٢

8 0 00

٢

كانت هذه المرأة التي انسلت إلى الأرلندية، أشرفت على سن الكهولة، وهي زرقاء العينين، مصفرة الأسنان، رقيقة الشفتين، تدل ملامحها على الخبث والدهاء.

فدنت من الأرلندية فبدأت حديثها معها بالثناء على ولدها، والإعجاب بجماله، ثم استطردت من ذلك إلى تعريفها بنفسها. فأخبرتها أنها كاثوليكية تدعى مسز فانوش وأن مهنتها تربية الأطفال، وأنها تقيم في منزل قرب أكسفورد على مسافة خطوتين من سانت جيل.

فقالت لها الأرلندية: تقولين إنك كاثوليكية، ألعلك أرلندية؟

فاشمأزت المرأة في البدء ولكنها فطنت إلى أن كل غريب يأنس بقومه في غربته فقالت لها: إني لم أولد في أرلندا، ولكني أرلندية الأصل فقد كان جدي أرلنديًّا، فلما هاجرنا إلى لندرا بقينا على مذهب الكثلكة. وقد لقيت عناء شديدًا من زوجي — رحمه الله — فإنه كان بروتستانتيًّا، وكان يحاول إكراهي على تغيير مذهبي في كل حين.

ثم غيرت الحديث وقالت لها: أأنت ذاهبة إلى سانت جيل؟

– نعم يا سيدتي.

– ألعلك تعرفين أحدًا من الأرلنديين في تلك الجهة؟

– كلا يا سيدتي، ولكني مرسلة إلى شخص يدعى بتريك.

– في شارع لورنس أليس كذلك؟

– هو ما تقولين.

وكان بجانب مسز فانوش امرأة لا تقل عنها خبثًا كما تدل ظواهرها فتبودلت بينهما نظرة سرية لم ترها الأرلندية، فكتبت المرأة بسرعة اسم بتريك، وسانت جيل، ولورنس ستريت.

وعادت مسز فانوش إلى محادثة الأرلندية فقالت لها: ماذا عزمت أن تصنعي بغلامك الجميل، ألا تدخليه في مدرسة جامعة؟

فابتسمت الأرلندية ابتسام حزن وقالت: لا أعلم لأني فقيرة، وربما طال زمن فقري.

– إني أرى مخائل النجابة تلوح بين عيني ولدك، وإذا شئت أدخلته إلى مدرستي مجانًا لوجه الله، وأنا مربية أطفال كما قلت لك.

وكان الغلام يسرح نظره، خلال حديث تلك المرأة مع أمه، بالقصور التي كانت تمر بها السفينة.

فلما مل هذه المناظر، عاد إلى أمه وشاهد مسز فانوش؛ فشعر بعاطفة كره لها وقال لأمه: من هي هذه المرأة يا أماه؟

فابتدرته مسز فانوش بقطعة من الحلوى، أخرجتها من كيس مخملي كانت تحمله بيدها، وقالت له: إني يا بني أرلندية مثلك، فاقبل مني هذه الحلوى.

وكان الغلام جائعًا غير أنه رفض الحلوى على جوعه؛ لنفوره من هذه المرأة وتشاغل عنها بالنظر إلى مياه النهر.

وعادت فانوش إلى محادثة الأرلندية فقالت لها: إنك لا تعرفين شيئًا من لندرا أيتها العزيزة، فإني أعرف هذا الرجل الذي تدعينه بتريك. فهو إسكافي فقير، ستلقين عناء شديدًا في المبيت عنده، وربما لا تجدين في منزله قطعة من الخبز.

– لا بأس فسأشتري طعامًا إذ لا يزال معي بقية نقود.

– لقد قلت لك إني أقيم على قيد خطوتين من كنيسة سانت جيل، فإذا بت عندي هذه الليلة تبيتين على أحسن حال، ثم تذهبين في الصباح إلى الكنيسة. فأبيت قريرة العين بضيافة أرلندية مثلي.

ونظرت الأرلندية إلى ولدها كأنها تستطلع إلهام قلبه بالنظر، فانضم الغلام إلى أمه والتصق بها كما تتلاصق الطيور حين تشعر بدنو العاصفة، ثم قال لها بلهجة الخائف: لا تذهبي يا أماه إلى منزل هذه المرأة.

فقالت له فانوش: ليكن ما تريد يا بني.

ثم تبادلت نظرة سرية مع رفيقتها. أما الغلام فإنه أخذ يد أمه وقبلها بلهف كأنه شعر بأنه أنقذها من خطر عظيم.

ولقد تقدم لنا القول في الفصل الأول أنه كان يوجد بين ركاب السفينة رجل من النبلاء ينظر نظرات خاصة إلى الغلام وأمه.

وكان مستمرًّا على مراقبة الغلام، فلما رأى ما كان منه ومن فانوش، وعلم أن السفينة باتت قريبة من المحطة، نظر إلى ما حواليه فرأى بقربه رجلًا يناهز الخامسة والأربعين من عمره، تدل هيئته على أن جميع شقاء لندرا قد تجمع فيه.

وكان لابسًا بنطلونًا برزت منه ركبتاه، وقبعة لا إطار لها، وسترة تجمعت فيها ألوان الأرض والسماء لتقادم عهدها. ولكنه كان واقفًا في السفينة وقفة الشامخ المتعاظم، ولعله كان يفتخر بأنه لا يدانيه في الفقر أحد.

فدنا منه الرجل النبيل وقال له: إني أدعى اللورد بالمير، وأقيم في شستر ستريت فإذا وافقتني فيما أريد أعطيتك عشرة جنيهات.

فاضطرب الفقير إذ لم يملك في زمانه هذه القيمة وقال له: ألعلك تهزأ بي يا سيدي؟

– كلا، قل لي ماذا تدعى؟

– شوكنج.

– ومهنتك؟

– لا مهنة لي.

– ومن أين ترتزق؟

– من أبواب الصدفة.

– هو ذا الصدفة قد فتحت لك أبوابها اليوم فادخلها.

– بل أنت فتحت لي أبواب السعادة. فقل ماذا تريد أن أعمل؟

– أترى هذه المرأة الجالسة على المقعد مع ولدها؟

– نعم.

– أريد أن تتبعها متى نزلت من المركب حتى تدخل منزلًا لتبيت فيه؛ فتعود إليَّ وتخبرني عن موضع المنزل؛ فتكسب المال.

– هذا أمر سهل ميسور، فإذا قضيته أين أجدك؟

– تجدني في منزلي الذي أرشدتك إليه، فاحذر أن يغيب عنك أثرها.

وكانت مسز فانوش في ذلك الحين قد دنت من رفيقتها، وقالت لها: إنك تعلمين أن مسز إميلي سوف تطالب بولدها، ثم إنك تعلمين أيضًا أن ولدها قد مات. وهل كان يخطر لنا في بال أن الأمور تنقلب إلى هذا الحال إذ لا بد لنا من هذا الغلام.

– ولكن الأم ماذا نفعل بها؟

– إن ويلتون يتخلص منها.

وعند ذلك وصلت السفينة إلى المحطة، فخرج الناس منها وازدحمت بهم المحطة، وبينهم الأرلندية وابنها وهي لا تعلم كيف تسير.