٤

4 0 00

٤

وكأنما اتساع لندرا قد راعها حتى باتت تقبل بالمبيت عند أول إنسان يدعوها، وقد نسيت ما شعرت به من الكره لأول مرة رأت فيها فانوش في السفينة، ولم تذكر غير شيء واحد وهو أن ولدها تعب جائع.

فأسرعت فانوش إليها فتأبطت ذراعها، وأشارت إلى شوكنج أن يتبعها بالغلام فامتثل ومشى في أثرهما.

وكان منزل هذه المرأة قريبًا، وهو أجمل منازل هذا الشارع، فلما وصلوا إليه فتحت فانوش بابه بمفتاح كان معها، ودخلوا جميعًا فصعدوا سلمًا انتهو منه إلى ردهة متسعة، ودخلوا إلى غرفة مضاءة.

وكان في هذه الغرفة امرأة عجوز، وفتاتان صغيرتان، فقالت فانوش للعجوز: إني أتيت بامرأة فقيرة مع ولدها ليكونا في ضيافتي فأرجو يا عمتاه أن تعتني بهما خير اعتناء.

ونظرت العجوز إليها بسرور وارتياح، ورحبت بهما خير ترحيب وهي تقول: إن الضيف الفقير من عند الله.

ودنا شوكنج من الأرلندية فقال لها: إنك ستبيتين عند خير قوم — كما تبين لي — فاحمدي الله.

أما الأرلندية فإنها لما رأت أنها آمنة مطمئنة على ولدها، جعلت تبكي بكاء الفرح.

وأخذت فانوش بيدها وأجلستها قرب المستوقد وهي ترتعد من البرد، وطلبت من العجوز أن تعد الطعام.

ثم التفتت إلى الرجل وقالت له: إني لا أستطيع أن أبقيك في المنزل؛ إذ لا يبيت في منزلي رجال فاشرب هذه الكأس من الخمر، وخذ هذا الشلن مكافأة لك، والله يجزيك عن هذه المرأة وولدها خيرًا.

فشرب شوكنج الخمر وأخذ الشلن ثم انصرف وهو يقول في نفسه: لا شك أن هذا اليوم من أفضل أيامي، فقد شربت فيه خمرًا، وأمسيت وفي جيبي شلن، وعملت جميلًا مع أم وابنها، وإذا وفى اللورد بوعده، ولم يكن هازئًا بي فقد تمت سعادتي.

ثم حفظ في ذهنه رقم المنزل، وانصرف عائدًا إلى اللورد وهو يفكر بالعشرة جنيهات التي سيقبضها، ويهجس بسعادته الجديدة.

بينما كان شوكنج ذاهبًا إلى اللورد بالمير، كانت الأرلندية وولدها يتعشيان، وكانت دموع الشكر تهطل من أعينهما بين لقمة ولقمة.

وكانت الفتاتان الصغيرتان تأكلان معها، فدنت الفتاة الصغرى من الغلام وقالت له: ماذا تدعى؟

– رالف.

فعانقته مسرورة وقالت: إذن سنلعب سويًّا غدًا.

أما الفتاة الكبرى، فكانت تنظر إلى رالف وأمه، نظرات حزن وإشفاق.

ولما انتهوا من العشاء قالت فانوش للأرلندية: إنك تعبة دون شك فهلم إلى الغرفة التي أعددتها لك.

وقامت فمشت أمامها تحمل مصباحًا، فتبعتها الأرلندية ودنت الفتاة الكبرى من رالف فعانقته كما فعلت الفتاة الصغيرة، غير أنها اغتنمت فرصة ذهاب فانوش وقالت له همسًا: احذروا من أن تقيموا هنا.

فقال لها الغلام: لماذا؟

– لأنهم يضربونك كما يضربونا كل يوم.

وعند ذلك دخلت العجوز، وشاهدت الفتاة تحدث رالف فنظرت إليها نظرة منكرة اضطربت لها الفتاة، فانفصلت عن الغلام، وتبع أمه إلى الغرفة التي سارت إليها.

وهناك قالت فانوش للأرلندية: ألم تقولي لي أنك تودين الذهاب غدًا إلى سانت جيل؟

– نعم.

– في أية ساعة؟

– يجب أن أكون في الكنيسة مع ولدي عند الساعة ٨.

– إذن أستودعك الله وسنوقظك في الساعة ٧.

ثم تركتها وانصرفت، فأقبل الغلام إلى أمه وبين عينيه دلائل الحذر، وقال لها: أنقيم هنا وقتًا طويلًا يا أماه؟

– كلا سوف نبرح هذا المنزل غدًا.

– لماذا لا نذهب الآن؟

– لأن ذلك مستحيل يا بني.

فسكت الغلام ولكنه عاد إلى الحديث حينما كانت أمه تخلع عنه ملابسه، فقال لها بصوت خفيض: إني خائف يا أماه.

– لماذا أنت خائف وممن تخاف؟

– إن الفتاة الكبرى قالت لي لا يجب أن تقيموا هنا؛ لأن هؤلاء النساء يضربونك كما يضربونا.

فقالت له أمه بصوت المؤنب: ألست أنا معك يا بني. فكيف يضربونك وأنا بقربك؟

فسكن خوفه وقال: إذن نبيت هذه الليلة ولكن أتعديني أن نخرج غدًا من هذا المنزل؟

– دون شك.

وقبلها الغلام وصعد إلى سريره، ولم تمر به بضع دقائق حتى نام نومًا عميقًا.

أما الأرلندية فإنها ركعت قرب سريرها، وجعلت تصلي وتشكر الله لإحسانه إليها.

وفيما هي تصلي شعرت فجأة بأن حرارة شديدة قد دبت إليها، ثم أحست بدوار رأسها عقبه انحلال أعضائها، وانطباق أجفانها.

فحسبت أن ذلك على أثر ما لقيته من مشقة السير، ولكنها حاولت أن تفتح عينيها فلم تستطع، وأرادت أن تصيح مستغيثة فاختنق صوتها، ولم تستطع أن تتفوه بحرف.

وبعد جهاد غير طويل، فقدت رشادها، وسقطت على الأرض لا تعي.

وعند ذلك فتح باب الغرفة، ودخلت منه مسز فانوش، ودخل في أثرها رجل قبيح الهيئة رث الملابس.