4

6 0 00

4

كانت الشمس تميل إلى المغيب حينما اقترب عبد القادر بَنْسَعيد من محطة البنزين الواقعة في مدخل وادي الرمان عبر الطريق المؤدي إلى بوفاريك. كان متعبا بعد أن قضى يوما كاملا وهو يجوب الطرقات بالفورْغون المُعِد لنقل المسافرين. ألقى نظرة ذابلة نحو المحطة. كانت فارغة. إنها فرصة سانحة ليملأ الخزان. فلم يكن مستعدا للانتظار لمدة طويلة. وفيما كان الضخاخ يفرغ البنزين داخل الخزان، كان عبد القادر بنْسَعيد ينتظر متكئا على جانب مركبته الجديدة ويحلم بدُشٍ بارد ليتخلص من العرق والغبار اللاصقين بجسده. لقد قرّر أنْ تكون هذه الرحلة هي آخر رحلة لهذا اليوم. بداخل الفورغون مسافران، يجلسان في صمت. هما أيضا يرزحان تحت ثقل التعب والهموم. ويبدو أن أحدهما كان يقاوم النعاس بشدة ملحوظة. يبدو في الخمسين من عمره، رأسه مغطى بشاش رمادي، ومائل قليلا إلى الأمام، وعيناه نصف مغمضتين. وقبل أن يغادر محطة البنزين، شاهد عبد القادر بنسعيد رجلا يشير بيده وهو يُسرع الخطى كي يقطع الطريق إلى جهته. فكر بأن الرجل سيكون آخر زبون له لهذا اليوم. وقبل أن تتوقف الحافلة بشكل كلي، قفَز بوشاقور إلى الداخل. غمغم تحية مقتضبة وجلس خلف السائق مباشرة. عاد الصمت ثقيلا ومنوّما خاصة مع الاستقرار الجزئي لمناطق مظللة كثيرة تباعا لغياب الشمس خلف الأشجار. بمدخل القرية، طلب أحد المسافرين من السائق أن يُنزله. ما أن توقفت السيارة في هزة خفيفة حتى استيقظ النائم بهلع ملحوظ في حركاته المضطربة وهو يلقي ببصره في جميع الاتجاهات عبر الزجاج المغبر. وكما الذي تذكر فجأة مقصده، وقف بتثاقل وهو يصيح: "اسْتَنَى، اسْتَنَى، نَنْزَلْ هْنا..." أسرع إلى الأمام يترنح كالثمل، حاملا في يدَيه أكياسا نيلونية سوداء تتلاطم فيما بينها. توقف لحظة على عتبة باب الخروج يُصلح من وضع أكياسه ويحدق في الفضاء الخارجي، في تردد واضح كأنه لم يتأكد بعد من أنه وصل إلى الموقف الذي اعتاد النزول فيه. تابع بوشاقور هبوط الرجلين وهو يختلس النظر خفية. بعد إقلاع الفورغون، التفت خلفه ليتأكد من خلو المكان من أي مسافر. حينذاك، مدد رجليه، ورفع رأسه بشموخ، فتح أزرار سترته وتحسّس المسدَّس المخفي في حزامه.

- أين تريد النزول يا سي محمد ؟

سأل عبد القادر بَنْسعيد وهو يلقى نظرات خاطفة إلى المرآة الارتدادية لعله يرى ملامح المسافر الأخير. لكنه لم يشاهد إلا كتف الرجل فيما اختفى بقية الجسم خلف ظهر الكرسي. انتظر الجواب بصبر نافد. لا يريد الذهاب إلى المحطة المركزية، ربما تجمع هناك بعض المسافرين المتأخرين وألحّوا عليه ليوصلهم إلى حوش من الأحواش المجاورة لوادي الرمان. أحب أن ينزل الرجل في أقرب مكان ليسمح له باختصار طريق العودة إلى البيت. عاد إليه الأمل حينما سمع خَرْخَشة حركة. قال في نفسه بأن الرجل يتأهب للنزول. مرة أخرى ألقى نظرة إلى المرآة الارتدادية، التفت جزئيا إلى الوراء، منتظرا أن يشاهد الرجل وهو يقف مستعدا للهبوط. عوض ذلك، أحس بوخز في ظهره وسمع صوتا خشنا ومهددا:

- خذ طريق روفيغو واخرج من القرية دون أن تتوقف أو تشير بيدك إلى أحد. حذار من الطيش. عندي مسدس مُسمّر في ظهرك. إذا اتبعت نصائحي فلن يصيبَك مكروه.

تجمّد عبد القادر بَنْسَعيد في مكانه. لم يعِ جيدا ما يحدث له. ابتلع ريقه ولم يتفوّه بكلمة. انتابه خوف أرعش جسده لثوانٍ طويلة ولكنه واصل قيادة الفورغون دون اضطراب، متوجها نحو الجنوب الشرقي. اختفت الشمس كلية وغرقت القرية في ظل مسائي رطب. الشوارع شبه فارغة. أكثر المحلات أسدَلت ستائرها الحديدية وشُدَّت بأقفال ضخمة شبيهة بتلك التي تستخدم في السجون. في الشهور الأخيرة، كثرت السرقات الليلية ولم يُكشف عن هوية اللصوص. أقام بعض التجار ستارا حديديا مضاعفا وأكثروا من الأقفال التي فضلوا أن تكون فرنسية الصنع، رغم غلائها الفاحش، مقابل الأقفال الصينية الرخيصة ولكنها سهلة الكسر. ما زال "مقهى الصداقة" مفتوحا وبداخله عدد قليل من الزبائن لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. في آخر شارع قبل مغادرة القرية، شاهد عبد القادر بنسعيد رجلا يمشي بسرعة، مطأطأ الرأس، وبيده اليمنى كيس نيلوني أسود منتفخ. تنبّه الرجل إلى دوي المحرك، فالتفت نحو الفورغون مشيرا بيده الفارغة في حركة عشوائية قلقة. تابع السائق حركات الرجل وسحب رجله من المعجل بطريقة عفوية كأنه يستعد للتوقف. شعر بوشاقور بانخفاض سرعة الفورغون وقال بعصبية ظاهرة:

- انظُر أمامك، ولا تتوقّف. ثم بعد صمت أضاف: لا تخشِّن رأسك ولا تجبرني على استخدام مسدّسي.

تردّد المسافر لثوانٍ بين مواصلة المشي أو التوقف دون أن تكفّ يده عن التلويح في الفضاء، فاغرا فاه وعيناه تتابعان بترقب شديد الفورغون الذي مرّ بقربه دون أن يتوقف.

خيّمت الظلمة على مزرعة التِّشينَه. الطريق مُظلم وليس به أدنى حركة حياة، مما ضاعف من وحشة عبد القادر وانقباض صدره. كان يسوق في صمت. عيناه مسمرتان في الإسفلت وأذناه مشدودتان إلى الخلف، إلى أية حركة أو صوت يصدر من بوشاقور. هدأ توتره ولكن تفكيره ما زال يغلي تحت ضغط أسئلة متقاطعة، يبحث لها عن أجوبة يطمئن لها قلبه الرهيف. تساءل عن نوعية المغامرة التي يقوده إليها هذا الملتحي الغريب الذي مرق كالعفريت وسط الطريق والليل يوشك على بسط ظلمته المريبة. كان عليه أن لا يُركبه، أن يكمل طريقه كأنه لم يرَ شيئا. كان يحلم بدُشٍّ بارد وعشاء لذيذ ونوم مريح. تبخَّر الحلم وحلّ مكانه كابوس، يعلم أوله ويجهل آخره. هل انتظره الملتحي خصيصا أم أن الصدفة وحدها هي التي رمته نحوه؟ هل كان صادقا عندما أكد بأن الفورغون هو الذي يهمه أم هي كلمات تلفظ بها ليتمكن من إخراجه من القرية فقط ؟ خوف رهيب يقضم أحشاءه، ويشل قدميه. تذكر الحكايات المأساوية التي تداولها الناس في الأسابيع الأخيرة. استمع إليها غير مُبالٍ. مآسي مفجعة تحدث في أماكن بعيدة، لا تعنيه، لا من قريب ولا من بعيد. حينما اغتيل رئيس البلدية، وجد القتل عاديا. في ذهنه، المسئولون كلهم لصوص ومرتشون، مثلما يردِّد أبوه باستمرار، ومن ثمّة لا يثير قتلهم في نفسه أي حزن ولا شفقة. جزاء يستحقونه، عقوبة يدفعونها من أجل الجرائم الكثيرة التي ارتكبوها في حق المواطنين الفقراء، في حق الشعب المسكين. وتصور نفسه دائما خارج حلبة الصراع. لم يكن يهتم بالسياسة، ولم ينخرط في أيّ حزب، ولا في أية جمعية حتى وإن كانت رياضية. كما أنه لا يشتغل في مؤسسة عمومية. اشترى له أبوه الفورغون لنقل المسافرين، حينما فتحت الحكومة المجال للخواص للاستثمار في مجال النقل، بعد أن اقتنعت بعدم فاعلية شركات النقل العمومية. لم يكن عبد القادر بنسَعيد لامعا في الدراسة، أو لنكون أكثر دقة، نقول بأنه كان تلميذا أقل من المتوسط . يكتفي بجمع النقاط التي تسمح له بالانتقال من سنة دراسية إلى أخرى. أبوه تاجر حاذق، يشتغل بمهارة ولا يتردد في استخدام جميع الوسائل المتاحة لإنماء ثروته، بما فيها تقديم رشاوى ليتحصل على الرخص اللازمة للعمل. ولم يكن يرى مستقبل ابنه البكر إلا بجانبه، يدير تجارته التي ما فتئت تنمو وتكبر خاصة مع سياسة الانفتاح الاقتصادي بعد إفلاس الشركات العمومية والإعلان الرسمي عن التخلي عن النهج الاشتراكي لعدم فاعليته. ولم يهتم يوما بدراسة ابنه. التجارة ليست بحاجة إلى تعليم طويل. الدليل القاطع أنه استطاع جمع ثروة يُحسد عليها رغم أميته المطبقة. ولكن نمو تجارته تحتاج فقط إلى معرفة أبجديات اللغة والحساب لتسجيل السلع التي تدخل وتخرج بكميات كبيرة، وضبط أسعارها بدقة. وكان عبد القادر يقوم بالمهمة على أحسن وجه. وما فتئ الأب يردّد بأن الدراسة المتواصلة للفقراء الذين يسعون إلى الظفر بوظيفة حكومية تعيلهم. أما التجار، فليسوا بحاجة إلى الحكومة، بل يستفيدون أكثر لو غابت الحكومة وأخذت معها كل القوانين المقيدة للنشاط التجاري ورمتها في البحر. سَمع أحَد الأئمة يقول بأن في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام، لم تكن هناك حكومة ولا قوانين تقيد عمل التجار. كانت التجارة في أحسن أحوالها، والتجار يربحون أموالا كثيرة ويساعدون الفقراء عن طريق الزكاة. لماذا كل هذه القوانين إذا؟ هكذا، وتحت تأثير نصائح أبيه المتواصلة، توقّف عبد القادر عن الدراسة مع نهاية آخر سنة في المتوسّطة، بعد أن أعادها مرّة مكرها، والتحق بتجارة أبيه. فأصبح يقضي يومه في المحل الواسع، ينتظر الزبائن، فيما كان أبوه يسافر إلى البليدة والعاصمة لاقتناء السلع. وفي المساء، وتحت إملاء الأب، يخربش عبد القادر في دفتر كبير المشتريات والمبيعات ويضبط الحسابات. ولم تكن الأسفار وما تتضمن من مغامرات وأسرار تجذب اهتمام الفتى. أحيانا يرافق أباه إلى بعض المدن المجاورة بحثا عن السلع المفقودة. ويكاد في تلك الأسفار لا ينزل من السيارة، منتظرا بصبر هادئ لولا الأب المِلْحاح الذي يصر على أن يرافقه كي يتعرف على التجار ويتعلم الصنعة. يفضِّل المكوث في المحل وخدمة الزبائن. استطاع الأب أنْ يستخرج له بطاقة الإعفاء من الخدمة العسكرية بعد أنّ قدم ملفا ثقيلا واتصل بشخصيات كثيرة ودفع أموالا معتبرة للوسطاء. في بداية الأمر، رفض عبد القادر اقتراح الأب حينما أخبره بنيته في شراء سيارة نقل ليتولى هو سياقتَها. قال بأن العمل غير مُربح. ولكن الأب وفي عملية حسابية بسيطة أقنعه بعكس ذلك. النقل استثمار بسيط ومُدر للأرباح ابتداء من اليوم الأول. وافق بصمت. لم يتعوَّد على مناقشة اقتراحات أبيه. ثم إنه لا يمكن أن يرفض العمل بحجة صعوبته. سوف لن يفهم الأب هذه الحجة وسيستخدم سلطته التي لا يناقشها أحد في البيت، زيادة على الكلام الخشن والأوصاف التي سيلصقها به إن تملَّكه الغضب. أرهقته الأيام الأولى وجعلته عصبيا حاد الكلام. تشاجر مع بعض المسافرين حول مكان التوقف. فكر في إعادة المفاتيح إلى أبيه مع اقتراح توظيف سائق مجرّب، من الذين سرحوا من العمل في شركات النقل العمومية، وهم كُثّر وسيقبلون بالأجر الزهيد. ولكنّها مجرد فكرة فقط، لأنه يعرف مسبقا بأن الأب سوف لن يرضى لهذه التجارة بديلا. لقد أصبحت الحصيلة اليومية تتجاوَز أحيانا حصيلة المحل. مع الأيام، تأقلم مع العمل وسخر من تخوفاته غير المبررة. ولكن هذا المساء، وهو يقود الفورغون إلى المجهول، عاوده الخوف ولام نفسه على قبول العمل بتلك السرعة.

- توقَّف... قال بوشاقور آمرا، بلهجة جافة وهو يقف شاهرا مسدسه إلى الأمام.

- أينَ سأتوقَّف في هذا الخلاء؟ أين... قال عبد القادر بعصبية تنم عن خوف كبير، وهو يلقي نظرات متسرّعة، هلعة إلى الطريق الغارق في الظلمة والصمت.

- قلت لك توقّف... توقَف ولا تنطق بكلمة... ردّ بوشاقور بصوت أجش وهو يجوب ببصره في الظلمة المجاورة باحثا عن شيء ما.

استجاب عبد القادر لأمر خاطفه بسرعة، فضغط بفظاظة على المِكبَح وسط القارعة. توقف الفورغون في هزّة عنيفة كادت تفقد توازن بوشاقور وتسقطه لولا تمسكه بعمود حديدي. تلفظ بشتائم مزبلية تجاه السائق مشهرا مسدسه قرب وجهه. احمرّ وجه عبد القادر احمرار الطماطم اليانعة وهو يتلعثم ويهمهم باعتذارات متقطعة ويداه على مستوى وجهه كأنه يحمي نفسه من دبزة أو من صفعة. ثم طلب منه بوشاقور أن ينزل. انتابه ذعر شلّ جسده كلية. أين سيذهب في هذا القفار وهذه الظلمة الشبحية؟ بَقي متصلبا في مكانه. كرّر بوشاقور الأمر بالهبوط. أراد القيام، لكن رجليه رفضتا الاستجابة. لم يعد يشعر بوجودهما. ألقى نظرة هلع وفضول حوله. صمت مطبق وظلمة حالكة. كان دوي المحرك أنيسا يبعد عنه العزلة ويشعره بأنه ليس وحيدا. أما الآن، فزاده الصمت هلعا واضطرابا. أشجار الدلب ترتفع في السماء وتزيد المكان ظلمة ووحشة. همّ بوشاقور بالنزول لكنه تردّد لحظة فاستدار قائلا:

- هات المفاتيح.

تسلّمها بخفة ثم نزل في قفزة قط. وقف يتأمل المكان في اتجاه الشمال ثم أطلق صفيرا حادا. خطى خطوات خلف الفورغون، توقف يسترق السمع لثوان عديدة، ولما لم يصله صوت أعاد الصفير مرة ثانية أكثر دويا من الأول. عاد إلى مقدمة الفورغون. برح عبد القادر مكانه، يرسل حَوله النظرات الهلعة، متسائلا عن سبب الصفير. أكيد أنّ الملتحي يخبر أصدقاءَه بوصوله، وهم الآن يقتربون منهما. تضاعفت حيرته وشعر بحرارة خانقة ترتفع إلى رأسه، تحاصره، تؤلمه، تماما مثل الغريق الذي يحاصره الماء اللُّجي، حينما يقتحم الفم والأنف محتلا مكان الهواء، مكان الحياة. قال بوشاقور بسخرية:

- انتهت الرحلة يا السّي... هيا اخرج من السيارة واعطِ الريح لرجليك.

أغمَض عبد القادر عينيه واستنشق الهواء بقوة ليستعيد طمأنينته ويتمكن من النزول. تحرك قليلا، وقف بصعوبة، وفي تلك اللحظة بالذات شاهد أشباح رجال يمرقون من المزرعة. أول شيء انتبَه إليه هو تلك الأسلحة التي يحملونها على الأكتاف. فقد السيطرة على أعصابه بشكل كلي، انتابته رعشة أوقَفت شعره، وشعر بألم حاد في المعدة وهو يتخيل نفسه جثة مدماة وملقاة في حفرة مغبرة بضفة الطريق. تقدّم الرجال بخطى سريعة وحينما اقتربوا من ضوء مصباح السيارة تعرف عبد القادر على يزيد لَحْرَش الذي درَس معه في المتوسطة. فنسي خوفه وتحرك من مكانه بخفة أدهشت بوشاقور. نزل من الفورغون صائحا:

- يزيد... يزيد... أنا بنسعيد، تعرفني، درَسنا معا في متوسطة بن باديس، لا تقتلني، أنا لست مع الحكومة، ولا أشتغل في مؤسساتها. إنك تعرفني جيدا يا خويا يزيد... لا علاقة لي بالسياسة. أبي تاجر مثل الرسول صلى الله عليه وسلّم... ونحن عائلة...

- اسكت أيها الجبان. قاطعه يزيد لحرش وهو يتقدّم نحوه ليتأكد من هويته. وقف بقربه يتأمله ثم قال وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة ساخرة:

- لقد لفَّتك السُمنة ككبش العيد الذي أُتخِم شعيرا وخبزا يابسا. مَن قال لك بأنّنا سنقتلك؟ من يَسأل عن جرذ من أمثالك؟ نحن رجال ونحارب الرجال... ثم بعد صمت و ابتلاع الابتسامة أضاف:

- ولكننا سنقتلك بجد إذا خالفت أوامرنا.

- أخالف أوامركم ! لا... كن على يقين بأنني سوف أطبق كل ما تأمرون به. أنا في الحقيقة، أكره الحكومة لأنها ضد حرية التجارة. اعتبرني واحدا منكم...

- واحد منّا ! ردّ يزيد بلهجة فيها قهقهة تنم عن استهزاء دفين. ثم أضاف: رجالنا، نختارهم بأنفسنا. أحسِبت جماعتنا شركة وطنية أو سوق الفلاح، يدخلهما كل من هب ودب. افتح أذنيك واستمع جيدا إلى ما أقوله لك. ستعود إلى بيتك وتقضي الليلة كأن شيئا لم يكن. وغدا صباحا يمكنك إخبار الدرك. قل لهم بأن رجلا ملتحيا لا أعرفه هدّدني بالمحشوشة، أرغمني على النزول وسرق الفورغون.

- أقسم بالله العلي العظيم بأنني سأفعل ما أمرتني به. قال عبد القادر بَنْسَعيد والسرور ينفخ صدره لأنه أيقن راسخا بأنه نجا من الموت.

وبخفة السِّنَوْرِيّات، صعد الرجال داخل الفورغون. قال بنسعيد موجها كلامه إلى يزيد لحرش:

- وأنا ؟ كيف أعود إلى وادي الرمان في هذه الظلمة؟

- ما هي إلا كيلومترات قليلة، ستذيب قليلا من الشحم المتراكم الذي يكاد يغطي عينيك. أو انتظر هنا، ستمر بدون شك سيارة وتأخذك معها.

- وإذا صادفت دورية الدرك، وسألوني، ماذا أقول لهم؟ سأل عبد القادر وهو في الحقيقة يضمر رجاءا لم يتجرأ على الإفصاح عنه. تمنّى لو تتكرم الجماعة وتوصله إلى مدخل القرية. قال يزيد وهو يهم بإغلاق الباب:

- لا تُشغل بالك بالدرك؟ أصبحوا مثل الأرانب، يتحصّنون في مقر إقامتهم ولا يجرؤون على الخروج منها ليلا. النهار لهم، والليل لنا.

اصطفق الباب في دوي حاد وانطلق الفورغون مُطفئ المصابيح. بعد ثوانٍ قليلة، ابتلعته الظلمة. مكث عبد القادر بنسعيد وسط القارعة مشدوها، يداه متدليتان، حائرا من وضعه المفاجئ ولكنه هادئ ومرتاح البال رغم الظلمة والصمت وبعد القرية. ماذا يفعل الآن؟ هل ينتظر سيارة سوف لن تأتي أم يشق طريقه مشيا نحو وادي الرمان؟ شلّه التردّد وبقي واقفا يحدّق في القارعة ويستمع إلى دوي المحرك الذي كان يبتعد ويخفت إلى أنْ أصبَح الصمت الرفيق والمؤنس الوحيد له. أخيرا، قرّر أن يمشي. بعد أمتار قليلة، توقّف، مسح المكان بنظرة متأنية ثم اقترب من حافة الطريق وبال وعيناه مغمضتان، يتلذذ بالراحة المنعشة التي تسري في جسمه، وبصوت السائل الذي يرتطم مع التراب وبشعور خاص بأنّه ما زال على قيد الحياة، وبأنه نجا من الموت بأعجوبة.

انخفضت الحرارة مع الاستقرار التام للظلمة، وشعر عبد القادر بنسمات باردة تلامس خديه ملامسة خفيفة. فتح أزرار قميصه العليا وامتص الهواء الرطب إلى أن امتلأت رئتاه، فسرت في جسمه راحة مهدئة أرجعَت له بعض الطمأنينة والشجاعة. وقف على حافة القارعة لدقائق طويلة، يحدق بإصرار غريق، يترقب عبر الأفق الحالك ظهور أضواء مصباح سيارة ما، أو سماع دوي محرك. أكمل فتح جميع أزرار القميص ذي المربعات الملونة وقابل صدره الرخو وبطنه المنتفخ لرطوبة النسمة الليلية. وحينما لم ير ولم يسمع شيئا، واصل المشي بخطى سريعة وهو يلتفت خلفه باستمرار، آملا في قدوم سيارة إن عاجلا أو آجلا. انتابته غبطة أدخلَت الحيوية والخفة في كيانه وأبعدت عنه الحصر والخوف. إنه لا يزال على قيد الحياة وفي طريق العودة إلى المنزل العائلي. المسافة إلى غاية القرية طويلة والطريق مستقيم يبعث على الملل. مشى بخفة أكثر من نصف الساعة. ثم تثاقلت خطواته وشعر بتعب يكبح سرعته ويدخل الضجر إلى نفسه. فكر في أفراد عائلته الذين ينتظرونه، حائرين، قلقين، وهم يتساءلون وجِلين أين يكون قد ذهب في هذا الهزيع الأول من الليل. لم يحدث له أنّ تأخّر عن العودة بعد غروب الشمس. فكر في أبيه الذي يكون واقفا على عتبة الباب يترقب ظهور الفورغون في أول الشارع المطل على البيت، وهو يضمر الاحتمالات المتشائمة دون أن يجهر بها، على نقيض أمّه التي تكون قد ملأت الجوّ المتوتر بالتخمينات السوداء، حاثة الأب على الخروج والبحث عن ابنه، يكون أولاد الحرام قد تعرضوا له بسوء. يعرف أمّه دائمة التشكي وتذهب ظنونها دوما نحو الاحتمالات المأساوية. أيقظه شخير محرك من توجساته، فالتفت إلى الوراء، فرحا. أضواء قوية تملأ الطريق وعلى قوة دوي المحرك أدرك بأن شاحنة قادمة وبسرعة كبيرة. وقف وسط الطريق ورفع يديه فوق رأسه في حركة غيْثٍ واضحة. أراد أن يصرخ مناديا بأعلى صوته ليسمعه السائق لكن سرعة اقتراب الشاحنة لم تترك له الفرصة. ملأ دوي المحرك المكان، كما أن الأنوار أعمته وحجبت عنه الرؤية. اقتربت الشاحنة بسرعة لم يتوقعها. خاف أن تصدمه الشاحنة التي لا يظهر أن السائق ينوي التقليل من السرعة أو التوقف، فقفز من وسط القارعة نحو الحفرة الجانبية وكاد يرتطم بشجرة دلب، مواصلا رغم ذلك تحريك يديه دون أن يتمكن من إخراج صوت، فيما مرّت الشاحنة بسرعة فائقة، مخلفة وراءها عاصفة هواء وغبار كادت تسقطه أرضا. اتكأ عبد القادر على جذع الدلب، مُغمغما بشتائم يصوّبها باتّجاه السائق المجرم الذي كاد يسحقه تحت عجلات شاحنته. تابع أضواء الشاحنة إلى أن اختفت في الظلمة. ثم فكر بأن السائق على حق حينما رفض التوقف في هذا الوقت وهذا المكان. لو كان في مكانه لما توقف. مع كل الحكايات المفجعة المتداولة بين الناس هذه الشهور، فمن يجرؤ على التوقف وسط الطريق في مكان خال وفي مثل هذا الوقت من الليل؟ استأنف المشي من جديد دون التفاتات إلى الوراء، مقنعا نفسه بأن لا سيارة تعبر المكان مرة أخرى، وإن حدث فسوف لن يتوقف السائق ليركبه ويوصله إلى القرية. مشى مطأطأ الرأس، يسترق السمع إلى الصمت الذي بدا سيّدا في البداية ثم سرعان ما تنبه إلى أصوات عديدة تصله من هنا وهناك، خافتة، مبهمة، وكذا صرير حشرات هامسة يخالها قريبة منه أشد القرب، ونباح كلاب متقطع. في لحظة ما، خيل إليه أن دوي رصاص يرتفع في السماء المظلمة، بعيدا، ضعيفا. عاد إليه الخوف وارتعد جسمه. أسرع الخطى ملتفتا حوله في حركات مضطربة. كانت الظلمة تخيم على المكان. بدا له في لحظة ما أنه شاهد أشباحا بين أشجار الدلب وأجمة التوت البري التي تفصل بين الطريق وبين مزرعة التشِّينة، تتحرك، تقترب منه، توقف وقلبه يكاد يخرج من صدره من شدة الهلع. فتح عينيه على اتساعهما، ثبت بصره في تلك الجهة، تبخرت الأشباح، ومعها الهلع الذي أرعش جسده المتصبّب عرقا، أكثر من ذي قبل. انقباض مبهم يعصر قلبه، ولكن الخوف غادره، كأن لا شيء يمكن أن يحدث له بعد أن نجا من قبضة العصابة الملتحية. إن الذين أرعبوه وسرقوا سيارته بالتهديد والوعيد ابتلعَتهم الظلمة، وهم الآن على مسافة بعيدة عنه. لو أرادوا قتله لما ترددوا. لماذا الخوف إذا؟ أيخاف من الأشباح مثل طفل صغير؟ استحضر صورة يزيد لحرش، وكل الحكايات التي يردّدها ناس وادي الرمان همسا دون أن يجرؤوا على ذكر اسمه جهرا. عند ذكر أفعاله، خاصة اغتياله لرئيس بلدية وادي الرمان، يسميه البعض بالأمير، ويطلق عليه البعض الآخر لفظة "مجاهد الإسلام"، ويكتَفى البعض الثالث بذكر اسمه "يزيد". دارت بخلد عبد القادر وهو يمشي وسط الطريق حاملا صندله في يده أسئلة متعددة. هل يمكن لجماعة يزيد أنْ تتغلَّب على الشرطة والدرك والجيش والحكومة؟ إمكانية يراها شبه مستحيلة. وهل يمكن ليزيد أن يحكم وادي الرمان بعدل؟ وعادت إلى ذاكرته سلوكات يزيد في المتوسطة، ذلك التلميذ المشاكس، الضعيف في دروسه، الذي يحيط نفسه بجماعة من التلاميذ الأقوياء جسديا، ليفرضوا أوامرهم على الجميع. وكان التلاميذ يهابونه ويتجنبون شرّه. سمع مرة رجلا يتحدث مع أبيه في المحل التجاري عن تمرد الجماعات الإسلامية مشبِّها إياهم بمجاهدي الثورة التحريرية، الذين باشروا النضال بوسائل غير متكافئة مع ما يملكه العدوّ، وبجماعات قليلة العدد. ورغم هذه الإمكانيات الزهيدة، تغلبوا على الجيش الاستعماري وتحصّلوا على الاستقلال. العدل ينتصر دائما على الظلم وذلك بفضل الله ومعجزاته المباركة. وستنتصر الجماعات الإسلامية المسلحة على السلطة الظالمة مثلما انتصر المجاهدون على فرنسا. هكذا قال جارهم تاجر الجملة في سوق الخضر والفواكه. الحركة اليوم صغيرة ولكنها ستكبر مع الوقت. أعداد لا حصر لها من الشبان المؤمنين الأقوياء، يلتحقون يوميا بالجبال ويشكلون جماعات جديدة، ستدعَّم بإمدادات عسكرية خارجية من دول كبرى مثل إيران، السعودية، السودان، بريطانيا وأمريكا. كان التاجر الذي حجّ مرات عديدة إلى البقاع المقدّسة متفائلا جدا. أكد بأن الدولة الإسلامية سترى النور عن قريب. ومثلما حررت الجزائر إفريقيا من الاستعمار، ستحرِّرها من حكم الطغاة وظلمهم المقيت. تذكر عبد القادر حماس الكهل وهو يخاطب أباه بصوت خفيض دون أن يتوقف عن إلقاء نظرات خاطفة إلى الباب الخارجي، ويسكت عن الكلام كلما دخل زبون أو مرّ إنسان على الرصيف المحاذي للحانوت. كان عبد القادر يستعيد جميع ما سمعه في الشهور الأخيرة وهو يسرع الخطى على قارعة الطريق الفارغ، وسط الرطوبة المنعشة، مستأنسا بنباح الكلاب وصرير الحشرات المتكاثر مع تقدّم الليل وخفوت أصوات الإنسان. أصبح الناس في القرية وخارجها لا حديث لهم إلا الجماعات المسلحة. واختص بعضهم في نقل الأخبار، مع التأكيد على صحة وقوعها، مُوغلين في تفاصيل صغيرة كأنهم شاركوا بأنفسهم في العمليات، وإذا سئلوا قالوا بأن الذي روى لهم الحادثة من المقربين جدا من أمير المنطقة، وكلامه صادق لا تشوبه شائبة، ولا يشك في صحته مؤمن. وإذا عارض أحد هذه الأخبار، مستشهدا بعدم نشرها في الصحافة مثلا، يجيبون بأن كل هذه الوسائل الإعلامية كاذبة لا محالة لأنها تابعة للدولة. الأحداث التي يتحدثون عنها جرت خارج العاصمة، في أماكن بعيدة يجهل الصحافيون حتى موقعها الجغرافي. في الشهرين الأخيرين، اختفت الجرائد من وادي الرمان. قال صاحب الكشك الوحيد الذي كان يعرضها كل صباح بأن السيارة المتعودة على تزويده امتنع سائقها عن المرور من وادي الرمان لخطورة الطريق. وقال مرة بأن الكمية التي تباع لا قيمة لها ولا تشجع الناشرين على إرسالها، معلقا بأن سكان وادي الرمان يملكون وسائلهم الإعلامية الخاصة، دون أن يوضح أكثر. أصبَح الناس يتداولون الأخبار فيما بينهم، فكثرت الإشاعات وراجت أخبار كثيرة، واختلط الواقع بالخيال يغذيان جموح الناس إلى رواية الغريب والعجيب من الوقائع والأقوال. إنّ ناقلي الحكايات يتصرّفون بها حسب رغباتهم وميولاتهم الفكرية وانتماءاتهم الحزبية، يحذفون، يضيفون، يعدّلون. الجماعة التي تتشكّل من بضعة أفراد، يرتفع عددها على لسانهم إلى العشرات، وربما المئات. البندقة تتحوّل إلى مدفع، والسيارة إلى دبابة. القتيل الواحد يُصبح عشرة. أسماء الأماكن المجهولة تتحول إلى أماكن قريبة ومعلومة لدى الجميع. هكذا تنتشر الأخبار في وادي الرمان، دون ضابط ولا عقل، فتزرع الهلع في نفوس البعض والفرح والأمل في نفوس البعض الآخر.

أخيرا، وبعد أزيد من ساعتين من المشي المضني، أشرف عبد القادر على الزنقة المطلة على منزل والديه. كان أبوه واقفا قرب العتبة، ويداه مشبكتان على صدره، وعيناه تنتقلان من اليمين إلى اليسار. ما أن شاهده حتى أسرع نحوه، ممطرا إياه بوابل من الأسئلة. لم يجب عبد القادر بحرف إلا حينما رمى بجسمه على الفوتاي محاطا بكامل أفراد العائلة. وباقتضاب ووسط زفرات تنفسية مسموعة، روى لهم ما وقع. قالت الأم وعيناها قد امتلأتا دموعا:

- الحمد لله الذي أنقذك من الموت يا ولدي...

أنهكها الانتظار والترقب، فلم يعد في مقدورها أن تتكلم كثيرا. جفّ حلقها واكتفت بترديد عبارات شكر لله هامسة وهي ترفع رأسها في حركة خفيفة نحو الأعلى. قال الأب:

- والفورغون... ألم يقولوا لك هل سيعيدونه لنا أم لا ؟

الحيرة ظاهرة على تقاسيم وجهه. ردت الأم بانفعال وبلهجة فيها لوم ظاهر:

- ليحرقوا الفورغون... حياة ابني تساوي الدنيا وما فيها...

- لو اقتصرت المسألة على الفورغون فقط، فليذهب إلى الجحيم... ولكن المسألة أعقد بكثير... إنّهم حذّروا ابنك من الاتصال بالدرك هذه الليلة، معنى ذلك أنهم سيستخدمونه للهجوم على ثكنة أو لسرقة مخزن من المخازن وربما لارتكاب جريمة قتل، ثم يهملونه في أي مكان. هكذا يفعلون عادة. وستعثر الشرطة أو الدرك غدا أو بعد غد على الفورغون، وسيتعرّفون على صاحبه. حينئذ سيدقون باب بيتنا لتبدأ الأسئلة الحرجة. والسؤال الأول الذي سيواجهنا بها رجال الدرك: لماذا لم تبلّغوا عن السرقة بعد حدوثها مباشرة؟ فمِن واجبنا أن نبلّغ الآن. هل نبلّغ أم لا؟ إذا اتصلنا بالدرك، وتمكنوا من توقيف الفورغون قبل أن ينته هؤلاء من مهماتهم، ما يعني أنّ ابنك قد عصا أمرهم. حينئذ، نعرّض أنفسنا إلى خطر محدّق. سينتقمون منا شرّ انتقام.

سكت مطأطأ الرأس. ابتلع ريقه، ثم أضاف موجها سؤاله إلى ابنه:

- هل أنت متأكد بأن الذي حدثك هو يزيد لَحْرَش؟

- بدون أدنى شك. أنا درست معه في بن باديس وأعرفه أحق المعرفة... وهو أيضا قد تعرّف عليّ.

هزّ الأب رأسه في صمت ثم قال:

- إياك أن تخبر أحدا بهوية يزيد. كانت الظلمة سائدة ولم تتعرف على أحد منهم. أعرف بأن رجال الدرك يستخدمون كل الوسائل القذرة لينتزعوا منك الاعتراف إذا شكوا بأنك تعرفت على أحدهم. استعد من الآن لمواجهة أسئلتهم الماكرة واستفزازاتهم العنيفة وربما التهديد والوعيد.

- ما نَعرَف والو، ما شَفت والو، ما سمَعت والو ... أقول لهم بأن رجلا هدّدني بالمسدس وأنزلني بعيدا عن وادي الرمان، دون أن أتمكن حتى من رؤية وجهه، ثم عدت إلى البيت راجلا. هذا كل ما في الأمر. ردّ عبد القادر بصوت مرتفع وبانفعال شديد. قال الأب بلهجة كاسرة يظهر عليها الحزن وقليلا من الخوف:

- هذا هو الحل المناسب. ولنا الليل كله لنفكر جيدا في الأمر. أما الآن انهَض وخُذ لك دشا باردا يريحك من التعب واستعد للعشاء. بعد ذلك، فالله المعين.