١
كان كثير من المدعوين جالسين قرب منتصف الليل حول مائدة وضعت فوقها أقداح الشاي، وهم يتحدثون ويتسامرون منذ الساعة التاسعة في منزل الكونتس أرتوف.
وليست الكونتس أرتوف إلا تلك التائبة الحسناء التي كانت تدعى باكارا قبل أن يطهر الحب الصحيح نفسها من أدران الفساد، فتابت توبة صادقة وباتت ضالة الفقراء ومحط رجاء كل بائس مسكين.
إلى أن أراد الله مكافأتها عن توبتها الصادقة فلقيها الكونت أرتوف وهي في نضارة الشباب، وقد بلغ من الثروة والنبل ما لم يبلغه سواه فتزوج بها وذلك منذ أحد عشر عامًا كما يذكر قراء الأجزاء السابقة.
ولكن ما لقيته باكارا مع زوجها من الهناء والنعيم زاد نضارة شبابها، ومد في عمر جمالها، فكان من يراها يحسب أنها في الثامنة والعشرين من عمرها وهي قد بلغت الأربعين.
فكانت تفتح قاعاتها لفتيات باريس الحسان، وهي لا تخشى أن تكسف تلك النجوم شمس جمالها الباهر فإن الجميلات كن يحشرن تحت لوائها.
وكان جالسًا بجانبها تلك الليلة فتاة جميلة شقراء، وهي الكونتس فاسيليكا وأسرنوف؛ تلك المرأة المنتقمة الجبارة التي انقلب حبها لابن عمها إيفان بونتيف إلى بغض شديد وحقد عجيب بحيث باتت لا يهنأ لها بال إلا بعد أن تدرك بغيتها من الانتقام.
وفي جملة الذين كانوا حاضرين في تلك الحفلة على كثرتهم الكونت كوروف وهو الذي وعدته فاسيليكا بالزواج بعد يأسها من إيفان، ثم ثلاثة أو أربعة من أصدقاء باكارا القدماء بينهم الفيكونت فابيان دي أسمول زوج بلانش دي شمري تلك الفتاة الطاهرة التي كان يدعوها روكامبول زمنًا بعيدًا أخته، حين كان يلقب نفسه المركيز دي شمري كما تقدم في روايتي الغادة الإسبانية وانتقام باكارا.
كان الحديث دائرًا عن إيفان بونتيف …
قالت فاسيليكا: إنه مجنون وا أسفاه وهو وحيد أبيه ولا يزال في مقتبل الشباب.
فقالت باكارا: أأنت واثقة من جنونه؟
– كل الثقة، ولم يبق مجال للريب فإن تلك الفتاة التي يهواها ويدعوها مدلين لا وجود لها إلا في مخيلته.
فنظرت باكارا إليها نظرة شك وقالت: ألا تظنين أنك منخدعة؟
ثم أسرعت بالاستطراد قبل أن تدع لها وقتًا للجواب، فقالت: وهذا البارون دي مورليكس الذي لم يكن يفارق ابن عمك عندما عاد به إلى فرنسا، فإني لم أره منذ حين.
– وأنا أيضًا لم أره منذ عهد بعيد.
ثم نظرت فاسيليكا إلى باكارا نظرة خفية ملؤها الضغينة؛ لأنها خشيت أن تكون أدركت شيئًا من أسرار قلبها.
وعند ذلك انقطع الحديث عن إيفان الذي كان لا يزال سجينًا في منزل الدكتور أليوت طبيب المجانين؛ لأن الأنظار قد اتجهت إلى زائر جديد دخل إلى القاعة فقطع ذلك الحديث القديم.
وكان هذا الزائر شابًّا يبلغ الثامنة والعشرين من عمره وهو من رجال المحاماة، ولكنه كان يمتهن هذه الحرفة لشغفه بها لا للكسب منها؛ لأنه كان من الأغنياء، فكان يدافع عن كل ما يسأل الدفاع دون أجرة، وفي الليل يزور منازل أصحابه فيروي لهم جميع ما يراه في نهاره من غرائب الدعاوى فيعجبون بأحاديثه لفصاحة لهجته وزلاقة لسانه.
فلما دخل إلى القاعة واتجهت إليه الأنظار قال لهم: أتعلمون ماذا حدث؟ وقال بعض الحاضرين وقد بدت عليهم ملامح الاهتمام: ماذا جرى؟
– لقد قبضوا على روكامبول.
فاضطربت باكارا ونظرت نظرة أسف إلى الفيكونت فابيان.
وسألت فاسيليكا قائلة: من هو روكامبول هذا؟
فأجابها المحامي: إنه رجل تكتنفه الأسرار وقد كثر الحديث عنه منذ بضعة أعوام، فإنه كان رئيس عصابة شديدة فعلت كثيرًا من المنكرات في باريس.
– ولكن اسمه جميل.
– وهو جميل أيضًا، وقد ظهر أنه أقام في سجن طولون ستة أعوام ثم يظهر أنه احتاج يومًا إلى الهواء الطلق فترك السجن.
وقالت فاسيليكا: إذن قص علينا حكاية هذا الرجل فإنها لطيفة كما يبدو من مقدماتها.
– إني سأقصها عليك بملء الرضى.
وقد قال ذلك وهو لا يدري أنه سيتكلم عن رجل عرفه كثير من الحاضرين حق العرفان.
أما فاسيليكا فقد سرها من جميع ذلك الحديث عن روكامبول أنه أراحها من عناء الحديث عن ابن عمها إيفان.
وعاد المحامي إلى الحديث فتدفق في كلامه تدفق السيل، وجعل يقص على الحاضرين حكاية روكامبول كما يعرفها: أي كما هي شائعة على الألسن.
ولكن الذي لم يعرفه من أمره ولم تكن تعرفه المحاكم أن رئيس تلك العصابة الهائلة القديمة، وذلك الهارب من سجن طولون، كان يدعى في باريس قبل سجنه، المركيز دي شمري.
وتنفست باكارا وفابيان تنفس المتفرج بعد أن فرغ المحامي من حكايته، وعلما أنه لا يعلم شيئًا من حقيقة أمر روكامبول، ونظر كلاهما إلى الآخر نظرة تشف عن الاطمئنان.
وعادت فاسيليكا إلى سؤال المحامي وقالت: أحقًّا أن هذا الرجل هرب من السجن؟
– ذلك لا ريب فيه فإنه هرب بطريقة عجيبة، ثم قص على الحاضرين كيف هرب روكامبول على ما قرأه في جريدة المحاكم منذ ثمانية أشهر.
ولما انتهى من رواية الجريدة قال: أما هذا الرجل فإنه لم يفر وحده بل هرب معه ثلاثة، ولم يهرب بطريق البر كما يفعل سواه من المسجونين، بل إنه بطريق البحر على سفينة استولى عليها.
وكان البحر هائجًا هياجًا عظيمًا حين فراره في تلك الليلة المدلهمة، حتى إنه أشيع في اليوم الثاني أن المجرمين هربوا من السجن فغرقوا بالبحر، وظل هذا الاعتقاد سائدًا على الناس ستة أشهر.
– وبعد هذه المدة، ألعلهم وقفوا على آثار روكامبول؟
– نعم يا سيدتي.
– وكيف ذلك؟
– ذلك أنه منذ ستة أسابيع حدثت سرقة مائة ألف فرنك في منزل تعرفون صاحبه جميعكم.
– من هو هذا الرجل؟
– الفيكونت كارل دي مورليكس.
فابتسمت باكارا ابتسام الاحتقار.
وقالت فاسيليكا: ومن الذي اتهم بهذه السرقة؟ أليس هو روكامبول؟
– هو بعينه.
– إذن فهو لم يسرق؟
– كلا، وقد ثبت أنه هو السارق.
– فاعترضته باكارا وقالت: إني أعجب أيها الصديق كيف تتحدث بمثل هذه الخرافات.
– أية خرافات تعنين؟
– هذه السرقة التي تنسبها لروكامبول.
– ولكن اسمه قد ذكر في المحكمة.
– إنك لو كنت تعرف روكامبول حق المعرفة لما صدقت أمر هذه السرقة، فإنه لا يتدانى إلى سرقة مثل هذا المبلغ الحقير بالقياس إلى علو نفسه وشدة مطامعه.
– إذن أنت تعرفينه؟
– ربما، بل إني قد أستطيع أن أحدثكم عنه بأمور كثيرة، والآن أرجوك أن تتم حديثك عنه فإننا مصغون إليك.