١

7 0 00

١

هناك على ضفاف نهر التاميز، في ليلة ادلهم ظلامها وتلبد الضباب في سمائها، كان نحو خمسين سفينة بخارية تسير ذهابًا وإيابًا في ذلك النهر العظيم، فتنقل الركاب من ضفة إلى ضفة.

وإن بينهما سفينة ازدحم فيها الناس، بين نساء ورجال وأولاد على اختلاف طبقاتهم، فكان معظمهم شاخصين بأبصارهم إلى امرأة بين ركاب السفينة، لا تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، ومعها غلام يبلغ عمره عشرة أعوام.

وقد اختلفت نظرات الناس إليهما، بين المعجب والمنذهل والمشفق؛ لأن ملابسهما كانت رثة تدل على الفقر، في حين أن مخائلهما كانت تدل على النبل والشهامة.

وكانت المرأة لابسة قبعة من القش وعلى كتفها شال قديم من نسيج القطن، وفي رجليها نعلان يدل تكدس الغبار عليهما أنها اجتازت مسافة شاسعة مشيًا على الأقدام.

أما الغلام فقد كان عاري الساقين إلى الركبتين، حاسر الرأس لا يستره غير شعر أشقر كثيف. وقد وشحته أمه وقاية له من البرد بوشاح يظهر أن أصل لونه كان أحمر وأزرق. ولكنه استحال لتقادم العهد به فصار أصفرَ سنجابيًّا.

أما الذي دعا ركاب السفينة إلى إطالة النظر إلى الغلام وأمه، فهو أن هذه الأم على فقر ملابسها، كانت فتنة للناظرين بما وهبها الله من الجمال، وكان أصدق وصف للغلام أنه كان ملاكًا لم ترسم مثل وجهه الصبوح أيدي أبرع المصورين.

وكانت المرأة بيضاء الوجه، قرمزية الشفتين، زرقاء العينين، سوداء الشعر. أما الغلام فكان أشقر الشعر، وله علامة غريبة يتميز بها، وهي خصلة حمراء دقيقة كانت تتسرب من شعره الأشقر إلى جبهته.

وكان الغلام وأمه ينظران بقلقٍ إلى تلك العيون المحدقة بهما، ولا يفهمان لها معنى، ثم يحولان أنظارهما عن الناس إلى ضفتي النهر؛ فيريان على أنوار المصابيح ما كانا يمران به من المنازل والحدائق والمحطات والجسور، فيظهر من اندهاشهما أنهما غريبان.

ولم يكن بين المسافرين من يعلم من أين قدما، لأنهما ركبا السفينة من محطة كرنويش وقد وصلا إليها ماشيين. فتنهدت الأم وأخذت كيسها وفيها نحو ثلاثة شلنات وبضع قطع من النقود النحاسية، فأخرجت منه بنسين ثمن التذكرتين، وأقامت في المحطة تنتظر قدوم السفينة وهي حاضنة ابنها.

ولم تكلم أحدًا مدة الانتظار حتى إذا وصلت السفينة إلى محطة أحواض الهند، سألت رجلًا بقربها: هل نحن في لندرا؟

وكان هذا الرجل بائع سمك، وهو أيكوسي فقال لها: نعم ولا؛ لأن لندرا لا نهاية لها كما يقول الإنكليز فإلى أين أنت ذاهبة؟

فترددت المرأة هنيهة ثم قالت له: إني ذاهبة إلى شارع يوجد فيه كنيسة تدعى سانت جيل، واسم هذا الشارع لورنس ستريت.

– إني أعرف هذا الشارع وهذه الكنيسة، فهي كنيسة كاثوليكية.

– نعم.

– ألعلك أرلندية؟

– نعم يا سيدي.

وكان هذا الرجل كريم الأخلاق، ولكنه كان كثير الكلام؛ فراق له الحديث مع هذه المرأة لما رآه من جمالها، وجعل يصف لها الطريق المؤدي إلى الكنيسة وصفًا مفصلًا دقيقًا حتى إذا انتهى من تفصيله قال لها: ألعلك ذاهبة يا سيدتي إلى أهل لك في تلك الناحية؟

– كلا، إني لا أعرف أحدًا من لندرا، ولكن قيل لي إنه يوجد في شارع لورنس رجل أرلندي يدعى بتريك سأقيم عنده أنا وابني.

– إن اسم بتريك كثير الشيوع بين الأرلنديين، وإذا كنت لا تعلمين عن هذا الأرلندي غير اسمه الأول، فإنه ستبيتين هذه الليلة دون مأوى.

فرفعت الأرلندية عينيها إلى السماء وقالت: إن الله رءوف كريم، ولا يتخلى عنا.

واستأنف الرجل الحديث فقال لها: إنك قادمة إلى لندرا لتشتغلي فيها دون شك.

– لا أعلم.

فاستغرب الرجل جوابها لا سيما حين رأى ملابسها الرثة، وقال لها: إن جميع الناس في لندرا يشتغلون ما خلا اللوردية.

– إني أتيت بمهمة أليس غدًا يوم ٢٧ أكتوبر؟

– نعم.

– إذن قد وجب علي أن أكون صباح غدٍ في كنيسة سانت جيل، وأن أقدم ولدي لكاهن تلك الكنيسة.

فقال لها الأيكوسي ببساطة: ولماذا تريدين تقديمه للكاهن، في يوم معين؟

– لأن أباه أوصاني بذلك قبل وفاته.

وكانت الأرلندية تحادث الأيكوسي، وهي غير مكترثة للناس الذين كانوا ينظرون إليها، وبينهم رجل من النبلاء وامرأة كانا ينظران إلى ولدها نظرات خاصة.

وعاد الأيكوسي إلى الحديث، وقد أعجبه أدب المرأة وأشفق عليها؛ لسلامة قلبها فقال لها: إن امرأتي يا سيدتي كريمة الأخلاق، فإذا أردت أن تبيتي الليلة عندنا مع ولدك استقبلتكما بملء الارتياح، وعند الصباح تذهبان إلى الكنيسة.

وكانت لهجة الأيكوسي تدل على المروءة الصادقة، والإخلاص الصحيح، غير أن المرأة رفضت دعوته شاكرة وقالت له: يجب علي أن أذهب إلى حيث أمرت أن أذهب.

وكانت السفينة قد وصلت إلى المحطة التي يسير فيها الأيكوسي إلى منزله، فقال لها: إذن أستودعك الله وأسأله أن يقيك شر المعتدين.

ثم انصرف وعادت السفينة إلى سيرها.

وكان الرجل النبيل والمرأة لا يزالان في السفينة. أما الرجل فكان ينظر إلى عيني الغلام ويقول في نفسه: ما أشبه هذه النظرات المتقدة بنظرات أدمون.

وأما المرأة فإنها انسلت كالأفعى، وجلست بجانب الأرلندية وابنها.