الفصل الأول

5 0 00

الفصل الأول

أجـل ّّ كتاب قرأته في السجن ـ بعد القرآن ـ أثناء محكوميتي وأصدقه في تصوير حالي هو كتاب البؤساء لفيكتور هيغو ، قرأته خمس مرات ، في كل عام مرة تقريبا ، في كل مرة أتوهم فيه أني أنا هو جان فلجان بطل هذا الكتاب ، ومصيره هو مصيري، مع فارق جوهري ، وهو أن جان فلجان ارتكب جرائمه من حيث أراد أن يسدي الجميل ويقوم بعمل البر والخير والإحسان في سبيل المقهورين.. أما أنا فقد عوقبت عن جريمة لم أرتكبها أصلا ، أو بتعبير أدق عن فعل لم أعترف قط بأنه فعل يصنف في خانة الإجرام ..أن تبيت مع امرأة ، وبدعوة منها ، وحتى ومن غير إجراء أي تحقيق خبرة فيما دار بينك وبين تلك المرأة.. كان الاتهام قائما على المقولة المأثورة :لا يجتمع رجل إلى امرأة إلا ويكون ثالثهما الشيطان..

رفضت بصفة قطعية تكليف محام للدفاع عني ، لقد بدا لي أن التهمة هيِّنة وسخيفة من أساسها ، فإذا كنا نعيش في مجتمع يحتكم إلى القوانين المدنية فلا جريمة هناك . وإذا كنا نحيا في بيئة دينية ، فللشريعة أيضا مقتضيات .. ومهما كان الأمر ، فإن أركان الجريمة حين ترتكب ، تتطلب من القضاة الجادين وفق الشريعة أن يأتوا بالبراهين الدامغة.. بأربعة شهداء أو بالقرائن المتأتية من الخبرة العلمية..أن يحاكم امرؤ على فعل لم يثبت ، أو على الأقل لا يلحق الضرر بأحد ، وقد يحقق سعادة بكيفية ما، لفرد أو فردين من أفراد المجتمع دون أن يتأذى أحد بلقائهما ، مثل هذه المحاكمة هي الجرم في ذاته .. سيقال فورا هذا دفاع بائس ومخز عن إبليس راعي الزنى والزناة..إن مِدية المجتمع عندنا حادة..

كانت الحيثيات التي استند إليها القضاة أثناء محاكمتي واهية لا تصمد أمام العقل، لكن أين هو العقل في مجتمع تحكمه خارقات الأوهام ، وترهات عبثية مع محيطه الطبيعي؟.. وتتحكم في سلوكه وقائع الحياة اليومية الانفعالية الآنية التي لا تلبث أن تذهب مع الزبد؟.. هل كان سبب الحكم بإدانتي مصرع أخي عزوز .. هل كنت السبب في مصرع أخي عزوز حقا ؟..آه يا عزوز.. يا أخي الكريم المفدى.. كم كنتَ قاسيا على نفسك عندما خرجت في تلك العاصفة القاتلة تسعى ورائي كي لا أجتمع بحياة .. لتمنع لقائي بحياة ؟. كم كنت ناصع الذيل ، ناصع اليد ، ناصع القلب واللسان ، صريحا كالسيف ، كتوما كأقفال الصقيع في القطب المتجمد .. ولكن ماذا جنيت من طهرك الملائكي غير أن الكلاب نتشت جثمانك الطهور، ونهشته في غسق الليل المطير، بعد أن جندلك غصن اللوزة الصاعق أو صرعتك رصاصات غادرة مواربة؟..

كلما تذكرت مصرعك العاتي ، فاض الدمع من عيني وشرد بلا إرادة مني ، لم يا أخي أردت أن تقف سدا في مجرى الحياة؟. قد أكون السبب غير المباشر في مصرعك، ولكن السبب المباشر والدقيق فيك.. في داخلك أنت بالذات.. لم قتلوك؟.. لكنهم أصروا على أن مصرعك كان بسببي .. لقد اقتفيت أثري .. وجدوا جثمانك الذي مزقته الكلاب المسعورة عند أقـدام جريمتي الحالقة ، المزعومة أو الفعلية لا يهم .. مؤسسات المجتمع عليها أن تحكم وفق قواعد من اليقين لا الظن ولا التخمين ..العـلاقة غير الشرعية بحياة والاتصال بها بقصد اقتراف المحرمات ؛ جريمة الزنى المتخيلة ، أقول المتخيلة لأنْ لا دليل، ولا أنفي التهمة في ذاتها.. ومتى ؟.. عشية دفـن أخت.. اقتراف جريمة الزنى في ليلة مأتمية .. هذه الحيثية وحدها كافية لتجريمي والحكم علي بتلك السنين العجاف من الحبس ..

ليس هذا فحسب ، ولكن أين كانت زوجك نوارة ساعـــة ارتكابك لجريمتك غير الأخلاقية المنافية لكل رجولة وشهامة وعـرف؟.. كانت في عيادة الولادة فاقدة لوعيها من جراء العملية القيـصرية التي أجريت لها لإنقاذ روحها من هلاك محقق .. أنت تعلم أن ولادتها عسيرة ، وكان ينبغي لك أن ترابط لدى باب غرفة العمليات ، تستقصي أخبارها ، وتتابع بلهفة وحرص مراحل وضعها لو كنت حقا زوجا مسؤولا مثل ســائر الأزواج .. لكنك أنت كنت فظا ، قاسي الطبع ،غليظ القلب ،لا تستحق السجن مع الأشغال الشاقة فحسب ، بل تستحق الإعدام شنقا..

هذه بعض التهم التي كان وكيل النيابة يعصف بها في وجهي ، ويسوقها تسويغا لما سيقترحه من عقوبة في حماس مصطنع فياض، كما لو كان العفاف إلهه ، أو إحقاق الحق دينه ، أو نزاهة القضاء ديدنه ، إذن لكنت رضخت واعترفت ، فالحق أحق أن يتبع .. لكن أمارات الشر السبع كانت بادية على وجهه الحالك الناقم ، وهو والعدل في طلاق بائن ..إنه إذا استندنا إلى سيماه المكفهر مجرد مجرم ، وهو الأولى بالمحاكمة!..

في قاعة المحكمة ، رأيت والدي مشدوها ، وكأني به حيران لا يدري ما الموقف الذي عليه أن يقفه إزائي.. هل يجرمني أم يبرؤني.. بعد أن هدّأت الأيام أعصابه .. كم كان مهتاجا في تلك الصبيحة التعيسة الباكرة عندما أخرجني رجال الدرك من قصر حياة كالفأر في شدق هرّ ، ووضعوا القيد الحديدي في يديّ!.. كان لحظتها يريد أن يلحقني خنقا بأخويّ الفقيدين ؛ عزوز وعلجية ..

".. أتركوني له .. خلوا سبيلي .. دعوني أروي غليلي من هذه الحشرة ، من هذا الفاجر ،هذا الوغد، هذا الكلب الوالغ في الدم.. أفي مأتم أخـته يكون هذا؟.."

لكن أيدي رجال الدرك كانت أقوى منه ، وهي تصده عني بقسوة .. وفي محاولة لإخماد ثورته المندلعة كانوا يطمئنونه بعبارات مواسية خاوية لا معنى لها في الحقيقة:

" .. ستأخذ العدالة مجراها .. لا عليك يا حاج .. لا عليك.."

هل كان والدي يريد أن يقتص مني ويقتلني حقا ؟.. بل هل كان يريد أن يزج بي في السجن كل هذه السنوات؟.. هذا ما لا أظن.. بدليل أنه بعد فترة من الثورة الصاخبة عليّ، اتجه إلى القدر يحتج في قسوة وفظاظة ربما أخرجته في تلك اللحظات من الملة ، وهو الرجل المشهود له بورعه وتقواه:

" اللعنة أيها القضاء الغاشم.. اللعنة لهذا المكتوب الذي لم يقع على غيري .. ثلاثة أبناء يا ربي يذهبون في طرفة عين؟!.. ماذا جنت يدي حتى أعاقب كل هذا العقاب الفادح الوخيم يا ربي!..يا ألله يا ألله؟!.."

كانت مأساة حقيقية..

*********

توقفت الحافلة ، صاح القابض في لهجة معتادة رتيبة كما يفعل في كل محطة وموقف ".. شعبة الزيتون.. شعبة الزيتون.." اختفى اسم بال فيريار الكولونيالي أخيرا عن القرية .. استيقظت من غفوتي على صيحات القابض،إذ لم أكد أنم البارحة في ذلك الحمام الشعبي الذي يزكم الأنوف والصدور بأوضار الرطوبة والعفن ، فضلا عن وخزات الصراصير كلما انطفأ النور ، ثم هزيم الشخير غير المحتمل الذي كان يصدر من أحد النزلاء كالمنشار ..كان عنبر الحبس أرحم من عنبر الحمام بدرجات..

المحطة نفسها ، الوقت نفسه تقريبا أمام ثكنة الدرك الوطني سابقا ..

اليوم الجمعة 31مارس1987 الساعة السادسة صباحا ..

كان ذلك منذ سبع سنوات ونيف ، أي منذ ألفين وخمسمائة وست وخمسين يوما بالتحديد.. الفارق الوحيد أنني يومئذ نزلت بشعبة الزيتون مستطلعا ومتفقدا وضيفا مرغوبا في مقدمي ومحتفلا بي .. أما اليوم فشعبة الزيتون سوف تستقبلني بنظرات ملؤها الاستغراب والاستهجان والاحتقار والاستخفاف ، أو هذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال على الأقل.. عودة الابن الضال؟ .. لا بل خروج الابن الضال من السجن ..ألا ما أقساك أيتها الليالي تحت أسوار الوحدة والاعتزال عن الدنيا في السجن !..ما أطولك وما أشد ما يكون الوقت فيك سرمديا وعاتيا ..في السجن قد يتحول الجدار الأصم إلى صديق تبثه أشجانك وشكاويك..

بأي وجه يمكن أن أقابل والدتي؟.. إخوتي؟.. أهلي .. نوارة المطلقة؟.. وابني ّ اللذين لابد أن يكونا قد نسياني ؛ صخر وشهيرة .. هل أطمع في رؤيتهما؟.. ترى أتكون نوارة طليقتي تزوجت ؟. طبعا ، إن حادثة الليلة المرعبة وما تم تصويره من مبالغات ومهاترات في علاقتي بحياة في تلك الليلة ، لابد أن يكون قد عمل في مخيلتها الجموح ألف صورة وصورة عن معاني الخيانة الزوجية . أُشربَ الناس على حب الخوض في أعراض الغير وفي الفضائح ما دامت لا تمسهم ، ولا بد أن تكون علاقتي بحياة في تلك الليلة المتفردة المهولة من فضائح العصر التي سارت بها الركبان ولهجت بذكرها الألسن!.. من يفهم أو يتفهم أن حياة بالنسبة لي ليست مجرد امرأة ، بل هي سر الطفولة والبراءة ، وهي كينونة وجود غيبية وسرمدية غير قابلة للفهم والإفهام..

سالت خطاي الرخوة عبر الشارع بلا أية رغبة ، وبالتحديد أنا نفسي لا أعرف مقصدا معينا أقصده أو غاية أرجوها من هذا السير التائه ..فأنا أسير منحدرا مع هذا الشارع في ضيق ويأس . إن رائحة دخان الحافلة ، وبالأحرى رائحة المازوت السامة تملأ فمي ومنخريّ وصدري .. ويكاد القيء يغلبني . إني أشعر بالغثيان في شدة..

لم ينزل معي من الحافلة المتهالكة غير عجوز شمطاء ملتحفة في ملاءة سوداء كالبومة ، تجر بيد معروقة صبيا قبيح الهيئة ، ما يفتأ يلحس بلسانه مخاطه السائل من أنفه المحمر.. شفتاه مزرقتان بردا وقرّا ، كان يطرد دموع أسى الصقيع والبؤس من عينيه بكمّ قميص ممزق حائل اللون، بينما تزعق فيه العجوز الجهنمية تستحثه المشي بلهجة برمة ، تعبر عن بغض غير مكتوم ، وكراهية بلا حدود ولا راد لها:

ـ أمش، مشى بوالدك البرص والطاعون!..

ولد يبدو في نحو عشر سنوات ..أي في مثل سن ولدي صخر تقريبا .. ترى لماذا تصب عليه جام غضبها؟..بالتأكيد ليس ولدها.. جلت بناظري أتعرف على المعالم .. تغيرت شعبة الزيتون ..حوّل مقر البلدية الموروث عن العهد الاستعماري إلى مقر للدائرة، وعلى الرصيف المقابل شيد للبلدية مقر مشوه أقرب إلى السجن ، بما أحيط به من جـُدر خرسانية بشعة ، وسياجات معدنية مقرفة .. اكتمل بناء المسجد الجديد سلمان الفارسي ، واشرأبت أخيرا منارتاه نحو عنان السماء تناطحان السحاب. وازينت أقواسه وحناياه بزخارف فاقعة من آي الذكر الحكيم من مثل : لا غالب إلا الله، وآية الكرسي، وبعض أسماء الله الحسنى ، دون نسيان مضارعة لفظ الجلالة ومقابلته باسم النبي الكريم .. مضارعة قد تجافي عقيدة التوحيد ، ومقابلة ربما تنافي الصمدية المطلقة ،أليس في ذلك شرك؟.. ما يهم أن كل ذلك دبج في خطوط متباينة الأنواع ، من الثلثي الوقور ، إلى الديواني الغامض ، إلى الفارسي المنساب ،إلى الكوفي المتكبر..

وغاب الخط المغربي الذي كان يجب أن يكون الخط المهيمن على جدران مساجدنا، ليبرز مساهمة أجدادنا في بناء الحضارة ..إن الخطاط الذي نقش هذه الآيات ،لا مشاحة أنه كان يشبع رغبة فنية في نفسه أكثر مما كان يتفطن للمعاني التي تحملها هذه الآيات والأيقونات ، بدليل اختياره للنصوص والكلمات التي يكثر فيها حرف الألف واللام..

الرياء.. أقر بيني وبين نفسي بأني من كبار المرائين أحيانا ، كان السجناء الأميون وأشباه الأميين يستفتونني في شتى الأمور الدينية ، رغم وجود موظف رسمي مأجور ومعين لهذا الغرض .. يقولون عني في السجن بأني مستقيم وخير من يصلح للوعظ والإفتاء ، لأن الفقيه الموظف يتشدد في مواعظه وفي أحكام فتاويه ، ويبالغ في وصف العقاب يوم الحساب.. وكأنه يضاعف العقاب لناس هم أصلا معاقبون، وهم إذ يطلبون الفتوى ، إنما يطلبونها طمعا في التوبة وللتخفيف من وخز الضمير، وتحمل العقاب المسلط عليهم..

نعم إنهم رغم علمهم وإلمامهم بشطر من الجريرة التي بها سجنت ، وهي الزنى في ليلة مأتمية.. وهو أمر تتقزز منه النفوس الكريمة دون أدنى شك .. كانوا يطلبون منى الفتاوى لأن طوايا نفوسهم ألهمتهم بأني ، أنا زميلهم المأزوم ، خير من يفهم مشاكلهم النفسية العالقة..

صحيح ..أنا لم أعترف يوما بجريرتي كما يصفون ، ولا حياة ابنة خالتي استنطقت أو اعترفت، لكن الحكم بني على تهمة ظنية لا أكثر .. ما اجتمع رجل إلى امرأة إلا وكان ثالثهما الشيطان.. وكان مصرع أخي عزوز هو الشاهد الأكبر لدى القضاة.. لم يبق أمامي غير الرياء فهو السلاح الماكر ، الذي أناجز به هذا المجتمع الفاجر في الظلام ، والمكبوت تحت النور .. لا ينضح الإناء إلا بما فيه ، لماذا لم يتصور قضاتي مثلا بأن ذهابي إلى حياة في حالكات تلك الليلة ، إنما كان لسبب وظيفتها في المستشفى باعتبارها ممرضة ، وأنني ما ذهبت إليها إلا لاستنهاضها لرعاية أوفر وأوفى لزوجتي نوارة في المستشفى .. كيف لم يتبادر لأذهانهم مثل هذا المعنى النبيل أبدا؟..

أنا لست بصدد الاعتراف أو عدمه عما ساقني لقصر حياة ، وقد شملني ربي الرحيم بستره ، وأودع في فؤادي سري ، تماما كما أنمى في رحم حياة شتات برق نيازكه التي فلتت هاربة من بين الصلب والترائب في زمن الارتجافة السرمدية القابسة لشواظ من أنوار زمن الغيب .. إنما أتساءل عن دوافع قضاتي في تجريمي، هل هي خبرتهم بالحياة ؟. إذا كان الأمر كذلك ، فلا بد أن يكونوا هم أنفسهم قد مارسوا ما اتهموني به ، وبالضرورة فهم يستحقون الحكم نفسه الذي أصدروه في حقي .. العدالة ـ سواء تعلقت بالأفراد أم بالجماعات أم بالشعوب والأمم ـ هي مهزلة تاريخ البشرية كلها..

درست التاريخ وتعلمت منه شيئا واحدا ، وهو أن كل قضية في مبدإ منشئها الجنيني تكون شفافة عادلة ، فيضطهد أصحابها ، ويتعرضون لكل ألوان الخسف والظلم والتنكيل ، حتى إذا انتصرت وسادت ، تنكر أصحابها لمبدئها الأول الطاهر، ومنشئها القدسي، ولبسوا لبوس جلادي الأمس ، الذين كانوا يسومونهم سوء العذاب، وقد تراجع وجعهم الأول الذاهب أمام نعيمهم القائم ..

في نواة كل قضية عادلة تنشأ جرثومة العدوان والانتقام ، لذلك ليس ثمة عدالة مطلقة في هذا العالم، وليس هناك مبادئ ثابتة، وإنما هناك تنازع دائم ، ورؤى ومنافع ما تفتأ تتغير وتتحول لا أكثر..الكل يلهج بمبادئ مزعومة ويعمل بما يناقض تلك المبادئ عندما تتناقض المنافع، ويمارس الرياء على نطاق شامل لا يكاد يستثني أحدا، لكن لا أحد يعترف بأنه يرائي ويخادع.. أنا أعترف بأني المرائي الغشاش حتى النخاع في مواقف معينة مثل غيري من الناس ، لكني لا أملك الشجاعة الكافية لإعلان ذلك على الملإ ، خشية تعرض مصالحي الأنانية لمخاطر غير متوقعة..

لذلك ، فليبق هذا الاعتراف الجبان بيني وبين نفسي .. الناس في هذا الزمان لا يرحمون أولي النيات الطيبة ، ولا يؤمنون بوجود ذلك العصفور الفردوسي الذي ينثر الخير ويصدح بأعذب الألحان ، ويبشر بأرقى المبادئ . وإذا بدا أنهم آمنوا، فلأجل قضاء مآرب آنية مريبة..العدالة هي المطلب الذي لم يتحقق قط في مسار الحياة البشرية كله..اللهم إذا اعتبرنا سيادة القوة هي القانون الذي يحقق العدالة..

بعض رذاذ خفيف.. هذا أفضل ، سيذيب الصقيع الذي سمّر الطين ، وجمد الأوحال ، وكلس الماء ، وأخرج البخار الحار من مناخير المارة..

وضعت الحقيبة من علا رقبتي ، واحتميت بسقيفة خالية لمحل الخضر والفواكه ، أخرجت كيس الشمة ، بالكاد جمعت في كفي رفعة ، أخذتها بالسبابة والإبهام ورميت بها في حنكي .. ما أمرها وما أحرها !.. لكن بم أخفف على صدري هذا الكلكل الجاثم من الهموم لولا الشمة؟..لم أكن قبل السجن أشم أو أدخن. في السجن صرت مدمنا على الشمة .. أبو بكر السوفي علمني أن أشم الدخان .. كان من مبادئه، أن المرء بلا خصلة ، هو مجرد رأس بصلة .. رجل تجاوز الأربعين، سيق إلى السجن بسائق أنه ارتكب فاحشة تعد من الكبائر.. ارتكب فعلا مخلا بالحياء في محله التجاري على قاصر ذكر ، قام باحتجازه لأيام يغذيه من فمه بالطعام مقابل الفعل الدنيء الذي تقبله القاصر على مضض بدافع الحاجة ، عملية فداها عشر سنين حبسا مغلقا .. صاح فيه يوما في صف الحساء علي أبوالكذاب المحكوم عليه هو الآخر في قضية سرقة المواشي:

".. أراك حقيرا.. محلك التجاري ، إن كان كما تدعي ، يغنيك لتستولي كل يوم على تسع وتسعين نعجة من نعاج سيدنا داوود.. لمَ رغبت عن ذلك ، ورحت تتلطخ بعذرات الصبيان؟!..

قال السوفي:

ـ ولماذا يا أبله لم يكتف ولم يقنع سيدنا داوود بتسع وتسعين ، وطمع في نعجة أخيه؟.. ولم يصبر عليها حتى أخذها عنوة وبالقهر والسلطة؟..

ـ يا خبيث تقارن نفسك المنحطة، وأنت من قوم لوط ، بالنبي سيدنا داوود عليه السلام؟.. ومن أدراك أن النعاج هن النساء؟..

ـ أنت أخبث.. ورائحة التيوس مازالت تنبعث منك!.. لقد أصبتَ من طراد النعاج حتى أتخمت ..ما دفع سيدنا داوود إلى الاستيلاء عن تلك النعجة هو تميزها وتفردها، وذلك ما دفعني أن أبحث عن سلعة غير متداولة في سوق النعاج..

وقهقه صف المحبوسين في انتظار الدور لملء أوعية الحساء وهم يلعنون فقهه المنحرف.."

وحتى لا تتخذ آيات الله هزؤا في هذا المجتمع البائس المحروم ، قلت مفسرا :

ـ الحكمة في الآية هي وجوب الخضوع للحق وإقامة العدالة حتى على النفس، والنعاج المائة مجرد مثال.."

تحول الرذاذ بعد لحظات إلى وابل جارف .. مصحوب بقصف الرعد المباغت. لحسن حظي ، كانت سقيفة الخضار تحمي جذعي كله من حبات المطر الغزير ، لكن السيل في الطريق قد راح يتشكل فوق الإسفلت بسرعة .. ماذا لو يستمر هذا المطر الوابل؟. لمع البرق وانبهر حولي الكون كله ، وزمجر الرعد ، وتهاطل المطر وابلا، لا يبقي ولا يذر، وأطبقت السماء على الأرض ، وزحف السيل عبر الشارع متدافعا يتلوى كالأفعوان..إذ لم يكن الشارع مجهزا بقنوات صرف مياه الأمطار..

واختفى المارة ، إلا أن شبح العجوز الجارّة للصبي تراءى من بعيد ..ما أتعسها وما أشقى الصبي!.. لابد أن يكونا قد استحما بهذا الحمام الشتوي المجاني البارد . العجوز مازالت تردد شتيمتها الأبدية:

ـ أمش ِ ، مشى بأبيك البرص والطاعون.."

كانا يتخبطان فويق الرصيف الضيق بمحاذاة المحلات يحاولان الاحتماء بجدرانها وسقوفها الناتئة من المطر العاصف دون فائدة ، إذ تنصب مياه السقوف مآزيب جارية على رأسيهما .. وصحت رغما عني، وقد رق قلبي للصبي :

ـ يا خالة.. تعاليا للاحتماء هنا تحت السقيفة حتى تتوقف العاصفة..

ـ ماذا يفيدنا الاحتماء يا هذا ، وقد تبللنا واستحممنا وانتهى الأمر كما ترى..

قالت راجفة ، وهي مع ذلك تهرع مسرعة الخطى نحو السقيفة مرغمة .. أرسلت تنهدات قاسية متتالية ، بينما كانت أسنان الصبي تصطك منتظمة مع الوابل الهطل في سيمفونية مؤلمة، وكانت عيناه ممتلئتين دمعا لا أدري إن كان دمع برد ، أم دمع ألم ، أم دمع قرّ ٍ وألم معا..

تأملت وجهه ، أحسست كما لو أن فيه أمارات أعرفها . يبدو أني أعرف هذا الصبي ، أم هو مجرد وهم؟..سألته: " هل تبللت ثيابك تماما؟.."

مسح بظاهر كفه الدموع ، وحرك رأسه ببطء إلى أسفل وإلى أعلى مرتين إشارة أن ملابسه مبتلة تماما ، وكأنما عجز عن الكلام فرد بالحركة.. "

سبع سنوات في السجن. ماذا لو يكون هذا الصبي هو صخر ابني؟.. لا ، صخر سيكون أكبر؟.. وسرح بي الخيال بعيدا ، ترى من تكون هذه العجوز إذن ، إذا كان هذا الصبي هو صخر؟. الحماة الجديدة لنوارة؟. أتكون تزوجت ومن أفقر الفقراء؟.. إن من أضاع نسله وشرد أبناءه ، قد يرى في وجه كل طفل نسله .. مستبعدٌ ذلك.. وهممت أن أسأل الصبي عن اسمه أو أسأل العجوز.. لكني ، رغم الاحتمالات المختلفة كنت أرتجف خوفا من الحقيقة الصاعقة .. وكتمت أنفاس السؤال تحشرج في حنجرتي.. أن لا تعلم أحيانا بأشياء ألطف بك من أن تعلمها.. إن تـُبدَ لكم تسؤكم ..

سال السيل وارتفع منسوبه ، رغم أن المطر قد أخذ يتباطأ هطله ويتخفف شيئا فشيئا . وصاحت العجوز الشمطاء في الصبي التعيس تستعجله الذهاب مهتاجة دون حياء من البشر أو خوف من الله:

ـ هيا يا ابن الماخور!..

وهممت أن أستبقيهما تحت السقيفة حتى يخف المطر تماما ، لكن أنى لي ذلك ، وقد أخذت بيد الصبي المسكين في تعنت وإيلام ومضت.. كانت ركبتاها تتراميان تحت الثوب الثقيل المتقاطر دون أن تعير ذلك بالا، كما لو كانت على موعد ، مع عزرائيل قابض الأرواح ، أو كأن ملاك الموت يستحثها الخطى ، وهي خائفة من أن تتأخر عن ذلك الموعد.. فيما الصبي كان ينجر وراءها منصاعا كطاعة العبد وفي صمت القبور المريب..

بدت لي العجوز طالع شؤم ، وهي تمضي في سواد ملاءتها المبتلة ، وفي حرصها على شتم الصبي وتعذيب روحه ، إنها غراب ناعب..ولا أرى يومي يمر بخير وقد أحاطتني الأقدار بهذه الصور الكابية المقيتة .. واكفهرت الدنيا في وجهي ، وعبست أكثر رغم زوال طعم مازوت الحافلة من فمي.. وهزت أعطافي مشاعرُ انحطاط وتعفن ، فلم أر ضررا فادحا من استئناف السير تحت رذاذ المطر وبقاياه المتساقطة في فوضى وعلى غير نسق .. تسرب الماء إلى داخل الحذاء وابتلت الجوارب.. شددت الحقيبة تحت إبطي حتى لا يتسلل البلل إلى داخلها، ورحت أساير السيل محاولا تجنبه ما أمكن حين يستوي الرصيف مع قارعة الطريق في بعض التقاطعات الثانوية..

غيروا طلاء جامع أهل الكهف، كان أخضر اللون باردا ، وغدا بنيا /أبيض باهتا ، وشيدوا له قبة إضافية ثانية.. كل هذا لمنافسة مسجد سلمان الفارسي ، الجامع الجديد الذي يحسب على القوادرة، فلا بد للزواتنة أن تكون لهم منارتان كما للقوادرة.. وتغير مظهر دكان الشيخ عمر رأسا على عقب ..كان بابه الضيق الواطئ من خشب مثل عتبته، وكان يحمل لوحة صغيرة تشير إلى نشاطه " عطرية ودقيق".. أمّا ما ترى الآن أمامك فهو شيء آخر..تدخلت نجارة الألمنيوم والزجاج والإنارة ؛ فأخرجت للرائي واجهة زجاجية من جانبين، وبابا زجاجيا ، وشبابيك رفيعة تحمي الزجاج ولوحة إشهارية ضوئية غمازة تستطيل فوق الواجهة تلوح بلونين بالتداول:" مهرجان فساتين حلب" طبعا لن يكون صاحب المحل هو الحاج عمر ، لا يمكن أن يخطر بباله حتى مجرد خاطر أن يتحول محله المتواضع إلى هذه البهرجة..

وأعدت النظر كرة أخرى عسى أن أكون أخطأت في تحديد مكان الدكان ، لكن لا مجال للريبة والاحتياط .لابد أن يكون الحاج عمر في ذمة الله ، ذلك أنه من المستحيلات السبع أن يتخلى عن تجارته وعن شلته إلا بالموت. هل أذهب إلى المقهى؟.. قد أصادف النادل الشهير؛ العقيبة، طبعا سوف يتعرف علي فورا ، فالمرء بعد الثلاثين من عمره قلما تتبدل ملامحه العامة..هل سيدعوني الشيخ بوعزيز؟.. لقب الشيخ ظل يطاردني حتى داخل السجن.. وراعني أمر لم أتفطن له حتى اتخذت مجلسي في المقهى صوب العين ، لقد جفت العين ، ولا تلفظ من فوهتها المعدنية التي كانت منذ سبع سنوات فقط تتدفق شلالا ماء من زلال.. لا تلفظ اليوم من فوهتها الكبيرة غير قطرات ضحلة مخزية لا تغني ..لا أحد وراء المحسب.. من فتح المقهى إذن ؟.. وغمرني بعض الإحساس بالراحة المشوبة بالحذر ، هذه الخلوة تسمح لي على الأقل بتغيير الجوارب المبتلة قبل أن يلمحني أحد ..

خلعت الحذاء فانتشرت رائحة الجوارب المبتلة العفنة في المكان ، لبست جوارب نظيفة كانت في الحقيبة ، هل أرمي بهذه الجوارب المبتلة ؟.إنها جديدة تقريبا ما عدا ثقبين صغيرين عند رؤوس الأصابع، لا أستطيع أن أضعهما في الحقيبة وهما بهذا الابتلال والعفن .. لو كانت العين جارية لغسلتهما .. من أفضال السجن على المرء أنه يعوده الاعتماد على النفس في تدبير شؤونه الشخصية وعدم الاتكال..

وفيما أنا قائم أهم بالخروج لرمي زوج الجوارب في القمامة ، نتأ من دورة مياه المقهى جثة ضخمة تملأ الباب وتدفع به إلى القاعة .. كانت الجثة المتحركة تواصل ربط حزام السروال الفضفاض ..

من شدق الجثة المتحركة الغليظ ، انبعث صوت مفرقع مثلما تتفرقع الأوحال الحمئة وقد سقط عليها جسم ثقيل تفرقع في كل صوب:

ـ ما هذه الرائحة الكريهة؟..هيا سي محمد هز جرابك!..

محمد خذ حقيبتك ؟.. ماذا كان يعني ذلك الكاتب؟.. هل هذا هو المعنى ؟.. الاحتقار ..احتقار المالك المقيم للوافد غير المرغوب فيه ؟.. احتقار القوي للضعيف؟ .. احتقار السمين للهزيل؟.. هممت أن أشرح ..لكن مخلبا همجيا كان قد انقضّ على الحقيبة المحمدية المتواضعة ،وألقى بها من الباب إلى الخارج.. نظرت شزرا إلى الجثة المتحركة ، لكن ماذا أستطيع أن أفعل مع هذا الثور المموث الخارج من ثلوج الأدغال المتجمدة في شمال كندا؟..بإمكانه أن يقذف بي كما قذف بحقيبتي إن نطقت . لملمت قدمي في الحذاء المبلول ، ووثبت إلى خارج المقهى الممقوت . تأبطت الحقيبة الحقيرة واتجهت إلى ميضأة الجامع.. كانت فرصة لإقامة صلاة الصبح ، فقد انطلقت الحافلة من المدينة قبل آذان الفجر بأكثر من ساعة ..استقبلتني الميضأة برائحة خبيثة ؛ تتألف من بيتي خلاء ومن حوض للوضوء ..على حافة الحوض عدة أوعية لرفع الماء علا جوانبها الأوضار من كثرة الاستعمال ، في الميضأة كلها مصباح وحيد يتدلى ناعسا من لوحة السقف القرميدي المثقوب ..

وضعت الحقيبة على حافة الحوض ، وملأت أحد الأوعية الذي بدا لي أقل اتساخا ، واتجهت إلى أحد بيتي الخلاء، كان محتقنا .. عدلت إلى الثاني ، كان مسدودا حتى فاض منه السائل الهلامي المارج من أبوال وغائط وماء وكاد يلامس الباب.. عدت مضطرا إلى البيت الأول ، فحجت قدمي كالبهيمة محاولا تجنب النجاسة الطافحة .. كان الأمر عذابا .أردت أن أسبغ الوضوء لكني استنكفت من مياه الحوض، فلم أتمضمض ،ولم أستنشق، واكتفيت بشعائر الوضوء الأخرى . كم من صلاة أديتها من غير وضوء مكتمل في ظروف مشابهة حين كنت صبيا ؟!.. ولكن مادام المجتمع عنك راضيا ، وهو يراك تتدافع مع المتدافعين للصلاة في الصفوف الأولى فلا لوم .. منذ الصبا نتعلم القيم الصحيحة ، كما نتعلم معها الرياء الذي يشوب تطبيقاتها ..

كانت أركان مسجد أهل الكهف مضاءة بالشموع ، التي تقدم قربانا كل ليلة جمعة . يقال إن الحاج عمر كان يبيع كل شمعة عشر مرات تقريبا قبل أن يأتي دور الشمعة لتوقد ، ذلك أن قيم المقام يجمع كل الشمع الفائض ، ويعيد بيعه بأرخص ثمن للحاج عمر، ويبيعه الحج عمر بدوره للزبائن الذين يقدمونه قربانا إلى المقام المحمود ، وهكذا دواليك ، تقوم كل شمعة بالسعي عشرة أشواط بين الدكان والمقام ، قبل أن يستقر بها الشوط الأخير في الشمعدان.. وقل مثل ذلك في كتل بخور الجاوي . ومع ذلك فالمقام مزدان أيضا بثريات عظمى يتلألأ بعضها بأنوار تكاد تحرق طلاء الجدران والأعمدة الرخامية وألوان الزرابي المبثوثة على طول أرضية مصلى المسجد وعرضه ، مع أنه لم يكن بالمصلى غير شيخين بلغ بهما الكبر مبلغه ، يتكئان إلى الجدار قريبا من المدفأة، في يد كل منهما سبحة يطقطق بها تسبيحه ، فيما عيناهما شبه مغمضتين.. قد يكونان الإمام والمؤذن؟.. وفي هذه الحالة يكون المقام العتيق قد فقد إمامه الشهير محمود الدنفوري ، ومؤذنه الذي هو من العائلة نفسها ، أي أن المقام فقد طاقمه القديم ، واستبدله بطاقم خدمة جديد لا أعرف أفراده.. كان محمود الدنفوري سمحا طيبا كثيرا ما يتنازل لغيره من علماء الزواتنية لإمامة الصلاة في حضوره، ولاسيما لأخيه المعلم محمد الطيب ، الذي يدعوه تلاميذه بالديك المروَزي بسبب الشح الذي يطبع حياته ..

أقمت صلاة الصبح في عجلة من غير تطويل ولا ترخيم للصوت . ولم التنطع ما دام ليس هناك في المسجد جمهور يسمعني أو يلحظ صلاتي؟ .. سلمت ، ورفعت حذائي، وتأبطت الحقيبة وغادرت مرددا في سري بعض الأذكار والأدعية ، كما لو كنت متعجلا من أمري.. وتذكرت ملصقا على أحد الأعمدة في المدخل ، كنت قد رأيته ، وتركت قراءته لما بعد الانتهاء من الصلاة، فعدت أدراجي إلى العمود ، فإذا الملصق كان قد مزق واختفى بقدرة قادر.. لم يبق منه غير رأسه يشير إلى الجهة التي صدر منها، اتحادية الشعبة ، جبهة التحرير الوطني..

ما زال بقية السيل يلحس قارعة الطريق ويلامس أطراف الرصيف، تاركا ما جلبه من تراب وحصى هنا وهناك في أشكال تشبه ألسنة رطبة تنز ماء ..

اتجهت إلى مقهى جديد يكاد يجاور مقهى العين الذي طردت منه منذ قليل شر طردة " مقهى الألفين" ، لم أفهم في البدء معنى التسمية ، هل هي تثنية ألف الهجاء، أم هي تثنية الألـْف ، أي سنة ألفين ، واستقر فهمي على هذا المعنى الثاني ، فصاحب المقهى يستشرف المستقبل البعيد . كان مقهى مكيفا مدهشا حقا ..أبوابه الزجاجية تفتح وتقفل مستديرة مثل أبواب البنوك .. الأرضية مبلطة ببلاط براق كالمرايا .. الجدران موشاة بسلسلة من الأعمدة الحاملة لأقواس منمنمة متصلة تلمع لمعان الذهب ، وكذلك كان المحسب البراق.. لم يكن بالمقهى طاولات ، وإنما هي موائد مستديرة وحولها أرائك متأنقة طريفة . وتساءلت في سري ، ترى من يكون صاحب هذا المرفق الفخم الجديد الذي لا شك أنه المقهى الأول على مستوى الشعبة ؟. قبالة الباب كان ثمة ثلاثة شخوص بربطات عنق يتحلقون حول مائدة ، يحتسون القهوة ويدخنون ويتناجون. جلست إلى أقرب مائدة منهم ، جاء النادل يسعى في سترته القرمزية ذات الأزرار والأشرطة الذهبية الفاخرة ، كما لو كان ضابطا طالبا في كلية شرشال العسكرية في حلة استعراض التخرج ، قال والابتسامة العريضة تملأ فاه ، والسعادة تنضح بها عيناه:

ـ سيدي!.. قالها بلغة الغين ، لكن أثر التكلف كان باديا ، بل إن اللفظة أشربت باللهجة المحلية حتى بدت في غاية السماجة في الواقع ، وتساءلت في سري: أيمكن أن يحدث هذا في الشعيبة . وتطلعت إلى الصحائف على المحسب ، كانت مرصوصة بأنواع المرطبات والمعجنات، وأردت أن أستفزه بما لا يفهم من لغة ، فقلت:

ـ كوب قهوة باللبن الحليب مع هلالية!..

وبدا أنه لم يفهم لغة الأعراب هذه ، فأشرت جهة المحسب وعينت كالبكم ما أبتغي بالإشارة ، فراح يسمي المعجنات بلغته، فقلت بمرارة ممزوجة باللامبالاة:

ـ ما شئت لا ما شاءت الأعراب!..

وصاح بالطلب بلغته الفرنسية المعتمدة الدخيلة كليا على الشعيبة .. ما لم تستطع فرنسا أن تزرعه بنفسها استطاع هؤلاء الخدم النادلون أن يزرعوه بولاء مجاني .. الخادم الذليل، العبد الحقير وحده هو من يعتمد لغة سيده ناسيا لغة قومه الذين ينتسب إليهم.. وفي الانتظار ، رحت أتملى بعيني هذه الفسيفساء الجميلة المعروشة فوق الأقواس، ووقع نظري على نسخة من الملصق الذي رأيته في المسجد، ترى ما تكون الدعوة التي يشير إليها؟..لكن حوارا في الطاولة المجاورة كان قد استمال أذني:

قال الأول: ـ كانت ساحقة بكل المقاييس!..

الثاني: ـ استطاع الثعلب المتمسكن أن يجند ناخبي أكبر بلديتين في الدائرة

الثالث: ـ بل حاز أصواتا معتبرة حتى ها هنا في قلب الشعبة ، ومن أبناء جلدتنا الزواتنية..

وقال النادل يعزف على نفس الوتر الذي يعزف عليه الشخوص الثلاثة ، وهو يضع كوب اللبن الحليب وصحن الفطيرة الهلالية أمامي وقد عادت إليه عربيته لحسن الحظ :

ـ جندل دكتورين محنكين بضربة قاضية واحدة وفي الشوط الأول!..

قال الشخص الأول: هذه هي قوانين العروشية . لكي تنجح في انتخاب ما ، عليك أولا أن تعرف العروش والفِرق التي سوف تتعصب لك وتنصرك . العصبية هي الرابطة الوثيقة، أما شعارات الحزب التي تتحدث عن الكفاءة والنزاهة والالتزام فتبقى مجرد شعارات يتغنى بها السذج من المناضلين ويتزين بها النفاق الوطني ، أعني الميثاق الوطني..

وقهقه الكل بمن فيهم النادل. لابد أن منظري المتواضع شجعهم على الخوض في النقد السياسي بصراحة، وخلعوا عنهم عذار التناجي والاحتياط.. ودخل شيخ بعمامة صفراء وبرانس متداخلة ، وهو يكمل طي مطريته السوداء ، ويحشو بها في مغلفها ؛ لقد كان أحد الشيخين اللذين رأيتهما في المقام وهما يستلقيان على جنبيهما يعدان التسبيحات في خمول أقرب إلى النوم ، صدح في الجماعة :

ـ صبحكم الله بالخير والعافية يا جماعة الخير!.

قال الشخص الأول:

ـ تربح يا شيخ حسن..أما تزال الأمطار تصب وإلاّ؟..

ـ ما زال بعض الرذاذ الخفيف جدا . لا َ لا .. الحمد لله ، سيكون العام مباركا إن شاء الله..

ـ إن شاء الله.. ربي يكمل.. قال الشخص الثالث وهو يسوي معطفه

صافح الشيخ الشخوص الثلاثة ، ولما كنت قريبا منهم ، ورآني أحملق في وجهه في فضول ، مد يده إليّ متبرعا بالتحية ، وقال كأنما يبرر سبب مصافحته لي:

ـ رأيتك منذ حين في المقام .

ـ صحيح.. صحيح..

قلت وأنا أشد على يد الشيخ بمودة وعرفان ، فهذه أول يد تصافحني خارج السجن . وتساءلت في سري " أيكون محمود الدنفوري قد مات، وخلفه هذا الرجل السوقي في إمامة المقام؟. لم يكن من عادة الدنفوري أن يؤم المقاهي ، وكان مجرد مروره في الشارع بسمته الوقور المبجل ، يجعل الشارع كله يشع مهابة ويبطل فيه كل لغو .."

وفسح الشخوص الثلاثة المكان للشيخ ، وهو يقول بنبرات وعظية واثقة ، ويهوي بكيانه إلى الكرسي:

ـ يقول الرسول (ص) صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع رجل . وكلما كثر فهو أحب إلى الله.." ثم سكت لحظات ليكمل ".. لم يصل الصبح معي اليوم غير القيم ونفر من الشيوخ يعدون على رؤوس أصابع اليد الواحدة.. هل هذه بلاد إسلامية؟.."

وقال ذو المعطف الغليظ ، وهو يمدد في نبرات صوته ، كأنما يشفق على الشيخ أو يسخر من سذاجته ، لا أدري:

ـ يا شيخ حسن..يا شيخ حسن..علام أنت نية لكل هذه الدرجة؟.. من يريد أن يصلي الصبح تحت وابل المطر، لابد أن ينال ثوابين على الأقل لا ثوابا واحدا..

ـ ماذا تعني يا أبا قنوش؟.. الصلاة لله وحده..

تساءل الشيخ حسن متهكما ، وقد فطن إلى أن هذا الكلام يخفي سرا..فرد أبو قنوش ، وهو يشير بيده إلى الإعلان الملصق بجوار الباب:

ـ ألم تقرأ ذاك الإعلان بعد؟..

فنظر الشيخ إلى الإعلان المعلق ، وقال ساخرا:

ـ علقوا في المقام نسخة مثل هذا، لكن ما علاقة الإعلان بالصلاة؟.

ـ يا شيخ حسن..لابد أن يكون المصلون قد صلوا هناك في جامعهم ، عند الحاج سعد ..( خالي الحاج سعد يكون إذن قد تخلى عن وظيفته في العاصمة أو ربما تقاعد ، وأبناؤه؟.. هذا نبأ علي جديد!..)

ـ ويل للمصلين المرائين!..

صاح الشيخ في نبرة متألمة:

ـ ما لم أفهمه هو مكان الاحتفال؟.. لماذا لم يكن الاحتفال في مقر الدائرة هنا بالشعيبة ؟." قال أحد الثلاثة ،

ورد عليه بوقنوش يشرح في غيظ:

ـ لا تتمرغ الأتان وتستريح إلا في مزبلة مالكيها ، ولا يكون للنصر مذاق إلا بالرقص فوق الحلبة التي تم فيها هذا النصر..

ودلف إلى المقهى شخصان لم يدليا بالتحية ولا بالسلام، واتجها رأسا إلى المحسب ، وكأنما الوافدان كانا مكبحا للمناقشة السافرة في الطاولة المجاورة ، ولم أعد أسمع ما يدور فيها من حديث هامس ومناجاة..

أتممت فطوري الصباحي، وتحسست جيبي مفتشا عن كيس مسحوق الشمة .. الكل هنا في الشعبة يشمون بما في ذلك العجائز ؛ لا داعي للنظر حولي للتأكد من أن لا أحد يراني ، مثلما كان الشمامون في الستينيات يفعلون في العاصمة، حيث كان أكل الشمة سبة ومنقصة ، بعكس الخمور التي كانت يومئذ شائعة تعرض في أغلب المقاهي جهارا نهارا ، وأغلبية روادها كانوا يحتسونها دون حياء ويعبونها عبا ، كما نعب نحن الماء في الشعيبة ..

سحبت رفعة كافية وحشوت بها حنكي الأيمن.. الشمة هي الأفيون .. كان الآباء والأجداد يتكيفون الحشيش المذهب للعقل والحواس، واليوم نكتفي بهذا الحشيش اليسير .. الشمة!.. وأحسست بانتشاء مبهم مرير يسري في دمي البارد سريان السم إن كان للسم لذة ونشوة.. إنه انتشاء ممتزج بمقت هذا اللكاع بين الحنك والأسنان .. المشكلة أن قاعة المقهى باهرة، تلمع نظافة وأناقة ، فأين أرمي بهذه الرفعة المستهلكة التي غدت نفاية وفضلة من الفضلات ؟.. سأرميها إلى الشارع ..وضعت يدي على الحقيبة الذليلة ، كأنما أنبه النادل إلى أني سأعود ، ولدى الباب عارضتني نسخة من الملصق الذي هممت بقراءته في المسجد لكنه اختفى ووقفت أقرأ الإعلان:

دعوة عامة

حزب جبهة التحرير الوطني

اتحادية الشعبة

قسمة أولاد عربي/ القوادرية

بمناسبة الفوز الكاسح الذي حققه الأخ المناضل إبراهيم جيلاني نائبا في المجلس الشعبي الوطني، تتشرف القسمة بإقامة حفل غداء وتكريم يوم الجمعة 31 مارس في فرطاسة بمدرسة بني ساعد ، بعد صلاة الجمعة مباشرة

وإنها لفرصة سانحة لنعرب فيها للمناضل جيلاني نائب دائرة شعبة الزيتون كلها عن تهانينا له ، وولائنا العلني واللامشروط ، ونجدد له ثقتنا المطلقة في شخصه ليمثلنا خير تمثيل و ينوب عنا في البرلمان ، وفقه الله وأعانه..

والدعوة عامة

عاش حزب جبهة التحرير الوطني

عاشت الجزائر

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

رميت برفعة الشمة المتخمرة إلى مجرى السيل الذي انحسر عن الطريق مكتفيا بمساحة صغيرة من لسان الرصيف المتآكل. دعوة عامة للغداء بعد صلاة الجمعة ..المسافة حوالي عشرة كيلومترات.. سيكون يوما مشهودا بالنسبة لي . سي إبراهيم سيتلقى تهاني الفوز نائبا في البرلمان..أما أنا فسأتلقى تهاني الخروج من السجن.. أهلا..أهلا سي إبراهيم ابن ربعية ؛ ربيب الخماس بودربالة ، زميل الحصيرة في الكتاب الجامع ، وزميل الطبشور فيما بعد.. معلم ابتدائي سابق يصرع دكتورين ..أحسست بثقل في قدمي جراء البلل الذي أصاب جوربيّ اللذين لبستهما من غير تجفيف . عدت إلى مائدتي . جاء النادل يسعى ليرفع الماعون الفارغ ويمسح المائدة ، وكأنما يقول لي من غير تصريح، لقد أنهيت فطورك ، ادفع الحساب، وأخل ِ المكان..

لكن ، علي أن أبقى هنا فترة .. إني ضائع وليست لي أية فكرة عن مقصدي ، ولا أين أذهب..طبعا كان يجب علي الذهاب إلى بيت الأهل.. أو على الأقل إلى مسكني الذي لا أدري من يكون قد اكتراه.. لكن لو أفعل ، فإن كل العيون سوف تتعلق بي متهمة أياي بشتى التهم " .. أيها التافه الحقير.. أيها المفلس الوضيع.. أيها الزاني الأثيم .. أيها القاتل البغيض..أيها الساقط السافل.." هذا إذا توقف الأمر عند حد الشتم والتحقير والهمز، ولم أطرد بالعصي ، وأرجم بالحجارة ..

هل أتجه إلى ملسم الوجود وصباحة الأحلام وفجر الجمال ؛ حياة ابنة خالتي زينب ؟.. قد تنزل بي كارثة جديدة إن عدت إليها بعد الذي حدث.

بحثت في أعطافي الداخلية عن حافظة النقود دون جدوى، أتكون قد تملصت من جيبي أثناء الانحناءة في المرحاض؟ قلت للنادل مرتبكا :

ـ زدني قهوة من فضلك..

تأملني النادل وكأنما اندهش لهيئتي التي يبدو أنه لم يتفطن لها من قبل ، وانصرف وقد علا وجهه ارتباك مشوب بالاستغراب والحذر من هذا المسافر.

وقال الشيخ حسن في غضب من غير مبالاة بأحد يرد على كلام خطير ، وقد عمد بوقنوش أن يسرّه إليه بخبث وتماجن:

ـ أعوذ بالله أن أكون مثل الحاج سعد؟.. ذاك سفاح وفتكٌ ، وليس نكاحا شرعيا..يحرم عليه وطؤها..النساء كالتراب ، لماذا عمد للزواج من امرأة هي شرعا في رقبة رجل آخر وهو فقيه يعرف الأحكام ، وهو بعد إمام يأتم به الناس؟..

لم يفد التفتيش الدقيق لجيوبي شيئا ، حافظة نقودي ضاعت مني ، كيف ومتى؟.. ذلك هو اللغز . لقد دفعت تذكرة الحافلة ، واستسلمت لغفوة في الحافلة، أتكون سقطت من يدي أم سرقت أثناء تلك الإغفاءة؟.. أم سقطت في الميضأة أم في المحراب؟.. سوف تكون لي مشكلة الدفع مع النادل ، وفي هذا الصباح الباكر. اللهم استر!..وعاود ذهني تساؤلات كنت أطرحها على نفسي في الليالي الأخيرة وأنا في السجن .. كيف أقابل الأهل ، وبأي وجه ؟.. وهل يحق لي أن أطرق بابهم؟ . أتكون نوارة قد تزوجت؟.. وما مصير ولديّ صخر وشهيرة؟..ماذا لو كان ذلك الولد الذي رأيته مع العجوز هو صخر، وإن كان الأمر مستبعدا فصخر يكون أكبر عمرا، ثم إنه من المستحيل أن أنسى ملامحه مهما تطاول الزمن؟..

أسئلة لا ساحل لها ولا قرار..وأثناء ذلك كانت الوفادات على المقهى تتوالى آحادا ومثنى وثُلاث ... حتى امتلأ عن آخره وغص بالرواد ، دون أن أنتبه لذلك .. حتى الأرائك التي كانت حول مائدتي سحبت أريكة بعد آخر دون أي استئذان .. ولا عجب في ذلك ، فالسكان هنا هم ريفيون وجبليون وبدو ، فلا تنتظر منهم لباقة أو استئذان ، حتى ولو رأيت على صدورهم ربطات عنق أنيقة تتدلى من يافطات قمصان بيضاء .. وهذا ليس قدحا فيهم ولا سخرية ، ولكن وصف لحال قائم لأغلب سكان شعبة الزيتون لا أكثر..

وهكذا انفردت وحدي إلى هذه المائدة بجوار هذا العمود الأخاذ. واندهشت ألا يكون أي أحد من كل هؤلاء الرواد ممن أعرف..لابد أني أسترعي الأنظار ، لاسيما بهذا الاعتزال عن الخلق.. وبهذه الهيئة غير المألوفة؛ لحية خفيفة مرسلة ، تخالطها بعض الشعرات البيضاء في غير أوان المشيب .. وشارب حليق تماما . لقد كانت أمسية البارحة في الحمام مضجرة فقضيتها أسوي لحيتي وأعبث بها على هذه الصورة . حقا إن هذه الطريقة في إرسال اللحية تعطي أكثر من انطباع ، فهي توحي بغرابة الأطوار بصفة خاصة ، لكنها لا توحي بتماسك الشخصية ولا بجلالها ، ولعل ذلك النادل الهمجي في مقهى العين ، لم يطردني بسبب عفونة جواربي، ولكن بسبب هذه اللحية الشيطانية المظهر.

لست أدري..هذه اللحية بالذات وبشكلها الغريب وقد كانت مرسلة أكثر مما هي الآن ، هي التي زادت من توقير نزلاء السجن لي ، مع أنها لا توحي بأي وقار في رأيي.. إطلاق اللحية وحلق الشارب لا يوحي إلا بمكر اليهود ، وغموض الجواسيس . قيل إن الرسول الكريم نهى عن حلق الشارب لأن ذلك مظهر يهودي، وقيل عمن يحلق شاربه إنما يعرّض بنفسه ، ويمثل بصورته . ويكتسب الملتحي بلا شارب مظهرا إبليسيا . أجل ، معنى الأبلسة هو التلبيس والالتباس ؛ أي الغموض بحيث لا يفهمك الناس الذين هم من حولك فيظنونك فيلسوفا وما أنت غير أبله.ويتصورونك لبيبا فطنا ولست إلا جمجمة خاوية ..

وتسمرت عيناي على وجهي المتعدد في المرايا المقصوصة التي كانت تغلف العمود من كل جهاته..

وقفزت إلى ذهني فجأة فكرة إبليسية مذهلة .. لكي أريح نفسي من كل مسؤولية لم لا أتظاهر بالجنون؟... حقا إن لحيتي ستعينني على إقناع الآخرين بفكرة جنوني ؛ رفع القلم عن ثلاث ، عن الصبي حتى يحتلم ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يعقل.. عن المجنون حتى يعقل.. ذاك هو الحل .. الجنون هو الحل.. الجنون هو الحل .. الجنون هو الحل.. وجدتها؛ فلأوطن نفسي بصفة رسمية من هذه اللحظة بأنني مجنون..لا ، لا تبتسم..بالجنون تنجو يا عزوز من الموقف كله.. تتخلص من الحيرة المميتة ، تتحرر من ربقة الأغلال المتأتية من المساءلة المنتظرة التي تثقل فؤادك وتنوء بكاهلك حتى قبل أن تسأل..التأمل في مرآة الذات طويلا يؤدي في البداية إلى حب الذات والعشق الذاتي ، ثم يؤدي إلى كراهة الذات ومقتها ثم يوصل في النهاية إلى ما يشبه الخبال العام الذي تمحي فيه الحدود بين العشق الوامق والمقت الغاسق ، لا يتميز فيه الخيط الأبيض من الخيط الأسود .

لابد إذن أن أغادر المقهى .. رشفت ثمالة فنجان القهوة.. لملمت الحقيبة من بين فخذي، وجررتها جرا رغم أنها خفيفة، ملتمسا طريقي إلى الباب في لامبالاة البلهاء المحترفين .. وجاء النادل يهرول نحوي وهو يصيح صيحة جدي فصل عن أمه :

ـ أتنصرف هكذا يا أبا لحية دون أن تدفع ثمن ما أكلت وما شربت؟.. "

عند الغضب تظهر نوازع ابن آدم الحقيقية ، وتبدو خصائصه النفسية العميقة ، وها هو النادل يخلع تلك الغلالة الرقيقة من اللطف المصطنع الذي قابلني به في البداية ، وخاطبني بالسيد وبلغة الغين.. فمن السيد ، غدوت وبلا مقدمات ؛ أبا لحية.. وأظنه أخطأ التعبير، ولو كان نابها لخاطبني بعبارة ؛ يا أبا حليق الشنبات ، فذاك يغيظ أكثر ، ولا سيما وأن الشنب في بلادنا رديف الرجولة ، وجز الشنب وحلقه رديف الديوثة أو الخنوثة على الأقل..

اشرأبت أعناق مرتادي المقهى نحوي على صرخة النادل ، واقتحمتني الأنظار تلتهمني التهاما وتتفحصني ، وقد امتلأت القاعة بصيحات تردد بين التساؤل والتعجب : "من هو هذا الأخرق؟.." ، "أليس هو بوعزيز ابن المرحوم الحاج مبروك؟.." ، "إنه السجين بوعزيز .. هوَ هو.." ، " متى سرح؟.."

عقدت العزم على تنفيذ فكرة الجنون أو العته على الأقل، إذ الجنون يتطلب القيام بحركات حاذقة خارقة للعادة ، قد لا تواتيني الموهبة في محاكاتها . لم أبال بأحد ، بما في ذلك صيحات النادل.. ودار الباب آليا نصف دورة ، وجدت نفسي بعدها في مواجهة الشارع ، وقد سطع نور الشمس ، وجفت ناصية الطريق ، ولم يبق من أثر للمطر الهاطل غير بعض الطين الرملي المحتمي بصفائح الرصيف المنهدة ..

يقولون المرحوم الحاج مبروك .. نعم علمت بوفاة والدي في السجن ، لكن كلمة المرحوم أعادتني إلى حالة الصفر ..أحسست أن هذا أول نعي رسمي أتلقاه من المجتمع . كان الهامل أخي قد زارني في السجن رفقة أحد لداته ، عبد الناصر السنغالي ، ولد خالتي زينب بعد وفاة الوالد بنحو شهرين ، وقد اندهشت من زيارته ألا يعلم بأن تهمتي هي الزنى بأخته؟ ..كان يافعا حين وقعت الواقعة ، أيكون جاهلا به؟.. وكانت تلك زيارته النادرة التي حظيت بها.. ومنه بالكاد استخلصت بعض المعلومات منها أن والدي قد باع بعض الأملاك ليؤدي الركن الخامس من أركان العقيدة ، وقد توفي إثر عودته من الحج.. كانت الزيارة بتكليف من الأم لغرض تبليغي بالوفاة رغم ضغينتها علي ، ووجدها المفعم بالأسى الطاحن للوجود ..

انحدرت مع انحدار الطريق في لامبالاة كاملة ، وإن تنبهت رغم أنفي للبنايات المصفوفة الجديدة على الجانبين .. لم يكن هاهنا قبل سبع سنوات سوى دور متناثرة ، ولم تكن بهذه الصورة الجديدة من العلو ولا التراص والتزاحم . لقد اغتنى الناس إذن وتبرجزوا في هذه الفترة ، وإلا كيف استطاعوا أن يجددوا بناياتهم بصفة جذرية تقريبا .. لكن الزقاق المفضي إلى حارتنا مازال على حاله لم يمهد ولم يعبد ، يلزمني إذن أن أخوض في أوحاله وبركه ، ولسوف أتجنب ذلك ما أمكن نطا وقفزا ، وبدوس بعض النباتات الطالعة على طرفي الزقاق حذاء الجدران الطوبية المتهالكة ..

صادفت في مسيري أطفالا كثيرين ، لم أعرف منهم أحدا، وأنى لي ذلك ، وقد كانت السنوات السبع قطيعة مع الحياة الدنيا .. كنت أسمع من بعضهم قهقهات مكتومة وهم يحملقون فيّ بخجل ومواربة..لابد أن يكونوا قد اندهشوا من لحيتي الكوسجية الفريدة التي ربما أرعبتهم لحظة ، ثم سرعان ما تبين لهم أنها مثار للسخرية والعبث أكثر من أي شيء آخر..وهممت أن أزجرهم عن أفعالهم ، والقي فيهم عظة ، ثم تذكرت أني أحمل مشروع العته فتراجعت ، ذلك أنهم كانوا منذ حين يعبثون

بالعقون ،خماس الأخضر الزواتنية الذي كان يمر عبر الدرب الضيق ، كان يركب بجثمانه الضخم أتانا قميئة فتكاد قدماه المتدليتان تلامسان الأرض مثل سانشو تابع دون خيشوط ، ويقود وراءه حصانا هزيلا يذكر بفرس دون خيشوت ذاته ، وقد ربط الرسن ببردعة الأتان فانقاد له الحصان باطمئنان وسلام ، ولكنه حين اقترب من الصبيان ، وقد شرعوا يمازحون العقون ويسخرون من تشنجاته الكتيمة بمحاكاتها ، ثار الحصان واندفع بقائمتيه رامحا في الفضاء ، وانفلت برسنه وراح يركض بملء قوته فيما فر بعض الصبيان يخلون له الدرب في حال من هستيريا الفزع وصخب الضحك ، بينما راح بعض من أولي رباطة الجأش يركضون أمامه أو يلاحقونه في ضحك وصراخ واسهتار بالحياة كما يفعل الأسبان في مهرجانات سباقات الثيران الدموية الشهيرة ..

ولم يسع الخماس العقون بعد لأي، غير أن يترجل، وأن يفك مخلاة فارغة مما كان من أحمال الأتان ، ويشهرها ملوحا بها وراء الحصان ، وإذ هو أبكم لا يخرج الصفير من حلقه ، تفرقعت من فمه أصوات كتيمة مثل أصوات القرد، فراح الصبيان يقلدونه من جديد .. ويبدو أن الحصان يميز جيدا بين صوت ربه وأصوات الصبية المشاكسين ، وتعرف الصوت المألوف لديه في هذه الحالات ، فهو صوت يقترن بتقديم الأعلاف وفق نظرية المنعكس الشرطي لبافلوف التي لا يعرف عنها الخماس الأصم بالتأكيد شيئا ، وعاد الحصان أخيرا يهرول نحو صاحبه وقد تخلى عن غضبه واندفاعه الأول ، وتجاهل شغب الصبيان وهيجانهم.. وباقترابه شده العقون من رسنه وربطه من جديد بالبردعة ، ومضى وهو يلهث بتلك الأصوات الكتيمة في وجه الصبيان يسبهم ويزري ولا ريب بسوء تربية أوليائهم لهم ..

توقفت أمام بيتي العامر ، المكترى أو المغتصب لا أدري ، كان يصدر من صحنه صياح أطفال وقوقأة دجاج . كانت الأشجار التي تركتها صغيرة يغطيها السور قد تعالت وتجاوز بعضها علو سقف البيت .. ترى من يسكنه بعد رحيل الصغيرة ابنة خالتي منها أم هي لم ترحل بعد ؟.. طرقت باب الدار الجواني ، حيث ينبغي أن تكون الوالدة مع هامل .. انتظرت أن يأتي السؤال التقليدي " .. من هو؟.." لكن هذه المرة ينفتح الباب من غير أن يلقى سؤال أبي الهول المعتاد.. كان هامل هو من فتح الباب ، فاحتضنني في لامبالاة دون أن يتفوه بكلمة..

كانت الأم في صحن البيت تعرض نفسها على أشعة الشمس الساطعة ، وقد غسلت الأمطار الجارفة أركان الحوش فبدت بلاطاته البيضاء المنقطة بالسواد في غاية النقاء.. صبت علي نظرة كأنما تريد أن تلقي ذلك السؤال " من هو؟." لكنها أمسكت .. إذ لا بد أنها تعرفت علي ، أو حزرت على الأقل من أكون ، ما دامت مدة محكوميتي معلومة ، وخروجي من السجن كان منتظرا..لم تقدم علي بلهفة كما كان المنتظر من مواقف الأمهات المتسامحات مع أبنائهن.. ربما كانت مضطربة، ولم تدر ما هو الموقف الصحيح الذي ينبغي أن تتخذه من عودة ابنها الضال ..

لقد سببت للعائلة فضيحة كارثية نكراء ، ومن الصعب أن تغتفر تلك الفضيحة .. والفضيحة المدوية هي التي عجلت برحيل الوالد عن الدنيا ، وهو الحاج مبروك المشهور بالورع والتقوى حتى قبل أن يحج . كانت نظراتها تعبر عن معاني الحقارة التي يجب أن تظهرها لي ، ولو كانت في دخيلة نفسها لا تستطيع إلا أن تكون أما .. ومهما تكن الموبقات التي يرتكبها الأبناء ، فإن الأمهات يجدن في صدورهن دوما فضلة من حنان ، وفضلة من أعذار مجدية أو واهية لفلذات أكبادهن ، أيا كانت أفعالهم المرتكبة المخزية ..وقد قرأت في وفادة هامل علي في الحبس مثل هذا المعنى، إذ لم يكن هامل في زيارته حر الإرادة ، وإلا ما زارني ، لقد كان يقتر علي تقتير الأشحاء في الرد عن أسئلتي .. كما لو كان يدفع عن كل حرف ألفا .. وهو يمقتني فيما يبدو، كما لو كنت عدوه الأول والأخير في هذا العالم الفسيح ، وأصبح يتشدق بالعبارات الدينية هو ورفيقه عبد الناصر السنغالي ، كأنهما من طلاب الزوايا..ويستعملان تلك العبارات في غير محلها ، سألتهما عن خالي سعد فقال أحدهما:

ـ لقد استبيت ثانية إن شاء الله!..

ـ تزوج أم لم يتزوج بعد؟..

ـ استبيت ليلة الجمعة بمريومة ، حرم سرِيْولة إن شاء اللهّ!..

ولأني لم أفهم شيئا كففت عن السؤال ، ولم أعاود سؤالي إن شاء الله!.. إذ كيف يتزوج امرؤ من امرأة في رقبة آخر .."

أكان ذلك ما يعنيه الشيخ حسن بقوله ".. ذلك سفاح وفتك .." في المقهى منذ حين؟.."

لابد لوالدتي إذن أن تتظاهر على الأقل بقدر من التحقير والاشمئزاز ، وهي توجه خطابها لهامل ، وتتجنب النظر إليّ ممعنة في تجاهلي ومقتي:

ـ لماذا فتحت الباب؟.. ولماذا سمحت له بالدخول؟..

ألقيت في لامبالاة مطلقة وغريبة حقيبتي ، إزاء الجدار قريبا من باب الغرفة، وعركت لحيتي بأناملي كأنما أمشطها.. كان هناك مقعد صغير وسط الحوش مازال ظهره مبتلا بعض ابتلال .. جذبته وجلست قبالة الشمس متجاهلا تشنج الأم وتعصبها . وبحركة آلية أخرجت كيس نشوق التبغ ورميت برفعة إلى حنكي ".. ما أحره تبغا ، وما أمره موقفا!.."

هكذا إذن سبع سنوات بلياليها قبل أيامها من سجن ظالم ، ليس فيه أي تهمة ثابتة شرعا وقانونا ، ولا أقول واقعا لأن ذلك سري الذي شملتني به رحمة ربي ، ومع ذلك ها هي الأم ذاتها تقع في أحبولة الرأي العام المفبرك ، أو قل التواطؤ العام ، أو هذا ما تبدي على الأقل..

وقال هامل في تردد يخاطب الأم : " هل آتيه بالقهوة؟.."

لكن الأم استمرت في تمثيليتها القاسية، فردت بحزم وشراسة : ".. وأي قهوة؟..قلت لك لماذا تركته يدخل أصلا علي في بيتي؟.."

كان استفزازا كافيا لكي أنهض وأنصرف.. ولكن تصميمي على أن ألعب دور العته، شجعني على محاولة تجاوز هذا الصدود المفتعل من الأم..ورفعت عقيرتي بأغنية عتيقة انتشرت أيام الثورة التحريرية مطلعها: ".. اللفاس يا سي عمار.. اللفاس يا سي عمار!!..." أي أعطه حرية الفعل والحركة .. بعد أن وضعت كلتا يدي على أذني كلتيهما على طريقة المؤذنين للصلاة.. وقهقه هامل ساخرا سخرية مريرة من حال أخيه.. لقد فهم بطريقة ما ، أن أخاه بوعزيز قد ودع عقله .. لقد جن ..فمثل هذا السلوك الأخرق لا يأتيه غير من فقد عقله ، لاسيما وأنه يكون قد لاحظ أنه حين احتضنني لدى الباب لم أوله بدوري أي اهتمام ، وبادلته عدم اهتمام بعدم اهتمام .. لقد أوحيت له بأني خارج الزمان والمكان ، فإذا أضيف إلى ذلك غرابة لحيتي وصيحتي المفاجئة بالأغنية الثورية ، كان أمر الجنون مؤكدا ، خاصة وهو لا يعرف عني في صباه إلا الحزم والوقار، إلا ما كان من سقطة براميل الصغيرة بنت خالتي..

لكن حس الأم كان أعمق من أن تنطلي عليها لعبة أحد أبنائها، وهي التي خبرتهم ، وعرفت منازعهم وشقاواتهم منذ الطفولة المبكرة ، ولطالما مثلت أمامها في الطفولة أدوارا مصطنعة كالتمارض ونحوه للتخلص من واجب أو للتهرب من عقاب ، وقد كانت تستسلم لتلك الأدوار وترحمني رغم أن اللعبة لا تنطلي عليها .. لقد أدركت في صيحتي التحررية تصنع العته ، وفهمت الموقف ، وقالت لهامل متراجعة عن تعنتها ".. أنظر ، إن كان هناك فضل من قهوة فآت بها.."

وحين غادر هامل وتوارى في المطبخ ، استفهمتني دون أن ترفع إلي ناظرها وقد تسمرت في مجلسها ، وبصوت خافت رخو أقرب إلى الهمس:

ـ متى أطلقوك أيها الشقي؟.." وإذ أخلدت إلى الصمت ضاربا صفحا عن الكلام ، ورحت أنتف شعرات لحيتي في عبث، تنهدت بعمق ، وأضافت في غضب صريح:

ـ تجنن كما تشاء .. مات أبوك كمدا بسببك..ضيعتنا ، وضيعت نفسك .. ضيعت بيتك .. ضيعت أبناءك.. ضيعت كل شيء .. ألا تعلم أن بنت الزواتنية تزوجت ، وأن صخرا وشهيرة يعيشان كاليتيمين لدى أخوالهما الزواتنية ولدى خالتهما مرزاقة.. واصل جنونك إن شئت، لم يبق شيء..

صفعتني بهذه الحقائق ، مرة واحدة دون أن تترك لي أي شك فيما يراودني عن نوارة .. نعم هي طلبت الطلاق ، ووقـّعت على الموافقة في الحبس . وظننت أن الطلاق بالنسبة لها ضرب من الانتقام مني ، لأني طعنتها في الصميم بخيانتي الزوجية لها كما بلغوها ، وحسب ما تؤكد الإشاعة التي تؤول وتختصر أسباب اعتقالي وسجني.. لكني ظننت أنها لن تذهب بعيدا ، وأنها سوف تسعى بحثا عن العمل وتبقى لولديها لترعاهما ولا تتزوج.. أما أن تطلق لتتزوج ، فهذا يتعدى حد الانتقام إلى فعل الإجرام..

حاولت أن أستمر في التمثيل، فرفعت مجددا عقيرتي : " اللفاس يا سي عمار.. اللفاس يا سي عمار.." وكان ذلك إنذارا عاصفا بانفجار بركان النواح المعهود عن الصادة والدتي..

علا نحيبها ودمدم ، كما دمدم يوم موت علجية ، تلعن اليوم الذي جاءت فيه إلى الحياة ، وتلعن حظها المنكود الذي آل بها إلى هذا الدرك الأسفل، وتستفز الأولياء الصالحين أمثال سيدي الحملاوي وسيدي السعداوي وسيدي عبد القادر الجيلاني ... الذين خانوها ، ولم يقفوا مرة واحدة إلى جانبها في محنها المتتاليات .. وخرج هامل من المطبخ يشتم ويلعن ، وقد خرج عن طوره ، وذهب عنه ذلك السمت الديني المرائي الذي كان يخاطبني به في السجن حين زارني ، ولم يعر اهتماما لوجودي ، وكان قبل السجن يهابني ولا يجرؤ أن يتفوه أمامي بمثل ما سمعت أذناي الآن ، باستثناء ما بدر منه يوم واقعة سقوط براميل الصغيرة ابنة الخالة زينب حين قلمت أغصان الدالية من غير توفيق. يقول في عقوق:

ـ أف لك من عجوز.. اسكري أخذتك سكرة الموت مرة واحدة.. نصبح على الندب والنواح ،ونمسي على الندب والنواح. أسكتي أيتها البومة المشؤومة..

وتماديا في تصعيد الموقف ، وحتى أجبر هامل والأم على الاعتراف لي بالعته والجنون ، نهضت إلى الجدار مبتعدا عنهما خطوات فقط ، وأعطيتهما بظهري ، وأخذت أتبول على جذع شجرة تين ذكري لا تثمر كان الوالد رحمه الله يتهددها كل عام بالقلع ثم لسبب من الأسباب لا يفعل.. ، وأنا أردد الترنيمة الثورية في حبور.. كان الموقف ينضح بالاشمئزاز والقسوة وسوء الأدب ، لكن لابد لي من هذا الجنون لمواجهة ما ينتظرني من مواقف لا أقدر على التصرف فيها بصفة الرشد والوعي . إن في ذلك المزيد من الإذلال والتنكيد ، وأنا اليوم لست في حاجة إلى المزيد من التشنج. .أنا اليوم شبه مريض في حاجة لمن يتفهمني ، حتى أنتقل شيئا فشيئا للعودة من جديد إلى المجتمع والاندماج فيه.

أن تسلب من الإنسان سنوات سبع من عمره وتسلخ منه سلخا ، كابوس فظيع يصعب التخلص منه في يوم واحد .. فما بال أقوام يريدون أن يعقدوا لي محاكمة جديدة .. زررتُ السروال ، وأحكمت غلق أزرار المعطف ، ورحت ألتمس باب الخروج دون أن آبه لعويل الوالدة ، ولا لشتائم ولدها العاق.

مازال صياح الأطفال يتعالى من صحن بيتي المسكون، أتكون الصغيرة بنت خالتي زينب قد أنجبت؟.. لم تكن لدي أي نية في طرق الباب.. لقد خرجت من غير وجهة ، ما عدا التخلص من عويل الأم الممض.. لكن، ها هو بلقاسم بن خلاف زوج الصغيرة يخوض وسط أوحال الزقاق ، ولا يحتاط لتجنبها.. علي أن أستمر في عتهي وجنوني.. يجب إذن أن أسير على غير هدى، وأن أخوض في الوحل ولا أتحاشاه وإلا اعتبرت عاقلا ..

وضع بلقاسم قفته الملآ خضرا وفاكهة ولحما كما هو المنتظر من قفة الجمعة .. وضعها في أناة فوق بعض الحشائش حتى لا تتلطخ بالأوحال ، وفتح ذراعيه ليحتضنني ، وقد عرفني كما عرفته ، وصاح يفتعل اندهاشا:

ـ وأخيرا هذا سي بوعزيز ؟.. أنهيت محكوميتك إذن !..أهلا بك.."

ولكني لم أفتح ذراعي لاستقباله ، وشدني بقوة من أعلى كتفي يهزني هزا ، لقد كنت خشبة بلا روح .. عاد يتأملني ويقرأ وجهي ، ولم يحصل إلا على وجه بليد فارغ بلا تعبير ، وعلى عينين شاغرتين إلا من معنى الغياب والشرود.

حوقل، وبسمل، وتمتم بكلمات من الأدعية لم أستوعبها ، لكني أدركت ما فيها من معاني الرثاء والإشفاق على ما آليت إليه، وأخلى سبيلي لأواصل عرك الطين بلا هوادة أو روية، وقد جعلته ييأس من أن أكون شريكا كفؤا لتبادل التحية والخطاب .. ولم يكن الموقف حكيما كله ، لقد كنت في حاجة إلى النقود ، ويا ليتني كلمته كي أتحصل على ثمن الكراء ، لا أدري لمن يعطي ثمن الكراء. لابد من إيجاد طريقة لمحاسبته.. فمن المستحيل أن يسكن سبع سنوات ونيف دون أن يدفع سنتيما واحدا.. المشكلة أنني حين أسكنته لم أحدد له مبلغ الكراء..

عند المنعطف ، تجرأت وألقيت نظرة ورائي . لم يكن أحد يتبعني.. وكنت أنتظر متوهما أن ترسل والدتي هامل ليقتفي أثري ويسترضيني ويردني. شعرت بأحاسيس مركبة هي مزيج من الارتياح بإتقان التمثيل ، ومن الامتعاض حيث لا أحد قد اهتم بي..لقد نجحت في أن أوحيت لوالدتي بأني لست مستعدا لتلقي أي لوم أو تقريع ، أو محاكمة جديدة ، وعليها أن تتقبلني كما تراني ؛ بلحيتي الكوسجية وبشاربي الحليق ، وبجنوني وعتهي وبتفسخي وبجرائمي ، وبكل ما أتشكل منه .. بهذا سأوطد مبدئي الكبير في تلقين هذا المجتمع المرائي كل آيات النفاق وألوان الرياء وضروب المكر.. وبذلك أستطيع أن أجد مطايا كثيرة أركبها دون أن أدفع أي ثمن ، ودون أن أقدم أي خدمة لأي كان. لكن لم َ لمْ يتبعني هامل لصدي عن الذهاب ، وردي إلى البيت ؟.. لمَ تركني أغادر؟.. لقد وافق اسمه حقيقته ، هامل هو اسم على مسمى.. على غير النية التي نوتها والدتي حين سمته بهذا الاسم، بقصد دفع العين، إذ جاءت بعد أخي عزوز بسلسلة من البطون بلغت سبعا من الإناث مات منهن اثنتان في الصبا ، وماتت كبراهن في ريعان شبابها ..فلما جاء هامل أخيرا لم يحتفل بمجيئه لذلك القصد.. دفع العين!..

كان حذائي وأطراف السروال السفلية قد تلطخت بأوحال الزقاق. انحزت إلى عشيبات قصيرة أحاول التخلص من أكوام الطين العالقة بأسفل الحذاء . كان الشارع الكبير يموج بأفواج من العساكر بأحذيتهم الفيلية الثقيلة وملابسهم الداكنة الخضراء . ما تزال آثار الطفولة بادية على وجوه الكثير منهم ، إنهم شبان الخدمة الوطنية ، خرجوا توا من معسكرهم المؤقت المقام عند مدخل الشعبة حيث المشتلة الكبرى منذ الانطلاق في إنجاز مشروع السد الأخضر .

وقفت طويلا أحملق في العابرين ، وأحسست إحساسا قاسيا بالتشتت الفكري والنفسي وبالضياع التام .. لقد رميت نفسي في غيهب يصعب الخروج منه؛ العته والجنون .. وبمجرد أن خطر ببالي خاطر الذهاب إلى أحمائي في حارة الخربة لرؤية ولديّ صخر وشهيرة ، قفز إلى ذهني مضمون رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ.. قرأتها في السجن مرات ومرات ، مثل رواية البؤساء ، وكنت أتكهن بأن شيئا مماثلا من أحداثها قد يتكرر معي ، هل أستطيع تلافي أخطاء لص نجيب محفوظ ، وأحول اتجاه الأحداث ، لكي تنتهي لصالحي؟. أو على الأقل لكي لا تسفر عن المصير المشؤوم الذي لازم بطل الأسطورة الإغريقية سيزيف في نكده مع الصخرة بين قرارة الوادي وقمة الجبل .. فليكن هناك جنون، وليكن هناك عته ،وليكن هناك نفاق ورياء ، لكن لابد أن يبقى هناك خيط رفيع من العقل والحكمة يجمع بين هذه الرذائل ويوجهها لتحقيق مصالح براغماتية مباشرة .. ألذلك يقال خذوا الحكمة من أفواه المجانين؟.. كثيرون يرون في كتاب الأمير لميكيافلي وضاعة ودناءة .. غير أن المؤكد هو أن قلب ميكيافلي كان يفيض حكمة وسموا، وهو يرسم الخطى لكل أمير وسلطان كي يحافظ على سلطته في إمارته..

إن ذهابي إلى الأحماء الآن ، وفي هذه الهيئة الغريبة سوف يفسد عليّ كل شيء ، وسيفقدني أغلى ما أحلم بتحقيقه ، وهو ضم ولديّ إلى صدري واللقاء بهما . هما الآن في العاشرة والتاسعة من عمرهما، ولو كتبت الحياة للجنين لكان في السابعة ، لكنه أخرج من بطن نوارة ميتا وبعملية قيصرية . ذلك ما عرفته في المحكمة ، وأضافه الاتهام إلى جريمتي المركزية النكراء ؛ الزنا بما يشبه المحارم في ليلة مأتمية والتسبب في إزهاق روح بشرية بريئة . والتسبب في ولادة عسيرة لزوجتي انجر عنها موت الجنين!..

كانت حركة السيارات في عرض الشارع آخذة في التزاحم ، لقد اغتنى الناس فعلا ، تغير الكثير في ظرف سبع سنوات . سيارات حديثة الطراز في غالبيتها ، والصفة المشتركة أنها تكاد تكون فرنسية خالصة ، ليس من سوق للسيارات غير سوق فرنسا.. حتى رخص المجاهدين لاستيراد سيارة تباع لموردي فرنسا .. مستعمر الأمس..

من السهل أن تكذب مرة ويصدقك الناس، ولكن من الصعب أن تكذب على طول الخط ويصدقوك طول الوقت ..إن هذا العته الذي أتلبسه ، وهذا الجنون الذي أصطنعه ، أمر لا يمكن أن يصمد طويلا.. ومر سرب من النسوة من مختلف الأعمار وبأزياء مختلفة ، هل عليّ أن أزور الجبانة وأقف على قبر أخي عزوز؟.. إن الجبانة في الصباح مخصصة لزيارات النساء .. في المساء أزور قبره سيكون بجوار قبر أخته علجية.. هؤلاء النسوة لا بد أنهن عدن من زيارة الجبانة .. اليوم جمعة، زيارة الأموات في الجبانة ذلك هو المتنفس الوحيد للنساء في الشعيبة .. ثلاث عساكر يتابعونهن عن بعد ، دون الجرأة على الاقتراب منهن ..عدد السافرات فيهن أكثر.. الزواتنيات متحضرات ، وكل فتيات الزواتنية عشية الاستقلال كن سافرات .. كانت نوارة إحداهن ، وقد اتخذت الملاءة بمجرد أن تزوجتها وفق عادة القوادريات عشيرتي.. عليك يا بوعزيز ، يا عتيق السجن أن تسرع الخطى في تنفيذ مشروعك إن كان لك مشروع قبل فوات الأوان ..

وانتابتني قشعريرة عبرت جسدي كله مثل موج كهربائي سرى في الأعصاب .. مسكني في المدينة؟ .. زواج نوارة يعني أن السكن يغدو محل استفهام ..أن يضيع مني كل شيء ، أمر لا يبعث على العته والجنون فحسب ، بل أمر يبعث على الانتحار. نوارة تزوجت إذن بعد أن تطلقت مني . هل تكون اتخذت أيضا من سكني في المدينة مأوى لحياتها الزوجية الجديدة؟.. حكاية اللص والكلاب تتجدد ويا للعجب!.. وبرزت في ذهني فكرة ؛ أن أذهب أولا إلى حياة ابنة خالتي .. قصرها في طريقي.. ألم توضع القيود في يدي عند عتبة بيتها بجوار فرع اللوزة الذي جندل أخي عزوز .. ترى من يكون المأفون الذي تزوج نوارة؟.. لكن لماذا يكون مأفونا؟..

هاهو ذا قصر حياة ، كانت الحديقة المحيطة به مسيجة من قضبان معدنية رفيعة مزخرفة مصفوفة بطريقة جمالية بديعة ، تضفي على القصر أبهة ومهابة ، أما اليوم ، فقد اختفى السياج المعدني الرفيع ، وحل محله سور شاهق غطى أشجار الحديقة نهائيا بما في ذلك شجرة اللوز العتيقة اللعينة التي صرعت عزوز .. بل غطى القصر ذاته فلم يعد يظهر منه غير بعض قرميد السقف وقد اسود ونما في شقوقه طحالب طفيلية .. اختفى من الباب أيضا زر الجرس ، لابد إذن من الطرق على هذا الباب الحديدي الجبار الذي يضارع أبواب مستودعات الشاحنات الضخمة ، أتكون حياة شوهت القصر ، وأدخلت عليه هذه التعديلات السمجة؟.. ولأي غرَض؟..أم تكون حياة بدورها قد تزوجت، وتكون هذه السماجة من بنات أفكار الزوج الجديد؟..

أعدت الطرق بجمع كفي مرات ، اليوم عطلة ولا بد أن تكون في بيتها.. اختفى جنان الزيتون نهائيا ولم يعد يرى الرائي شجرة زيتون واحدة . مجموعات من الصروح والأطم قد نهضت على أرضية الجنان ، تفصل بين صفوفها أزقة ضيقة .. ليس ثمة أي تناسق وانسجام عمراني بين هذه الصروح الإسمنتية ، بعضها يتكون من طابقين ، بعض من ثلاثة، بعض من طابق واحد بلا سطح، أغلب السطوح تشير إلى أن المباني لن تنتهي غدا ، مادامت قد تسلحت بمخالب الحديد الناشبة التي تنتظر أن تلقى عليها الخراسانة ، لتتحول إلى أعمدة..البناء الفوضوي لا يقتصر على الأكواخ المتداخلة هنا وهناك ، لكن يمتد أيضا إلى هذه الأحياء التي لاشك أن البلدية قامت بالتهيئة العمرانية لها . ويا لها من تهيئة!.. كتلة صروح متراصة مصفوف بعضها إلى بعض في أنهج ضيقة بلا ميزة أو هوية ..لا توجد فضاءات المرافق العامة للخدمات والتفسح والترفيه..

ـ عمن تسأل يا سي محمد؟..

فاجأني صوت من ورائي وأنا منكب على الطرق في باب قصر حياة بلا هوادة.. كان في الأربعينيات ؛ بوجه أحمر غير حليق من نحو أسبوع . يعلوه جمجمة تغطيها قلنسوة قوقازية فضفاضة ، منسابة إلى ما تحت الأذن .. قامة مديدة منتفخة لحما وشحما تحت الملابس المتضايقة.. حاولت أن أجيب ، وأنا أداري ارتباكي وقد تناسيت عتهي مؤقتا :

ـ أليس هذا مسكن أرملة المكتب السياسي؟..

قال الرجل ولا شك أنه لاحظ شكلي الساخر بهذه اللحية الغريبة :

ـ شـُف يا أبا لحية ..يظهر أنك لست ابن هذه البلدة .. تلك المرأة رحلت من هنا منذ سنوات خلت ..

فقلت متسائلا باندهاش وحيرة:

ـ ولكن هذا بيتها ، كيف ترحل منه؟..

ـ هل أنت من أهل الكهف؟. لقد أعطوها من سنوات خلت ، سكنى في القرية الاشتراكية ورحلوها من هنا..

ـ وأين؟..

ـ في بورقاص..

ـ أبنوا في بورقاص قرية؟..

ـ يا سي محمد.. اذهب هناك.. ما دمت تعرف بو رقاص . ثمة القرية ، وثمة رحلت تلك المرأة التي تسأل عنها..

وهكذا أنهى المحادثة بلهجة برمة ، وراح يدير مفتاحا غليظا في قفل ذلك الباب الحديدي العملاق..

بورقاص ربض من أرباض الشعبة البور ، تنتهي عنده بساتين الزيتون قد

يما ، شيد فيه صبيحة الاستقلال أكواخ على جناح السرعة ، وسماها الناس ديار الشهداء ، وأسكن فيها كل مغبون بصرف النظر عن موقفه من الثورة . فكنت تجد أرامل الحرْكة جارات لأرامل الشهداء وأرامل اللاجئين اللواتي عدن بأطفالهن من تونس صبيحة الاستقلال ، دون حرج وقد تساوى الجميع في البؤس والنكد.. تبعد القرية التعيسة بحوالي أربعة كيلو مترات . فهل علي أن أذهب إلى بورقاص بحثا عن حياة، أم هل علي أن أمر على المستشفى عسى أن تكون الآن في عملها ..

وقابلني مقر الدرك .. أشأم مبنى في حياتي بالشعيبة .. ثلاثة أيام بلياليها ، قضيتها معتقلا في زنزانة صغيرة لا تتجاوز مساحتها مترين .. لا ، لم تكن ثلاثة أيام بل ثلاثة أشهر ، بل ثلاث سنوات ..الزمان لا يقاس بالساعة إنما يقاس بالشعور به.. ثلاثة أيام توقف فيها الزمان، فكانت كل لحظة فيه دهرا.. استنطقوني عشرات المرات ، كل مرة أضطر إلى تكرار ما قلت سابقا ، حتى حفظت تصريحاتي الصحيحة وغير الصحيحة غبا وعن ظهر قلب ، وأصبحت كالأسطوانة المشروخة تردد حتى تمزقاتها. مارسوا علي كل ألوان القهر ، ولم يوقفوا تجاوزاتهم المنكرة حتى خرجت عن النص ، واستسلمت معترفا بأني فعلا مارست زنا المحارم ، وهو اعتراف لا قيمة له مادمت لا أعترف به في المحكمة! .

الغريب أن حياة ، شريكتي في الفعل المفترض ، تكون قد استنطقت بدورها في بيتها ، ولكنها لم تحجز ولم تحاكم . مع أن التهمة يفترض فيها أن تكون مشتركة . والعقاب يكون واحدا للطرفين .. لم زجوا بي في الحبس وحدي ، وتركوها حرة طليقة؟.. لماذا ؟.. قلت لهم في المحكمة أن الاعتراف الذي وقعت عليه كان تحت ضغط العذاب الجسدي والنفسي، وكنت أعول على عدالة المحكمة ونزاهتها ، لكن دون جدوى ، وسمعت أصواتا في القاعة تقول إن الحكم الشرعي ، لو كنا في دولة الإسلام يقتضي الرجم للمتأهلين حتى الموت.. لا مجرد حكم بالسجن لبضع سنين.. وعندما احتدت اللجاجة صرخت في القفص: أنا لم أعترف. وهاتوا بأربعة شهداء رأوني أمارس فعل الزنى ، ما دمتم تتكلمون عن الشريعة .. وغرقت القاعة في ضحك مستهتر، وراح القاضي يدك الطاولة أمامه بمطرقته دكا يسكت الجمهور الصاخب الذي ما جاء إلا طلبا للتسلية والترفيه على أشلاء أهل القضايا والمآسي ..

ورفضت منطوق الحكم الغاشم، صارخا بكل ما أملك من قوة :

ـ هذا هو الظلم يا ناس!..هذا هو الظلم الأسود .. هذا هو الظلم..

وأخرسني الدركيون ، وهم يسحبونني من قاعة المحكمة مكبلا نحو عربة السجن المقفلة عن المحيط ، كانت عربة داكنة الاخضرار..

وكنت قبل ، قد رفضت توكيل محام ، لاعتقادي بأن ذهابي لامرأة لا يترتب عليه شيء ، وهذا الذهاب يدخل في نطاق ممارسة الحريات الشخصية المكفولة بالقانون ، ولظني بأن القضية أبسط من أن تكون قضية ترقى ليتدخل فيها المحامون، ويأكلوا فيها الأموال بالباطل ..كانت نقمة العدالة الغاشمة : سبع سنوات حكما نافذا مغلقا ..دون احتساب شهور الحبس الاحتياطي ..

الغريب أن مبنى الدرك اليوم مقفل ، وقد لفه الإهمال من كل جانب..لقد نزع منه بعض شبابيك النوافذ، وهدم سور الحديقة الخلفي، وغدت الحديقة كلها قاعا صفصفا، ولم يبق فيها غير بعض أشجار سرو عجفاء مقشورة اللحاء. ما الذي حل بالمبنى؟. وابتسمت رغم إرادتي . أتكون لعنة المعذبين في الأرض أمثالي لحقت به.. أجل ، ابتسمت لهذا الخاطر الساذج رغم أنفي.. الدرك الوطني هيئة نظامية غايتها حماية القانون واستتباب الأمن . ما أقدسها مهمة وأنبلها!. لكن الممارسة اليومية حولتها إلى جندرمة بذات التصرفات الموروثة عن المؤسسة الاستعمارية .. مهمتها القمع والتنكيل بالمواطنين..على الأقل هذا ما عرفته عن الدرك في الشعبة حين اعتقلوني.. قد لا يتصرفون بالطريقة نفسها في أماكن أخرى..

واتخذت وجهة المستشفى سبيلا بحثا عن حياة .. قابلتني اللافتة..

" مستشفى الأمراض الصدرية " ما هذا كيف تم تحويل مستشفى عام إلى مستشفى يختص بمرض محدد في بلدة نائية .. لم يكن ثمة أحد في قمرية الحجابة لأستفسر.. الدخول حر طليق إذن..سألت أحد عمال التنظيف في الممر : هل هذا هو مستشفى الشعيبة أم ؟..

ـ المستشفى الجديد هناك في النقطة الكيلو مترية الرابعة.. قبالة القرية الاشتراكية

ـ أبنوا مستشفى جديدا؟.

وكأنه فهم بأن الرجل الذي يخاطبه غريب ، إذ لا يعقل أن يسأل مثل هذه الأسئلة الجاهلة، فقال مؤكدا وهو يسوق النفايات دون أن يعيرني بالا :

ـ المستشفى الجديد ثمة قبالة القرية ، في بورقاص..

ـ يرحم الله والديك.. لكن قل لي ألا تعرف ممرضة اسمها حياة؟..

توقف عن الكنس ونظر فيّ مليا ، وقال كمن نفد صبره ، ثم عاد لكناسته يسوقها بمجرفته المصنوعة من ألياف سعف النخيل :

ـ لا أعرف.. لا أعرف!.. اذهب هناك واسأل إن شئت..

ورغم خيبتي في لقاء حياة ، تلك المرأة المتقدة كالنيزك اللامع ، تبث الحيوية والحركية حتى في الجلاميد الجامدة المتهالكة ، انتابني شعور بالارتياح لأن المشفى الجديد والقرية التي أشار إليها الكناس متقاربان .. علي إذن أن أتجه إلى النقطة الكيلو مترية الرابعة، إنها مسافة معتبرة .. توجب خمسا وأربعين دقيقة مشيا . وهكذا تقاطعت بي السبل وتشعبت .. يجب علي الذهاب إلى الأحماء في الخربة لرؤية الولدين .. يجب علي الذهاب إلى المدينة لتفقد مسكني إن كان مازال على ذمتي.. يجب علي الذهاب إلى الدوار لمعرفة ما سيجري في حفل تتويج سي أبراهيم جيلاني .." يجب علي الذهاب إلى اليسار ، يجب علي الذهاب إلى اليمين ، يجب التمرس في الوسط . خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت كخروج الروح من الجسد، لن يتاح للفلسطينيين قرار مستقل بعد اليوم.."

لكن السؤال الملح بالنسبة لي ، هو كيف أجمع بين الجنون المعلن أو العته على الأقل ، وبين الخيط الرقيق من العقل والحكمة .. في الأمر مخاطرة غير محمودة العواقب أو مجهولة المآل على أقل تقدير ولا شك .. ماذا لو أجرب طريقة إيقاف أي سيارة تسير على الطريق؟..

لم يكن في الشعبة صبيحة الاستقلال غير ست سيارات أو سبع عربات ، أما اليوم فإن في الشارع الكبير تتشكل أرتال من السيارات التي تأخذ بأعناق بعضها بعضا ، ولا تكاد تعرف أحدا من الوجوه التي تسوقها .. من أين خرج كل هؤلاء المرفهين مرة واحدة ، وبلا مقدمات في هذه البلدة التي لم تكن ذات يوم سوى دشرة ؟!.. الكثير من السواق يتحاشون النظر إلي وأنا أجمع كفي وأشير بالإبهام إلى الاتجاه.. تجاهلهم لي وعدم نظرهم إليّ يريحني. آه ها هو ذا أحدهم أخيرا يتباطأ ، ويشغل الغماز علامة التوقف.. شاب في العشرينيات ، الخوف هو أن يكون من المعارف أو الأقارب..إن ذلك يعطل مشروع العته.. كبح ، توقفت السيارة تماما ، هي سيارة صغيرة لا أعرف اسمها ولا علامتها ،ومن أين لي بمعرفة أسماء السيارات السائلة في الطرق مع سبع سنوات من الغياب عن الدنيا الصاخبة ، والقطيعة مع الشارع..

نزل الشاب بحيوية في بذلة قشيبة كأنه على موعد مع حبيبته ، واتجه صوبي في اهتمام شديد .. لم أجرؤ على النظر في وجهه ، وقد شرع ذراعيه لاحتضاني في ابتسام قائلا:

ـ الشيخ بوعزير؟..

يا للإشكال !.. كيف أتصرف مع هذا الشاب الأنيق الجنتلمان ؟..أردت أن أنقبض عنه .. وشعرت بأن لفظة الشيخ تنطوي على مكر خفي لكنه عميق.. إن الإحساس الذي نفحتني به اللفظة هو ذلك المعنى الذي يمتزج فيه المقدس بالمدنس . فصفة الشيخ فيها كل معاني التوقير والتبجيل والتجلة ، وهي امتياز اجتماعي لكل من يتصدر اسمه بها ، لكن عندما يوصف بها مسرّح من الحبس الذي ما سجن إلا بتهمة الزنى بما يشبه المحارم في ليلة دامية، فلا يمكن أن تحمل معنى الإكبار بحال ، لكنها بالتأكيد تتضمن معنى التعريض بالتهمة إياها... الشيوخية هنا ليست شيوخية العلم أو شيخوخة السن ، بل شيوخية الخلق والعقل. إنها توحي بمعنى رئيس الفساق الفجار المتهورين ،، وهذا أكثر إيغالا في الإيلام..

ارتبكت . تركت الشاب يحتضنني على سجيته دون اعتراض ودون تعليق .. وأضاف يقول دون أن تفارقه ابتسامته التي تعبر بوضوح عن اعتداده بشخصيته وثقته المطلقة في نفسه مرددا في حبور ، وهو يعود بخفة إلى مقعده خلف المقود ، ويدفع لي البوابة التي بجانبه لتنفتح:

ـ هيا اركب.. اركب..

غاظني الموقف حتى حد الحنق ، لقد تعرف علي بثقة مطلقة ، وها أنا لا أتعرف عليه إلا وهما .. سحبت البوابة أغلقها برفق ، لكن الشاب اندفع إلى صدري يفتح البوابة من جديد، ويجذب بعنف وهو يردد:

ـ هذه هي الزسطافا .. لابد من خبط البوابات حتى تنغلق..

لم أنبس ببنت شفة ، العته أمر شاق فعلا ، وها أنا في البداية فقط. وفاجأني وهو يقول حدثتني عمتي الصادة.. تركتها تبكي في حرقة .. نظرت في وجهه ..إنه فرحات ابن خالي الحاج سعد ، غدا رجلا ، لقد تركته وأنا أدخل السجن طالبا جامعيا في المرحلة التالية للتحولات الفيزيولوجية والصوتية الكبرى ، كان أصغر من المرحومة علجية ومع ذلك كانت أمي ترغب في أن تزفها له.. وها هو قد غدا الآن رجلا ناضجا تماما ولا يحمل من سيماه المنطبع في ذاكرتي غير اليسير، لذلك لم أتعرف عليه لأول وهلة من صوته ، وأنا الآن أتعرف عليه ذهنيا واستنتاجا أكثر منه تعرفا ذاكريا.. هل يجب علي الاستمرار في تمثيل دور المعتوه الذي بدأته مع أمي، وأن لا أعيره بالا ، وأستمر في تجاهله؟..

خيمت لحظات صمت كان فيها فرحات يقوم بالمناورة اللازمة لدخول الصف من جديد وأخذ المكان وسط هذا الرتل الجارف من السيارات ، وما إن عشـّق التسريع الثالث ، حتى فاجأني بلهجة العارف الواثق من معارفه:

ـ بوعزيز!.. أقدر الموقف الذي أنت فيه.. هو موقف صعب ، لكن لابد من مواجهته بحكمة وجرأة .. وأول شيء يجب أن تتركه فورا هو هذا التصرف المضحك ، التظاهر بالخبل .. إن ما حدث كان قدرا مقدورا ، ولا فائدة من معاكسة ما كان خارج إرادتنا كبشر .. لقد دفعت الثمن، فلا تنظر خلفك..

شاب يتكلم بصلابة وبكثير من الدقة ومن مراعاة للمشاعر في آن واحد ، وهذا يغريني على الاستئناس به والارتياح إليه.. المضحك ، أني كنت يوما متهما بالخبل والجنون ، وكان ذلك الاتهام ، وهو مجرد اتهام مغرض ، أمرا نغص علي حياتي وفكري ، وسعيت بكل السبل أن أفند الاتهام .. وها أنا اليوم أنسب إلى نفسي وبطيب خاطر ، وبكل إصرار تلك التهمة إياها.

واصلت صمتي ، وواصل فرحات خطابه باستعلاء لم يتفطن له:

ـ لو كان إعلان الصوم عن الكلام مفيدا أو صار التظاهر بالجنون كافيا لفض المشكلات والأزمات على مستوى الأفراد أو الجماعات لصام الناس كلهم أو لجن العالم جله . لكن هوميروس في الأوديسا أثبت من خلال شخصية عوليس بأن تمثيل دور المجنون أمر غير وارد البتة ، لأن البشر بطبيعتهم يميزون بين الفعل الأصيل والفعل المصطنع."

إن فرحات ربما يعرف عصاميتي، لذلك فها هو يحدثني عن الأساطير اليونانية ، وكأني أعرف تفاصيلها كلها، وكدت أسأله صاغرا مستفسرا عن قصة عولس هذا وقد نسيت التفاصيل مع أني قرأت الأوديسا من زمان ،غير أنه استأنف بنفسه موضحا:

ـ إن عوليس هذا يا شيخنا بوعزيز ، هو بطل ملحمة الأوديسا . لقد اصطنع العته كي تعفيه اليونان من المشاركة في حرب طروادة ، وهام على وجهه عبر الأودية والأنهار ، بل إنه ركّب النير على الثيران ، وراح يحرث رمال شاطئ البحر إمعانا في تمثيل الجنون .. لكن الإغريق كانوا قد اهتدوا لحيلة فضحت ادعاءه.. جاءوا بولده ؛ أي بفلذة كبده ، ووضعوه في الخط أمام سكة المحراث ، وكان ذلك يعني هلاكه ، فما كان من عوليس غير أن ترك مقبض المحراث وفزع إلى الولد يخلصه .. ويكون بذلك قد خلع درع الجنون المزعوم الذي ظل يتدرع به ويتخفى لكي لا يذهب إلى الحرب. وتسقط الذريعة التي تذرع بها أمامهم تلقائيا .."

وبدا لي أن تمثيلي مع فرحات تمثيل عابث ، ومع ذلك فإن إلغاء الفكرة برمتها ، ومن الخطوة الأولى يعني أن أواجه الناس عاريا من غير قناع يخفي تضاريس سمجة غير مسبوقة ، وهو أمر يعني كذلك تحمل نظراتهم القاسية وتعاليقهم الفاسقة وتخميناتهم الفاجرة عن الليلة الحمراء المزعومة التي قضيتها مع حياة وسط جوقة من أحزان المأتم وآلام السقوط .. هل أستسلم وأعقد معه اتفاقا على ألا يكشف أمري حتى أقضي مآربي وأسوي أوضاعي؟ ..لا، هذا هو الفشل بعينه..إن الجنون درجات ، وأبسط درجاته أن أضرب عن الكلام وأصوم عنه ، فلا أرد على أي كلمة مهما كان الاستفزاز .. وهاهو فرحات يفاجئني باستفسار يتطلب الرد ، لقد كنت منذ قليل أصدر إلى السيارات إشارة " واعية " ، فكيف غدوت " لا أعقل" فجأة ؟. قال:

ـ ولكن أين تريد أن تذهب؟..

أصدرت إشارة بيدي وكياني كله دون أن أتلفظ بكلمة: " أن إلى الأمام.." هل أقول له إني أريد التوجه إلى حياة ، أبحث عنها في المستشفى الجديد في النقطة الكلومترية الرابعة أو بمسكنها في بورقاص بالقرية الاشتراكية؟. هل سيفهم من ذلك أني أنزلق فعلا إلى الجنون ، أم يفهم بأني أعود إلى رذيلتي التي أدت بي إلى السجن ، ومن ثمة فإن إعادة تربيتي وتأهيلي في السجن قد أخفقت ، وفشلت فشلا ذريعا؟..

ثم ، ومن غير تمهيد قال بجدية متصاعدة أكثر فأكثر :

ـ اسمع يا ابن عمتي الصادة .. كما قلت لك آنفا ..صحيح أنت تعيس، وتعيش مأساة حقيقية ، لكن كن واقعيا وستجتاز الأزمة سالما وتنخرط من جديد في الحياة بحلوها ومرها .. ضع ما مضى دبر أذنك .. انطلق مع الحياة كما لو لم تدخل السجن وستنجح..لا تيأس ولا تبتئس ، ولا تحمل ضغينة لأحد مهما كان الأذى الذي لحقك منه كبيرا . لا تحاول أن تنتقم من أحد ، لأن ذلك يعيدك إلى السجن ، وتضع بذلك نفسك في دوامة لا طائل منها سوى ضياع العمر هدرا ، لا تحزن على ما فات ، وافتح صدرك للآتي ، وسترى بعد ذلك كم هي الأمور بسيطة وعادية..

والحق أن هذه الكلمات الناصحة بعثت الرعب في قلبي، وأحالتني على المجهول أكثر مما حملت لي من مواساة . إن إحساسا ما ، انتابني بأن ما قاله فرحات ينطوي على أن مأساتي لا تنحصر في كوني طليق سجن ، محطما نفسيا ، بل هو فيما يبدو يتحدث عن مأساة شاملة ، وهذا ما يجعل هواجسي عن نوارة تنهشني أكثر فأكثر

عشـّق السرعة القصوى ، كانت السيارة في أقصى سرعتها مع هذه الفسحة الواسعة من الطريق المستقيمة المستوية الخالية من حركة المرور ، قال : ما دام هذا أول يوم لك تنعم فيه بالحرية ، سأتجول بك في دوار القوادرية .. سنزور عمتي التي هي خالتك زينب في حارة أولاد عربي أولا ، ثم ، إن أذنت ، تحضر معي في فرطاسة حفل تهنئة سي إبراهيم الجيلاني ، حفل قد يرأسه المجاهد الفوشي .. سوف أصطحبك معي ، فأنا عضو ـ رغم أنفي ـ في لجنة الاحتفال ، لذلك يتعين علي أن أكون هناك على الساعة العاشرة لأشارك في استقبال الضيوف الوافدين . إني أصطحبك معي بشرط أن تبدي روح التفهم والسماحة مع سي إبراهيم ، وأنا لا أدعوك لتهنئته ، إذا كانت نفسك لا تطاوعك ، الهام بالنسبة إليك أن تحضر التجمع لأن حضورك يجعلك تتلمس الحياة من جديد وتنخرط في المجتمع .. وأتمنى لك أن تصرف عنك الأنظار وتتصرف تصرفا لائقا عاديا ، ولو بمثل هذا الصمت ، وهذا الصوم عن الكلام الذي تواجهني به الآن ..

ورمقني بنظرة خاطفة كأنما يستطلع رأيي فيما يقترح ، ولست أدري ما الذي فهم ، فأنا خالي الذهن عن كل ما يشير إليه، ولم يكن يخطر ببالي أن أحضر حفل تهنئة سي إبراهيم ، زميلي القديم على حصيرة الجامع بمثل هذه السهولة ، ولا أدري من أين استقى فرحات أن لي حساسية زائدة تجاه سي إبراهيم ، إلى درجة ينصحني فيها بأن لا أهنئه إن شئت ، وأكتفي بالحضور مع الحشد الوافد..إن سي إبراهيم لم يكن بالنسبة لي غير زميل قديم في الجامع ثم مجرد زميل خامد في المقعد الدراسي في الابتدائي ، وفرحات في وهم ، إذ لا أكنّ لسي إبراهيم ابن ربعية أي شعور سلبي، لا بالمقت ولا بالحسد ، قد يكون تسلق وترشح على ظهر أخته ذهبية.. لقد تزوجها المجاهد الكهل سي قندوز الفوشي القيادي إبان الثورة ، كان يشغل منصب المكتب السياسي في الشعبة بعد الوفاة الغامضة لبوسنة الزوج السري لحياة ، ولا أعلم الآن ما هو المنصب الذي يتبوأه في قيادة الحزب، وبالتأكيد هو من بسط الطريق لسي إبراهيم من خلال نفوذه الحزبي ، وهذا لا يثيرني ولا يعنيني أصلا ، فما الذي يعنيه فرحات بهذا النصح؟..سي إبراهيم ليس سوى شخص خجول ومسالم ، بل ويحمل في طويته بعض الذل..شأن كل ربيب ، رأى أمه يوما تغتصب أمام عينيه ، وبعد أيام يستشهد والده بكمده جراء ذلك الاغتصاب..ثم يبارك بنفسه زواج أمه بالرجل المغتصب!..

ضغط فرحات على المكبح بطريقة فجائية ، جعلتني أتدافع كالطفل إلى الأمام بكليتي ، وتتجند أطرافي كلها تلقائيا لأتشبث بأي شيء حتى لا أنقذف من خلال زجاج السيارة الأمامي ، عشّق السرعة البطيئة الثانية ، ودار مع طريق طينية متخددة تؤدي إلى مشتى أولاد عربي ، ليست حتى ممهدة فضلا عن التعبيد . وبدأت فرقعة السيارة مع الأخاديد والحجارة الناتئة والحصى والشظى ، كانت السيارة تئن حينا ، وتصرخ آونة ، وترتطم بالأرض ثالثة ارتطاما ينبئ عن قرب تفككها..وقال فرحات : لقد بُرمجت هذه الطريق في المخطط الرباعي الثاني ، وهانحن في المخطط الخماسي الثاني ، ولما تنطلق الأشغال ..إن على سي إبراهيم أن يضع هذه الطريق على رأس قائمة المشاريع التي يجب أن تتحقق في هذه الجهة..