعة لا تقبل النقض. إنّ حبها لكريم أفقدها رشدها وجعلها تبادر بفعل جنوني لا تتحكم في مسالكه. ألم يقل القدماء بأنّ الهيام والجنون سيان؟ أخيرا جاءها الرد في صبيحة اليوم الثالث لينقذها من الوساوس. رسالة طويلة، مخطوطة في كتابة أنيقة، قضى كريم نصف الليل وهو يكتب ويفكر. يمزق الورقة، يعيد كتابتها. كان عليه أنْ يجد الكلمات المناسبة، الموحية التي تعبّر حقا عن شعوره اتجاه حورية. هو أيضا، كان مُعجَبا بها أيّما إعجاب. مُعلمّة جديدة في المدرسة التي يشتغل فيها منذ سنوات، يراها صباحا مساءا. يتبادل معها أحاديث عادية حول الأطفال والبرنامج الدراسي ومشاكل التدريس.
في المساء، انزوَت جميلة في غرفتها والتهمت الرسالة التهاما وجسدها يرتعش وحرارته ترتفع حتى شعرت بالاختناق. أعادت قراءتها مرارا وتكرار حتى حفظتها عن ظهر قلب. هو أيضا اعترف لها بحبه لها، ووعدها بمحادثة أمّه لتقوم بتحضير إجراءات الخطوبة. ولكن الأحداث تسارعت بوتيرة لم يتوقعها أحد. فتأجلت مشاريع كريم إلى أمد غير معلوم.
خلال الشهور التي قضاها في المعتقل، أعاد التفكير طويلا في طبيعة هذه العلاقة الغرامية بينه وبين جميلة، وينتهي به المطاف باستمرار إلى الاقتناع بأنّها ستكون له الزوجة اللائقة. فيقرّر بحماس أنه سيتقدم لخطبتها بمجرد تسريحه.
اليوم وهو يتمتّع بحريته، فتر حماسه وانتابه تشاؤم مكسِّر للأحلام. حاصرته شكوك أحدثت شروخا في قناعاته الراسخة. أضحى متضارب الفكر، ينتقل من فكرة إلى نقيضها. اسودّ الأفق وانسدت كل فتحات الأمل. أطلق سراحه في بداية جويلية بمناسبة عيد الاستقلال. المدرسة في عطلة. لم يتمكن من رؤية جميلة ولا يملك وسيلة اتصال تسمح له بإعادة ربط الصلة بها. القرية صغيرة والشوارع والمحلات غاصة بالرجال فقط. نادرا ما تبادر امرأة بالخروج، وبالأخص الفتيات اليانعات، المراقبات من قبل الآباء والإخوة مراقبة شديدة لا تقبل أدنى تهاون. قالت له جميلة مرة بأن والدها متشدِّد ومتسلِّط ولم يسمح لها بالعمل إلا تحت توسلات أمّها وبتحديده لشروط هي أنسب للعبيد والسجناء. يملك محلا تجاريا غير بعيد عن منزله وكلما خرجت من البيت قاصدة المدرسة أو أثناء عودتها إلا ووجدته على عتبة المحل، فيلقي نظرة إلى ساعته اليدوية ثم يرفع رأسه بشموخ وهو يمسح الشارع بنظرة تهديد وتوعّد. لا يرتاح له بال إلا بعد أن يطمئن على رجوعها في الوقت المناسب.
في سهاد هذه الليلة التي لا يبدو أنها ستنتهي، سوّطته رغبة جامحة في رؤية جميلة ولو للحظة خاطفة ومن بعيد. هل ما زالت تحبه ومشتاقة إلى الحديث معه مثلما كانت تفعل كل صباح؟ تغيرت أشياء كثيرة. سجن لشهور عديدة مثل مجرم حقير. فقَدَ وظيفته وباتت إمكانية إدماجه ضئيلة جدا. لم يعد ذلك المعلم المبجل الذي يلجأ إليه أولياء التلاميذ للمشورة أو المساعدة. أضحى ينتمي لصنف من الرجال، اقترف بعضهم جرائم بشعة. فكيف يميز الناس بين آمر بالجريمة ومنفذ لها ومشارك لهم ولو بالصمت؟ الصمت، نعم، إن التزام الصمت أمام ما يحدث يعدّ مساندة، شراكة في الجريمة، لأنها تُرتكب باسم جماعة الإسلاميين الرافضين للنظام. وكريم محسوب على هذه الجماعة، والدليل أنه اعتقل ونقل إلى سجون الصحراء كغيره من آلاف المتمرِّدين. أكيد أنّ الاحترام والحب اللذين كانت تكنهما له قد دمّرهما كلام والديها والمحيطين بها. كيف يكون رد فعلها لو التقاها هكذا صدفة. أكيد أنها على علم بعودته. تخيّل موقفها من لقائه. تارة تستقبله بابتسامة حنونة ومتواطئة. تارة تُدير وجهها بعنف أو تتظاهر بعدم التعرف عليه. لم يرس على صورة واحدة، تعيد الطمأنينة إلى قلبه الممزق. تتماوج الصور بين الرغبة الملتهبة في اللقاء الحار بين حبيبين حالت دون لقائهما نوائب الحياة المضطربة، وبين مخاوفه الحالكة في تجاهلها العمدي له، المتبوعة بالحسرة الباردة، الموحشة. فكر كريم في الوقوف أمام بيت أهلها وانتظار خروجها ليحظى بابتسامة أو بكلمة لطيفة. لكنه وجد الفكرة صبيانية وملفتة للانتباه. تجاوز سن المراهقين الذين يقضون يومهم في اقتفاء أثر الفتيات من شارع إلى شارع ومن محل إلى محل، في تحرش جنسي عنيف، أو يسندون ظهورهم إلى جدار وينتظرون ساعات طويلة أن تمر الحبيبة المرتقبة ليُبَسْبِسوا لها بكلمات رقيقة وهي تتظاهر باللامبالاة، مواصلة سيرها كأن لا أحد اعترض طريقها، لتبيِّن للعاشق نسبها الشريف الذي لا تغريه العبارات المعسولة. وحتى إن وقف حارسا في زاوية الشارع منتظرا خروجها، يمكن لها في ذلك اليوم بالذات أن لا تجد مبررا لتضع قدميها خارج البيت. هي في عطلة ومغادرة البيت بمفردها من الممكنات الضئيلة. الزيارات العائلية عادة ما تكون جماعية. كما أن مكوثه في ذلك المكان لمدة طويلة سيُلفت انتباه الفضوليين الذين سيتساءلون حتما عن السبب. فكرة غير مقبولة لا عقلا ولا ممارسة. أدرك استحالة تطبيقها من الوهلة الأولى ولكنه تمادي في الحلم راكضا وراء ملامحه المضببة، إرضاء لرغبة جامحة كامنة في أحشائه، ليُبقي صورة جميلة وحدها مضيئة، متلألئة مثل القمر في ليلة صيفية. هي وحدها الكفيلة بجعله يتمسك من جديد بجمال الحياة ونبضاتها الراجفة. سينتظر الدخول المدرسي على الجمرة الملتهبة، إن بقي في وادي الرمان إلى ذلك الحين، الأمر الذي أضحى يشك في إمكانية حدوثه.
الحرارة خانقة بداخل الغرفة. فكّر في الخروج، لعلّه يجد في جوّ الشارع قليلا من الرطوبة. ولكنها كانت فكرة أشبه بطيف خاطف، مرّت بسرعة البرق ولم يتوقف عندها ليحوّلها إلى فعل وحركة. صدّتها فكرة أخرى: الشوارع ممنوعة في مثل هذا الوقت من الليل. حظر التجول ساري المفعول منذ شهور، ولا يريد أن يُعرِّض نفسه لمشاكل أخرى. بقي مُمدّدا على السرير، ترتطم بذهنه أنقاض من الصور والأفكار والذكريات والأحلام. يُطارد أسرابا من الممكنات، يصعد إلى قمة روابيها ولكنه لا يستقر على ذروة من ذراها المتآكلة، بل سرعان ما ينحدر، مُتدحرجا، متعثرا، راكضا خلف سراب آخر يلوح له في الأفق البعيد، ليصعد قمة رابية أخرى. أحيانا يغادرها في نصف الطريق قبل الوصول إلى المبتغى، لينساق خلف سراب ثالث ورابع... تَمنّى لو يعثر على واحة وارفة الظلال، منعشة الجوّ، مضيافة، يستقر بها إلى الأبد. تَمنّى لو أنّ الذي يعيشه من توتر وحيرة ليس إلا حلما عابرا سيتخّلص منه مع طلوع الفجر. ولكن اليقظة كانت في أوجها، تتجاذبها المخاوف من كل الأطراف بحيث لا يمكن لأدنى شك أن يتسلّل إلى ربوعها. حينما يغادر ذاكرته ليلقي بنظرة حوله، نظرة فارغة ذابلة، لكنها قوية يريد بواسطتها اختراق الظلمة السائدة، فتصل إلى سمعه هَمهَمات النائمين وخرخشات حركاتهم، لتعيده إلى الواقع الذي يحاصره، ضاغطا بصلابة الحديد ولهب النار. استمع مرارا إلى صرير باب يُفتح، باب غرفة والديه دون شك. أكيد أن أمّه هي التي تقوم بدورتها التفتيشية. فيُغمِض عينيه ويتجمّد في مكانه، تحسبا لمجيئها. ولكن الأمّ أحجَمت عن فتح الباب. ربما أقنعَت نفسها بأنّ أولادَها هُم الآن رجال ليسوا بحاجة إلى رعايتها. عاد الصمت يخيّم بثقله، وعاد كريم إلى وساوسه التي لا يبدو أنها ستشفق على سهاده وتتركه يستريح.
أراد معرفة السبب الجوهري الذي أدّى بصديقه يزيد لَحْرَش إلى تكليفه باغتيال محمد يوسفي وهو على علم بأنه صديق له، بل هو صديق لهم جميعا. عاش معهم في الحي الغربي إلى غاية السنة الرابعة عشر قبل أنْ يرحل إلى حيٍّ راقٍ بنى فيه والده التاجر فيلّلا من طابقين. كان أبوه صاحب دكان صغير للمواد الغذائية في وسط القرية. توسَّعت تجارته فأضحى من أثرياء وادي الرمان. عرفه كريم مرة أخرى في ثانوية ابن خلدون بالبليدة، في القسم الداخلي. لمدة ثلاث سنوات، كانا يصطحبان بعضهما بعضا. التحقا بالثانوية في سنة واحدة، تخصّص أدبي. بما أنهما أبناء قرية واحدة، فعادة ما كانا يعودان معا في نهاية الأسبوع. نشأت بينهما صداقة متينة، دعَّمها ذلك الشعور بالتفوّق على أقرانهما من وادي الرمان. مُعظم شباب القرية يُغادر مقاعد الدراسة مع نهاية الفترة المتوسطة. نادرا ما يتمكن أحدهم من الالتحاق بالثانوية. من هنا يتولد ذلك الشعور بحيازة امتياز خاص عند كل طالب يخترق حاجز شهادة التعليم المتوسط، ليبدأ بالابتعاد رويدا رويدا عن المتخلفين، فيُشكّل مع المتفوقين علاقات جديدة ومتنوعة. يتجمّعون في نهاية الأسبوع في مقهى فاخر وسط وادي الرمان ليتحدثوا في شؤونهم الخاصة التي حتما تختلف عن هموم أولئك الذين التحقوا بعوالم الشغل أو البطالة. ومن إحدى مظاهر التميّز تلك الملابس الأنيقة التي صاروا يتنافسون على ارتدائها.
محمد يوسفي نجَح في امتحان شهادة البكالوريا والتحق بالجامعة، تخصُّص إعلام. أما كريم بن محمد فلم يكن له ذلك الحظ. لذلك شارك في مسابقات عديدة، وأخيرا ابتسم له الحظ فالتحق بمعهد تكوين المعلمين الكائن في بوفاريك، ليتخرّج مُعلما بعد سنة من التكوين. عمل في مدرسة ريفية لمدة أربع سنوات، ثمّ جنّد للخدمة العسكرية لعامين كاملين قضاهما في ثكنات قصر البُخاري والجلفة ولغواط. عند تسريحه، تمكّن عاد إلى مدرسته، ليحوّل بعد عام فقط إلى وادي الرمان. أما محمد يوسفي فتخرّج من معهد الإعلام واشتغل في جريدة "الوحدة" الخاصة بالشباب، قبل أن يستفيد من الانفتاح السياسي بعد مظاهرات أكتوبر ليلتحق بقسم الأخبار بالتلفزيون. كان أبوه فخورا به، خاصة حينما أصبح يظهر باستمرار على شاشة التلفزة، فاشترى له سيارة خاصة كي يتجنّب امتطاء الحافلة مع فقراء القوم. ما زال محمد يوسفي أعزب ويعيش مع والديه في قرية وادي الرمان. في أوقات فراغه، عادة ما يجلس في محل أبيه للمساعدة. وسبق لكريم أن التقى به في غضون الأسبوع الأول من رجوعه إلى القرية. كان يمشي على الرصيف الذي يوجد فيه المحل لبيع الأثاث والأدوات الكهرومنزلية حتى صادفه جالسا على كرسي بباب المحل. تردّد كريم في مواصلة السير، أبطأ خطواته، أراد التقهقر ولكن محمد يوسفي شاهده ووقف بخفة مبتسما ومرحبا. كان يرتدي قميصا رماديا ذا أكمام قصيرة وسروال جينز أزرق بحري. لا يعرف كريم لماذا رفض لقاءه. شعور باطن لم يتمكن من تفسيره. بينهما صداقة قديمة لم تُعكّرها مياه ملوثة في أي لحظة. يلتقيان في المناسبات وإن كانت نادرة، يتصافحان ويتبادلان عبارات المجاملة والأخبار العادية. اقترب كريم من باب المحل، وبادره محمد يوسفي قائلا:
-- على سلامتك... أنا مسرور جدا بأنك عُدت إلى أهلك وعملك وتخلّصت من الاعتقال. محنة وزالت إن شاء الله...
-- يعطيك الصحّة... قال كريم باقتضاب وسكت. ثم التفت إلى داخل المحل وشاهد والد محمد، "موسطاش الفرطاس" مثلما كان يسميه أهل الحي الغربي. فاتجه نَحوه، قبّله وتبادل معه عبارات التحية والمجاملة. ثم انسحَب بسرعة، متحجِّجا بشغل عاجل. بقي محمد يوسفي واقفا يتابع بحيرة استعجال صديقه وهو الذي أراد أن يطيل معه الحديث. يَعرف بأنه في وضعية صعبة، لذلك أراد مواساته وربما استطاع أن يقدّم له مساعدة ما. ثم ألَم يكُن يَنوي مصاهرته قبل اعتقاله؟ جميلة أُخته وهو على علم بعلاقتها معه. باحت جميلة بسرِّها إلى أمّها والأم بدَورها شاورت الابن قبل الأب. كريم صديق له وهو الذي سيفيدها بمعلومات مهمة، تستطيع على إثرها اتّخاذ موقف نهائي قبل مواجهة رأي الأب. ابتَعد كريم بخطى سريعة كمن يركض نحو موعد تخلف عن ميعاده، وهو يتساءل إنْ أحسَن التصرف بهذا التسرّع المباغت. لماذا هذا الهروب؟ لماذا لم يَدعو محمد إلى شرب قهوة واستفساره عن أخته. طال غيابه، فربّما يكون أحد قد تقدَّم لخطبتها. كان مضطرب الذهن ونداء العزلة والانطواء يطن في أذنيه.
في هذه الليلة الليلاء التي أبقاه السهاد يقظا إلى الهزيع الأخير، تفتّتت أحلام كريم إلى قطع صغيرة طفق الريح ينثرها بعيدا وسط حفر لا قاع لها. الصحفي الذي حدّدته له جماعة يزيد ليقوم باغتياله هو أخ جميلة، تلك الفتاة التي ملأت لياليه بأحلام لذيذة حيث لأول مرة اتضحت له معالم حياة، اعتقد راسخا بأنها ستُسعده.
بهذا الاغتيال، إنْ تمَكّن من القيام به، سيشترى تذكرة سفر نهائية، ذهاب بلا عودة. حتما، سيلتحق بجماعة يزيد لأنّه لا يستطيع البقاء في وادي الرمان. تماما مثلما فعل يزيد مع ابن عمّه الذي تولى تسيير شؤون البلدية بعد عزل رئيسها السابق. كان رئيس البلدية المنتخَب في أوّل انتخاب تعددي بعد الاستقلال ينتمي إلى الحزب الإسلامي المعارض. فقرّر تغيير الشعار المثبت في الواجهة الأمامية لدار البلدية (من الشعب وإلى الشعب). قال قياديو الحزب بأنّ هذا الشعار من مخلفات المرحلة الشيوعية الملحدة. وعلى الحزب أن يصنع شعارات جديدة تعبر بحق عن أفكاره. فتمّ استبداله بشعار (البلدية الإسلامية). كان الشعار القديم مكتوبا بالأحمر فوق مساحة بيضاء. فاختاروا اللون الأخضر. الأخضر مقابل الأحمر. الإسلام مقابل الشيوعية، الإيمان مقابل الإلحاد. جاءت فرقة الدرك الوطني وطلبت من رئيس البلدية نزع الشعار الجديد وإعادة تثبيت الشعار القديم. رفض قائلا:
- إنّني رئيس بلدية منتخَب، وتمنح لي الشرعية الشعبية بأن أُدخل على البلدية التعديلات التي تتماشى مع برنامج الحزب. هذا شعار الشيوعيين ونحن نرفضه جملة وتفصيلا.
- هذا شعار الاستقلال الذي ضحَّى من أجله مليون ونصف المليون من الشهداء ولا علاقة له بالشيوعية. قال أحد الدركيين.
بعد سجال طويل لم يتفق الطرفان. في الغد عادت فرقة الدرك ومعها عامل أمرته بطلاء الشعار الجديد وإلصاق لوحة خشبية عليها الشعار القديم. بعد ذهاب رجال الدرك، قام رئيس البلدية بمعاونة مناضلي الحزب بنزع اللوحة الخشبية وإعادة كتابة شعار (البلدية الإسلامية). في المساء عاد رجال الدرك لمحو الشعار، فاعترض سبيلهم رئيس البلدية ومجموعة من الملتحين. بعد المناوشات الكلامية، وتبادل الاتهامات، قام دركي برفع السلم ودلو الدهان لمحو الشعار مرة أخرى. دفعه رئيس البلدية وأسقطه أرضا. تلوثت ملابسه بالصبغة. تدخل رفاقه وانطلقت مشادّات جسدية عنيفة انتهت بطرد الدركيين من مقر البلدية. في نهار الغد، عاد الدركيون بمَدد أكبر ومحوا الشعار بالقوة وأثبتوا القديم، وتركوا إلى جانبه حارسا. في المساء، تدخل تدخّل رئيس البلدية مرّة أخرى وعدد لا حصر له من مناضلي الحزب جاءوا من بلديات أخرى للمساندة والدعم الجسدي، فأعادوا إثبات شعارهم. ثم اعتصموا في كتلة ملتحمة عند مدخل البلدية لمنع رجال الدرك من محوه. فأقاموا بالمكان بقية اليوم، واستأنفوا الاعتصام ابتداءً من فجر يوم الغد. تحوّلت البلدية إلى قلعة جمعت أعدادا هائلة من الملتحين من كل حدب وصوب. فوصل الإمداد من المناضلين بأعداد مهيبة. احتلوا البلدية وأقاموا المتاريس وسط الطريق. شيّدوا أكواما من الأحجار والقطع الحديدية والخشبية والعجلات المطاطية. تدخّل الجيش، فرابض بدوره قرب مقر البلدية بالجنود والمدرعات. تفاوض الطرفان لمدة يومين كاملين دون جدوى. في اليوم الثالث اخترقت مُدرّعات الجيش المتاريس وتشابك العسكر مع الملتحين. في خِضَم المشادات الجسدية العنيفة، تعالت صيحات الله أكبر ودوي الرصاص ملعلعا وسُلَّت السيوف من أغمادها. قُتل عسكريان وثلاثة ملتحين وجُرح عدد كبير من الجانبين. مع غروب الشمس توقفت المعركة وانسحب الجيش. كانت جنازة الإسلاميين في يوم الغد مهيبة، امتلأت المقبرة بمناضلي الحزب الذين حضروا من أماكن بعيدة. ألقيت الخطب المتوعّدة، المهدّدة، المندّدة. في المساء افترق المشيّعون وعاد الهدوء إلى القرية. غمر رئيسَ البلدية وأنصارَه فرحةٌ عارمة أبهجتهم وأدخلت إلى نفوسهم الاعتزاز بالنصر. تجمّعوا في تلك الليلة في ساحة البلدية وراحوا يتلذذون بالانتصار، مقارنين معركتهم بالمعارك الإسلامية الكبرى. فناموا وسط صور البطولات والفتوحات العظمى. لكن فرحتهم لم تدم طويلا. فاجأتهم قوات هائلة من الوحدات الخاصة تقتحم دار البلدية على الثالثة صباحا وهم يغطون في نوم هانئ مريح. صعقتهم المفاجأة ولم يتمكنوا من المقاومة. أُخرجوا من البلدية تحت ضربات الأحذية الخشنة وأخمص الكلاشنيكوفات. وزُجّوا بفظاظة داخل شاحنات خاصة بنقل السجناء وهُجِّروا إلى أماكن مجهولة، اتضح فيما بعد أنها معتقلات خاصة في أقاصي الصحراء. حاول أحد السجناء الهروب حينما اقترب من الشاحنات. فبعد الإخطار الأول بالتوقف، أطلق عليه الرصاص، فسقط ممرغا في الغبار. بعد ذلك أغلقت البلدية لمدة شهرين كاملين لإقامة الإصلاحات اللازمة، إذ تحولت إلى إسطبل عاثت فيه الأرجل فسادا منكرا. عند افتتاحها، عيّن ابن عَم يزيد مسئولا على تسييرها في انتظار الانتخابات القادمة. في الخمسين من العمر، قضى رئيس البلدية الجديد مساره المهني في دواليب الإدارة، متنقلا من البلدية إلى الدائرة ثم إدارة مصلحة في الولاية. مرّت شهور هادئة والمسئول الجديد يدير شؤون المواطنين دون معارضة أو حتى احتجاجات بسيطة. ثم فجأة بدأت التهديدات تتساقط على رأسه، الواحدة وراء الأخرى دون انقطاع. ذات صباح وهو خارج من داره متوجها نحو مكتبه، عثر قدام عتبة الباب على طرد صغير مغلف بعناية. فتحه فاسوَدّ وجهه من الرعب: كفن وقطعة صابون وغصن ذابل من الريحان وزجاجة ماء الورد. وبداخل الإزار الأبيض، وجد رسالة تهديد، مخطوطة باليد وعليها طابع الجماعة الإسلامية المسلحة، تطلب منه مغادرة رئاسة البلدية وإلا قُتل. انتابه خَوف شلّ تفكيره لأيام عديدة. ليس هو الوحيد الذي تلقى مثل هذه الطرود الغريبة. سَمع عن أنباء مماثلة وقَعت لموظفين مثله تولوا نفس المهمة. لم تكن الاغتيالات قد انتشرت بالشكل المخيف. اتصل برئيس الدائرة ورئيس فرقة الدرك معبرا عن تخوفاته ومظهرا نيته في الاستقالة. طمأنه رئيس الدائرة ووعده بتكليف حارس مسلح لحمايته. مرّت الأيام دون أنْ يتكرر التهديد. فخفَّت يقظته. واعتبر الفعل مجرَّد لعبة شيطانية بدون عواقب، قام بها شاب غاضب، ذو نزعة جنائزية. كاد أن ينسى حادثة الطرد الغريب حين اعترض يزيد لحرش طريقه، قائلا:
- واش يا ابن العم... قالوا لي بلّي راك مير وادي الرمان...
كان الوقت مساءً ولم يبق على غروب الشمس إلا القليل. لم يظهر من سلوكه أنه شعر بخطر ما. توقف وتحدث معه مثلما يتحدث مع أي مواطن يعترض طريقه ليشتكي من سوء المعيشة ويطلب سكنا أو مساعدة ما. كان على علم بوضعية يزيد ولكنه لم يكن يتصوّر أبدا أن يكون هو صاحب الطرد. ربما قصده لمساعدة ما. أليس يزيد ابن عمه وهو رئيس البلدية، يستطيع الشيء الكثير؟ أجابه بهدوء:
- أين أنتَ يا يزيد؟ لم تعد تظهر في وادي الرمان، كأنك سافرت إلى الخارج.
- لا، هنا يموت قاسي... حذّرتك ولم تسمَع النصيحة. لقد استوليت على حقّ ليس لك. فحان وقت العقاب يا خائن، يا عميل الطاغوت...
وببرودة أعصاب عجيبة، أخرج يزيد لحرش محشوشة من تحت جاكتته وأطلق رصاصتين على مستوى صدر ابن عمّه. فصاح المسكين صيحة مخنوقة وسقط أرضا. اقترب القاتل من الجسد الممدد فوق الرصيف، انتظر قليلا ولما لم يتوقف من الارتعاش والحركة، أخرج مسدسا من حزامه وأطلق رصاصتين أخريين على مستوى الرأس. فتوقف الجسَد من الارتجاف قبل أنْ يخمَد صدى دوي الرصاصتين فوق سقوف منازل القرية. انفتحت النوافذ والأبواب بخفة وعنف وهرع الناس إلى الشارع لمعرفة تفاصيل الحدث. لم يرتبك يزيد، ولم يهرب خوفا من أن يتعرف السكان على هويته. وقف لحظات أمام الجثة الهامدة، يتأملها بإمعان كأنه يريد التأكد من أن أجيج الحياة قد غادر فعلا الجسد الملطخ بالدم والممدّد على قارعة الطريق. ثم ألقى نظرة خاطفة إلى الوجوه المرعوبة التي تحدق فيه وتساؤلات مخيفة تقضمها بوحشية، قبل أن يلتحق برجلين ينتظرانه في زنقة خلفية، ليختفوا وسط أشجار البرتقال وآذان صلاة المغرب يعلو فوق وادي الرمان ليغطي صدى الرصاص الذي مازال يصم الأسماع ويرجف الأوصال. أول اغتيال في وادي الرمان ولن يكون الأخير. قالت أمّ كريم أن الذي هزّ يقينيات الناس هو أن القاتل من عائلة المقتول. تعودوا على التضامن العائلي ونصرة ذوي القربى. انصُر أخاك ظالما أو مظلوما. أنْ يقتل رجل ابن عمه دون مشاجرة أو خصام حول إرث ما، زعزع المعتقدات الراسخة. كل فرد يبحث عن قريب له، ولو كانت (ريحة الشحم في الشاقور) مثلما يقول المثل الشعبي، ليساعده على قضاء حوائجه، خاصة إذا كان صاحب نفوذ، في الإدارة، في الشرطة، في الجيش. كان على يزيد لحرش أن يطلب من رئيس البلدية التدخل لتسوية وضعيته المهنية، ليمنح له سكنا... أما أنْ يقتله بهذه الطريقة، فأمر لا يفهمه أهل القرية. أما كريم، فقال لأمه أنّ هؤلاء الأفراد شكّلوا جماعة هي عائلتهم الجديدة والوحيدة. لم يَعد الأخ هو ذاك الذي يشترك معك في انتسابه إلى أمّ واحدة وأب واحد، بل الأخ هو صاحبك في الجهاد حتى ولو كان من أقصى الدنيا. العائلة هي تلك الجماعة المسلمة التي كفَّرت الجميع وأعلنت الحرب عليهم، فأباحت دماءَهم وأموالهم وحتى نساءهم.
في البداية لم يصدق كريم الخبر. كيف يكون يزيد قاتل ابن عمه دون سبب. أكّدت الأم بأن أكثر من شخص تعرّف على هوية القاتل. لم يهرب، لم يحاول إخفاء هويته. وقَف بهدوء مُدهش، ينظر إلى الناس وكان الوقت كافيا ليتعرف عليه أكثر من شخص.
في هذه الليلة الآرقة، تأكد كريم من صحة الخبر. اغتال قريبا له أمام الملأ، وها هو يطلب من كريم أن يغتال صديقا له جهارا نهارا، ليستطيع الالتحاق بالجماعة دون رجعة. الانتصار أو الموت. تكون العودة إلى وادي الرمان مشروطة بالانتصار وستحوَّل الاغتيالات إلى أفعال بطولية. لا أحد يستطيع الطعن في قرارات الغالب. سيُصبح رئيس البلدية خائنا مثل خونة الأمس، وأفرادُ الجماعة مجاهدين يستحقون التبجيل والتكريم. أما في حالة الهزيمة، فسيُقتلون رميا بالرصاص وتحت تفجير القنابل، وفي اشتباكات مع قوات الأمن، وسترمى جثثهم في حفر قاصية، مجهولة المكان. يُدفَنون بلا أضرحة، بلا أسماء. جثث متراكمة، مشوّهة، يختلف العسكر حول عددها لأنهم ردموها على عجل خوفا من التعفن وهروبا من رائحة الموت المحلقة في المكان التي ستطالهم بلا ريب إنْ هم مكثوا وقتا أطول في حقل المعركة.
تعالى آذان الفجر، منقذا كريم من هواجسه المتشابكة، المتراكمة التي أغرقته في حبالها، دون أن يعثر على رشاء يتشبث به. لم يغمض له جفن طيلة الليل. يتسرب ضوء خافت من فجوات الشباك الخشبي. انتبه كريم إلى أنّ الظلمة لم تعد مطبقة. نهار جديد يستيقظ فجأة ليجرّ وراءه هموما أخرى. وقف بصعوبة. صداع موجع ألم برأسه. أغمض عينيه لحظات، يستعيد صفاء ذهنه. سيخرج، سيلتحق بالمسجد، ربما ستنعشه رطوبة الصباح.