الفصل الثاني
بالكاد صعدت زاسطافا عقبة متعرجة كأداء ، ثم انحدرت من الجانب الآخر للكدية وقطعت فيضا تشكلت في وسطه بركة ماء ، احتال فرحات على تجاوزها دون الخوض في مركزها العميق ، لنصل إلى تلك البطحاء التي غالبا ما اتخذتها مركبات عسكر فرنسا أيام الثورة محطة ومركنا تركن إليه عشرات الدبابات والمجنزرات ومختلف الآليات ، ومهبطا للحوامات.. ثم اتخذت معسكرا ثابتا لم يتم إخلاؤه والجلاء منه إلا مع انتهاء الحرب ، وما زالت صومعة العسة الخرسانية في الكدية طللا قائما شاهدا ، أما البطحاء ،أو القنطور كما تسمى ، فقد شرع في ركن منها تشييد مدرسة من حجرتين وسكنى للمعلمين ،أما هامتها العريضة الفسيحة فقد أعيد استصلاحها، وهاهي الزروع الخضراء تزين كفها المديد ومتنها ، وإن زحف البناء الريفي بعشوائيته إلى أطرافها العليا ، لم يبق في البطحاء غير ممر صغير يشق وسطها ، وقد رسمته عجلات الجرارات، راح فرحات يقتفي أثرها في حذر واحتياط .. وفاجأتنا عاصفة من الكلاب تفلت من الزرع وتهجم على هيكل السيارة متواثبة في هجمة شرسة ، وفي نباح مسعور .. وأسرع فرحات يدير مقبض زجاج النافذة الذي كان مفتوحا حتى النصف ليسدها ، وهو يقول:
ـ يا له من استقبال حافل منقطع النظير!..
لكن عاصفة الكلاب الهوجاء سرعان ما سكن هوجها، وفترت همتها ، وأخذ الكلاب يتخاذلون الواحد بعد الآخر ، ولم نعد نسمع غير بعض النباح المتراخي المؤذن بالانصراف إلى ما يفيد. والانتهازية ليست حكرا على بني البشر، فقد كان كل ذلك التجمع الكلبي الحافل من أجل مطاردة أنثى وتخصيبها ، وما كادت عاصفة الهجوم على السيارة تنتهي ، حتى كان أحد الذكور، وفي غفلة من منافسيه ، قد نزا بعد على تلك الأنثى ، وتم له الأمر ، وهاهو العراك الآن ينشب في الجمع المتنافس على غير هدف ، بعد أن زال الخطر الخارجي المتمثل في السيارة .
وعلى عاصفة الكلاب ، هب من كل دار في الحي شخص أو أكثر يستجلي ما تتحرش به الكلاب، تماما كما تخرج السناجب من جحورها مشرئبة بأعناقها في قلق وذعر ويقظة .. وها هو مبنى بيت خالتي زينب الذي يتصدر الحي ، وقد تميز بانفصاله عن بيوت الحي بعشرات الأمتار، وهو مبنى يتألف من جناحين ؛ جناح قديم يقبع إلى الوراء شاده عليوة والد عبد الله وخضير ، جدرانه من حجارة ، وسقوفه من ديس وطين ، وجناح حديث متقدم ، شاده خضير رحمه الله إثر عودته من الغربة ، ومادته من إسمنت وحجارة ، وسقوفه من قرميد، ويربط بين الجناحين حوش واسع تنتفخ في أحد جوانبه سقيفة عريضة من مادة الترنيت الكئيبة،في شكل مرأب للجرار وعتاد الفلاحة .. وأقيم هذا الجناح الجديد على أرضية غرفة الضيوف الأمامية القديمة التي استسلمت فيها زينب ذات مساء لخضير ، وهي في عصمة أخيه عبد الله ، والتي فيها أيضا كتب لها سي الجمعي بن الحاج بعد ذلك ما كتب من رسائل خاصة جدا جِدا وراء الباب الموارب..
ويعجبك في العقلية الريفية أنها تجمع بين القديم والحديث دون ملاحظة أي تناقض أو تنافر ، لذلك يبدو مبنى بيت خالتي زينب منسجما مؤتلفا بجناحيه ، وقال فرحات كمن يخاطب نفسه ، وكأنما جرى التخاطر، فعلم ما يعتمل في نفسي:
ـ أغبى الأغبياء، هم أولئك المنظرون الدوغمائيون الذين يعيشون في بروج فكرية عاجية شيدوها بأنفسهم ، ولا يرون من الجبل الذي يعترض نظرهم غير تضاريس واجهته ، ولكنهم يجهلون كل شيء عن تضاريس الجهة الأخرى منه ، إنهم لا ينزلون إلى الحياة ليروها في تناقضاتها ومفارقاتها ، وكم هي مع ذلك لا تكف عن أن تلتقي وتتحاور وتتعايش وتأتلف.. بيت عمتي زينب يلخص كل هذا الموقف المعقد ..
ثم أضاف وهو يتوجه بالحديث إليّ في عفوية وانشراح :
ـ أنظر.. الزرع هنا في هذه البطحاء ، كم قد نما وربا وعرش! .."
ونسيت أني كنت في صيام عن الكلام ، فقلت بعفوية وقد سهوت عن عتهي:
ـ هذه هي الفلاحة ..إذا اجتمع الماء والتراب والسماد، كان العجب العجاب..
فصاح فرحات مزهوا ومندهشا :
ـ أخيرا أنطقك نماء الزروع .. حمدا لله..
وأضاف مسرورا وهو يضحك :
ـ وإن لم تكن مجنونا ، فإن فيك بعض الجنون ؟!.
وتفطنت لغلطتي الفادحة التي لا يمكن ترميمها، وقد فات الأوان ، فقلت مستسلما في تعنت:
ـ ها أنت ذا نفسك، تعترف وتشهد بأني معتوه مجنون!..
وما كاد فرحات يوقف العربة قريبا من البيدر بجوار كوم التبن المشيد في شكل هرم ، حتى خرج علينا ومن حيث لا ندري ، كلب سمين يجر في رقبته سلسلة لامعة ، وقد اشتد في بناحه، وإن حرص على أن يترك مسافة فاصلة كافية تفصله عنا ، وهو ينبش الأرض بيديه كلتيهما كأنما يتوعدنا بالدفن .. ونتأ هذه المرة من باب الحوش الكبير صبية في نحو السادسة أو السابعة من عمرها ، ويعجب المرء أن يرى مثل هذا الملاك في الريف ، قطعا إنها ليست بحال من بني البشر، هي بنت النور والضياء ، بنت حورية من حوريات الجنة ، أو بنت عروس من عرائس البحر ، إنها مثال لتلك الصورة الملونة الخلابة النمطية التي تصور بها الأميرات الصبايا الفاتنات في قصص الأطفال الساحرة ؛ بشرة تقطر صفاء وتشع حيوية ، وشعر ذهبي متموج متوهج منساب كالشلال ، وقامة رشيقة منغمة في خفة الفراش ، ترفل في فستان قطيفي أمغر عميق منسوج من صوف مطعم بخيوط فضية تشع كالنجوم .. ترى بنت من تكون هذه الآية الأخاذة في مثل هذا العمق الريفي ، الضارب الجذور في الجبلة المفطورة على الانطلاق في حياة عفوية ؟..
نطقت الصبية إلى الكلب بنبرة ملائكية ، هي صوت الحياة ، وجرثومة الأمل ، وموسيقى الخلود:
ـ سحاب!.. تعال يا سحاب!..
وهر لها الكلب سحاب ، وانطلق نحوها يهز ذيله ويتشمم حذاءها آية الإذعان والاستسلام ..فأمسكت بطرف السلسلة المجرورة ، وبادرتنا بالتحية والترحاب .. وإذا لسانها عجيب ، وإذا منطقها غير منطق الطفولة العذبة فحسب، بل اللسان لسان الملائكة ، والمنطق منطق الرشد والكمال:
ـ مرحبا ..هل تبغيان الخال عليوة أم ترجوان الجدة زينب ؟..من أنتما؟.. ماذا أقول لهما؟..
ورنت إلي بنظرة جمّـدت نسغ اللحظة ، وأسالت دم الزمان القديم الألمعي ، كانت لحظة كالبرق الوامض ، بل كانت هي ذاتها لحظة البرق الباهر الخاطف التي قلما يعيشها الناس إلا في تموجات الأحلام حين يتكاثف الزمن ويتبلور، فيرى الرائي في حلم وامض ، وفي لحظات ساطعات حياة كاملة في أحداثها المفصلة ، ووقائعها الحافلة الكبيرة منها والصغيرة، وحين يصحو يتعجب ويتساءل: كيف حدث كل ذلك في لحظات قلائل . إنها تلك اللحظات التي أخبرنا عنها علماء النفس التحليلي ، والتي رواها لهم مرضاهم في سرير العلاج ، كوقائع حدثت لهم في حالات كانوا فيها كالشعرة الفاصلة بين الحياة والموت ، حيث يتجسد العمر كله شريطا شديد التركيز يتفجر بالوقائع في ذات الوقت وفي ذات الآن، ويتوحد الوعي بالزمان الكوني المطلق الذي اليوم فيه كألف سنة ، وينفصل عن الزمن المتزمن النسبي المحدود.. هل هي الذاكرة تنفجر على نفسها ؟..
وأحسست بكل مسام جلدي تفرز عرقا باردا ، بسقوط نظرتها على نظري . وأدركت الحقيقة كلها بتفاصيلها .. حقا لقد كانت لحظة المعرفة والتجلي ، هل هي يا ترى كذلك إذن لحظات النبوءات وأوقات الإسراء إلى السموات؟.. ولم أعد في حاجة للسؤال عن الصبية ، من هي؟ ومن تكون؟ ومن جاء بها لهذا الحي السحيق العميق من شعاب الريف؟.. رحماك أيها البرق الساطع .لقد جندل توهجك الوضاء أخي عزوز في تلك الليلة الثنائية عرسا ومأتما منذ السبع العجاف من السنين الخوالي حين كنت أسأل حياة عن ابنتها حورية بإلحاح دون أن ألقى منها جوابا!.."
وقال فرحات يحاور الصبية النبيهة القادمة من ملكوت الضياء:
ـ بنت من تكونين أنت يا شاطرة؟.. أكيد أنت لست ابنة عليوة.. لقد زرت عمتي من قبل ولم أرك هنا ؟..
وقالت الصبية في زهو وفخار:
ـ أنا بنت حياة . حياة الممرضة في مستشفى الشعبة .. ثم تساءلت في براءة :
ـ لكن قـُولا . من أنتما حتى أخبر جدتي ؟..
وتباسم فرحات بخبث ، وكأنما يرمي ببسمته تلك إلى أن هذا الانتساب لامرأة أرملة خاصة حين تكون في مثل حال حياة وقد مضى على ترملها زمن طويل ، فهو انتساب زائف لأمومة زائفة ، وقال مستدركا :
ـ أدعي لنا يا.. ما اسمك يا شاطرة؟..
ـ أنا زهراء..
ـ أدعي لنا يا زهراء خالك عليوة ، وستعرفين من نحن بعد قليل . لكن لا تدعي هذا الكلب المرعب ، وقولي له أن يربطه أولاً ..
وقبل أن تنصرف الصبية المتوهجة في خفتها ورشاقتها تجر الكلب معها وقد انصاع لها انصياع الوحوش الضارية أمام الأولياء الصالحين ، كان باب الحوش قد رص بحشد من الخلق يتفرجون على العربة .. كانوا صبيانا وصبايا ، لا يكاد يتميز بعضهم من بعض ، وقد لفهم البؤس نحافة وعريا وحفا ، وجمعهم تقارب أعمارهم ، وشعورهم المتهدلة أو الشعثاء، بعيونهم الدقيقة الدامعة ، وبأنوفهم السائلة بالمخاط ، وبوجناتهم المشققة المحمرة المزوّقة إما بخطام الصدور أو بسخام القدور ، أو بفتات ما تناولوه من طعام الإفطار الهزيل ، أو بكل ذلك جميعا .. إنهم أبناء عليوة ولا ريب.. وهاهو يشق إلينا الحشد المشرئب الأعناق متعثرا ، وقد لفته برانسه التي نأى بها كاهله ، وهو يصرخ في جمع الصبية الحاشدين:
ـ أخلوا الباب .. كأنكم لم تروا في حياتكم عربة!..
ثم أخذ من الصبية بسلسلة الكلب وجره نحو مربطه وخمه.. وهو يرحب بنا من بعيد
أقفل فرحات بوابات العربة الأربع بالمفتاح، وهو يحضن إلى صدره كيسا معبأ ببعض أرطال مما يمكن أن يشكل هدية صالحة من التمر والحلوى للخالة زينب وكنتها وأبنائها وأحفادها ، مراعاة للأصول المتبعة ، وقال يشجعني على المضي لملاقاة عليوة :
ـ هيا إنها دار خالتك . تستطيع الدخول حتى دون استئذان ..ثم أضاف وقد غير لهجته لتبدو أكثر جدية:
ـ دعك مما أنت فيه من انقباض وذهول ، ودع خالتك تفرح بك . لا ضرورة للتنغيص عليها ، وهي بعد ، وقد توفي عنها بعلها منذ عامين لم تعد تحتمل أي تنكيد..
ولم أكن أعلم أن العم خضير قد قضى نحبه ، فاسترجعت في سري ، وحوقلت واسترحمت ، وتساءلت ترى لمَ لم يخبرني بذلك ابنه المزعوم عبد الناصر وقد زارني في السجن،أم هو أيضا قد علم وتأكد بأنه أبوه في أوراق الحالة المدنية فحسب؟.. أم أن مدة العامين كانت كافية لتنسيه في أبيه المزعوم؟..
والحق أنني لم أنس فكرة العته والجنون قط ، واصطنعت الذهول الناطق بذلك، لكني من جهة ثانية ، أحسست بأن هذا الذهول الذي غسل أمشاج صدري وطهر قلبي،قد تأتىّ من رؤية الصبية المدهشة ؛ زهراء.. تلك النجمة البازغة المتفردة ، وقد انطبق اسمها على سمتها وعلى كل سيماها تماما..
فهي الزهراء الزاهرة ..
مثل قطرة الندى الباسمة ..
الملتمعة حقا مثل أقحوانة مبتلة متفردة..
تفتحت توا في حقل لا يسع من الأزهار الزاهرة المشعة غيرها .
حرر عليوة يديه بمشقة من لفة برانسه ، ليحتضننا الواحد بعد الأخر، وقد بدت جزمته السوداء المطاطية تحت السروال كما لو كانت حذاء مصمتا. وظل يكرر السؤال في إلحاح عن الصحة والحال دون سأم أو كلل، ويقسم بالله العظيم بأنه وسائر الأهل على خير حال ومآل، وفق تحية العرف المتبعة في الريف..
راح عليوة يتقدمنا إلى بيت الضيوف المتصدر للجناح الجديد من البيت ، فيما أخذ من فرحات علبة الهدية المتواضعة ، ويلومه في رياء ظاهر على هذا التكلف الذي لا ينبغي أن يكون بين الأهل..
وذكرتني محاولة العته والجنون ، بتقنية ماكرة كان عليوة ، هذا الفلاح الأصيل الذي يشق الآن الطريق أمامنا ، قد سبق أن استعملها إبان الثورة حين أراد جندرمة الاستعمار استجوابه فاستعصى عليهم ونجا من التجنيد الإجباري بفضل تلك الحيلة، لقد كان الجندرمة يقصدون سوق الأربعاء بالشعيبة، وفي أيديهم كراسة بأسماء المطلوبين للخدمة العسكرية الإجبارية ،وكانوا مرفقين بحارس الدوار اسماعين المرابطي أو الشامبيط كما يدعى محليا ، من أجل التعرف على الأفراد والترجمة ، سألوا عليوة :
ـ ما اسمك؟..
وحين يترجم له اسماعين الشامبيط السؤال ، يجيب باسما كأنما يخاطب صديقا له:
ـ ما اسمك؟..
واحتار المرابطي الشاميط في الترجمة، فطلب منه رئيس الفرقة أن يترجم حرفيا ما يقول هذا الأهلي الذي يبدو ظريفا، وأعاد سؤاله:
ـ قل له ما اسمك؟..
فردد عليوة بذات النبرة :
ـ قل له ما اسمك؟..
وظن الجندرمي أن الفتى يلاطفه ، فقال بحسن نية :
ـ طيب ، أنا اسمي جون دي كاصاد ، فما اسمك أنت أيها الشاب الظريف؟..
ورد عليه الشاب الظريف:
ـ طيب ، أنا اسمي جون دي كاصاد ، فما اسمك أنت أيها الشاب الظريف؟..
واندهش الضابط لهذا السلوك غير المنتظر، فصفعه على وجهه وصاح فيه:
ـ أنا هو جون دي كاصاد ، فمن هو أنت أيها الأحمق؟..
فرد عليه عليوة بكل بسالة وجرأة يصفعه ، ويقول بذات الغضب الذي تلبس الجندرمي:
ـ أنا هو جون دي كاصاد، فمن هو أنت أيها الأحمق؟..
وغرق فوج الجندرمة في الضحك ، بما فيهم الجندرمي المصفوع لهذه الملهاة غير المنتظرة ، خاصة وهم فيما يبدو فرقة جاءت حديثا من العدوة الأخرى ، ومن الفرنسيين الأحرار الذين لم تتلوث عقولهم بعد بأفكار المعمرين العنصرية ، ولم يتشربوا بعد تلك النظرة التحقيرية لذوي الأقدام السوداء تجاه الأهالي والاستعلاء عليهم .. فيما ظل اسماعين المرابطي مشدوها لا يدري ما يفعل مع هذا المعتوه..
وحيث إن الشامبيط مطلوب منه أن يكون عارفا بكل سكان الدوار تحول إليه الجندرمي وألزمه بإعطائه اسم هذا الممثل الهزلي المأفون.. فراح مرابطي يحملق في المتسوقين بحثا عمن يعرف هذا الأحمق، ووجد ضالته ، صدح فيه أحد الفلاحين الذين كانوا يتفرجون على المهزلة ، وكان نابها يعرف تقنية عليوة:
ـ هو عليوة قادري ، ألا تعرف معتوه القوادرة ، ام لست أنت هو الشانبيط اسماعين المرابطي؟..
وحين سمع الدركي الترجمة، قال للشامبيط :
ـ كان عليك أن تعرف معتوهي دوارك وتعفينا من الصفع..
وحرر ملاحظة تفيد بعدم أهلية الفتى ، مقترحا شطب اسم قادري عليوة من لائحة المطلوبين للخدمة العسكرية.. وقد تأكد من عتهه وجنونه ، وهكذا ظل عليوة يردد استجوابات العساكر حين يتعرض لها وينجو ، قبل أن يقرر الالتحاق بالثورة ويضع حدا لتلك المضايقات .."
دفع بجزمته المطاطية الباب الأخضر اللون ، الذي كانت عتبته الواطئة محلاة بحافرية خيل حديدية ، مما يحذو به الخيل ، دفعا لكل عين شريرة ، وجلبا لكل حافر بركة "وجرة خير" .. فحافر الخيل يعني طابع الخير والبركة ..
كانت الحجرة مفروشة على غير العادة بحصير واسع ليس بالجديد القشيب ولا بالقديم المهلهل ، مغطى بحنبل صوف مرقوم بخطوط ملونة متعرجة ، وفوق ذلك مطرحان من الإسفنج الاصطناعي يلتقيان عند الركن ، وقد أسندا إلى الجدر ، ثبـّت في أطرافهما وسائد بيضاء طرزت عليها رسوم ساذجة وأزهار مطموسة بألوان متعددة زاهية ..
ـ أجلسا واستريحا حتى أدعو لكما العجوز..
قال عليوة ، وهو يدفع بالباب الداخلي المفضي إلى الحريم ، وسرعان ما التف حوله جمع الصبية الذين كانوا منذ قليل حاشدين في الباب الكبير ، لقد رأوه يحمل علبة الهدية المفعمة بالحلوى ، فراح لعابهم يسيل للعلبة ، وقد طوقوا والدهم مهرولين حوله في فرح وابتهاج ، ولم يفلح فرحات حين دعاهم لاستدراجهم إليه ليسلم عليهم .. إن عيونهم كقلوبهم كانت مصوبة بانجذاب نحو العلبة الغالية لا تفارقها وتأبى أن ترى غيرها
خلع فرحات حذاءه الأسود البراق ، وبدت قدماه متألقتين في زوج من الجوارب القشيبة الرفيعة النقية ، في لون البذلة القشيبة الزاهية ، ولا شك أن هذا ما يملأ نفسه ثقة يشوبها بعض الكبر الذي دفعه إلى التربع على صدر المجلس دون مبالاة بأني أكبر منه سنا ، وكان الواجب يقتضي منه أن يعرض عليّ الصدارة ، حتى إذا اعتذرت ، كان له بعد ذلك أن يتربع حيث يشاء .. وعنّ لي أن لا أنزع الحذاء ، اتقاء لما قد ينبعث من رائحة غير محتملة من حذائي الذي تعرض للابتلال في الصبيحة ، فجلست إلى حاشية الفراش ، وقد رميت بقدمي بعيدا عن الفراش فوق الأرض العارية ..
عاد عليوة ، وهو ما يفتأ يعيد علينا الأسئلة التقليدية الملحة عن الأحوال والأهل في تكرار متواتر مضجر.. مع أننا أعلمناه أننا بخير والحمد لله .. ها هي خالتي زينب مقبلة تتوكأ بيد على عصا ، وأخرى تستند بها على الجدران ، وعلى كل ما يقع حذوها ، وقد تقلصت قامتها وغدت أشبه بالكرة بعد انحناءة الظهر الفاحشة:
ـ لقد بلعتكم المدينة .. وأنستكم أصلكم ..وها أنتم أخيرا تعرفون الطريق إلى أولاد عربي وإلى بيتي .. وعدة مني يا عليوة ؛ سأشتري من حر مصروف جيبي مئة غرام جاوي ، وشمعتين لخلوة سيدي السعداوي ، ومثل ذلك لمقام سيدي الحملاوي في سوق الأربعاء..
تناولت رأس فرحات أولا ، وصبت عليه جام قبلاتها وأغدقت عليه بما فاض به قلبها من شوق ، وهي تهمهم بالتحايا والدعوات الممزوجة بدموع الفرح والمسرة العارمة . وما إن تخلت لفرحات عن رأسه ، حتى أقبلت على رأسي تفعل الشيء ذاته معي ، ولكن بلهجة ملؤها الأسى والتثريب والتقريع متناسية دور ابنتها البكر حياة فيما حل بي:
ـ لم ضاعفت ثكل أمك الصادة المسكينة لم؟.. ماتت علجية ، وقضى عزوز ، وحبست أنت..وضيعت عمرك في الحبس، لم؟..
وكانت تهم فيما يبدو أن تسترسل وتقذف بكل ما في صدرها من شجن ، لكن فرحات يقاطعها :
ـ ما فات مات يا عمتي زينب . المفيد أن نفرح به اليوم ، ونساعده ليبدأ حياته من جديد ، ولم يضع شيء بحول الله..
وصادق عليوة بشيء من السذاجة الريفية قائلا:
ـ إنما شيدت السجون للرجال الصناديد، ولم تشيد للنساء الناعمات المدللات!..
وكدت في قرارة نفسي أن أقول له صدقت ، لقد اتهمت أنا وأختك حياة بذات التهمة ، وهاأنا أسجن لسنوات سبع ونيف ، فيما خرجت هي الناعمة المدللة من التهمة بريئة براءة امرأة العزيز في سورة يوسف الصديق ، ترى ألا يعلم عليوة أن من أسباب سجني هو الاختلاء بأخته الأرملة في ليلة مأتمية ببيتها ؟.. أم هو فاقد لكل حس إلى درجة العته، فهو معتوه فعلا لا تمثيلا ..ألم تكن خالتي زينب تدعي متبجحة بأنه كان غيورا عليها من العسكر حين يداهمون الدوار ، ولذلك نفته وأبعدته عن البيت إلى جدته يمونة حتى لا يقع محذور الاغتصاب ـ لا قدر الله ـ أمام بصره كما وقع لربعية المسكينة حين اغتصبت أمام أبنائها؟.. وممن؟.. من خماس زوجها . وبدلا من كل ذلك ، قلتُ في حسرة مشوبة بالأسى والندم :
ـ المكتوب يا خالتي.. المكتوب.. هل علي أن ألوم المكتوب؟..
وكأن النفوس تقبلت فكرة المكتوب الحتمية ، كخاتمة تضع حدا للنقاش في هذا الموضوع الكئيب ، فردد الجميع في نفس واحد :
ـ حقا هو المكتوب..
وخيم صمت على الحجرة للحظات. كانت جدران الحجرة عارية من كل زينة وأثاث ، اللهم إلا وتدا ناتئا في الغارب ، كما أن الجدران مازالت خضراء على حالها، لم تمتد إليها فرشاة بالطلاء بعد لإخفاء مجسات البنائين وصقالاتهم ، وكان السقف عبارة عن ألواح من خشب مغراء صفراء متراصة في صفين يمتدان ويتصاقبان عند قنطرة الغاربين .. من منتصف عمود السقف أو القنطرة يتدلى مصباح كهربائي منطفئ طبعا ، وقد جذب نظر فرحات ، فقال في تفاؤل مسرف:
ـ قريبا سوف تنيرون هذا المصباح الخامد.. سوف يبذل سي إبراهيم الجيلاني كل جهده من أجل كهربة هذا الحي من مشتى أولاد عربي ..
لكن ما لاحظت ، أن عليوة رمقني بطرف خفي ، وكأنه يشكك في تفاؤل فرحات ، وقال في لهجة مثبطة:
ـ ابن ربعية يجلب لنا الكهرباء؟!. ذاك وكده أن يتزوج كل عام بامرأة.. بل في كل..
"..ربعية هذه كانت إحدى النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب أيام الثورة ولكنه اغتصاب لا يخطر على البال ، لقد كان اغتصابا على المباشر ، ومن قبل بودربالة ، خماس العائلة الوضيع الشأن .. وقد أجبره العسكر على فعل ذلك ، فانصاع وفعل فعلته الذائعة بكل فحولة وتفان، وخضعت له ربعيه بعد ذلك وإلى الأبد .."
وقالت الخالة زينب لابنها تنهره عن الاسترسال في الحديث بنوع من العصبية اللافتة للانتباه ، خشية أن يذكر فعلة بودربالة الذائعة:
ـ مالك أنت وهذا ؟.. أسكت..أنت لسانك كم هو طويل!..
لكن عليوة لم يسكت ، وعلم مراد أمه الذي هو الخوف من ذكر فعلة بودربالة القديمة ، فالريفيون بقدر ما هم أشد نفاقا ، هم أيضا أشد فظاظة وصراحة ، وقال محتجا:
ـ لا أتكلم عن زوج أمه بودربالة ، استريحي واهنئي ، لكن والله ، إنهم يشغلوننا عن أمورنا ، ويسرقون منا قوتنا . عشرون ألفا مفروضة على كل بيت .. لماذا كل هذا الهرج يافرحات يا ابن خالي..أتعجب منك ومن والدك خالي سعد ، لقد سعيتما لينجح هذا الأتان في الانتخابات ونجح. لكن ما الفائدة؟..
وقال فرحات مبررا مناصرة الجيلاني :
ـ حقا يا عليوة.. لقد اتفق عرش القوادرية على أن مناصرة أتاننا البطيئة الهزيلة خير من انتخاب الجياد المطهمة المنتمية للزواتنية ، أو البغال المُعْلمة المنتسبة للسعداوية ..
ـ لكن ، ماذا أنجز لنا في العهدة السابقة؟! .. ما أعلم أنه استفاد هو فقط ..استفاد من قطعة أرض كبيرة في أربعاء الشعبة ، ويقال أنه استفاد من سكنى هناك في مقر الولاية ، وتزوج ثانية و..
ومرة أخرى ، وهو يذكر الزواج ، أخرصته أمه ،إذ قالت ، وكأنها ترى، وهو يخوض في أمر الزواج ، حساسية ما :
ـ عليوة!..أسكت يا بني ..أنت لا تحسن الكلام ..
ثم أضافت وقد غيرت مجرى الحديث ، وتتجه إليّ بكليتها بصورة مفاجئة:
ـ ومتى أطلقوك من الحبس يا بوعزيز ؟..حتى الصادة أمك كانت تتحرج أمام الخلق، وتتحاشى ذكر اسمك .. حياة وحدها كانت تذكرك بلا حرج .. قالت لي وهي تسلمني زهراء وتوصيني بها ، أنه سيخلى سبيلك في هذه الأيام ، وقد صدقت.. وها أنت في بيت خالتك..
".. يا خالتي زينب .. يا أيتها العجوز الحيزبون، لا يفوتك شيء رغم ما أنت عليه من سن متقدمة ، ومن حال شيخوخة .. صدق القائل " إن كيدهن عظيم.." تعرفين عني من خلال حياة كل شيء إذن.. كل سري لدى حياة.. بما في ذلك موعد انعتاقي من السجن.." وكتمتُ غيظي لأقول بلا انفعال :
ـ البارحة.. البارحة يا خالتي زينب..
وقال فرحات متسائلا في براءة تامة:
ـ ومن هي زهراء هذه التي تدعي أنها ابنة حياة؟..
وأسرع عليوة إلى الباب الداخلي ليتأكد من أن لا أحد يتنصت من الصبية ، ويحكم غلقه ، ويقول كمن يذيع سرا خطيرا في شبه همس:
ـ بالتبني ، بالتبني! .. البنت ملاك من الملائكة ، انتقتها حياة من بين أولئك المواليد الذين تتخلى عنهم أمهاتهم في المستشفى حيث تعمل..
وساد صمت في ذهول امتد كالدهر قبل أن تقول خالتي زينب ما يؤكد لي تلك المعرفة المتجلية لي ساعة التقى ناظري بناظر الصبية البهية زهراء:
ـ يا عليوة .. يا عليوة يا بني.. ألا تلجم لسانك قليلا ؟..ألم أوصك أن لا تذكر هذا الأمر لأحد مهما كان ، صونا للصبية من كل ما قد ينغص عليها حياتها..قل هي ابنة حياة وكفى..
لقد غاب عن خالتي أن أمور النسب لا يمكن أن تخفى على أحد، وهل خفي نسب ابنها الزنجي عن أحد . الكل يعلم أنه جاء من اغتصاب العسكري الزنجي لها أيام الثورة ، بما في ذلك الصغار.. وربما بما في ذلك زوجها المرحوم ولكنه يكبت ذلك العلم الوخيم في صدره ..إنه ذلك النوع من العلم الذي يحتفظ به كل فرد لنفسه ، ويظن أن ناسا قليلين يملكون ذلك السر، لكن الحقيقة أن ناس الحيز كلهم مشتركون في العلم بذلك السر غير الدفين..
وقال فرحات ، وكأنما يلقي باللوم كله على نفسه:
ـ لكنني أنا الذي استفسرت يا عمتي..
وقالت وهي تلقي إلي بنظرة باهتة:
ـ الأمر كما قال على كل حال ، لكن لا أريد أن يتردد هذا الكلام مرة أخرى عن الصبية المسكينة..
"..لا يا خالة !.. الأمر ليس كما قال عليوة ، إنه في حال من العمى التام بخصوص الصبية الزهراء، إنه يهرف بما لا يعرف.. وحدك مع حياة تعرفان الأمر كله ، وها أنت تلقين إليّ بالسر الخبيء لأكون الشخص الثالث العارف ، وإن كان حدسي عرفني بنسبها ، وهي تقول إنها ابنة حياة.. بل وقبل ذلك ، وبمجرد أن وقع عليها ناظري .. لكنك مخلصة للخبرة المكتسبة غريزيا عن جداتك منذ آلاف السنين في شؤون الخصب والتوالد والانتساب .. سر إعطاء الحياة من اختصاصكن أنتن أيتها النسوة وحدكن ، وإعطاء شهادة الميلاد من شأنكن ، ما لم تسلب منكن مخابر العلم الزاحف في تقدمه ذات يوم هذا الاختصاص. أما هؤلاء الرجال الواضعون لقوانين التناسل والتناكح والتصاهر ، فليسوا غير طفيليين على اختصاصكن أو هم دجالون متحايلون ، وهم لا علم لهم إلا بما تتفضلن به أنتن من قشور في مثل هذه الشؤون الخطيرة..
أجل يا خالتي زينب ، أنت تقرّين ظاهرا بأن الزهراء بنت ولدتها أمها المجهولة بصفة عابرة في مشفى ، وتخفين الحقيقة مسايرة فقط لهؤلاء الرجال الذين وضعوا القوانين من أجل التحكم في عالم آخر له قوانينه البيولوجية التي هي بالطبع لا تخضع للقوانين الوضعية إلا في الحالة التي تتخلى فيها البيولوجية عن فرض إرادتها . ولكن لامناص أحيانا من مسايرة القوانين الزائفة ، ولذلك فأنت تحفظين جيدا رد إحدى جداتك الفائقات الذكاء عن استشارة الخليفة عمر لها في شأن امرأة مات عنها زوجها ، وبعد اكتمال عدتها أعادت الزواج ، فإذا هي بعد ستة أشهر فقط من الزواج الجديد ، تنجب مولودا مكتمل النمو تماما مثل أبناء التواسع.. وهو ما يعني بيولوجيا أن الزوجين الجديدين تواصلا سريا قبل إعلان الزواج وقبل انتهاء أجل العدة ، والمولود كان ثمرة لذلك التواصل غير الشرعي الهاتك للحدود..
لقد أجابت تلك الجدة العتيدة الخليفة الفاروق بثقة كاملة مطمئنة ، بأن الوليد هو ابن طبيعي شرعي للبعل المتوفى ، لقد ظل جنينا في بطن أمه ، متوقفا عن النمو، لكنه ظل حيا كامنا ، وما إن باشر البعل الجديد عِرسه ، وأغدق عليها من مائه ، حتى استأنف الجنين الذي كان في سبات نموه وحياته .. وهذا سر الأشهر الستة ، بدل التسعة المعهودة..وتم بهذا التصريح الذي يعني أن على القاضي العمل بالنتيجة التي تتوصل إليها الخبرة ، ولا يتحمل وزر الخطأ غير صاحب تلك الخبرة .. تم إنقاذ الزوجين المتعجلين في قضاء الوطر من التهلكة ، لقد مارسا الفعل المحظور قبل جفاف التراب على رمس الزوج السابق الهالك .. أنت يا خالتي زينب تعلمين بأمر زهراء، كما تعلمين بأمر ابنك عبد الناصر وبأمر ابنتك الأخرى المسماة الصغيرة ، وربما بأمر عرجونة وحادة أيضا.. من يدري؟..ولكن لا وجاهة في أن يعرف الناس ذلك جهارا نهارا، وللفضوليين أن يعرفوا ذلك بوسائلهم الخاصة ..
تحسست جيبي بحثا عن قابصة الشمة ، وما إن نقرت غطاء العلبة بظفر أصبعي الوسطى حتى قالت الخالة لابنها عليوة:
ـ وأين علبة الشمة التي أوصيتك عليها ؟..
ـ لم يكن لدى بوبريطة غير شمة الفم ..يقول مسحوق الأنف يكون الأربعاء القادم..
ـ يا حسراه !.. كيف أصبر حتى يوم الأربعاء يا ولدي؟..
وقلت للخالة مقترحا :
ـ اسحقي شمة الفم ، واستعيضي بها عن النشوق..
ومد عليوة يده ليرفع قبيصة بين السبابة والإبهام من علبتي ، دون استئذان حسب التقاليد المرعية في الريف ، إذ ما إن تفتح علبة دخان حتى تمتد إليها سائر الأيدي تنتهبها انتهابا في حال من الشيوع المطلق، وقلت بلهجة إغراء ، وأنا أُميل العلبة المفتوحة في اتجاه الخالة :
ـ خذي رفعة يا خالتي ، إن الشمة في الفم أو في الأنف سواء.. ولم تبد أي اعتراض أو تحفظ ، ومدت بأصبعين مجعدين مرتجفين نحو القابصة ، وهي تقول:
ـ شمة الفم لا تنفذ في الرأس حارة كاسحة مثل نشوق الأنف.. النشوق يجعل الجمجمة كلها تغلي كالمرجل في لحظات ..وعطستها تخرج السم وبزر الحنظل من الكبد والحوايا والفؤاد ، فيأزب الدم في المخ ، وتنتعش الروح بعد ذلك..
وقال فرحات يهمس لي وقد اندهش للغتها:
ـ حين يتكلم كبار السن علينا أن نحضر معنا المعاجم لنفهم!..
وفي هذه الأثناء يشرع الباب الداخلي حتى نهايته ، وتدخل امرأة قزمة ، منتفخ بطنها ، بمائدة من النحاس الفضي ، عليها إبريقان وفناجين كبيرة . إنها وسيلة حرم عليوة .. وضعت المائدة وتقدمت إلى فرحات .. سلمت على كاهله في تجلة وإكرام ، ومدت له يدها ليأخذها لفمه ليلثم ظاهرها ، وتجر يده هي ، وبذات اليد نحو فمها لتلثمها بدورها ، وتستمر عملية تبادل لثم اليدين مرات ـ تحية أهل شمال إفريقيا كلها والتي انقرضت في المدن وقد تنقرض قريبا في الأرياف ـ وهي تسأل عن عقيلة أم فرحات ، وعن الحاج ، وعن البنات والبنين بما يحضرها من الأسماء..
وقال لها زوجها ضاحكا ساخرا:
ـ اسألي يا وسيلة بنت المؤمن عن مريومة ، ضرة عقيلة الجديدة .أم نسيتها؟..
لكن وسيلة لم تعر كلام زوجها اهتماما ، ورأيت فرحات ينكمش في خجل ، فيما تصدت الخالة زينب لابنها تجادله :
ـ وما العيب في أن يتزوج أخي ، وهو شيخ وعالم.. له أن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة إذا شاء؟!..
ـ العيب أنه تزوج من غير أن يدعو للعرس أخته الكبيرة؟!..
ـ كم هو لسانك طويل مثل عمك خضير! .. أخي سعد لم يقم عرسا أصلا.
و أقبلت عليّ وسيلة ، ومدت لي يدها مباشرة من غير تحية التجلة والتقدير على الكاهل كما فعلت مع فرحات ،ولم يدم طواف التسليم على ظاهر اليد غير شوطين ، وساءني هذا التقتير والتمييز في التحية، وبلغت الإساءة مبلغها حين اكتفت بالتسليم البارد دون سؤالي عن أي شيء، وكأني عود مقطوع من شجرة ، فلا نسب ولا ولد ولا أهل..لقد تعاملت معي بتجاهل فظ .. إنها الخبيثة تعلمسبب حبسي وتعرف سري مع حياة بخلاف زوجها الذي ينفخ ريشه كالديك الرومي باطلا ..
كانت رفعة الشمة قد سممت حنكي بما يكفي ، ولا بد أن أنفث زبل السم من فمي ، وأن أطرح فضلاته ضمن البصاق العفن ، ولم يكن من المناسب أن أتفل ، مع أن عليوة لم يتوان عن البصاق ذات اليمين وذات الشمال ، دون أن يعير أحدا بالا، فوثبت وثبة نحو الخارج لأتخلص من النفاية المسمومة في فمي ، وأعود لمكاني على حاشية المطرح الإسفنجي..
وقال لي عليوة ، وكأنه يلاحظ لأول وهلة جلوسي غير السوي على الحاشية :
ـ لم لا تخلع نعليك ، وتجلس براحة يا ابن خالتي ؟..
ـ إني مرتاح على هذا النحو، لا تقلق..
وقفت المرأة القميئة القامة ، المنتفخة البطن أمام مائدتها بقدمين في صوفية حمراء مهلهلة ، وتهاوت بنصفها الأعلى إلى المائدة تهم أن تصب ما في الإبريقين، فنهرها فرحات بإشارة من يده ، وشرع هو بنفسه يصب .. وسرعان ما اكتظ الباب الداخلي بذلك الحشد المتنقل من الأطفال المتقاربين في أعمارهم ، المتماثلين في البؤس الذي يلفهم . مازال بعضهم يقرض الحلوى أو يمتصها ، فيما راح آخر يتسلق كاهل والده عليوة ، وحاول فرحات أن يتودد لبعضهم ، فطبع بعض القبلات على مضض، كما يفعل كبار الساسة حين يصطنعون مودة مفتعلة تجاه الجماهير الكادحة فيطبعون قبلاتهم المرائية على تجاعيد العجائز والفقراء أمام عدسات التصوير .. واستفسر البعض عن أسمائهم ، لكنهم كانوا يمتنعون عن الكلام فقد كان الخجل الريفي يغمرهم ، فتنوب عنهم أمهم حينئذ ، وتقدمهم ، قائلة : هذا احمنة، هذا سعد ، هذه الخامسة ، وهذه مسعودة كبرى أبنائنا ، هيا يا ابنتي عودي إلى المطبخ . راقبي القدر أن تفيض..
ثم أضافت تعدد بفخر:
ـ هذا حمو، هذا الربيع، هذه ربعية ...
بينما كان فرحات يردد :
"..ما شاء الله !.. ما شاء الله!. " إثر كل إعلان عن كل اسم جديد.. مستفسرا في الأخير عن عددهم الإجمالي:
ـ وكم عدد ما رزقكم به الله من البنين والبنات يا مدام؟..
وبدا لي أن استعمال لفظ المدام الأجنبي في هذه البيئة الريفية في غير محله ، لقد أحسست كما لو كان لفظا قصد منه السخرية من طرف خفي ، لكن وسيلة ، المرأة القزمة الضئيلة ،الضامرة العينين ،البارزة عظمي الخدين ، المصفرة البشرة ، الدقيقة الساقين تهللت أسارير وجهها ، فبدت لأول مرة مليحة الملامح رغم كل ذلك الضمور ، وقالت بشموخ وبكبرياء ، وبتفاصيل لم تطلب منها:
ـ رزقنا يا أ ُخيَّ بتسعة في عين الشيطان.. أربعة ذراري، وخمس بنات ، وضاع لي ثلاثة بطون.. وأومأت إلى بطنها المنتفخ في صمت ، فقال عليوة في استهجان :
ـ والعاشر في الطريق يا ابن خالي..
لكن خالتي زينب علقت بسخرية مريرة ، وهي تداعب حفيدها الذي احتل حجرها وتقبله من بين فخذيه ، لتحيي فيه عضو الفحولة المبكر ، ولتعلي من شأن الذكورة ، وكأنما تعير كنتها وتتهمها بأنها امرأة مئناث:
ـ العاشر أم العاشرة!..لا أراها إلا أنثى!..
وقال عليوة معترضا على إنجاب الإناث:
ـ وما أفعل بالإناث؟.. الذراري على الأقل إذا لم ينجحوا في تعلمهم ، فهم يحتطبون ، يسرحون بالرؤوس ، يتفلحون ، يتسوقون.. أما البنات؟..
وقالت وسيلة ، المرأة القصيرة ، الذربة اللسان في حماس ، رغم ضآلة بدنها، وقد أخذتها الحمية :
ـ ومن قال لك أن البنات لا يشتغلن؟.. ها هي مسعودة ترابط لدى القدر..إنهن يجلبن الماء من الحاسي ، يحتطبن ، يحلبن ، ينقين الحبوب.. وإذا تعلمن فهن المعلمات في المدارس، الممرضات في المشافي ، الكاتبات في البلدية!...
وقاطعها عليوة:
ـ كفى يا ولية .. كفى تعدادا لهذه المزايا الحقيرة ، هن دوما عبء في الصغر، وزر ثقيل في الكبر، ما لم يتزوجن ..
وقال فرحات ينهي جدل الزوجين:
ـ اليوم الكل سواء لدى الدولة .. تبارك الله في الجميع ، ذكرانا وإناثا؟..وهل هم يتعلمون؟..
ـ سعد فقط يقرأ ، أما الباقي فلا..
سعد ، سماه على اسم الخال الحاج سعد ، تيمنا وتبركا ، وعسى أن يبلغ مبلغه في العلم والرئاسة والنفوذ..وتساءل فرحات:
ـ ولماذا لا يتعلم الآخرون؟..
ـ المدرسة الحالية في فرطاسة بعيدة، والمدرسة الجديدة لا تريد الأشغال أن تنتهي بها.. وزيادة على هذا عندما أردت أن ألحق البنت الكبيرة مسعودة بالمدرسة ، طلبوا مني "النقمة " وتبين أنها منسية غير مسجلة في زمام البلدية ..
وقال فرحات في غضب يبدي سخطه ويلوم عليوة على هذا الإهمال:
ـ لكن هذه مصيبة في حق أبنائك؟. كيف تنام على حقهم، وتتركهم بلا تسجيل ، وقد ولدوا بعد الاستقلال؟..
وفيما همّ عليوة بالرد ، نطقت المرأة القزمة تقول في شكوى مريرة من خيبة زوجها وإهماله للحقوق:
ـ هكذا هو دوما يا أ ُخيّ .. ضيع حقه ، وضيع حق البيت كله.. كل الناس أمثاله ، طلعوا وقفزوا.. حتى من لم يجاهد لفـّق أوراقا ، واشترى شهودا ، وتمتع بحقوق المجاهدين إلا هو.. لقد شكوته لخاله الحاج سعد من سنين ، لكن دون جدوى .عليوة ابن عمتك ضيع نفسه ، وضيع أبناءه معه يا أخيّ ..هلا زجرته عن إهماله ووبخته عن تقاعسه، كي يتحرك قليلا؟..
ـ لاعن ذاك!.. ولا عندك ..ولاعن جد الكواغيد !.. لا فائدة من وجع الدماغ، لا فائدة.. ألد أعدائي هو جمع الأوراق.. والحق أقول يا فرحات ، إني يئست ، وليس الأمر كما تهاتر وسيلة .. هذه الولية المسكينة من غير معرفة ولا علم .. الأمر يحتاج إلى مصاريف ومعارف ورشاوى ، والعياذ بالله.. جهادي كان في سبيل الله ، وفي سبيل الوطن.. ثم إن جهادي لم يكن يزيد على خمسة أشهر، وقد أبعدتني عمتك إلى الشعبة مع عرجونة إبعادا ، حين أقام العدو معسكره هنا في هذه البطحاء، فانتهزت الفرصة ،
ولبست فدائيا ، انتقاما منها وتشفيا لإبعادها لي .. جهادي المتواضع لا يسمح لي بأن أمنّ به على أحد، ولا يسمح لي بالشكوى المريرة ، ولا بتملق أبناء الحركة الذين سيطروا على كل شيء في الإدارة .إن في الذين جندوني من استشهد، وفيهم من مات بعد الاستقلال ، وفيهم من باع جهاده وتنكر لرفاقه، فهو لا يشهد إلا لمن يبيع ويشتري معه، وأنا لن أبيع جهادي ، ولن أشتري مع أحد.. أنا لم أبرح أتساءل عن معنى الاستقلال ، ما دام الظلم لم يبرح مكانه.. بل وما الفرق بين جاكوب وجوزيف الأمس وبين يعقوب و يوسف اليوم؟!..يا ليتني لم أصطنع العته يوم أن قبضتني الجندرمة في سوق الأربعاء ..إذن لكنت حركيا وفعلت فعلتي!..
وسأله فرحات عن قصة العته المصطنع فرواها بفخار ، وضحكنا حتى سالت دموعنا، وقالت وسيلة وقد استعادت ثقتها بزوجها فجأة:
ـ لهذا زوجني به والدي المجاهد..إنه يشبهه..
ورغم أنفي ، قفز لذهني صورة المرحوم أخي عزوز في حماسه الأهوج للثورة الزراعية المرتبطة أساسا بثورة التحرير في توجهاتها الشعبية الشاملة ، وكيف أنها ليست ثورة بتلك المفاهيم الطوباوية الدوغمائية المتغربة ؛ بما تعنيه من صراع طبقي عن فائض القيمة ، وتقاتل بين العمال والملاك ، ودماء تسفح من جديد ، كما يريدها الماركسيون والتروتسكيون والماويون وغيرهم .. وكأن المليون ونصف المليون لم يكن كافيا ، ولكنها أولا وقبل كل شيء وفاء بالعهد تجاه هؤلاء الذين احتضنوا ثورة التحرير ، فنُهبت أموالهم ، وخُربت ديارهم ، وحُرقت أكواخهم ، وقـُتل أبناؤهم ، واغتُصبت نساؤهم.. لقد دفع سكان الريف الضريبة فادحة أيام الثورة ، لكن الثورة خانتهم مرة ، حين انتقلت القيادات إلى المدن الموروثة عن العهد الاستعماري ، بدل إقامة مدن جديدة تنهض على المبادئ التي قامت عليها الثورة وانتصرت بسببها .. وأخرى ، عندما حرف مشروع الثورة الزراعية ، وأفرغ من محتواه ، وصبه بعضهم في نظرية دوغمائية لا تمت بصلة لمبادئ نداء نوفمبر السمحة ولا لتاريخ البلد ، ولا لصيرورة الثورة التحريرية في شعبيتها .. ثم بدلا من تصحيح المشروع وتصويبه ، حذف بصفة نهائية وصفي ، وبقي سكان الريف ـ دافعو الضريبة الأفدح أثناء الثورة ـ يرزحون في الفقر والتخلف ، لا يبرحون مكانهم إلا من فر منهم نازحا إلى المدن .. وبدلا من أن تصب عائدات البترول في الريف للنهوض به ، صبت في المدن ، وخاصة في الساحلية منها ، وكلما كان حجم المدينة أكبر، كلما كان نصيبها من عائدات البترول أغزر وأوفر .. والمنطق يقتضي أن تطور المدن التي تحف بآبار البترول مباشرة. فهي الأولى بثرواتها ، أو الأجدر أن تستثمر العائدات في تطوير ما من شأنه أن يوفر ثروات دائمة في كل ربوع الوطن.."
وقال فرحات يعاتب عليوة ، وهو يحتسي مشروبه المزدوج:
ـ إن تسمح في جهادك ، وتتنازل عن حقك فيه ،فذاك لك .. لكن لأبنائك عليك حقوقا ، وأبسطها أن يدونوا في سجلات الحالة المدنية ، حتى لا تفوتهم مصلحتهم في الدراسة وفي العلاج ، ونحو ذلك..
وتنهد عليوة ، وراح يردد نافضا يديه في تبرم:
ـ الله غالب يا ابن الخال .. الله غالب..
وحتى لا أبدو في صورة حيادية سلبية تماما تساءلت ، وأنا أفحص الصبية والصبايا المختلفين في الحجرة كالنمل في هراشهم وتواثبهم على الفناجين فوق المائدة ، يرتشفون ثمالاتها ، ويلحسون ما فضل في قيعانها الخاوية ، فيما كانت والدتهم تحدب على المائدة ، تنش أيديهم الممتدة ، وتهمس فيهم بعصبية تحاول إبعادهم في حياء مفضوح:
ـ وأين هو الابن الذي يختلف إلى المدرسة؟..
ـ سي سعد؟.. لابد أن يكون مع زهراء. هو يلازمها ولا يكاد يفارقها ..
قالت المرأة ، وعطفت صبية على قولها في لهجة تنم عن وشاية خبيثة:
ـ هما هناك عند العربة يركبان فوق سطحها ، أطلقا سحابا من مربطه، ثم هما لم يتركانا نحن نقترب من العربة ..
وقال فرحات:
ـ الصبية بنت حياة هذه تبدو في غاية النباهة والحيوية ..
وقالت وسيلة أم سعد تتفاخر بابنها، وقد أخذتها الغيرة منها والعزة بالإثم ، حين ذكر فرحات الزهراء دون سعد ، ثم إن وسيلة مازالت تذكر بالتأكيد أن حياة هذه كانت عقب فاجعة المكتب السياسي زوجها الثاني تشيع أن لو كان المؤمن الذي هو والد وسيلة يرجوها ضرة لقبلت به ، فهي لابد أن تكرهها أو تغار منها:
ـ سي سعد وزهراء فولة وانقسمت، غير أن سعدا أقوى منها وأجرأ..
لكن الخالة زينب أرادت فيما يبدو أن تغيظ كنتها ، وتعاكسها قليلا ، فقالت في استهتار:
ـ لا مقارنة يا امرأة .. زهراء تربت في المدينة .. وشتان بين الشمس والقمر!..
فقالت الكنة في غيظ :
ـ تحيز العجائز لأبناء بناتهن قديم!..ثم إنها ليست ابنة حياة إلا بالتبني!..فابنة حياة الحقيقية إنما هي حورية التي تعرفينها ؟!..أتعرفين أين هي حورية؟..
ـ أسكتي!.. جاوزت الحد يا ابنة الأقرع..
ـ حاشاك .. هو أحمد المؤمن المجاهد ، وليس الأقرع!.
ويلقي فرحات بنظرة على معصمه رغبة في إنهاء الجلسة قبل أن تتحول إلى ملاسنة بين وسيلة المرأة القزمة ، وزينب عمته العجوز المترهلة ، ويقول ، مشيرا إليّ ، وهو يستجمع قواه لينهض:
ـ الحمد لله ، وقد ألفيناكم بخير. وخاصة العمة زينب ، سنغادر لنلحق بالمدرسة في بورقاص لاستقبال الضيوف..إنه الوقت..هيا بنا يا سي بوعزيز..
ونطقت المرأتان ؛ الخالة زينب وكنتها ، في آن واحد وقد نسيتا تناوشهما الذي لابد أن يكون مألوفا ، وكأنما كانتا على ميعاد:
ـ لكن لابد أن تتغديا أولا..
ـ الغداء هناك.. وحتى أنت يا عليوة سوف تذهب معنا..
ـ لا.أنا لا أطيق رؤية الثيران المسمنة بالمال الحرام.. ومع ذلك دفعت قسطي ؛ عشرين ألفا .. خالي سعد يقول أتاننا خير من جياد الآخرين . لكني أرى أن السير على الأقدام خير من أتان دبر تلزق بالأرض ، وتتحرك كالحلازين في الطين.. أنا لا أفهم هذا السرف وكل هذا العبث ، ولا أرى مغزى لهذا الاحتفال أصلا ..وقد جربنا إبراهيم ابن ربعية هذا في العهدة السابقة التي لم تسفر عن شيء..
لم يستطع فرحات أن يقول شيئا لصالح الجيلاني أمام المنطق السديد لهذا الفلاح المتذمر ، والتحقنا بالسيارة ، كان الصبيان سعد والزهراء يطوفان حولها طواف الفراش ، وهما يتصايحان في بهجة خالصة ، وجذل لم ندر مصدره..وسرعان ما تخليا عن طوافهما وقد رأيا جرارا قادما من جهة الشعاب ، يقوده عبد الناصر ، وراحا يتعلقان بعربته بطريقة خطيرة رغم تحذيرات الفتى الشبهاني البشرة المنكوش الشعر، فيما راح عليوة يمسك من جديد بسلسلة الكلب سحاب..
*********
في منعرج الفيض المغمور ، اعترض طريقنا حوض من ماء المطر، كان فرحات قد تخطاه بتحاشيه عند نزولنا بنجاح ، لكنه عند العودة سها ولم يأخذ حذره ، وانزلقت السيارة حتى وسطه ، وصعد الماء ولامس النظم الكهربائي وغرق حارق الوقود في البنزين ، لقد توقف المحرك ، وغاصت العجلات ، حتى الهيكل .. نزلنا معا بعد نزع الأحذية والجوارب وتشمير السراويل إلى أعلى الركبة ، ورحنا ندفع ، وندفع من غير جدوى .. لقد كانت العقبة كؤودا، وكنا في محنة حقيقية ، وتلطخت بذلة فرحات ببعض لطخات الوحل والشحوم، لولا أن جرارا أطل علينا بغتة لإسعافنا ، كان يقوده عبد الناصر السنغالي بسحنته الشبهانية البرونزية ..
لقد عرف عليوة بحدسه الثاقب ، حين لم تخرج العربة من منعرج الفيض ، أننا حصلنا في تلك الوهدة الغامرة التي لا ريب أنه يعرفها جيدا ، فأرسل لنا أخاه غير الشقيق لنجدتنا.. وضعنا الفتى الصامت عبد الناصر على الطريق نحو فرطاسة ، وعاد أدراجه بجرار "سيرتا " البرتقالي الطيع .. لكن المحرك لم يدر، ولا بد من تجفيف الدسر المسطحة والمحرق .. وعقـّب فرحات على الموقف كله متأثرا بالمساعدة الثمينة ، والتفاني فيها من قبل هذا الفتى الصامت الكتوم عبد الناصر ، وهو يستحضر ما يردد الجميع من أن هذا الفتى اللافح السمرة ، لم يكن غير ثمرة اغتصاب ، تعرضت له عمته زينب أيام الثورة ، قال :
ـ حقا ، لقد صدقت أيها الصادق الصدوق:إن الولد للفراش وللعاهر الحجر..والتربية هي كل شيء، ولولا البشرة السوداء الداكنة ، ما شك أحد في أنه ابن فراش العم خضير، رحمه الله ، طبيعة وشرعا..يبدو فتى نابها ..
لكني لسبب ما لم أوافق فرحات:
ـ لولا تلك الحية الكثة القصيرة التي لا تناسب سمته الزنجي..ثم إن صمته يدل على سخط مكتوم..إنه يعاني داخليا.. ولا بد لهذا السخط أن يتكشف ذات يوم ..
ـ لا ريب أنك خبرت مثل هذه الأعراض ..وأنت ، هل تناسبك هذه اللحية المريبة؟..
ـ هذه لحية أنبتتها ظروف السجن..وأنا مستعد أن أقشعها عن وجهي حالما أتخلص من مخلفات الحبس..
جفف فرحات النظم الكهربائي من البنزين، وأدار المفتاح في ميصال التيار مرات ، وكدنا نيأس ، لولا أن المحرك انطلق يدور في إحدى المحاولات اليائسة ، وسرنا نحو فرطاسة لا نلوي على شيء ، وقد تحول مزاج فرحات وتلاشى تفاؤله الذي لاقاني به ؛ إما لهذا التعطل ، وإما لاتساخ أكمام سترته ، أو لسماعه سخرية عليوة بزواج والده من مريومة بنت الأعور..
*********
تقاطرت السيارات أرتالا، أرتالا على مدرسة فرطاسة ، مركز بلدية القوادرية ، ولولا الأمطار التي بللت الطريق المترب لتكوّن غيم الغبار كالضباب على كامل الدشرة .. سيارات تشير حداثتها إلى أن عجلاتها اللماعة لم تطأ مثل هذه الدشرة المتواضعة قبل اليوم ..
لم تقتصر الدعوة إلى حفل التهنئة على سكان العرش ،الذين كانوا السبب المباشر والحاسم في انتصار إبراهيم الجيلاني على دكتورين ، بل وجهت لكل سكان الدائرة الانتخابية ، وقد حضر الكثير من وجوه العشائر الأخرى وأعيانها ، بل إن أحد المترشحَين المنافسين سيحضر ، ويقدم التهنئة الخالصة لسي إبراهيم ابن ربعية رغم مرارة الهزيمة ، والأمر يتعلق بثقة في النفس مطلقة ، وبتفهم اللعبة الانتخابية التي أديرت في جو عروشي بحت ، بعيدا عن تلك المقاييس الطوباوية التي تتشدق بالكفاءة والنزاهة والالتزام .. فنجاح سي إبراهيم على كل حال ، أهون عليه من أن ينجح نده الآخر ومكافئه في الدرجة العلمية ، لأن ذلك سيعني اختيار الكفاءة والجدارة والإشعاع الشخصي . أن ينجح سي إبراهيم ابن ربعية الانتهازي المتملق أمر مفهوم ، أما أن ينجح خصمه الفذ وهو دكتور في السوسيولوجيا ، فذلك ما يعني الإخفاق حقا و يسجل الكارثة فعلا..
كان فرحات يحاول أن يقصر بي الطريق منذ الانطلاق، رغم ما أصيب به من إحباط ، وروى لي البطولات الخارقة التي قام بها مع أنصار سي إبراهيم في سبيل توحيد كلمة كل القوادرية حيثما كانوا والتصويت لصالح مرشح عرشهم ، وقبل ذلك تم تجنيد سي الفوشي الإطار السامي في الجهاز المركزي في سبيل إعادة ترشيح المناضل سي الجيلاني ، وجند بعض الصحفيين ممن تمكن سي إبراهيم أن يعقد بهم صلة في الفترة الانتخابية الأولى. لقد كانت القاعدة النضالية للحزب ، لاسيما على مستوى اتحادية الشعبة رافضة بإصرار إعادة ترشيح الجيلاني من خلال تحالف مناضلي الزواتنية والسعداوية ، ولولا تدخل قندوز الفوشي ، الإطار السامي في الجهاز المركزي ، لما أعيد ترشيح سي إبراهيم..
إن انتصار سي إبراهيم للنيابة كان ملحمة بالنسبة لفرحات وأنصار سي الجيلاني.. بشعار "..أتاننا خير من فرس الآخرين .." تجندت القوادرية حيثما وجدت بالمركز على المستوى الوطني ، وفي الولاية ، فضلا عن أصحاب النفوذ على المستوى المحلي بالدائرة ، وشُكلت لجان سرية دائمة ، ظلت طوال الحملة الانتخابية وفترة الانتخابات ، في حمى هستيرية ، تقوم بحملة تلو حلمة ، وتدرس من جهة أخرى تحركات المرشحين الآخرين وتم تشكيل جهاز محكم لمراقبة مكاتب الانتخابات ومراقبة الفرز . ذلك أن مندوب الاتحادية ، وكذا رئيس الدائرة ، وهو ما يعني الجهاز الحزبي والهيكل الإداري كانا متعاطفين مع مرشح السعداوية ، وقاما فعلا بمحاولة التزوير في آخر لحظة ، لكن حرس القوادرية السري كان بالمرصاد للمحاولة الخائبة ..
وبعد صمت ، وقد استنفد فرحات ذخيرته الخاصة بالانتخابات ، فاجأني يقول بلغة غريبة:
ـ طبعا لا تملك سلاحا؟..
ـ أملك سلاحا ؟!. ولم؟!..
لم يجب عن سؤالي المغمور بالدهشة واكتفى بالقول بعد لحظات أخرى من الصمت والتردد المثير للشكوك:
ـ بالطبع سوف تكون عاقلا..والعفو من سمات الرجولة..
عن أي عقل ورجولة يتحدث فرحات ، وإلام يشير ؟.. إنني جئت معه إلى الدوار على أساس التفسح ، لأني في الشعبة كنت في غاية من الارتباك ، إلى درجة لم أجد معها غير اصطناع العته ، ولم أعرف بعد كيف أتصرف وأواجه الناس ، خاصة وأن التهمة التي أدخلتني السجن غريبة وفريدة من نوعها وفاضحة ، مع أني لم اعترف بها في سائر مراحل التحقيق إلا بعد أن استعملت ضدي وسائل الإكراه الجهنمية ، ودحضتها مجددا وبلا فائدة أثناء المحاكمة .. لكن تنبيهات فرحات المتكررة تثير في نفسي المزيد من الشكوك والارتياب، ولا بد أن يكون هناك خطب جلل قد حدث ، ولذلك فهو ما يفتأ يحذرني بمثل هذا الأسلوب الملتوي..
ـ إلى ماذا تشير يا فرحات ؟..كأنك تحاول أن تعترض سبيلي ، وأنا أحاول القيام بعمل ثأري من بعضهم ؟..إن ذهني خال تماما مما تحذرني، فأنر لي سبيلي ، وأعدك بأن أكون رابط الجأش ، صابرا ولن أتصرف إلا وفق العقل والرجولة كما تقول..لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين .. أنا لم أتخلص من السجن كي أعود إليه ثانية ..
ـ إذا كان الأمر كما تقول، فالأفضل أن نترك البئر بغطائه، حتى ينفض الجمع.. ولك عندئذ أن تعرف.. وستعرف لا محالة..
واجهتنا السماء بسحنة داكنة رغم أن الشمس ما زالت ترسل أشعتها الحيية من وراء حجاب ، وقد انتشرت في أرجاء الغرب والشمال بسرعة عجيبة غمامة سوداء تنذر بالمطر، فقال فرحات :
ـ ستمطر، وقد تفسد علينا حفلنا البهيج ..
لكني كنت منشغلا ..هناك سر إذن ، وسر خطير !.. وإلا ما استعملت هذه الصيغة الخبيئة " البئر، وغطاء البئر" وها هو القلق يتجاذبني وينتهب أعصابي ، ولا أملك حتى حق الاستفسار عن هذا السر المطمور ، مع أن فرحات بالتأكيد من العارفين بخفايا هذا السر الغريب.. أهو أمر يتعلق بالشرف؟.. لا، ليس هذا بل الاستيلاء؟.. ربما.. لقد مات والدي .. باع قطعة أرض وحج بثمنها ، أيكون ثمة إشكال الوراثة حول القطعة التي بيعت ؟.. وما دخلي أنا؟.. ولعل بعض أفراد العشيرة استولوا على بقية الأرض؟..
********
أسفل الربوة ، وبصعوبة بالغة ، وجد فرحات فجوة ضيقة بين سيارتين ، ولج فيها بسيارته بعسر لركنها . كانت الربوة المجاورة للمدرسة طافحة بالسيارات من كل لون وطراز مركونة في فوضى شاملة ، وكان رجال الدرك يمنعون التوقف في مركن خصص لسيارات الوفد الرسمي المنتظرة وفادته من مقر الولاية ..
بباحة مدخل المدرسة التي اختيرت ليجري فيها الحفل، ترى صفا من الفرسان بأيديهم بنادقهم الثنائية المأسورة ، وقد ازدهوا بحللهم القشيبة ، من البرانس الوبرية المذهبة ، وعمائم متماسكة بعناية كالتيجان الهندية ، وهم على جيادهم المجللة المسرجة المبهرجة ، يمسكون بأرسانها ، ويرقصونها على أنغام قصبات النايات ، وأهازيج الزرنة ، ودقات الدفوف التي كانت تنبعث صادحة مدغدغة في حماس وهمّة ، من فرقة السـّبّاحة المصطفة المقابلة لفرقة الخيالة ..
وهناك في الداخل، وفي جناح المطعم ، حيث النساء هن اللواتي كلفن ليقمن بالطهي ، تصدر من حين لآخر زغاريد مدوية إثر طلقات البارود التي يطلقها الفرسان بعد حين وحين..
كانت العجوز ربعية أم سي إبراهيم تقود سيمفونية الزغاريد ، إنها تكون الآن قد نسيت تماما تلك الأمسية الفاضحة التي قام فيها الخماس الآبق بودربالة بأمر من العسكر باغتصابها، أمام الملإ جهارا نهارا، حيث دفعوه بأعقاب البنادق إليها دفعا، كما يدفع الحصان إلى الفرس بغرض التثمير ، إمعانا في إذلال السكان وقهرهم ومعاملتهم كالحيوانات المدجنة ، وقد استنكفوا أن يباشروا بأنفسهم هؤلاء الريفيات العجفاوات..
لكن العساكر السفهاء جهلوا أن بودربالة ، كان له طمع متأصل في ربعية ، زوج سيده بولعياد الجيلاني ، الذي كان يستغله استغلال العبيد ، ويعامله معاملة القصر .. ولطالما حاول ، حين يخلو بها ، أن يراودها عن نفسها ، وهي المتعودة على خيانة بولعياد ، لكنها كانت ترى فيه وضاعة الخماس وانحطاطه ، ولم تكن تستنكف من معاشرته إلا لحاله المتواضعة ، وإلا لباشرته كما باشرت آخرين غير زوجها.. لقد كانت تمارس خياناتها الزوجية من دون وازع من دين ، ولا وخز من ضمير ، ولا تكاد تمتنع عن أحد مادام يتحفها بهدية لائقة انتقاما لتزويجها من كهل.. وكم من مرة يقبض عليها بودربالة متلبسة تحت الكرمة المعرشة في الجنينة مع بوقرة بن بولعراس ، فتوهمه بأنه هو أيضا قادر على غشيانها إن سترها، وشرط أن يكون ذلك فيما بعد ، لكنها كانت سرعان ما تتملص من وعودها الملفقة ، وتتخلص بيسر من المواقف ومن المواعدات الزائفة المضللة التي تغريه بها، بكيد النساء ، وعلمهن ، وخبراتهن التي جُبلت عليها وقد زال الخطر المباشر .. ثم إن عاد وراح يحجل أمامها كالطاووس الفاقد لريشه الزاهي ، تهدده هي بإفشاء مراوداته لها لزوجها ،إن حاول أن يفتح فمه ، وذلك ما دوخ بودربالة ، وجعله أشد تصميما على أن يكرر باستماتة محاولات المراودة دون كلل ، فهو يعلم أن الحديد لا يلين إلا بالإلحاح في الطرْق.. كانت كل مرة تصده بعنت، وتعيره بوضعه المزري، وتقول له :
ـ يا هذا!.. املأ بطنك أولا قبل أن تفكر في فرجك!.. ترى ما الهدية التي ستقدمها لي نظير ما سأهب لك؟..
وتشهر في وجهه بريق سوار من ذهب تزعم أن بوقرة هو من قدمه لها .. فيندحر يائسا مؤقتا، وهو لا يدري إن كان ذلك السوار جعلا حقيقيا قدمه لها ذلك الزاني فعلا ، أم الأمر مجرد تعجيز لينصرف عنها وييأس منها فحسب ، لكنه لا يكاد يمر وقت حتى يعاوده صخب الشهوة نحوها، وينغمس في أحلام يقظة مثابرة ملحة .. ويتمنى الموت العاجل لسيده الكهل بولعياد، الذي تجرأ على الزواج من امرأة لعوب ، وهي لا تبعد كثيرا عن سن ذهبية ، ابنته من زوجته المتوفاة .. ويتمنى البوار لبوقرة ولسائر عشاق هذه المرأة المتمردة المشتهاة حتى تخلو له.. لذلك حين كان العسكر يدفعون به كالحصان الفحل نحو الفرس المستكينة المنتظرة للتثمير ، علم بأن الفرصة التي طالما انتظرها بإلحاح من زمن بعيد ، قد جاءت كالحلم على غير ميعاد ، وسيغشاها دون أن يقدم لها أي سوار أو هدية ولو خاتم من حديد ..
لم يكن يفكر سوى في إطفاء شهوته التي طالما اكتوى بلهيبها دهرا، ثم أن يبرهن لها على رجولة وفحولة مفعمة لم تصادفها ولن تعرفها ؛ لا عند الزوج الكهل الغافل بولعياد، ولا لدى العشاق الزناة الأوغاد .. ثم في الانتقام لكبريائه المهدور، ولينال منها حقه المشروع ، فهو على كل حال ، أولى بها من هؤلاء الغرباء الذين ينزون عليها كالتيوس الجبلية ، وتحت نظره وعلمه أحيانا ، دون أن يستطيع فعل شيء.. و حتى يبطل إلى الأبد تمنعها المتعنت السابق ، ويجعلها هي التي تلهث وراءه بعد اليوم ، إن بقي في العمر فضل ولم يفرغ في صدره هؤلاء العساكر الأوباش جعاب رشاشاتهم المحشوة ، أو يذبحه بولعياد في انتفاضة الثأر لكرامته وعرضه أو تنفيذا لحكم قضائي قد يصدر ضده الفوشي القاضي في نظام الثورة ..
ارتمى عليها كالصقر الجارح ، بل كالحصان المعلوف الذي لا يتخذ إلا للنزلاء والتثمير ، وواقعها مواقعة عزيز مقتدر ، وقد استسلمت له تماما .. بل باشرها كما لو كان على ميعاد معها ، في طمأنينة نفسية ، وكما لو كانت على فراش الزوجية مع زوجها الشرعي بولعياد .. لم يصدر من جانب ربعية أي مقاومة أو تمنع ظاهري على الأقل كما هو المنتظر من أية أنثى يراودها ذكر.. وقد ظهرت في بداية الأمر مرعوبة من بنادق العساكر .. فيما كانت الخليقة كلها تتفرج ، وقد أندهش الجميع نساء ورجالا وأطفالا لهذه الشجاعة الخارقة بل الخرقاء للخماس بودربالة ،وهو يعتدي بوقاحة على حرمة سيده أمام الجمهور ، وفي وضح النهار ، وغمرت الدهشة حتى أولئك الأنذال الفجار من العساكر الذين كانوا منذ قليل يسوقونه نحو المرأة المرعوبة سوق حمار أهلي ذليل..
وأكبرت إحدى العجائز واقعة المنكر ، وهالتها الفضيحة وقد بلغت ذروتها ، فلم تملك غير أن أقبلت عليهما في هوس ، دون أن تعير اهتماما لبنادق العساكر المصوبة نحوها .. وظن الظانون أنها أرادت الفصل بينهما ، لكنها بدلا من أن تفك الالتحام المخزي ، والاشتباك الحميم الناشب الضاري بين الذكر والأنثى المرعوبين ، نزعت شالها المهلهل ، وارتمت عليهما تسترهما به ما ستر الله ، وتغطي على العار ما استطاع الشال القاصر أن يغطي ..وهي تردد:
ـ وافضيحة ربعيه الغافلة !.. وافضيحة بودربالة الجبان الغدار!.. وانكد بولعياد المغدور !..ويا لحرمة أولاد عربي..وأولاد شادي..وأولاد سيدي عبدي ، وعرش القوادرية كله.. "
من ذلك اليوم ، طار اسم بودربالة وربعية في فضاء القوادرة كلها ، وأمسى يتردد على كل لسان، وصار كلما تناوش ابنها إبراهيم مع أحد عيّره بأمه المنهوكة في شرفها، ويقال له يا إبراهيم بن ربعية!.. إشارة لهذه الموقعة الفاضحة لذلك اليوم، ولحسن حظ زوجها الكهل بولعياد ، وربما لحسن طالع خماسه المعتوه أيضا ، فقد هاله أمر ما سمع ، ودمر تماما مما روي له عن الفاحشة التي ارتكبها خماسه في حق قرينته التي استسلمت له مذعورة ، وغادر البيت ليتجنب فراش الزوجية ، وهو لا يستطيع أن يواجه ربعية ، وهو لا يستطيع أن ينتقم من بودربالة ، وفي انتظار أن يدلي شيوخ العلم بفتواهم .. و في انتظار أن يقول قاضي نظام الثورة كلمته في هذه المأساة.. فنظام الثورة في المناطق شبه المحررة ، أوجد انضباطا فريدا للأفراد ، قل نظيره حتى في الدول الراسخة ، فلم يعودوا يخضعون لأهوائهم ونزواتهم ولا يتصرفون إلا وفق أحكام ذلك النظام وإن جار.. كل ذلك ألزمه البقاء بعيدا حتى لا يرتكب حماقة ثأر طائش يدفع ثمنها، فقضاء الثورة كان يطبق قاعدة القصاص دون هوادة .. وقتله لبودربالة معناه قتل لنفسه أيضا.. وهو أحد الممارسين لسلطة الثورة على الغابة والحطابين في الجبل ، فلم يعد يهبط من الغابات التي كان مسؤولا عن حراستها من الحطابين العشوائيين .. ولم يعش إلا أياما بعدها .. لقد أنمت عيون خائنة إلى العدو عبور دورية من جنود ثورة التحرير ، مدججة بالسلاح ، فطوق المنطقة ، وسلط جحيمه على الجبل ، وأطلقت الطائرات غازات حارقة على منطقة واسعة من كداه ووهاده وفجاجه وسفوحه ، أكلت حتى الصخر قبل أن تحرق الرجال وتحول غابات الشجر إلى رماد ، وظلت آثارها الحمراء بادية للعيان ، شاهدة على همجية عدوان قوات الاستعمار ، لسنوات عديدة بعد الاستقلال .. لم يكن أحد يعلم يومئذ في فرطاسة وفي دوار القوادرية كلها أن تلك القنابل الجهنمية المدمرة هي قنابل النابالم الفتاكة ، المحرمة دوليا ..
لقد استشهد جل من كان في الدورية ، واستشهد في الخضم فوج الحطابين المسبلين المسخرين للاحتطاب لأحد مراكز الثورة ، وسقط محترقا حارس الغابات بولعياد جيلاني الذي كان يرشدهم لمناطق الاحتطاب شهيدا .. وباستشهاده سكتت الفضيحة المدوية ، وطويت صفحتها في الأمد القريب .
ولأن ربعية ، ورغم تمردها على زوجها ، وخياناتها المتتالية للكهل الغافل مع أقرانها ممن كانوا يعبثون معها أيام الصبا ، وخاصة مع قريبها بوقرة ، كانت أريبة لبيبة ، طلبت من بودربالة وقد فعل فعلته الغاشمة أمام الملإ أن يتزوجها ، بصرف النظر عن مكانته المتواضعة في السلم الاجتماعي حتى تقبر الفضيحة المدوية ، وتخرص الألسن إلى الأبد.. وقبل بودربالة بشرط أن تكف عن استقبال بوقرة وبقية عشاقها السابقين تحت الكرمة ، وأخذ منها ميثاقا غليظا بأنها لن تكون لغيره في الدنيا والدين ..وتحققت له أحلام اليقظة التي كانت تراوده .. لقد ذهب بولعياد ، وسيخلفه على ربعية ، زوجا شرعيا بعيدا عن كرمة الحرام ، وبعيدا عن أعقاب بنادق العسكر اللئام .. لقد عقد له عليها القاضي الفوشي بنفسه ، ولأن الثورة تطلب التوقيع على العقود كتابة ، وترفض البصم بالأصابع، تطوع الصبي الصغير إبراهيم يعلـِّم أمه ويعلم زوجها القادم كتابة اسميهما ، وحين جاءت ساعة الإمضاء أمام الشهود ، كتبت ربعية اسمها باطمئنان في سهولة بالغة ، وبوضوح تام كما لو كانت متعلمة، وهو ما اندهش له القاضي والشهود.. أما هو ، وقد ارتبك ونسي ما تعلم ، فرسم بتوقيعه الفج ما يشبه عقربا ضخما ، وفي اتجاه شاقولي كما لو كان يكتب باللغة الصينية ، فقال له القاضي ، وكان ذا روح فكهة ، ومزاج مرح خفيف:
ـ عائشة خير من عياش .. لقد رسمت عقربا.. حذار يا بودربالة أن يتحول اسمك يوما إلى ما يشبه ضفدعة!..
لكن بودربالة أجاب موجها حديثه لربعية ، ويلقي من جانب عينه نظرة من نار كأنها خزرة صقر:
ـ عن قصد صورت عقربا يلدغ ..ولسوف أتعلم حتى الثعابين إن حاولت عائشتك أن تحيد عن الطريق..
ومع علم الفوشي بتفاصيل الفضيحة المدوية ، لم يستنكف أن يلتمس الفرصة السانحة ، ويخطب لنفسه في الجلسة نفسها تلك الفتاة البهية ، ذهبية ، وقد رآها في المدرسة تتصدر صف البنات ، وهو يزور المدرسة ذات يوم ، باعتباره مراقبا للتعليم في جهاز الثورة ، قبل أن يرقى لمنصب القضاء ، وسألها يومئذ عن اسمها فقالت بفخر : أنا ذهبية بنت بولعياد جيلاني حارس الغابة ..إن صدرها بدأ يبرز من تحت ثيابها .. ووقر في نفسه أن يخطبها من أبيها ، لكن الفرصة لم تسنح ، وها قد جاءت تلقائيا ، وهاهو يخطبها من ولي أمرها الجديد ، زوج امرأة أبيها الجديد بودربالة ، مصور العقارب ، بمحضر أخيها إبراهيم الصبي القاصر . وبمحضر هذه الزوجة المطأطئة الرأس حياء ، وعدد من الشهود ، ليتخذها زوجة ثانية ، وقد صارت يتيمة الأم والأب معا ..
طبعا ،إن ربعيه العجوز، وهي تتزعم الآن فريق النساء المزغردات في هذا الحفل لا يمكن أن تتذكر هذه الوقائع من ماضيها المخجل.. وإلا ما تجاسرت على الظهور.."
**********
سار بي فرحات إلى صف الاستقبال .. يتصدر صف المستقبلين بطبيعة الحال ، صاحب العرس سي إبراهيم الجيلاني، مع وجوه من القوادرية يعيشون في العاصمة ، وكان العرف يقتضي أن يتصدر الصف ، حامي بيضة العرش خالي سعد ، لكن خالي كان في ذيل الصف .. فربما تألف صف المستقبلين بطريقة تلقائية وعشوائية ، فلم ينظر لتعاليم التشريفات ولا للتراتبية ، وربما كان لابن ربعية وجهة نظر في الأشخاص الذين ساعدوه على الفوز أو الذين يرى لهم مكانة هناك قريبا من مبنى البرلمان ، فقدمهم ووضعهم إلى جواره.. وربما رأى خالي أن يتأخر في الصف حتى لا يجلب الأنظار ، وقد تزوج حديثا بطريقة تدفع إلى القيل والقال .. إن تحذيرات فرحات لي منذ حين ، جعلتني أقبل على الصف ، بنفس تتوجس خيفة من كل فرد فيه ، فضلا عن وضعيتي المزرية باعتباري طليق سجن..
نكشت لحيتي الكوسجية التي لابد أن تثير الفضول ، واستقبل سي إبراهيم نصيره فرحات أولا بالأحضان ، وهو يلومه عن التأخر الكبير عن الميعاد ، متشدقا بمثل عربي قديم ، يتفاصح به ولا شك:
ـ أنجز حر ما وعد..
ورد عليه فرحات بالشقشقة اللغوية نفسها ، وهو يشير إلى حذائه المبتل وأطراف سرواله الملطخة بالطين ، وإلى أكمام سترته المتسخة بالشحوم وإلى السيارة قائلا:
ـ وعند جهينة الخبر اليقين!..
وحيا بقية المصطفين مصافحة ، وعندما بلغ والده الموقر، قبـّل له منابت لحييه بخشوع وخضوع ، علامة البر، وشارة حسن التربية.. ويبدو أن فرحات لا يحمل لوالده أي ضغينة مع أنه تزوج من غير ذات دين ، وأصبح لأمه الأصيلة عقيلة بنت بولعراس ضرة من خضراء الدمن !..
مددت يدي إلى سي إبراهيم ببعض تحفظ ، فتناولها بيد راجفة .. ضغطت بيدي فضغط ، لكنه لم ينبس ببنت شفة ، ولم أهنئه بأي صيغة لفظية ، كما لو كان الأمر سهوا.. ورحت أصافح الصف الممتد من غير أن أحملق في عيون المصافحين للتعرف عليهم مجددا ، فهم بالتأكيد ممن أعرف ، فأبناء الدوار يعرفون بعضهم بعضا ولو بالسماع بهم حتى وهم يعيشون في مناطق شتى من الوطن ، ويمتهنون مهنا مختلفة بفضل الانتساب العشائري وما ينشأ عنه من علائق ومصاهرات ومعاملات متداخلة ، وعندما بلغت الخال سعد ، هممت أن أحضنه ، ولكنه أصدر تنهيدة تأفف وتبرم ، وكان يقول مرددا فيما التقطت أذني: " ..هدى الله ما خلق.. هدى الله ما خلق!.." إنه تقريع وتجريح علني وأمام الجمهور..وسمعت أحدهم يقول دون أن أتبين من يكون " ..وليعفوا وليصفحوا ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم.." وسرعان ما قال الخال سعد في خضوع ، مصادقا على القول الكريم :
ـ تشبهني بسيدنا أبي بكر.. تلك منزلة لا تطمح لها النجوم، لكن على كل حال ، صدق الله ، وأحسنت أنت يا سي الجمعي إذ هديتني..
سبحان مغير الأحوال!.. لقد أصبحت للأعور الخائن سي الجمعي كلمة مسموعة لدى خالي .. لكن لا عجب ، فهو والد زوجته مريومة، وأمسى صهره الجديد!..
مضيت في مصافحة الصف ، دون أن أتبين على الإطلاق من أصافح، فقد كان موقف خالي المتشنج قد وتـّر أعصابي ، واسودت الدنيا أمامي ، وكأنما وضعت على عيني غشاوة أو سملتهما ملحا، فلم أعد أبصر شيئا ، ولم أعد أرى أحدا. وجثمت شتى ألوان الغم على صدري كجلمود صخر . وكان الهمس حولي متواصلا من أذن لأذن مثل نهر جارف، وخيل إلي، وقد أكون واهما ، أني أسمع ما يهرفون به في همسهم ، وكدت أصيح فيهم : كفوا عن الاتهام أيها الزناة البغاة .. من كان منكم بريئا فليرجمني .. لكن إجلالي المعتاد للخال سعد، كبت الغيظ في قلبي ، وحبس الكلام في لساني ، وبدا لي أن لابد من مواجهة الموقف ببعض الحلم والصبر، ولكن كان لابد أن أقهر الحبسة وأفك العقدة في لساني وأتكلم بشيء ، أي شيء ، فقلت بلهجة واثقة ، وكأني أخاطب المجهول أو أحادث نفسي ، ظننت أنها سوف تخرص كل منطق ولسان ، وأنا أصافح آخر شخصية في الصف :
ـ لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء!!..
لكن صوتا لم أتبين مصدره ، ولم أميز نبرته ؛ أهو صوت رجل، أم هو صوت امرأة ، أهو صيحة صبي، أم هو هزيم جبل ، أم هو ترجيع بئر معطلة ، أم هو محض وحي النفس وشطحة خيال ، صدح بما خيل إلي ، أن قنان الجبال المجاورة وجيوب الشعاب القريبة رددت أصداءه كما يتردد فيها أصداء هزيم الرعود:
ـ الشهادة الدامغة أيها الجاني الناكر ، تمرح كالفراشة المجنحة هناك في بيت خالتك زينب. وقد رأيتها منذ قليل بأم عينك ، وعرفتها معرفة الحق..قد احتضنت عقلك ووجدانك وكيانك كله شمسا بازغة .. فعن أي شهداء تفتش ؟.. وبم تهرف؟..
هل سمع معي هؤلاء المحتفلون هذا الصوت الهادر المتردد؟.. وتجمد الدم في عروقي وثقل كالرصاص ..هل أصابني دوار؟. وصحوت على قطرات ثخينة تنقط فوق رأسي ، كأنما هي نقبات من منقار ديك رومي منتفش .. كم دامت غيبوبتي؟.. ثم انهمر المطر ..
في لمح البصر ، سارع الفرسان في الصف يهرولون بخيولهم نحو اصطبل بودربالة ، وهرولت فرقة الرحابة إلى سقيفة المدرسة ، وتفكك الصف المرحب بالقادمين من المهنئين.. وهرع الجميع إلى السقيفة وإلى حجرات الدراسة متزاحمين على الأبواب المشرعة للاحتماء من الوابل الهطال.. ولم تكن الحجرات كافية لتسع الجميع ، فتراصت الجموع محتمية ببعضها مثل بطارقة القطب ساعة هبوب العواصف الثلجية .. وانشقت السماء برقا، وزمجر السحاب الهاتن قصفا ورعدا ، ولم أتبع في الحين أولئك المهرولين الفارين من شآبيب رحمة الله ، فليكن لي هذا أولا وآخرا حماما مضاعفا متراكبا من ماء مقطـّر يتنزل من السماء، ونورا فالقا للغمام الواهب، وحقيقة ساطعة تشع على كياني وعلى الجميع، وتراءت لي صورة الصبية زهراء مكبرة من بين خيوط صاعقة البرق المتكسرة المتهاوية فوق المكان ..
*******
وكما بدأت النوء الراجمة بغتة وأنا في حال من اللاوعي والغيبوبة ، توقف الوابل الهطل فجأة، وأنا في حال من الصحو المضاعف واليقين بأصل زهراء .. وعادت الحركة الحثيثة لساحة المدرسة ، وتدافعت الجموع إلى الساحة ، وانتظم الفرسان والسبّاحة في أماكنهم من جديد ، وأعيد تأليف صف الشخصيات المستقبلين كما كان تقريبا ، ولمحت فرحات يتخذ مكانه في الصف قريبا من ابن ربعية ، وما هي إلا فترة وجيزة ، حتى وصل الضيوف من الوزن الثقيل ، في موكب فخم من السيارات الحكومية.. وقام صخب لاستقبال الموكب بين طلقات البارود المدوية ، وشهقات المزامير ، ودوي الطبول ، وزغاريد النساء .. واستعد القائمون على الحفل لإطعام المهنئين بمجرد أن اتخذ الوفد الرسمي مكانه في قاعة المطعم..
كانت حجرات الأقسام قد أخليت من طاولاتها الصغيرة المتآكلة التي لا تصلح لجلوس الكبار، ورصت في إحدى جهات الساحة رصا سمجا في كتلة عظيمة دون ترتيب أو تدبير ، بما يعرضها لمزيد من التفكك والتلف ، وإن ألقي عليها غطاء ضخم من اللدائن السوداء التي يغطي بها الفلاحون أهرامات رزم التبن وأعلاف أنعامهم ، لحجبها عن الأنظار، لكن الغطاء لم يكن كافيا ، فبدت الكومة عارية مفضوحة في جوانبها..
فرشت أرضية الحجرات بصنوف من الطنافس والزرابي والبسط ، مما جيء به من بيوتات الأثرياء الموسرين ، ومن دور مستوري الحال ، من كل حدب وصوب منذ أيام من أركان الدوار المترامي الأطراف وشتى أنحائه ، وحتى من الشعيبة ..
وبفضل الإطار المركزي ، الذي شرّف الدشرة بحضور هذا الحفل الفريد ، كان على السلطات المحلية أن تتملقه وتجامله ، وتهبّ من عقالها في مقر الولاية ، وترحل من عاصمة الولاية إلى فرطاسة ، مقر بلدية القوادرية النائية المستحدثة في نطاق التقسيم الإداري الأخير ، لاستقباله ومؤانسته . مع أنه جاء بصفة شخصية ، لا رسمية ، إذ جاء فقط بحكم انتمائه العائلي للعرش ، فضلا عن أن ذهبية الأخت غير الشقيقة لسي إبراهيم تحت سقف بيته.. إنه سي قندوز الفوشي الذي تنازل اليوم عن اسمه الثوري ، مرتدا إلى اللقب المسجل به في الحالة المدنية، ولا أحد يدري سبب هذا الارتداد ، مع أن الثوار عادة يحتفظون بأسمائهم الثورية كما لو كانت أوسمة على صدورهم .. الفوشي بدل اسمه إلى درجة أن كثيرين من أهل الدوار الذين يعرفونه إبان الثورة باسم الفوشي ، تفاجئوا بهذا الاسم الذي بدا جديدا عليهم، ، كما لو كان متنكرا فيه ، مع أن بعضهم يحمل ذات اللقب ..
بفضل الفوشي إذن، تنقلت أركان إدارة الولاية إلى هذه الدشرة المنسية، فرطاسة . فهذا أمين المحافظة ونوابه، وهذا الوالي والأمين العام، ورؤساء الأقسام التنفيذيين للولاية ،وهؤلاء رؤساء الدوائر ، وهؤلاء رجال العدالة ، وهذا رئيس القطاع العسكري ورؤساء هيئات الأمن من درك وشرطة.. وبهذا الحضور الجماعي للسلطات لم يجد مندوب الاتحادية مع رئيس الدائرة في الشعبة ، غير أن يحضرا ، رغم سعيهما الخفي في تزوير نتائج الانتخاب لغير صالح إبراهيم جيلاني..
على أن توافد السلطات الولائية اقتصر على حضور الجزء الأول الخاص بالمأدبة ، وقد أعفاهم الإطار المركزي في الحزب بتواضعه من ملازمته في زيارته العائلية ، التي ليس لها أي طابع سياسي أو رسمي.
ستة وثلاثون رأسا من النعم ، ذلك هو العدد المتواضع الذي تسنى لسي إبراهيم الجيلاني أن يولم به ، بفضل تآزر العرش ، وبفضل الإتاوة التي فرضتها لجنة الأنصار على كل بيت ينتمي للقوادرية .. وإذا كان ثمة من حسنة لخالي سعد، فإن حسنته التي يسجلها له الجميع في هذا الحفل ، هو رفضه الصارم للتمييز في استقبال وفود المهنئين .. وفي الموائد التي بسطت . كان المبدأ هو وحدوية طراز الوجبة التي يتناولها كل وافد، لا فرق بين أكبر مدعو، وأحقر حاضر ممن دعا نفسه متطفلا، فالساعة ساعة بر وإحسان .. وأجبر القائمين على الحفل على دمج جزائر الكباش التي كانت معدة للشواء تكريما لكبار المدعوين ضمن الجزرات المعدة للمدعوين العموم ، كما أفرغت قاعة المطعم من الطاولات وفرشت بالبسط على غرار بقية الحجرات حتى لا يبدو أي تمييز ..وأعجب الناس بمقولته ، وأكبروا فيه عدالته، وتناسوا مؤقتا زواجه الجديد أو أن بعضهم لم يسمعوا به بعد .." قد يتمايز الناس في القلب والعقل واليد واللسان ، لكنهم سواء في البطون والمعى والأسنان.."
كان البرنامج هو أن تمتد مائدة لكل ستة أنفار ؛ تستهل بصحن ثاخن ساخن مشبع من الشربة ، يجب أن تمتد إليه ست أياد، يعقبه جفنة بربوشة مشبعة بالدهان المطمور ، مكللة بست قطع من اللحم الهبرة السمين ، كل منها تملأ الكف، محفوفة بست زجاجات من المشروبات الغازية ، يعقبه طبق التحلية وقد صفت فيه برتقالات ست مهيأة ، لتتوج المأدبة بصينية من المشروبات المنبهة قهوة وشايا وصينية من المكسرات والحلوى..
على أن النظام لم يكن محكما بصرامة كافية ، وكان لصالح المحرومين الذين لا يكادون يرون اللحم إلا في المناسبات والأعياد ، لذلك لوحظ أن العديد من الفتيان الجريئين غير المتهيـبين ، بل وحتى بعض الكهول الذين أسقطوا عذار الحياء وخلعوه منذ صباهم ، قد تحلقوا حول مائدة من الموائد أكثر من مرة ، ولسان حالهم يهتف مرددا مع لسان سرِيولة المعتوه ، زوج مريومة السابق ، الذي بطنه في كل شيء: لا تواتيه الحكمة إلا حين يجلس إلى الطعام ، وقد أنساه بطنه
ـ الغبن لكل جبان ، والجوع لكل حيي..هي زردة لن تتكرر.. هي زردة لن تتكرر.. مات مرحوما من مات على شبع! ..
استمر حفل الإطعام إلى نحو الواحدة بعد الزوال، على أهازيج مزامير فرقة الرحابة وأنغام حناجر أفرادها ، واضطر خالي الشيخ الحاج سعد أن ينتظر هناك في المسجد الجامع المحاذي للمقبرة في الربوة المقابلة للمدرسة ، وقد تنازل له الإمام الرسمي عن المنبر والمحراب مؤقتا بطيب خاطر، إذ أن سعدا هو الرئيس الروحي لعرش القوادرية حيثما حل؛ في العاصمة أو في الشعبة أو هاهنا في فرطاسة مركز بلدية القوادرية .
وما إن تم توديع شخصيات السلطات الرسمية الذين اقتصر حضورهم على التمسح للإطار المركزي ، ومد الأيدي للقصعة مجاملة ، إذ خاب ظنهم في المأدبة ، لقد كانوا ينتظرون خرافا مشوية على جمر حطب الأرز ، فإذا طعام العوام نفسه هو ما يقدم لهم .. وما انطلقت آخر عربة لهم حتى نادى المؤذن ، وزحفت الجموع إلى الجامع المتواضع في الدشرة ، وحين غصت أركانه بالمتدافعين السابقين والسابقين الأولين ، تراصت الصفوف حول الجامع ، وامتدت بعد ذلك حتى أبواب المقبرة ، ولم يكن أحد يتصور أن مثل هذا الربع الخالي ، قد تؤمه ذات يوم مثل هذه الجموع الغفيرة التي لا يمكن إن تجتمع إلا في مدينة كبيرة..
ورغم إشراقة الشمس الدافئة ، بعد وابل السحابة الذي هطل في الضحى، مازالت ثيابي مبتلة نتيجة تباطئي الإرادي في الفرار من النوء والاحتماء من ودقه .. بالكاد وجدت مكانا ضيقا في صف من المصلين يكاد يلاصق قبرا جديدا قريبا من مدخل الجبانة ، لم ينبت العشب على ثراه الطري بعد ..
كان محور خطبتي الجمعة ـ الذي شرع الحاج سعد يهتف به في حماس من أعلى المنبر في الجامع ، ونتلقاه نحن في الخارج ، من مكبرات الصوت المشدودة إلى المئذنة الوحيدة ـ موضوعا يتناول وحدة الصف ، ونبذ التفرقة والخلافات ، وعدم الغلو في تزكية النفس أو الافتخار بقبيلة الانتماء... وكان يشير بذلك من طرف غير مباشر إلى ما خلفت معركة الانتخابات من تنابذ وتنابز ، بين عروش القوادرية والزواتنية والسعداوية ..وكان استهله بالترحيب والدعاء لضيوف فرطاسة عامة ، ولصديقه الفاضل ورفيق دربه في الجهاد ، الرجل المبجل إبان الثورة ، المجاهد الوفي سي قندوز الفوشي ..
وما إن أقيمت الصلاة ، وكبر ، وشرع يتلو سورة الفاتحة ، حتى انقطع عنا الصوت، ووقع بعض الهرج والتململ في صفوف المصلين خارج الجامع ، لكن سرعان ما جاء الصوت الجماعي هادرا مثل هزيم الرعد من داخل: آميــن، فأمـّنا ، وصلينا على صوت المسمـّع بدل الإمام..وبسرعة أصلحت أجهزة الصوت بعد التسليم ، وجاء صوت يعلمنا بأن لا ننصرف ، فالأخ سي إبراهيم الجيلاني نائب دائرة شعبة الزيتون سيلقي كلمة شكر في ضيوفه.. مع أن المصلين المتعجلين ، قد انفضوا إلى أحذيتهم يحتذونها بهمة بمجرد أن سلموا ، لينتشروا في الأرض، فالمفيد كان في المائدة وقد أخذوا حقهم منها ، فماذا عسى أن يقول ابن ربعيه هذا ؟.. والتمست الفرصة ، وغادرت القبور ، وتمكنت من التوغل داخل المسجد ، وإن فضلت أن أبقى بعيدا بمسافة كافية عن المحراب .. وشاع أن الفوشي ،الإطار المركزي ، قد يشرّف قريته وأبناء دواره ، ويلقي خطابا إثر الصلاة ، يذكر الأوفياء والمخلصين ، بخطبه الحماسية التي لا تخلو مع ذلك من روح الفكاهة في الاجتماعات التوعوية الليلية أيام الثورة ..
وجاء ت كلمات الجيلاني المتلكئة باردة مؤنثة ، لقد راح يعيد على المسامع ما كان الإمام قد قاله ببيان فصيح ، عن الوحدة وتجنب الخلافات ، وكان بالإمكان الاستغناء عن كثير من الشطحات والشقشقة التي لا تجدي ، ويكتفي بشكر الحاضرين على تجديد ثقتهم في شخصه ، وعلى أن يكون عند حسن الظن وكفى ، بدلا مما كنا نسمع ومما سبق أن تناوله خطيب الجمعة مع فارق أساسي ، لقد كان يخلط بين الآيات وبين الأحاديث والكلام المأثور، ويدمج كل ذلك في غلالة واهنة ، بما كان الحزب يرفعه من شعارات واهية عن الثورات الثلاث ، التي يكذبها الواقع المعيش الذي يقول بأن أولي الأمر ، قد وأدوا تلك الثورات من زمان منذ أن مات الهواري بومدين ، إذ هم لا يؤمنون بها أصلا ، فالثورة الزراعية ، والثورة الصناعية ، والثورة الثقافية لم يعد لها من وجود إلا في أفواه بعض الغافلين من مناضلي الحزب ،أولئك الذين لم يتفطنوا بعد للتحولات الجارية من حولهم.. وكان أنصار سي إبراهيم والفلاحون خارج المسجد يضجون بالتصفيق ، دون أن يحظوا برؤية محدثهم ، عندما يذكر بعض المنجزات التافهة التي صادفت عهدته النيابية الأولى ، ولم تكن غير بعض آبار مياه للشرب ، وبعض الأقسام الدراسية التي لم تكتمل ، وبحكم معرفته للمنطقة ، كان يذكر أماكن الإنجاز بأسمائها، وكلما ذكر مشتى من المشاتي، صفق أهل ذلك المشتى ، حتى ولو لم ينجز فيه شيء بصفة فعلية ، ثم أشاد بزوج أخته ؛الإطار المركزي في جهاز الحزب إشادة تجاوزت حد التملق، حين تدخل ، كما يزعم بكل قوة ، مستعملا كل نفوذه ، في سبيل ترقية دوار القوادرية إلى بلدية ، وترقية قرية شعبة الزيتون إلى دائرة .. لقد كانت الشعبة على وشك أن تخسر مقر الدائرة لولا مساعي ابن فرطاسة البار سي قندوز الفوشي ، واختتم خطبته بدعاء مستطيل ، ليحيل الكلمة أخيرا ، لذلك لإطار المركزي ، حتى ينير الجميع بتوجيهاته، وفيض علمه وحكمته، وعظيم خبرته مما اكتسب ، بفضل تلك المسؤوليات الجسام التي تحملها عبر السنين ، وما يزال.
لكن الإطار، وفي تواضع جم ، رفض الاسترسال، باعتبار وجوده هنا في فرطاسة ، كان لدواع عائلية خالصة ، مقتصرا على تهنئة صديقه الإمام سعد في زيجته الجديدة ، وهو ما لم يتفطن له سي جيلاني في خطابه الفارغ .. ثم هنأ صهره سي الجيلاني ، معتذرا في أدب جم عما كيل له من مديح لا يستحقه ، وعن مساع لصالح الجهة لم يقم بها في الحقيقة، لأن مسؤوليته في الجهاز المركزي مسؤولية وطنية ، تقتضي النظر إلى خريطة الوطن كلها، والعمل من أجل الوطن ، كل الوطن ، والتقسيم الإداري الذي تحدث عنه النائب الموقر تم في أطر قانونية خالصة، ووفق معايير لا تشوبها شائبة . و ختم بتحية الجموع..وهو ما سبب حرجا من جهة، وخيبة مؤكدة من جهة ثانية لسي إبراهيم، لأن الصحفيين الذين استقدمهم واستضافهم بدعوى حضور الإطار المركزي للحزب ، لن يكتبوا شيئا عن الحفل ، مادام الإطار السامي لم يشرف الحفل بخطبة عامة ، ولم يتفوه بكلمة واحدة عن شؤون الساعة التي تشغل الناس ، وتخص المصلحة الوطنية بشكل عام...
*******
سحبتُ من حُق شمة الدخان رفعة ، وأسكنتها تحت لساني كي تتخمر وتنفث سمها الزعاف.. وظل السر الذي أخفاه عني فرحات جاثما على صدري . وأكبر عقاب نلته وشعرت بألمه المبرح في حفل تهنئة سي إبراهيم ابن ربعية ، هو إعراض أغلب معارفي عني ، وتجاهلهم لي ، لقد كان الجميع يهرول نحو الشخصيات المتأنقة القادمة من بعيد ، وكنت في ثياب العامة والكادحين .. هل السنوات السبع غيرت من خلقتي إلى الدرجة التي يتنكر لي فيها معارفي القدامى في الدوار، أم أني غرقت في الحشود فلم أبرز؟.. أم كانت هذه اللحية الكوسجية كـنّا وحجابا سترتني عنهم ؟..
وتبين لي أن سي إبراهيم ذاته لم يتعرف علي ، ولم يبد ما يدل على معرفته بي ، حين لمّح الخال سعد في صف الاستقبال بعبارته " أهدى الله ما خلق" . وأثناء خطبته حدقت فيه طويلا ، لكن دون أن يعيرني اهتماما ، إلا ذلك الاهتمام العام الذي يوليه المتحدث للمستمع المقبل على كلماته يتشربها في لهفة، أو للمستمع المنصرف عنه ، فهو يحاول أن يستميله بكل سبيل..
عجبا مم يحذرني فرحات إذن ؟.. أحقا تكون لحيتي الكوسجية اللعينة هذه ، قد غيرت من سنحتي إلى درجة جعلت صحبي ، بمن فيهم سي الجيلاني ، لا يتعرفون علي لأول وهلة؟.. ويحق لي أن أسأل نفسي بدوري ، هل كنت سأتعرف على ابن ربعيه تلقائيا في الخضم ، لو لم يتصدر صف المستقبلين؟..
الحق أن وجهه الذي كان ضامرا ، وقد رأيته في جنازة المرحومة علجية ، وهو بعد مجرد معلم كادح ، قد اختفت منه الآن أخاديد الجوع والنكد ، كما اختفت عظام فكيه العلويين ، وامتلأ وجهه تماما ، وسال الدم الأحمر في رقبته التي غدت من السمنة متصلة بطرفي كتفيه مثل رقبة ثور مسمن . وذهب عنه بعض الذل الذي لازم شخصه منذ أن تعرضت أمه ربعية لفضيحة الاغتصاب المهينة من قبل خادمها بودربالة بأمر العساكر الأوباش ، ثم زواجها الذليل من ذلك الخماس الخادم بودربالة الذي كان يخنع أمام والده الشهيد بولعياد خنوع الكلاب الأليفة ..لكنه استأسد فيما بعد حين استولى على فراش ربعيه ، يؤدب ربيبه إبراهيم بعصب الثور ، الذي كان الشهيد بولعياد يسوط به المحتطبين غير المرخص لهم ..
لقد بدا إبراهيم شخصا جديدا تماما ، لكن وهو يلقي خطبته من الورقة ، ألفتُ صورته، وبدا لي هو إبراهيم الجيلاني بشحمه ولحمه منذ أيام حصيرة الجامع التي كانت تجمعنا، لقد كنا فرسي رهان في بداية المشوار ، ومن دون افتخار وبكل تواضع ، أقول ؛ لقد تخطيته شيئا فشيئا ، وبعد أن كان يفصل بيننا ثـُمن الحزب والربع ، اتسعت الشقة بيننا ، خاصة بعد حادثة أمه الفاضحة ، وما تلاها من استشهاد أبيه ، ثم زواج أمه بالخماس .. وتجاوزته بأحزاب وسور، وحين وقفت على قرن "البقرة" أختم كتاب الله في شموخ وكبرياء ، كان هو يتردد بين أثمان "الأنعام" مثل أتان المرحوم عمي عبد الله بن عليوة زوج خالتي زينب..تلك الأتان التي كان يضرب بها المثل يومئذ في ثقل الحركة والعناد ..وقد التقينا في" المائدة" وكنت صادرا ، أمحو بنصف الحزب يوميا ،وكان هو واردا بعد، لا يمحو غير الثمن..لكنه ـ والحق يقال ـ قد وصل بعد لأي ، وختم القرآن..كان مثابرا، وقد جاء سوط زوج أمه بثماره..
قد تكون لحيتي أعمته ، فلم يتعرف علي ، وقد تكون الأيام التي فرقت بيننا ، ومسارات الحياة حفرت سدودا بين حياة الصبا الساذجة الحلوة المشتركة ، رغم ما فيها من مشاق وصعاب ، وحياة الرشد التي أعطته سبيلا معبدا نحو الرفاه والرخاء ، وأعطتني ليالي سوداء في السجن ، ثم ألقت بي في العراء محطم الآمال ، تنكر لي فيها حتى الأقربون ..وصار كل الذي قد ينتمي لي فاقدا لشرعيته..ومن أكون في المجتمع حتى يتعرف علي؟..
كانت رفعة الشمة تحت لساني قد ألهبت كل تجاويف فمي وحلقي، وشعرت ، بأن الدخان يفور من قمة رأسي ، ولم يكن من المتاح أن أتفل في المسجد ، فتسربت إلى الخارج لأتفل ، وأتخلص من لكع الشمة القذرة .. ملت إلى جذع زيتونة منخور وبصقت كما لو كنت أبصق جزءا من فمي ولساني .. حتى فرحات الذي جاء بي من الشعبة ، ألقى بي من سيارته في الحشد ، وتناسى وجودي.. حقا كنت ،من جهة ، مرتاحا بحريتي طوال الصبيحة، وأتاحت لي تلك الوحدة أن أتحرك بلا قيد وبلا حرج، وأن أستمع إلى عشرات الأفواه المجهولة ، من غير أن أكون معروف الهوية ، لكني ، من جهة أخرى ، كان ينتابني شعور قاتل بالعزلة .. شعور لم أعرفه إلا في الأيام الأولى من سجني ، وشعور بأني مجرد رقم مهمل في هذا الخضم العظيم لا أثر لي ، ولا تأثير علي.. فقد كنت على كل حال، أرقب الناس وهم يتبادلون النظرات ويضجون بالنكات والملاحظات والطرائف في هذا الهول الذي جاء به الجيلاني إلى هذه الدشرة المعزولة ، وقد رأوا آيات الله في خلقه من البشر ، في تعدد الأشكال والألوان والهيئات ، ورأوا في أنواع العربات والسيارات ما لو أقيم معرض لما اجتمع فيه ما اجتمع اليوم، وقد عكست ألوانها وأصنافها وعلاماتها وأشكالها طبقات اجتماعية متفاوتة تفاوتا يتبرأ منه المجتمع الاشتراكي الذي قيل يوما بأنه سيشيد في هذه الربوع..
لكن هناك شيئا بارزا كان غائبا غيابا تاما ومطلقا، ولم يتفطن إليه أحد فيما يبدو لي ، إنه العنصر النسوي، إذا استثنينا طبعا العجوز ربعية وأولئك النسوة المخبآت في المطبخ ، واللواتي لم ير لهن أحد ظلا ، ما عدا ما كان يصدر عنهن من زغاريد.. يبدو أني الوحيد الذي تفطن لهذا الغياب الأليم، باعتباري زير نساء سابقا لا باعتباري مناضلا في حركة اجتماعية متحررة ، أو في تيار سياسي مشاكس.. يا له من مجتمع ذكوري انعزالي عنصري لم يحدث في أي حقبة تاريخية من تاريخ الإنسانية كلها!.. حفل تؤمه آلاف النفوس ، ولا تفد إليه امرأة واحدة؟!..
ما الذي حدث لمجتمعنا لكي يكون بهذا القهر ، وهذا الإبعاد ، وهذا الاستبداد ضد العنصر النسوي الذي هو نصف المجتمع؟!. أهي العفة؟!.. أهي الأثرة وعقلية الملكية الخاصة للحريم؟..تخبئة المرأة عن الآخرين ودفنها عن عيونهم؟..لقد تعدى الأمر الحجاب الذي هو الملبوس الساتر لمفاتن المرأة ، إلى الحجب الذي هو حجب الذات، أي حجب المرأة نفسها وإعدام وجودها ككيان وإخفاء ظلها عن العالمين..نعم إنه حكم بالإعدام..لكن هناك من يردد بغباء فاضح صباح مساء ، بأن ديننا الحنيف أنصف المرأة ، والحق أن لا شأن لهذا بالدين بالوضع الحالي للمرأة ،وإنما الأمر أمر تراكمات تاريخية في بيئات موبوءة ومنحطة .. والمرأة التي ترضى بهذا الاختفاء كالجربوع الجبان والسنجاب المذعور ، وتدافع عنه ليست أهلا للحياة أصلا ، والمرأة المقتنعة بهذا الدفن والوأد والإعدام وبهذا المصير غير الإنساني ، وتنفذه بحماس ، لا ينبغي الدفاع عنها ، لأنها في حكم الأموات الذين لم يبق منهم غير الرميم ..
**********
حقا لقد تأمل بعض الفتيان البريين لحيتي الكوسجية الغريبة بشعراتها الطويلة التي تشبه لحية هوشي منه ولحى صور الصينيين القدامى عامة ، لابد أنهم استنكروها ، خاصة وقد كان شاربي حليقا ، ولا بد أن يفسروا ذلك بأنه من غرائب ساكني المدن.. وفيما تخلصت من عفن الشمة في الجذع المنخرم ، حملق في وجهي أحد الشبان في نحو العشرين من عمره ، وقال بفضول زائد:
ـ لكأني أعرفك من زمان ؟!..
ففحصته بناظري متأملا، وقلت بغير اهتمام:
ـ وما يمنعك أن تعرفني؟..
ـ تمنعني هذه اللحية الغريبة!..
ـ لا. اللحية لا تمنعك من أن تقول ما تتوهمني..
ـ توهمتك من أقارب الإمام سعد..
ـ وهمك سديد ..الإمام سعد هو خالي يا صاح!..
وحاولت أن أخلد إلى الصمت مصطنعا هيئة من يتنصت إلى الصخب عند مدخل المسجد ، وقد التف الحشد وتزاحم الجمهور من أجل تحية المجاهد سي قندوز الفوشي.. والحق أن فكرة تحية المجاهد راودتني ، فلعله يتعرف علي ، إذ طالما تردد على بيتنا وبيت خالي سعد إبان الثورة ، لكن ما جدوى مصافحته في هذا الخضم، ثم إن وضعيتي كخريج سجن لا تشرف أحدا بمصافحته ، فتراجعت بحسرة ، وإن ظل عنقي مشرئبا لأرى عن قرب سمت رجل يساهم في صياغة القرارات الحاسمة ويطل علينا من الشاشة من حين لآخر.. وها هو هذا الشاب إذن يعرف أني طليق سِجن ، سُجن بتهمة مثيرة ، وهي زنا المحارم في ليلة مأتمية .. يا لها من تهمة تسيل لعاب النمامين ، وجامعي أخبار الفضائح ، ولو عشت في العصر العباسي لانتحل لي أبو فرج الأصفهاني لحنا وشعرا ، وحبر عني صفحات شيقة في أغانيه !.. ولعل بلقاسم بن خلاف السراوي يكون قد حول قصتي إلى أغنية ، إن كان ما زال يهتم بالغناء .. هو قد تخلى عن الغناء بمجرد أن نال الصغيرة وتزوجها .. لقد مثلت أمامه في هذه الصبيحة فقط دور المجنون المعتوه ، لابد أن يكون قد نقل المشهد للصغيرة زوجته متحسرا أو مبتهجا لا أدري؟.. ثم ما يمنعه أن يشيع الحكاية في سائر الشعبة؟.. لكنه بالتأكيد لن يعلم إلى الأبد بحادثة سقوطي بين برميلي الصغيرة حين قلمت دوالي الكرمة المعرشة فوق العتبة مثل إكليل أسطوري ، فالنساء عامة كتومات ولا يروين مثل هذه الحوادث الخادشة للحياء ، المثيرة للشكوك والغيرة لأزواجهن الأحبة وحتى غير الأحبة!..
لكن الشاب الفضولي ما زال ممسكا بخناقي ، ويسأل أسئلة خرقاء، تنم عن عقل عاطل مستقل عن التفكير:
ـ أنت ابن الخالة الصادة أم الخالة زينب؟!..
وغضبت ، فنحن ننسب أنفسنا لآبائنا لا لأمهاتنا ، وهاهو يسألني عن أمي مثل دركي يحرر محضر اتهام أو مخالفة سير ، ثم إني متهم في حياة ، ابنة خالتي زينب ، فكيف تكون أمها أمي؟.
ـ أنا ابن أمك!..والدي هو المرحوم الحاج مبروك بن أحمد من أولاد عربي.. فماذا تريد أن تعرف بعد ؟..
ـ لا تغضب يا هذا ، أردت فقط أن أعرف درجة نسبك بالإمام سعد، أليست زينب هي أخته الشقيقة، أما الصادة فأخته من الأم؟.. والإمام صهرنا ، قرينته عقيلة هي أختي..وأنا أخوها الأصغر.. أنا بعطوش بن الطيب بولعراس ..
وقلت وقد فهمت قصد الشاب ، وزال عني غضبي:
ـ عذرا يا بعطوش ، يا قرن جدْي، يا ابن البراري، أنت هو بعطوش إذن؟.. لقد تغيرت تماما ، ولم تحتفظ بشيء من طفولتك فيما يظهر..
ـ رأيتك آخر مرة في تليملي ببيت خالك ، كنتُ يومئذ في نحو السادسة من عمري، ولم أكن دخلت المدرسة بعد ..
ـ ذلك عهد تولى ، وكيف أحوال بقية إخوانك الذكور؛ عمار، توفيق ، بوزيد؟..وحال العجوز أمكم العمة نونة؟. هل شفيت من أسقامها؟..
ـ العجوز يا حسراه!.. في رحمة الله من سنين .. أما الإخوة فقد فرقتهم الخبزة ،كما تعلم ..عمار في الجزائر العاصمة ، يعمل صحفيا ، في أسبوعية " الوحدة" ، وهو اليوم هنا يرافق سي الجيلاني ، ألم تره ؟.. كان بجواره طيلة الصبيحة ، ضمن صف المستقبلين ، ولابد أنك صافحته في تهنئة سي الجيلاني ، وتوفيق مدرس في سوناتراك بالحاسي، وبوزيد مستفيد في المستثمرة الفلاحية بالصفصافة ..
ـ لا أعرف مِن إخوانك معرفة حقيقية غير سي عمار. لقد جمعتني به حصيرة المدرسة أيام الثورة ، فهو من لداتي..
ـ أين ؟.
ـ أترى هذا المسجد الجامع. لقد كان إبان الثورة مجرد غرفتين صغيرتين ، جلب لهما نظام الثورة معلما كان يدرسنا بطريقة عصرية، وإن كنا نجلس على الحصائر..لكن لم يدم الحال طويلا .. اعتقل المعلم، ثم لم يظهر له أثر منذ اعتقاله ، وعدنا للكتاب الجامع لحفظ القرآن والأناشيد..
ولم أجرؤ أن أقول له إن أخاك عمار ، كان ضمن مجموعة السبع المتخلفين عن الركب ، لكن الأيام دارت، واستطاع عمار بن الطيب بو العراس ، بقدرة قادر ، في بداية الاستقلال أن يذهب في بعثة إلى المشرق العربي، ويعود في بداية السبعينيات بمجاز في الشريعة. وظف في التعليم الثانوي بادئ الأمر أستاذا للأدب العربي ، لكن ما لبثت الإدارة المفرنسة الحاقدة أن سحبت اعترافها بشهاداته التي تخرج بها ، وأرادت تنزيله لمستويات دنيا ، فأبى ، وقدم استقالته من التعليم جملة، وراح يطرق أبواب وزارة الشؤون الدينية والتعليم الأصلي . هذا ما أعلمه عنه قبل انقطاعي عن الحياة بذهابي إلى السجن.. لقد سوى إذن مشكلته، وحسن وضعه..فهو اليوم صحفي ،ويقف إلى جانب النائب سي إبراهيم ، ولم أستطع أن أتعرف عليه ، ولا هو تعرف علي.. وشعرت ببعض الحسرة والغبطة حتى لا أقول الحسد ..فلولا السجن لكنت الآن شخصية مرموقة ولامعة مثلهما..لكن تجري الرياح، ولا تسأل السفائن عن وجهتها .. إنها مأمورة..وسألته بغتة :
ـ وماذا يدرّس توفيق في سوناطراك؟..
لقد توهمت أن يكون الفتى إطارا، مختصا في البتر وكيماويات ، وذلك أمر يشرف القوادرية ، لكنه قال:
ـ لا يدرس ولا هم يحزنون ، هو مدرس حروف أبجدية بشهادة لا ندري كيف لفقها له عمار .. وظفوه لينال الشهرية ، لكنه لا يعمل شيئا.. إطارات الشركة لا يريدون أن يتعلموا العربية!.. وهو وجدها خابزة !.. راقدة وتمضغ!..
وإذ لم يعد ثمة شيء في جعبتي أبادله مع الفتى ، قرأت بصوت مسموع وبسخرية كبيرة لافتة من آثار الحملة الانتخابية ، علقت على باب صحن المسجد ".. القانون فوق الجميع.." فقال شاب آخر، وهو يصافح بعطوش ، ويتأمل لحيتي في فضول ، وقد فهم مغزى قراءتي الساخرة للشعار..
ـ ما داموا يتحدثون عن " القانون فوق الجميع " كشعار من الشعارات ، فإن القانون حاليا سوف يبقى موطأ ومداسا بالأقدام من قبل الجميع..
فقلت معترضا في سخرية:
ـ أنت مخطئ يا صاح! ..
وقال محتجا وقد نفد صبره:
ـ وكيف يا أبا لحية؟..
ـ القانون موطأ ومداس من قبل الكبراء .. نعم.. أما من قبل الجميع ، فذاك فيه نظر فيما أظن ..
ونظر إليّ الفتى بما يشبه الريبة ، خاصة وقد تأكد بأن هذه اللحية المسبلة مختلفة عن سائر اللحى المعهودة .وشعر أنه أمام شخص مجهول الهوية فسكت ، ولم يعقب بشيء، خاصة والحشد كما هو متوقع ، لابد أن يكون مخترقا برجال المخابرات المبثوثين في الخضم ، ولا يمكن أن يكون تجمع بهذه الضخامة دون رقابة . وحتى أزيل عنه اللبس ، وأرفع الحرج والريب ، سألت بعطوش:
ـ ومن يكون هذا الفتى الفاهم في هذه البرية القاحلة؟..
ـ هذا بورقيبة ،ابن أحمد الأقرع..
وفاجأني بعطوش بلفظ الأقرع وقد سمعت هذا اللفظ صباحا من فم خالتي تسب بها كنتها وسيلة ، حتى ظننته يلمز و يسخر، لكني وقد تأملته ، بدا في وضع طبيعي وحيادي تماما، فلا سخرية هناك ولا لمز . وظننت أني سأرفع الحرج عن بورقيبة ، واسمه المدوي يذكّر بالمجاهد الأكبر في تونس ، وما سماه والده باسم هذا الزعيم إلا تيمنا بالرجل الذي حقق الاستقلال لوطنه تونس ، كما سمى ابنته وسيلة باسم حرم الرئيس إعجابا وفألا حسنا، فقلت:
ـ أنت إذن ابن ذلك المجاهد المتواضع؛ أحمد المؤمن؟..
فنظر إلي بشرر، وقال بلهجة حادة مهددة:
ـ أتسخر مني يا هذا؟..
وفغرت فمي مندهشا لهذا المزاج المشاكس ، مستغربا لهذا الموقف المعاكس، وكيف أن هذا البورقيبة الزائف ، لم يثر على وصمة العار لصفة "الأقرع " التي عادت لتلتصق بابيه المجاهد مجددا ،كما ثارت أخته صباحا في وجه حماتها ، لكنه غضب لأني نعته بلفظ "المجاهد المؤمن.." وهو نعت مشرف ، وحملقت في ناظره ، وكلي قلق ، وتساءلت مندهشا:
ـ أسخر منك؟.. كيف؟..ومتى حدث هذا؟..
ـ ألم تصم والدي بصفة أصبحت مقززة مقيتة؟.
ـ سبحان رب العزة!.. ومتى صار الجهاد والإيمان وصمة؟..
ـ يبدو من لحيتك الفريدة ، أنك لا تعيش في هذه البلاد، وأنك وافد من بنغلادش أو من بلاد التبت ، أو بعثت مع أهل الكهف في العصور الغابرة ، وعادوا هم لكهفهم وتخلفت أنت في المدينة تنتقي لهم أزكى الطعام بورِِقك الذي لم يعد متداولا في ديارنا.. فيما تم دفن صحبك مع كلبهم ، وضُربَ بناء على كهفهم .. وحتى ربما جاءت بك هاتيك الأطباق الفضائية التي يقال عنها إنها تأتي من كواكب نائية في مجرات الفضاء السحيق؟..
ها أنا أنعت بكل الصفات التي تجعلني غريبا حقا عن حقائق الحياة الجارية، وقلت معتذرا أحاول تغيير مجرى الحديث وأميّع الموقف كله:
ـ على رسلك يا بورقيبة.. ماذا حدث؟.أنا لا أفهم ما تقول .. وربما ينطبق عليّ قولك بوجه من الوجوه ، فأنا بالفعل ، ما بعثت إلا منذ ست وعشرين ساعة.. ولك أن تقول إني من أهل الكهف حقا.. لكن دعني أصحح لك معلومة ، فحرفتي كأستاذ سابق تدفعني دوما إلى تصحيح الخطإ حيث هو، وحتى في السجن كنت أصحح للسجناء ولحراسهم على السواء أخطاءهم .. إن ما اتخذ على أهل الكهف ليس بناء مشيدا ، بل اتخذ الكهف مكانا للسجود فحسب كما جاء في إحدى الروايات ..
وتدخل بعطوش الوقح يقدمني لرفيقه بصفاقة بالغة:
ـ أتريد أن تعلم يا بورقيبة؟.. هذا الرجل هو بوعزيز ، ذلك المتهم في " حياة " زوجة أبيك..
وطفق الفتى يتأملني بعيون جديدة في عدوانية سافرة ، كأنما يلتهمني التهاما ، فيما اندفع بعطوش إلى الساحة ينادي أحد أقرانه، باسم ريفي ينم عن الوضاعة وسوء الخلق، وقال بورقيبة:
ـ أنت إذن ذلك الرجل السافل..تلك المرأة العاهرة تزوجها والدي ، ونحن لا نطيق رؤيتها ، وكرهنا لذلك الحياة ، ونتمنى الموت لوالدنا .. لقد لطخ سمعتنا وهوى بنا إلى الحضيض.. ونحن أبناؤه من أوحى للخلق كافة بأن ينادوا والدنا الخائن ، وغير المخلص ولا المؤمن ، بلقبه القديم المستحق ؛ أحمد الأقرع..
كان حديث الفتيين مذهلا، لقد كنت في هذه الصبيحة فحسب أبحث عن "حياة" في قصر مسعود اليهودي، وكنت على وشك الالتحاق بقرية بورقاص الاشتراكية للبحث عنها ومحاولة الالتقاء بها هناك.. المجرم دوما يعود لمكان جريمته ويبحث عن شركائه في ارتكاب الجريمة ، والعاشق المدنف لا يفتأ يقف على الأطلال ، لولا ظهور فرحات الذي غير وجهتي نحو فرطاسة .. وقلت أداري ذهولي وارتباكي:
ـ ظلمتم المرأة ، وعققتم والدكم يا هذا !..
ـ أو سجنوك باطلا؟.. كانت أمنا ، رحمها الله ، مثالا للعفة والشرف ، ثم ها هو يتزوج قبل أن يجف الماء الذي سقينا به قبر أمنا الرءوم ، وبمن؟.. بامرأة فاسقة بغي بشهادة الجميع .. كنا صغارا، ومع ذلك أحطنا بتفاصيل تلك الحادثة المدوية التي كنت بطلها في قصر مسعود اليهودي .. ألا تعلم أن تلك الحادثة كانت فضيحة العصر، ولطالما تحدثت العجائز فيما بينهن بدقائق تلك البائقة الباقية أبد الدهر؟ ..
ـ ذلك حديث الإفك ..البينة على من ادعى.. العجائز يا بني ، يخترعن الأحدوثات للسمر وقتل الوقت لا أكثر ..لا ألومك على ما سمعته في الصغر، لكني أراك متعلما، والمتعلم الحق يمحص ما يسمع ، ولا ينساق مع أول ناعق أو يصدق أول قول يقال ..
وكي أراوغه ما أمكن، فيما كانت صورة الصبية زهراء ، تتراقص أمام ناظري كأشعة نور شمس ساطعة في الضحى، تفند كل كلمة مما قلت ومما سأقول ، سألته:
ـ أما زلت تتعلم؟..
ـ أنا طالب في المركز الجامعي، سنة أولى بيطرة..
ـ طيب ، أيها الطالب، حكّم عقلك.. كان الأمر في حبسي يخص مصرع أخي عزوز، رحمه الله ، لكن ما أكثر ما يقع تحريف الوقائع، وتنتشر الإشاعات ، وتصير مع الزمن حقائق..أسمع يا بورقيبة .. أنا أستاذ تاريخ ، ومن خلال دراستي ، تأكدت بأن أكثر الأحداث التي تروى بصخب ، فيما يخص الحياة الخاصة للشخصيات التاريخية الشهيرة ، هي مجرد حكايات شعبية ، شبيهة بالحكايات الخيالية في كتاب ألف ليلة وليلة عن حياة هارون الرشيد الشخصية ، لكن تلك الحكايات الشعبية حين تروى في بطون الكتب الأكثر ثقة بطمأنينة وإسهاب ، تبدو للمتأخرين كما لو كانت حقائق تاريخية ثابتة ، بحكم تلك الثقة وتقادم تلك المصادر التاريخية، والتداول والشيوع ، وسعة التناول.. حكم عقلك في سلوك والدك المبجل ، صديق الطفولة والشباب للرائد الشهيد محمد بخوش ، وراقب السلوك اليومي لتلك المرأة الخارقة للعادة ، وسترى بأن الأمر على غير تلك الصورة السفيهة التي اختلقتها الإشاعات الباطلة..أرى أختك وسيلة وقد رأيتها صباحا مع زوجها عليوة أبر منك ، كانت تدافع عن أبيها وترفض أن يوصم بوصمة القرع!.. وترفع اسم المؤمن في وجه حماتها عاليا..
وقال بورقيبة متراجعا:
ـ حقا منطقك وسيماك لا يبرزان ما يتخيله المرْء عن المجرمين، ومظهرك يوحي بغموض الشخصية حقا ، لكنه لا يوحي بالإجرام وبارتكاب الشر. لكن من يبطل الإشاعة إذا أخرجت في صورة أقوى من الحقيقة ذاتها؟..
ـ أنصحك إذن أن تعيد الاعتبار لوالدك أولا ، ثم لتلك المرأة التي تجهلون عنها أنتم جيل الاستقلال كل شيء..واعلم أنك تمارس القذف إن كنت لا تعلم!..
ـ والدنا نعم، نحن نعلم فضله وعفافه ، وإنما نؤاخذه في طيبته الزائدة التي جعلت امرأة مثل تلك الحرباء تتزوجه بيسر، تسميته بالمؤمن جاءت من كونه نية وساذج، ومن تركه الحيلة والدهاء في تعامله مع الذئاب البشرية .. ومع مجتمع الغاب الذي يأوي أسراب الذئاب وقطعان الخرفان ، فأن يتسمى أحمد الأقرع ، وينال حقوقه كاملة ، أفضل من أن يسموه المجاهد المؤمن ويضيع حقه ، ويكون مركوبا من الجميع ، بما في ذلك من الراكبين والراكبات ، النساء الساقطات أمثال حياة ابنة خالتك زينب!..
ـ ألا ، فاعلم إذن أن زواج المؤمن من تلك المرأة التي مازلت تصر على تلطيخ سمعتها وعلى تحقيرها ، كان بوعد رباني بينهما واتفاق القدر ، قبل أن تولد أنت ، وقبل أن تكون المرحومة أمك قرينة له، وإن شئت التفصيل فصلت..والدك سمي المجاهد المؤمن ، لأنه صادق الوعد ، نزيه ، مخلص، وزواجه الشرعي بحياة يدخل في هذا المضمار.. أقول مرة أخرى :احذر من الإشاعات المغرضة !..وانتبه لتهيؤات ما أنزل الله بها من سلطان!.. أم هل هي وسيلة ؛ البنت الأمية أكثر حكمة وتعقلا من بورقيبة ؛ الولد المتعلم وقد خرف في ريعان شبابه؟..
ـ رغم احترامي لمشاعرك تجاه والدي ، أقول لك إن بلادنا فقدت توازنها العقلي ، وأن يقال لك خريج سجن بتهمة الزنى بالمحارم ، أكرم لك بأن توصم فتدعى بالمجاهد المؤمن!.. يا هذاَ، البلاد في قبضة الأوباش النهابين الانتهازيين !.. وأنت مازلت تتحدث عن الجهاد والمجاهدين؟..
أرسل هذا الكلام على عواهله ، ومضى دون أن يعير اهتماما لما يهرف به.. لقد كان يتكلم دون أن يشعر بمسؤولية فيما يقول..
ولم أعد أفهم الفتى، فقد كنت ظننته يرفض وضع والده فحسب ، فإذا هو ثائر على كل شيء، فرحت أبحث عن حـُق الشمة في جيبي.. وفي هذه الآونة كانت الجموع تتفرق ، وكان تصاعد ضجيج محركات السيارات والمركبات من كل جانب ، واتخذت الحشود كل سبيل ، وراحت فرق الدرك توزع جهودها ، بين أن تنظم حركة السير، وتيسير الخروج على أولي البطون المنتفخة شحما وتبنا ، وبين أن تحدب على الإطار المركزي في الحزب سي قندوز الفوشي ، تبعد عنه الفضوليين الراغبين في تحيته والتسليم عليه ، فيما كان بعض المقهورين أو أولي المآرب يلوّحون برسائل الشكاوى ولوائح من كل صنف ، يريدون أن يسلموها له يدا بيد..
جلت بناظري في أركان المكان بحثا عن فرحات ، سيارته الرمادية ما زالت مركونة، وبدا سي الجيلاني يودع بعض الشخصيات بالأحضان قبل أن تندس في سياراتها الفارهة تباعا بجوار سواقها .. وقفز إلى ذاكرتي فكرة رواها مالك بن نبي في مذكراته شاهد القرن، فحواها أن بعض المعمرين الأوروبيين في بلادنا كانوا لا يجلسون عند ركوبهم سيارات الأجرة في المقاعد الخلفية ، كما هو سائد عند ملتهم في العدوة الأخرى من البحر، التزاما بالتحفظ وعدم رفع الكلفة مع السائق ، بل يجلسون في المقعد الأمامي بجوار السائق ، ليس رفعا للكلفة مع السواق ، بل لإثبات عجرفتهم وصلفهم ..
وقال لي أخي المرحوم عزوز أيام دراسته الجامعية ، وكان في معرض التباهي ، بأن بعض وزراء يدرسون معهم في كل تواضع لا يتميزون عن الطلبة المنتظمين في شيء ، وذكر أن أحد أولئك الوزراء سأله الطلبة عن السر في أن الرسميين الجزائريين عامة يجلسون إلى جوار سواقهم بدلا من التقليد الساري ، وهو الجلوس في المقاعد الخلفية ، فكان جواب الوزير المجاهد أن سواق الرسميين في الجزائر المستقلة ، غالبا هم مجاهدون أيضا ، وجلوس المسؤول بجوار سائقه إزاحة للحاجز النفسي الذي يفهم منه التعالي والقطيعة ، مما قد يجعل مجاهد الأمس يشعر بالدونية ، وبأنه مجرد قطعة من قطع الغيار في السيارة التي يقودها.
ولكن ، وأنا أتفرس وجوه أغلب ضيوف سي الجيلاني لم أستطع أن أتعرف على ذلك الوجه الإنساني الذي تحدث عنه الوزير المجاهد للطلبة ، لكنني تعرفت بيسر كبير على وجوه المعمرين الذين تحدث عنهم مالك بن نبي .. ليس هناك غير الصلف، ولا أثر للعفة أو التواضع الذي تحدث عنه الوزير..
وعاد بورقيبة بن أحمد المؤمن ، ليقف من جديد بجانبي ، فسألته مازحا، وأنا أربت على كتفه موافقا لفكرته عن أن البلاد يحكمها الانتهازيون:
ـ لعل والدك المجاهد المؤمن لازال يحتفظ بمهنته، إذ طالما كان في الثورة دليلا وسائقا لقوافل فرق المجاهدين وكتائبهم ، فهل هو سائق يسوق بأحد هؤلاء الانتهازيين ما دمت ناقما؟..
ـ لا، ألم أقل لك إن والدي نية.. والدي اختار أن يسوق الجرار ، لقد عاش فلاحا وهو على أبواب التقاعد في مستثمرة الرائد بولحية..
ـ يكون تحصل إذن على سكنى في القرية الاشتراكية بورقاص؟..
ـ السكنى باسم زوجته الفاسقة ، ويا لها من سكنى !؟.. هي خِم للدجاج لا للعباد!..
ـ أنت ترى كل شيء بنظارات سوداء، الجهاد عندك نية ووصمة عار، والسكن العصري لديك مجرد خم دجاج!..والمسؤولون انتهازيون؟!..
ـ كأنك لا ترى ؟.. لا يمكن تغطية الشمس بالغربال .. أنت حقا من أهل الكهف!..
وأحسست بضرورة الاختلاء لقضاء الحاجة البشرية ، فقصدت دورة المياه بالمسجد ، لكن بورقيبة وجد في شخصي ـ فيما أرى ـ متنفسا، فانفجر يقول وهو يتبعني دون أن يعرف أني ذاهب أبحث عن دورة مياه :
ـ اسمع يا أبا لحية.. بصرف النظر عن صحة التهمة أو بطلانها عن جريرتك التي قضيت بسائقها سنوات سجنا ، فجريرتك قد تعتبر من حسنات الأبرار إذا ما قورنت بجرائر هذا الحشف البالي الذي تسلط علينا يحكمنا في الشعبة،وفي كل المستويات في الحقيقة .. أعطيك أبسط مثل..ما رأيك في طالب جامعي لا يستطيع أن يغير الشعبة التي لا تناسبه والتي وجه إليها قسرا؟!..هذه ليست مشكلة شخصية هي مشكلة آلاف الطلاب..
ـ أقر ّ يا بورقيبة أني أجهل أشياء كثيرة..
إن حديث الشاب الفجائعي جعلني أحس بأن الفجوة القائمة بيني وبين الحياة هائلة ، ينبغي أن أردمها وأسدها في أسرع وقت ، بالانخراط في الحياة من جديد بكل قوة . ثمة أشياء كثيرة عليّ أن أفهمها وأستوعبها ، لكن ضغط الحاجة البشرية جعلني لا أفكر إلا في دورة المياه.. إن ميضأة المسجد مقفلة لأن خزان الماء قد نفد..وفكرت في العودة إلى المدرسة ، لكن ،وأنا أرى هذه الحشود وكأنهم في قرية نمل ، لابد أن أتصور ذات المصير الذي حل بدورة مياه المسجد ، هو نفسه مصير دورة مياه المدرسة.. عليّ إذن أن أتجه إلى الشعاب ، وإن بدت الشقة بعيدة ، هناك شعبة الرصاص ، هناك شعبة السيف ، هناك شعبة البوائق... وقلت أخاطب بورقيبة مازحا:
ـ كل القنوات مسدودة يا فتى، ولا مندوحة من الذهاب إلى إحدى الشعاب ، وإن بعدت الشقة..
ولم يفهم قصدي، واستمر يقول:
ـ أنت لا تريد أن تفهم الأمور على حقيقتها القاسية..
وأشرت إلى بطني أفهمه قصدي ، وأسرع الخطى نحو الشعاب ، وأنا أقول:
ـ إن انسداد القنوات يولد الانفجار.. ويا ويله من انفجار!.. إنه التلوث والعفن ..