الفصل الثالث

6 0 00

الفصل الثالث

ذهبت أبحث عن غائط أتوارى فيه عن أنظار الخلق لأقضي حاجتي الطبيعية في ستر الله ، فإذا الشعاب القريبة كلها مشغولة بأقوام مثلي ، فأطلقت ساقي للريح تسوقهما يحث تشاء ، حتى وجدت نفسي في الشعبة الكبرى ، أعني شعبة السيف ، شعبة الرصاص ، شعبة البوائق ، شعبة الحيارى ، شعبة الهلاك، شعبة الآخرة.. وكان قبل ذلك شعبة الزيتون .. شعاب وشعاب..كل شعبة تؤدي لغرض وتفصح عن دلالة وهوية ، أما أنت أيتها الشعبة ، يا شعبة السيف ، التي تشبهين لسان سيف صقيل ممتد ، كنت ملاذ المستضعفين أيام ثورة التحرير ، ومأمن العزل من السلاح ، ومأوى المجاهدين ، أنت مربع الطفولة البريئة ، وخصب الحياة البهية، ودفء العواطف الصادقة ، وحوض الخضرة اليانعة ، ومنبع ماء الحياة ومجراه الصافي ..

أنتِ كتاب التاريخ المفتوح، وكتاب جغرافيتي الصغير ، وحصني الحصين .. لكن أين هي دور الأمس وبيوته المتواضعة التي كانت تتسلق جنوبك وسفوحك وتتشبث بأعطافك وفجاجك؟.. أين ماء حياضك، وشجرك الملتف؟.. ما بال الغربان تنعب في خرائبك، والخفافيش العشواء تضرب بأجنحتها، وتصطدم بدمنك نهارا قبل الليل؟.. ما بال الثعالب تتعاوى ، والذئاب تتداعى ، والكلاب الضالة تتبول في أرجائك؟.. أين الحياة الفتية التي كانت زاهرة هنا ذات يوم ؟.. أغدت قاعا صفصفا وكأن لم يكن هنا يوما دبيب ، وحياة ، وحركة؟..

حتى الدروب امحت معالمها ، والممرات درست مياسمها ، ونبتت في نواصيها شجيرات زقوم شائكة ، ونجمت على قارعاتها نباتات برية عقيمة ، ونتأت في صدورها وأعاليها صخرات ، وحصيات ، وأحجار متشظية ، تصفّر معها الرياح ، وتدب عليها الجنادب ، وتجوس فيها الخنافس ، وهذه الحشود من الحشرات التي لا يطيب لها العيش إلا في حالكات القحط ، ومرابع الخلاء ، ومخ اليباب ..

جفت فيك منابع المياه ، وتملّح الصلصال وابيضّ ، وقحط التراب، وحال الحال ، ورحل النعم ، وغادرك الإنسان ..

ماذا لو تنطقي أيتها الدمن ، فتخبري بخصب الأمس ودبيب الحياة فيه ؟. ليس هذا فحسب، ولكن حتى وهادك ، وسفوحك ، وغياضك ، وجُرُفـك ، وزباك ، وكداك ، وأشرافك ، فيهن اليوم تقـزّمٌ لم يكن لهن ، وانحطاط ٌ لم يعهد فيهن ، وتجعّد بعيد عنهن . أهي الشيخوخة تنتاب حتى المكان ويلحق الهرم حتى بالتضاريس ؟.. ألا ما أقسى صروفك أيتها الأيام !.. وما أمضّ كرورك أيتها الليالي !.. وما أشق ركضك أيها العمر !.. وما أمرّ انحسارك أيها الزمان!..

قصاصة من جريدة تحدو بها الرياح في هذه الوهاد الخالية ، عنوان بارز: " تلاميذ الثانويات يهتفون :التاريخ في المزبلة!.." المادة الحبيبة التي كنت أدرُسها بشغف، وأدرّسها بإخلاص وحب وحماس ، يراد لها أن ترمى في المزبلة..ترى هل يقبلونني في وظيفتي من جديد بعد أن أمسيت خريج سجن؟.. وقانونهم العجيب يعزل كل متهم مدان، مع أن الإدانة قد لا تكون لها علاقة بالوظيفة ، وليس هناك من إخلال بالوظيفة ، فلمَ أعزل إذن من وظيفتي التي هي ليست مجرد وظيفة لأكل الخبز والاعتياش ، بل هي الحياة ذاتها؟.. لكن ما الذي قاد خطاي لهذه الشعاب المقفرة اليوم؟ أهو الحنين إلى الماضي الذي لا يعود؟..

ولكن ما أدهشني أن الضغط لقضاء الحاجة الذي دفع بي لهذه الشعبة دفعا ، قد رفع وتوارى .. ولم أعد بحاجة لا لدورة مياه ، ولا لغائط أتستر به.. أكان ما ساقني إلى الشعاب هو الانحباس النفسي ، بعد أن قرع ابن المؤمن مسمعي بما لم أعهد؟. .أم أن مجرد استحضار الماضي البصري المخطوط في جنبات هذه الشعاب رفع عني كل ضغط؟.. و مع ذلك في فمي مرارة متفاقمة تبعث على القيء ، ولا علاج لها إلا أن أرفع قبضة من الشمة ، وأملأ بها شدقي كالبعير المعبد المعزول الذي ليس له في البراري والمراعي غير شجر القتاد ، وشوكه اللاذع المرير.

وتبادر لذهني سؤال جوهري ، فيما سالت الشعاب وساحت بخطاي حتى لم أعد أستطيع التوقف والعودة من حيث انطلقت ، لماذا رفع شعار " التاريخ في المزبلة" ؟. لماذا أهملت هذه الشعاب كل هذا الإهمال، فلم تعد تنبت غير الصفا والحجر ، وكنا في صبانا نجتني منها صنوف الفواكه والخضر؟. لم غار الماء ، وكان نهرا يشكل أحواضا ويسري صافيا رقراقا ؟.. أتغضب الطبيعة على الناس إلى هذا الحد ، وتمسك بنوالها ، وتشح لأنهم تخلوا عنها وأهملوها ؟..

وفيما كانت خطاي تنساب انسياب السرحان ، فلت من بين قدمي كائن انخلع له فؤادي، وانفطر له كبدي، ووقف له شعر رأسي ، كان أرنبا بريا ، اتخذ مكمنه تحت شجرة قتاد قميئة .. فاجأني بوثبته المباغتة ، فلم يسكن روعي حتى كاد يغيب عن ناظري بوثباته القصيرة السريعة المتميزة ، وثارت في نفسي غريزة الصائد ، فأطلقت ساقي وراءه دون وعي ، أريد أن أمسك به ، لكن بعد فوات الأوان .. كم هو سهل اصطياد الأرانب حين تعتم الثلوج ، ولكن اليوم لا ثلوج ، واحسرتا!..

ومع أن الصيد فاتني، إلا أنني استرسلت في الملاحقة ، وتسارعت بي الخطى متوغلا في ثنايا الشعاب توغل الباحث عن الردى في مأسدة ، حتى إذا اقتربت من الكهوف والمغارات التي اتخذت إبان الثورة موئلا ومأوى للعباد وللنعم على السواء ، هربا من جحيم مداهمات التمشيط .. فاجأني وجود غنيمات في محيط المخابئ ، فتباطأت ، وقد انقبضت نفسي لهذا الوجود ، واستحضرت في ذاكرتي صورة من قصة حياة بنت خالتي في فرارها ذات ليلة من ليالي العواصف الثلجية ، وهي حبلى بابنتها حورية .. وفي طرفة عين أحسست بأن شيئا حادا يحز عنقي، وظلا ثقيلا يغمرني، ولم أكد أتلفت ، حتى جاءني الصوت من فيافي القرون الغابرة ، يقول بلهجة غريبة حقيرة حاقدة ما كنت أتصور يوما أني سأسمعها في أواخر القرن العشرين :

ـ استأسر يا عدو الله!..

بالتأكيد لست نائما ، ولا أنا في حلم ولا في كابوس.. إني في كامل وعيي، وفي كامل قواي وقدراتي العقلية ، وما اصطنعته صباحا من عته وجنون كان تمثيلا .. وحين اتجهت إلى شعبة السيف ، إنما كان بقصد قضاء الحاجة البشرية ، بعد أن تعذر علي ذلك في المرافق الصحية بفرطاسة، وأن ما أوصلني لوهاد وثنايا شعبة السيف والرصاص وساقني قسرا إلى هذه المخابئ ، هو كذلك طمعي اللدني والفطري في قنص الأرنب البري ، حين رحت ألاحقه كما ينجذب المعدن إلى المغناطيس دون إرادة منه .. ثم عنّ لي ، وقد فلت مني القنص ، أن أنتهز الفرصة ، وأتفقد أطلال الماضي المفعم بالأحداث والعبر ، فأحج إلى المخابئ ، باعتبارها من المعالم المادية للثورة التحريرية .. خاصة ، وقد تكونت لدي مع الأيام ، حاسة تاريخية ، تثمن كل ما له صلة بالماضي، مادام يحمل دلالات وبصمات في مسارات الشعوب والأمم.. فما هذا السيف المصلت على رقبتي إذن ؟.. وما هذا الصوت الصبياني من جهة ، والمفزع من جهة أخرى ، والذي يطلب مني أن أستأسر ، وكأنني محارب في معركة من معارك القرون الوسطى ، التي تتخذ من السيوف أدواتها الأولى ، وما أنا غير خريج سجن ، لم يسترجع حريته الشخصية التي أضاعها لسنوات ، بسبب سوء التقدير ، سوى منذ ثماني وعشرين ساعة فحسب؟ .. أهو سيف دون خيشوط يقفز من رواية سيرفانتس الساخرة إلى حياة الواقع؟.. لكن صوت دون خيشوط في الأشرطة الكارتونية الموجهة للصبية على الأقل، فخم جليل مهيب ، أما هذا الصوت الذي يأمرني بالاستسلام ، فهو صوت رقيق نافر ذليل ، يشبه صوت جرو يصأصئ!..أو صياح تيس تعيس يصعد إلى أكمة وحيدا ، وقد اعتزل قطيع العنز..

ورسمتْ شمس العصر ظلا فارعا عتيما يقف إزائي ، بلحية كثة تسيل متطايرة كالحمم من عارضيه ، أو بالأحرى كمخلاة حمار منفوخة بلا شعير أو علف .. ظِـلّ ٌ يتجلبب قميصا فصّله أحد خياطي القرن الثامن الهجري وفق شرح تلامذة ابن عبد الوهاب ، في بادية نجد لأعراب السماوة، أو لأولئك البدو الضالين في الربع الخالي ، كان القميص بأكمام طويلة عريضة.. وتحت القميص استرسلت سراويلات شيطانية ، تتوقف عن الاسترسال فجأة ، قبل أن تصل إلى الكعبين .. وتنتهي الساقان الرقيقتان الدقيقتان للظل الفارع ليلامسا المروة العريضة المتربة ، بحذاء رياضي مناسب لمتسلقي الصخور الجبلية مما جاءت به شنط المهربين من جزر واق الواق ، أو قل من بلاد تايوان النائية ، فالأمر سيان ..

كان الظل الهلامي صورة كاريكاتورية نافرة مخجلة ، لكائن مجرد من أبعاد الهوية المكانية ، ومن أبعاد الزمن ، يصعب على الملاحظ أن يصنفه في خانة البشر المنتمين لبلد معين في زمن معين ، في هذا العقد ما قبل الأخير من القرن العشرين ، وأدركت أن قدمي اللتين تعطشتا للحركة بعد طول انحباس ، قادتاني لورطة لا أدري كيف يكون المخرج منها.. وأجبت الصوت الآمر، الآتي من عصور الدم والهمجية ، دون أن أجرؤ على الالتفات إلي شخصه الموارب خلفي :

ـ أنا لست عدوا لأحد من البشر ، فكيف أكون عدوا لله ..ثم إني أسيرٌ من قبلُ ومن بعدُ ، فكيف يطلب من أسير أن يستأسر؟..

وجاء الصوت المبحوح من جديد وقد رق أكثر حتى صار كصوت الجدي الذي ينزو على أمه:

ـ يداك إلى الخلف..وسيحكم الأمير أبو تراب بأمر الله فيك!..

وعلمت أن فترة سجني وقعت فيها تحولات جذرية على سطح الكرة الأرضية ، وأن الحركات الشيوعية ؛ من أممية وماوية وتروتسكية وماركسية وشيغِفارية ونحوها... لم تنتصر كما كان المرحوم أخي عزوز في السبعينيات يبشر، ويتحدث عن الاشتراكية حين تصور بأن قلاع الرأسمالية ستتهاوى قبل نهاية هذا القرن ، وهم يجتاحون العالم بحركاتهم، ويثيرون الزوابع في كل مكان لقيام مجتمع تعاوني متناغم مسير ذاتيا تشيع فيه كل الخيرات ،وتتاح فيه حياة إنسانية كاملة تتلاشى فيه سلطة الدولة .. وها قد حل مكانها حركات بلا رأس ، ولا قدم ، ولا ذيل في العالم الإسلامي على الأقل، فأنا الآن تحت رحمة حركة سرية ، أقامت إمارتها الموهومة ودولتها المزعومة دون سابق إعلان ، وهذا أميرها أبو تراب ، سيحاكمني بعد قليل.. أبو تراب؟..لكن لماذا اختاروا للخليفة الرابع من بين كناه ؛ الكنية الأقبح ، التي ظل يلعن بها على منابر المساجد في دولة بني أمية ، وهي الكنية التي أطلقها عليه الرسول الكريم حين رآه في حالة غضب من زوجه الموقرة فاطمة الزهراء؟..

صاح الظل يرسل نداء نحو مخبإ ، وقد ألقى على معصمي حبلا يعتقلني ويشد الوثاق

ـ يا أهل دولة الهجرة والتكفير!..كافر آخر يغير على دياركم..

وجاءت أصوات كالنباح يطلقها كلاب استنفروا:

ـ لبيك يا أبا عتمة !.. لبيك!..

يا للعجب!.. هو الكهف الشهير الذي فرت إليه حياة بجنينها من غزوة سي الجمعي في سرى الليل ، لكنه عدِّل وشيد وصيده بالخرسانة .. ينتأ من الوصيد شخوص بقامات فارعة ، لكنها تتخذ أشكال سناجب مذعورة ، كانوا جميعا يتأبطون سيوفا في أغمادها العتيقة ، ويرسلون لحى تشبه لحية هذا الظل الفارع الذي يأمرني بالاستئسار، ويقيد يدي إلى وراء ، ويتجلببون بجلابيب غريبة الأشكال والألوان ، ويتصايحون بأسماء وكنى غير معهودة إلا في العصر الجاهلي وما يليه .. فهذا أبو رُميس ، وهذا أبو الغرانيق ، وهذا أبو مخنف، وهذا أبو يعلى ، وهذا أبو محجن...وكان ثامنهم كلبهم ، يرابط لدى الطرف الأقصى من القطيع ، هو أبو العصعص ، والذي هرع إليّ بدوره على صيحة أبي عتمة، وكأنه أحد أفراد الإمارة ..

سلمني أبو عتمة لصاحبيه ، أبي رُميس وأبي مِخنف ، فأمسكا بي من ذراعيّ ، وتولى هو إلى مكمنه الذي باغتني منه بسيفه ، والذي اتخذه للحراسة والعس ليداوم على مرابطته ؛ وقد أفلح في قنصي بيسر تام ، في حين أني لم أفلح حتى في قنص أرنب بري تافه ..

جرني العونان من الزبانية إلى مقر الأمير ؛ كهف أبي تراب ، ومرا بي من صحن واسع هيئ فيما يبدو لتدريبات مختلفة من رمي بالنبل والمنجنيق ، وتسلق، ووثب عال على الحواجز، وطعن بالسيوف والرماح ونحو ذلك .. وكان ثمة محرك مازوت يصدر أزيزه المتواتر دون أن أراه .. وهذه علامة فارقة ؟. ولدى وصيد الكهف ،وقف الكلب أبو العصعص يتشممني ، ويهر في وجهي ، وقد كشر عن أنيابه البارزة كالنصال ، قبل أن يأتي صوت الأمير من فجوة عميقة في الكهف ..

ـ فتشوا عدو الله، واعرضوه على أبي العصعص ،قبل أن تدخلوا به علي.

وعجبت أن الظلين قاما بالإجراءات نفسها التي قامت بها فرقة الدرك في مقرها بشعبة الزيتون ، حين تم اعتقالي في قصر مسعود اليهودي، ولم يغفلا في تفتيشهما حتى مناطق الأعضاء الحساسة .. كان الكهف الواسع مضاء بالكهرباء ، وفهمت أن الأزيز الذي سمعته هو محرك مولد الطاقة .

وضع أحد الزبانية الأغراض التي وجدها في جيوبي على خوان مستدير كان أمام الأمير ، عليه جملة من الكتيبات الدعائية الفاقعة الألوان ، وأشرطة ، وجهاز سمعي ، إضافة لآلة يبدو أنها جهاز اتصال عبر الأقمار الصناعية .. وكان الأمير أبو تراب أعمى يضع على لحم العمى نظارة عتيمة تخفي عماه ، وتهب له مظهر الوقار المرعب مع العثنون الأسود الذي كان يتدلى من عارضيه كمخلاة حمار خاوية ..

وعرض عليه أبو رميس أوراق التعريف الخاصة بي ، ووثائق تخرجي في السجن التي سلمت لي ظهر أمس ويقرأها له بصوت عال كما لو كان أصم ، وراودني أمل أن يرحموني مادمتُ خريج سجن ، ولعل بعضهم أن يكون قد ذاق مرارة السجن .. ولكن جاء سؤال استنكار وخيبة من الأمير وهو يفحص الوثائق رفقة أبي رميس:

ـ ما هذا يا أبا رُميس؟.. ألم تجد في أعطاف هذا التيس ورِقا؟.. ما يهمنا في الأسير قبل أن نستل روحه من جسده،هو أن نسلبه سلاحه وورِقه.. بالورق اللامع نقيم إمارتنا، وبه تنهض دولتنا ، ونأتي بأزكى طعام..

وقال عون الزبانية وهو يلوح بسيفه الصدئ أمام عيني:

ـ يا أمير المؤمنين ..هذا الأسير ليس سوى عين فيما أرى .. أرسله الكفرة ليتجسس علينا.. لابد أن يكون قد أخذ كامل احتياطه ، ودخل شعبة السيف ، مقر الإمارة من غير سلاح ولا ورق..هل تأذن لي أن أدق عنقه يا أمير المؤمنين؟..

ـ ليس بعد؟. ليس بعد يا أبا رميس .. لقد شدد سيدنا الدكتور المركباني على التزام التخفي والتدريب حتى يتم طرد الشيوعيين الكفرة من أفغانستان أولا .. سأبتليه ، عسى أن أستل من بين شفتيه مكرا قد مكروه، أو رزقا طمروه ، أو نتخذه رقيقا وعبدا يرعى لنا النعم ، وننقل عليه المتاع ..وإن أبق شأن العبيد الآبقين كان السيف له الدواء..

وتصدى لي يسألني وهو ينزع النظارات الكبيرة على محجريه ، فبدا فيهما لحم أحمر مرعب :

ـ ما جريرتك التي حبسك من أجلها الطاغوت؟..

ـ جريرتي مدونة أمامكم في الأوراق يا ...

وتوقفت لا أدري بم أخاطبه ، فقال عون الزبانية:

خاطب الأمير بوقار وقل: يا مولاي أمير المؤمنين..

فكررت كالببغاء وقد كدت أضحك من هذه الصفة الجليلة التي أطلقت على عمر بن الخطاب حين كان هناك مؤمنون فعلا، وكان هو أحدهم لا يتميز عنهم بشيء ، فإذا هو اليوم لقب حقير ملتبس يطلق على الأنانيات العاتية وعلى اللقطاء المغامرين والمنافقين من أبناء الجواري في كل الربوع :

ـ جريرتي مدونة أمامكم يا مولاي أمير المؤمنين!..

فقال الزبنية غاضبا ، ويغرز ضبا السيف في عنقي :

ـ أجب مولاك ، أمير المؤمنين على قدر السؤال.. ما جريرتك يا لحية التيس الحضري؟..

ـ هي الجريرة التي سجن بها سيدنا يوسف..

وغضب الأمير حتى حد الشطط، وتململ في مجلسه كأنه يريد أن ينهض كي يصفعني .. وترجم أبو رميس غضبه ، فوكأني بالسيف حتى أحدث ثلما فاحشا في كتف سترتي وكدت أسقط ، وقال أبو تراب:

ـ لا تنجس أسماء الأنبياء بلسانك يا عدو الله ورسوله.. اسمك أبو عزيز..وذلك يعني أنك شبيه بوالد عزيز مصر.. أي أنك صنيعة فرعون ، لا تراوغ ، ما جريرتك.. أرحنا لا أراحتك المنايا !؟..

ـ المعارض السياسي في نظامنا ، تلفق له اتهامات تخص الحق العام عادة للتمويه.. فاتهموني بزنا المحارم، أكرم الله وجهك يا مولاي..

ـ لم كنت تعارض الطاغوت ، وأنت على ملة الكفر تحلب في إنائهم ، لم تهاجر ولم تكفـّر أحدا؟..

ولم أستطع أن أجد الجواب اللائق، فأنا ربما أكون سجنت بجريرة أخي عزوز الذي كانوا يظنونه ينتمي لحركة يسارية تتآمر على النظام.. إذا قلت هذا ، حكمت على نفسي بالإعدام، ومسكت لساني أبحث عن مخرج..فقال أبو تراب:

ـ الحكم على الزاني هو الرجم إن كنت متأهلا، هل أنت متأهل أم أعزب؟..

وأردت الاحتجاج ، فقلت مرعوبا :

ـ أنا أعيش في مجتمع غير محكوم بالشريعة بعد يا مولاي، لذا فالحكم علي كان وفق أحكام القانون المدني الذي تركه الاستعمار حين غادر ..

ـ ها أنت إذن ترضى بحكم الطاغوت ، وتفضله على حكم الشريعة ..

ـ لا ، لقد خاصمت قضاتي ، لكن كانوا هم الخصم والحكم..

ـ ما جاء بك لهذه الحل الآمن ، فروّعته؟..

ـ جئت لقضاء الحاجة ، أكرمك الله ، ثم أغراني أرنب فلت من بين قدمي، فلاحقته..

ـ يا أبا رميس .. الكافر يسخر منا ومن حلّنا الذي لا يراه إلا غائطا أو كنيفا .. خذ الكافر الخنزير، واحبسه في الزريبة الخاصة بأهل الكفر والضلال مع الأنعام .. بعد العشاء سوف نعيد ابتلاءه بروية ، ثم نستتيبه ، فإن تاب فنعما هو ، أو نفصل رأسه عن رقبته ، وسوف نلهو بتقطيعه إربا ،إربا، ثم ندعه ليلهو به أبو العصعص.. بعد أن نستشير فيه الإمامة الكبرى في لندن ،إن جاءنا أبو زائدة بالبطاريات الخاصة بجهاز ثريا .. هذا الجهاز اللعين الذي ينهب البطارية نهبا..

وفيما قادني الزبنية إلى مصيري ، وقد يئست من كل نجاة ، وعجبت كيف ساقتني الأقدار لمثل هذه المسرحية الدون خيشوطية المأساوية التي لا يستطيع حتى الخيال ذاته أن يخترعها ، مع أنها واقع محض ، وقد كنت بالسجن مع السجانين في نعيم وهناء ، لأني كنت على كل حال تحت وصاية عقلاء ، حتى وإن جاروا إذا قارنت الأمر بوضعي الحالي ، حيث لا يمكن أن أطمئن لمصيري .. إن هؤلاء في حال من الجنون الجماعي ، الذي عاشه دون خيشوط فرديا ، والذي فصلهم عن واقع عصرهم جملة ، وهم مثله لا يعترفون بجنونهم.

كانت الزريبة في الكهف الطبيعي الأكبر الذي تأوي إليه شويهاتهم، فسد أنفي أبوالها وأبعارها ، وخلت أني سأقضي في هذا الجو الخانق .. وعاودتني حال الاحتقاب التي أخرجتني من فرطاسة ، وقادتني لهذا المصير المجهول .. وفي ظلام الكهف لم أدر كيف قضيت بين أبوال الأنعام وروثها حاجتي التي خرجتُ من أجلها وأنا أترنح في الوثاق ، ولم أكد أستريح من جراء الضغط ، والتخلص من الخبث ، حتى تبسم لي حظي ،إذ لم يدم الحال ، ولم يمض كبير وقت ، حين أقبل أبو عتمة الذي هو عين أهل الهجرة وحارسهم .. أقبل فزعا ، يصيح في ملإه ينذرهم :

ـ يا أهل الهجرة.. أطلقوا للكفرة عينَهم لا يحطمنكم من لا يكادون يفقهون قولا .. لقد أقبلوا على شعبتنا بقضهم وقضيضهم، وهو يتصايحون : "بوعزيز .. بوعزيز".. أطلقوا لهم بوعزيز هذا لعنه الله..

وسمعت أميرهم أبا تراب ، وقد خرج من جحره كالسنجاب على استغاثة أبي عتمة ، يقول:

ـ صدقت يا أبا عتمة .. لم يئن أوان الجهاد بعد ، نحن في كنّ الله وسبات المجاهدين نُشاكِهُ سادتنا الأبرار أهل الكهف.. أطلقوا للكفرة عينهم.. لكن قبل ذلك اجلدوه جلدات يتعظ بها عن انتهاك الحرمة .. ثم عصبوا نظره بخرقة ، وألقوا به إلى الثغر..

وانبرى أبو الغرانيق ينفذ الأمر ، لا أدري من أين جاء بسوط يشبه عصب الثور الذي كان ملك يمين والد ابن ربعيه الذي صار في يد بودربالة فكان يجلد به إبراهيم المسكين ثأرا حين تنشز عنه ربعيه ، وأهوى على كاهلي وظهري بوابل من الجلدات اللاسعات بكل قوة ، فتند عني آليا صرخات نابحة إثر كل لسعة .. وحين تهاويت بين يديه لقمة سائغة ، سأله أحدهم لا أدري من هو، وقد يكون أبو تراب نفسه، بالكف الآن.. قائلا بأنه قد يموت الكافر ، ولا نريد أن نعصى تعاليم الإمام الأكبر وحبر الملة أبي سُقير المركباني.. ففك عليّ الوثاق ، واستنهضني متوعدا بإعادة الكرة إن لم أنهض . وتحاملت أنهض رغم تفكك لحم ظهري وانخلاع كاهلي .. وضع على عيني شريط التعصيب ، وراح يدفعني أمامه وأنا أتعثر لدى كل حجرة أو نبتة يقودني كما لو كنت أعمى ، حتى بلغ بي الحدود والثغور التي رسموها لإمارتهم ، وقد انقدت له انقياد بهيمة.. وعرفت أني قد نجوت إذ مازالت فيّ الأنفاس تتردد بين جوانحي ، وما انفكت حشاشة من روح تخفق في صدري ، وقد بلغت الأصوات الصارخة باسمي مسمعي .. وقال لي يودعني ويتوعدني محذرا بلهجة حازمة :

ـ حياتك وموتك بين شفتيك .. إن تذكر شيئا للفرقة الضالة ،عن وجودنا وأحوالنا وإمارتنا الفتية تلق حتفك حيثما كنت.. أخوتنا الذين لم يلتحقوا بالهجرة بعد ، يسيحون في كل مكان.. وآذاننا مبثوثة في كل نبت وحجر.. نحن الفرقة الناجية التي وعد الله أن يعضدها ، وكتب على نفسه أن ينصرها .. احذر، وامض في سبيلك الآن..الوشاة لا نذبحهم بل نحرّقهم تحريقا!..

وفيما تولى أبو الغرانيق نحو مقر الإمارة متواثب الخطو ، كـتب لي أن أرى النور ثانية وأنا أقشع عن عيني الشريط اللاصق ، وأهرع رغم الجراحات زحفا وحبوا ملبيا لنداءات فرحات ورفاقه ،هاربا غير معصوب العينين نحو حبس ما يسميهم هؤلاء التكفيريون الهاربون إلى الدهر الأول بالطواغيت .. لقد كان حبس الدولة البوليسية كما يسميهم آخرون ، وقد دام سبع سنوات ونيف ، أرحم لي ، وأقل وطئا عليّ من سويعات قضيتها في معتقل هذه الفرقة الناجية من النار..أهل الهجرة والتكفير..

الفصـل الرابع

لفظتني سيارة الأجرة مع اثنين من المسافرين ، صعدت سلم المعبر المعدني وحيدا ، فيما سارا هما في اتجاه آخر ..ها هي أكثر من سنة تنقضي ، منذ خرجت من السجن دون أن أتمكن من تصفية حساباتي مع النائب العديم اللون والحس، إبراهيم ابن ربعيه، كل الأبواب كانت موصدة في وجهي أنى ذهبت .. بل هي مفتوحة في ظاهر الأمر ، ولكن ما جدوى ذلك مادمت كلما ذهبت إلى مكتب مداومة النواب في مقر الولاية قيل لي :هو في الدائرة ، وفي الدائرة يقال لي : هو في المحافظة ، وفي المحافظة يقال لي بل هو في دورة برلمانية ، وإذا ذهبت إلى مقر إقامة النواب في فندق السفير، قيل لي هو في مهمة وطنية أو في مهمة خارجية..إنني في دوامة. والأدهى أنني لا أستطيع أن أرفع ضده دعوى لدى المحاكم بسائق أنه يتمتع بحصانة برلمانية، فالنائب بقوة القانون لا يمكن أن يتابع قضائيا، إلا إذا رفعت عنه تلك الحصانة..

لذا لم يبق لي غير إتمام مسار المساعي الودية التي أدخلتني في هذه الدوامة ، أما تصفية الحساب عن طريق العنف فغير وارد لدي ، لسبب وجيه هو أني مازلت أحب الحرية وأعشق الحياة، ولا أريد أن أضع رقبتي في حبل المشنقة، كما أني لا أرغب في العودة إلى السجن مهما كانت المظالم التي لحقت بي.. فنسمة هواء طلق ، وأنت مطلق اليد والقدم واللسان، خير من جنة النعيم وأنت مطوق بالأسوار، مكبل اليد ، مكمّم الفم..

نوارة تزوجت ولفظتني إلى الأبد ، ولفظت حتى نسلها ، حتى تقطع كل صلة بي . لقد تركت الولدين صخرا وشهيرة مثل يتيمين لدى أختها العاقر مرزاقة زوجة الدكتور بوسنة والتحقت عروسا بابن ربعيه، أو التحق بها لا أدري .. حاولت أن أستعيدهما دون جدوى ..لا بتشدد من أخوالهما بل لأنهما اختارا خالتهما واتخذاها أماّ .. وحين يرياني يتواريان عن وجهي عنوة ، وكأنهما يريان فيّ وحشا ضاريا .. لابد أن أمهما ، ثم أخوالهما الأشرار قد صوروني لهما بكل صور النذالة والتوحش وحذروهما مني ..

إن مصيرهما تطلب مني أن أضحي ، وأقبل طواعية وبإلحاح مني ، دفع مبلغ الكفالة دون منّ ، مع أن خالتهما مرزاقة ، وهي زوجة الحكيم بوسنة ، والتي لم ترزق بالولد ، في غنى تام عن دنانيري المعدودات . لقد اتخذتُ من تلك الدنانير شفاعة للمستقبل ..لعلهما حين يكبران ويفقهان شؤون الحياة يغيران رأيهما في أبيهما المدان بلا رحمة ..

حياة.. التي دخلت السجن بسببها ، قررت أن تفي بالعهود التي قطعتها على نفسها في مطلع شبابها ، وتزوجت الكهل أحمد المومن بمجرد أن ترمل.. قلت لها وهي تزورني سرا ، تطمئن على حالتي وتتعهد جراحاتي المتعفنة التي أحدثها فيّ سوط أبي الغرانيق ، وأحالتني على المكوث في المستشفى أياما طويلة ، وكنت أخفيت ذلك على العالمين أسابيع لحالها ، خوفا من وعيد الفرقة الناجية المزعومة ، حتى تعفنت الجراح ، ولم أعد أقوى على النهوض ، ولم يعد في وسع أحد نقلي إلى المستشفى إلا في سيارة الإسعاف .. وبلغت سلطة المستشفى عن حالتي ، وانجر عن ذلك فتح محضر لدى الدرك .. افتعلت في الاستجواب أكاذيب حول مجهولين أشباح عما حل بي دون أن أشير إلى واقعة الاستئسار لدى الفرقة الناجية المزعومة ، لا من قريب ولا من بعيد، فقد كان رعب الوعيد الذي سكنني أعظم زاجر لي على الاعتراف أو الوشاية :

ـ البرعمة زهرة كانت نطفة في تلك الليلة العاصفة؟..

ـ ما فائدة أن أقول لك الآن نعم ، وقد قتلها حمار؟..

ـ لكن كيف لم تحتاطي ولم تتناولي الحبوب ؟..

ـ أنا حياة .. والحياة أنثى خصبة .. ولا يمكن للحياة أن تبور أو تعادي نفسها..

تنهدت ، وقلت متأسفا لتسرعها من الزواج بالمؤمن:

ـ كان عليك أن تنتظريني ، وقد اتهمت فيك ، وكان ذلك سبب طلاق نوارة ..

ـ زواجي بك لا يصلح ، أنا أكبر منك سنا..وسأصير عجوزا فيما تنضج أنت وتنضح شبابا أكثر..

ولأن الغيرة ليست أنثى دائما ، قلت معرضا بزوجها دون قصد:

ـ لكني قبلت بك ، وأقبل بك حتى ولو كنت الآن عجوزا.. لم تسرعت وتزوجت؟..هلا تطلقت من هذا الكهل الأقرع..؟

فقالت غاضبة :

ـ حتى أنت ؟!..حذار!..هو المجاهد أحمد المؤمن .. وسيبقى..

وعمنا صمت واجم ، ثم ما لبثت أن قالت فجأة ضاحكة ، رغم غضبها من نعت زوجها بالأقرع ، ورغم ما كان عليها من حزن شامل وثكل باد في ثوبها الأسود ، وقد فقدت زهراء ، فلذة كبدها منذ أسابيع فقط :

ـ بوعزيز يا ابن خالتي الصادة.. أعدك ..إن يمت أحمد المومن قبلي أتزوجك!.. وربما أكون يومئذ عجوزا.هل تقبل بهذا..إن تقبل فهات يدك أعاهدك!..

ـ وهل علي أن أنتظرك أعزب حتى يموت المومن؟..

ـ لا لا.. تزوج يا ابن خالتي ، أو استعد نوارة إن استطعت.. وسوف أقبل أن تتزوجني ضرة.. لكن ما بقي هذا الرجل المجاهد الشهم حيا، فلن أكون زوجة لغيره.."

ـ لكني تعشقتك منذ الطفولة ، وإن لم أع حبي وأعلم علم اليقين بعشقي لك سوى ليلة العاصفة تلك؟..

ـ لا حديث عن أي عشق وأنا في رقبة زوج.."

" الديوان الوطني للخمور.." قرأت اللوحة النحاسية البراقة المنقوشة بخط نسخي جميل من غير الأخطاء المعهودة ، وأنا أمسح العرق الثاخن ، وأحس بأنفاسي تختنق نتيجة الحر الشديد ، والرطوبة العالية في هذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر، فيما أحاول أن أجر قدمي المتثاقلتين جرا، لأصعد سلما قريبا من محطة القطار باتجاه مبنى البرلمان . لقد نزلت توا من سيارة أجرة ، أبى سائقها إلا أن يفرغني مع اثنين كالبضاعة عند أقدام المعبر المعدني ، كحل وسط ، بعد مفاوضة شاقة أثناء الطريق لتوصيلنا للبريد المركزي ، وحجته أن عسر حركة المرور قد تضيع له ساعات من العمل ، إن هو خرج عن مساره المرسوم الذي هو شارع جيش التحرير.. فضلا عن أن القانون يمنعه من الخروج عن المسار المحدد.

" الديوان الوطني للخمور " إذا ابتليتم فتستروا !.. إذا كان من الواجب إيجاد هيئة لتسيير الخمور في بلادنا ، فلتكن إدارة هذه الهيئة بعيدة عن أنظار المواطنين.. لماذا هذا التحدي المجاني لمشاعر آلاف المواطنين الذين يقطعون هذا السلم يوميا ، وهم يقرأون هذه اللائحة الرسمية ، وبهذه التسمية الرسمية الفخمة؟..

وتماثلت في ذهني صيحات الوعاظ الزائفين في دروس يوم الجمعة ، بل وحتى في خطب يفترض فيها أن تكون ذات محتوى تعبدي يلقيها أئمة معينون رسميا.. ويتقاضون أجورهم من خزينة الدولة .. الكل يصيح ويزايد أن الدولة كافرة .. في هذه البلاد شعب مسلم تحكمه دولة كافرة ..أي أن الدولة الممثلة في الإمام المعين رسميا تدين الدولة نفسها.. بالنسبة لي الدولة كافرة لسبب واحد ؛ هو أن يكون في مجلسها التشريعي رجل ذليل تسكن في جوفه منذ طفولته فضيحة هتك عرض أمه على المكشوف ، فهو كائن هلامي بلا ملة صحيحة ، ولا ذمة معتد بها ، ولا رأي يؤخذ به .. ذلك هو سي إبراهيم ابن ربعية ..هذا السبب كاف لإدانتها..

الساعة الحادية عشرة والنصف ، حديقة صوفيا ، لماذا صوفيا؟.. كدت أنسى الجغرافيا مع أني أستاذ اجتماعيات سابق .. صوفيا هي عاصمة بلغاريا، لست عنصريا ولكن لابد من الانسجام مع الحقائق الثقافية للشعوب .. مع أن الشيوعية هي الواجهة الخارجية لبلغاريا ، فإن المسيحية هناك تضرب بأعماقها في ذلك المجتمع ، ولذلك يجد المسلمون في تلك البلاد تضييقا بل واضطهادا باعتبارهم من بقايا الإمبراطورية العثمانية الاستعمارية .. لكن نحن المسلمين، أعني حكامنا النائمين ، من السماحة بمكان وهاهم يطلقون على أجمل حديقة اسم صوفيا، الذي قد يكون اسما لقديسة صليبية دون استشارتنا .. نستطيع أن نحترم الآخر ونقدره دون أن نسكنه بيتنا.. فماذا لو حملت هذه الحديقة اسما جميلا من أسماء عواصمنا ومدننا العربية أوالإسلامية مثل الرياض ، بيروت ، أو مشهد ، أو سمرقند، أو إسطنبول، أو مراكش ، أو عدن، أو دمشق...فما أغنى مثل هذه الأسماء للوجدان ، والإعراب عن الانتماء الحضاري لبلدنا !..

لكن لمن تقرأ زبورك ،أو رأسمالك ، أو توراتك أو إنجيلك أو قرآنك.. والقوم هناك في القمم الشاهقة لا يعجبهم غير الأسماء التغريبية التي يطلقونها على ساحاتنا وشوارعنا وحدائقنا.. أنظر إليهم هم في بلدانهم ..إن وجدت اسما من أسماء أعلامنا يتردد لديهم، فليس لخصاله التي من أجلها نمجده نحن ، بل لخدمات قدمها لهم ، ودونك الأمير عبد القادر الذي لا يجلونه لأنه قاوم الاستعمار الفرنسي الهمجي بشراسة ، وشرع يؤسس الدولة الجزائرية على أسس حديثة .. بل يكبرونه ، لأنه حمى بشهامة قوما من أبناء ملتهم ذات يوم هناك في منفاه بالشام.. ونحن الأولى بتلك المأثرة ، لكنهم هم يريدون غير ما نريد..

أخيرا ، هاهو مبنى البريد المركزي ، كم هي رائعة هذه الكتابة الكوفية " دار البريد والمواصلات" !. وكم هي رائعة هذه الفسيفساء التي تعلو المداخل والأركان!. لكن ما بال هؤلاء المستخدمين غير منسجمين مع هذا المظهر الخارجي، وهاهم لا يكادون يتحدثون إلا بلسان أمة أخرى ، هي تلك الأمة التي طردناها إلى ما وراء البحر، بقوة الحديد والنار ..اللسان هو الهوية ، ولا لسان لنا ، فنحن إذن بلا هوية.. فلماذا نطرد فرنسا إذن، ونحن نتشبث بالركن الركين من هويتها؟..

اليوم أسحب آخر ما بقي لي في رصيد حسابي الجاري، هي دنانير معدودات ، بعدها أقطع الصلة بالحساب الجاري ، ما لم تحدث معجزة وأستعيد منصبي.. صفوف ، صفوف.. في كل مكان صف..فلوسك ولا بد أن تصطف عليها لساعات من أجل سحبها .. وانغمست في الصف ، وعلى كاهلي حقيبتي..

".. هذه المرة لن أغادر العاصمة دون اللقاء به ، سأرابط بمداخل مبنى البرلمان حتى ألقاه .. الكلب، استغل وضعية سجين استغلالا وحشيا .. هو من شجع أحمائي أولا على طلب طلاق ابنتهم نوارة مني ، لقد وافقت على طلب الطلاق بسهولة . حقا كانت الصدمة عليها عنيفة .. صوروا لها أن زوجها خانها خيانة شنعاء ،وهي تحت مبضع الجراح.. أقل انتقام إذن هو أن تطلب الطلاق من زوج بهذا السوء..وإلى هنا اعتبرت الأمر منطقيا ، أما أن تتزوج رجلا آخر ، وتسكنه شقتي في المدينة ، تلك الشقة التي لم أتحصل عليها إلا بمشقة تشبه المعجزة .. مساع يومية إلى الإدارات ، ومشاجرات ومحاولات ..لم أتحصل عليها إلا بنوع من المخاتلة .. تحصلت عليها من خلال شبه قرار للسكن مع متعاونين عربيين كانا يعملان معي في المتوسطة ، وكانت قرارات جزأرة هيئة التدريس جارية على قدم وساق ، فألغيت عقود أكثر المتعاونين ، وخاصة المصريين منهم جراء زيارة العار والاستسلام المخزي ، زيارة السادات لبيت المقدس وهي تحت حراب همج العصر ، وما انجر عنها من اتفاقيات في مخيم داوود بأمريكا .. وعاش المتعاونون المصريون في ذلك الحين أياما قاسية ، كأنما هم من عقدوا اتفاق كامب ديفد .. قال عبد الرسول عوض أحد ذينك اللذين يشاركاني الشقة ، حين احتد النقاش بينه وبين جاسم الأيادي أحد المتعاونين العراقيين وقد كان سليط اللسان ، مستشهدا بمقولة مأثورة عن مصر مفادها ، أن مصر بلد من ذهب ، ونساؤها لعب ، ورجالها لمن غلب ، يجمعهم الطبل ، ويفرقهم النبل .. وأضاف إلى ذلك أبياتا من الشعر التي قالها المتنبي في هجاء كافور " وماذا بمصر من المضحكات..." قال الأستاذ عوض منفجرا:

ـ مصر هي أم الدنيا ، وهبة النيل ، وبلد الأهرامات.. وبلد كليوباترا والأسكندرية بمنارتها ومكتبتها!.

وتورطت بدوري في النقاش العقيم ، وذكرت له ما قاله المؤرخون عن تحمل المصريين للذل والهوان ، والقبول بالحكام ولو كانوا عبيدا وخصيانا ، وكيف أنهم لم يكونوا يستأهلون رجلا شهما في مستوى عبد الناصر ، فرد علي يقول:

ـ يا أبا صخر..إن السادات هو الذي قرأ بيان ثورة 23 يوليو1952 في الإذاعة، إنه رجل وطني ، ولا يمكن لأي وطني أن يخون وطنه. أنتم في الجزائر بعيدون عن الجبهة مع إسرائيل بنحو خمسة آلاف كيلو متر .. دعكم من المزايدات اللفظية الفارغة .. السادات يعرف مصلحة مصر .. وجبهة التصدي والصمود المزعومة ، هي جبهة للتغني بالشعارات لا جبهة للعمل واسترداد الأرض المغتصبة .. ومصر عاشت على الشعارات وخطابات العروبة الجوفاء سنين أيام حكم معبودكم عبد الناصر ، ولم تحصد من تلك الشعارات غير الضياع الشامل، واحتلال الأرض، والانكسارات .

ـ لكن السادات قايض سيناء بفلسطين..أي بما لا يملك..

ـ بعد عشر سنوات سيجد الفلسطينيون أنفسهم يطالبون بما هو مضمون لهم الآن في اتفاقيات كامب ديفيد

وقلت له برما من هذا النقاش الفارغ:

ـ لكن هذه الاتفاقيات ذاتها هي الإسفين الذي شق مصر عن جسمها العربي، و خدد الحدود بين الأقطار العربية وأبدها ، ولن يقوم أي تضامن أو تآزر بين هذه الأقطار في المستقبل ، ولا أتحدث عن الوحدة .. وكل قطر سيواجه مصيره عاريا من كل سند.. على كل حال ، أكبر المستفيدين يا أستاذ عوض من اتفاقيات كامب ديفيد ، هو أنا ، ستغادر أنت وزميلك الشقة .. شكرا لك وللسادات ، بتسليمك لي مفتاح الشقة خالصا لي ، ولا شريك لي!.."

وصحوت على صوت في رأس الصف في البريد المركزي يقول في تشنج غاضب مخبرا عن النبإ العظيم:

ـ تعطلت آلة الحاسوب مرة أخرى..

وصدرت صيحات احتجاج من بعض المصطفين ، فيما فضل بعضهم ممن كان في ذيل الصف الانسحاب نهائيا ، وقد وقـَّعوا انسحابهم بكلمات سب وشتم غير مجدية .. فيما علق أحدهم، وقد غادر الموظفان القائمان بالخدمة مقعديهما:

ـ هي مجرد حيلة أو لعبة يمارسونها..عندما يريدون اقتطاع أوقات للراحة أو لقضاء مصالحهم ، يعلقون اللوحة الجاهزة "الجهاز عاطل" . وتساءل صوت ساذج :

ـ ترى متى يعودون؟.. فأجاب آخر:

ـ أكبر مزية يسدونها لنا ، أن يكتفوا بتناول لمجاتهم ، ويعودوا..

وخيم صمت.. قطعه تصاعد أصوات منددة بتحرشات ومضايقات تعرضت لها إحدى السيدات في الصف، وقال أحدهم وقد أحاط قمة رأسه بعراقية مخرمة، وأطلق لحية مهذبة ، يقترح حلا لمعضلة الاختلاط ، لكن على المصطفين بدل الإدارة:

ـ لم لا يخصصون صفا للنساء.. فيسود الستر وتسود العفة..

وتحجج الكهل الذي ضايقها بأنه لم يلمس زندها عن قصد.. لكن المرأة تنسحب غاضبة، وهي تردد عبارات باللغة الأجنبية لم أستوعبها.. كانت في الخمسينيات من عمرها ، سافرة غطت تجاعيد وجهها الناشبة بالمساحيق ، وذكرتني طريقة وضعها للمساحيق بحياة مع فارق السن طبعا .. حياة تلك المرأة الصاخبة التي سطت على رجل ترمل حديثا ، واتخذته بعلا ، رغم أنه تمنـّع وتردد خوفا من أبنائه .. لم يكن راضيا فيما يبدو بهذا الزواج الجديد، خاصة وأن حياة فصلته عن حياته السابقة مع أبنائه من الزوجة المتوفاة .. لقد تبين له أن مقام الشهيد بولحية أعلى وأعلى، وأنه إذ يتزوجها لابد أن تحدث مقارنة بينهما ، وهو ما لا يرغب فيه ، مع أنه منذ البداية كان شغوفا بها، بل وقد أعطته هي ذاتها وعدا بأن يكون هو الزوج ، إذا لم تستطع القران بمحمد بخوش .. وتدور عجلة الزمن ، ويتحقق ما فكرت فيه منذ صباها.. تزوجت الأول شابا ، ومات عنها شهيدا متألقا ، واختطفها بوستة وهي لم تستيقظ بعد من نكبتها الفادحة في والد ابنتها حورية ، وتزوجت الثاني ، أحمد المومن ، بعد أن ترمل مكتهلا ، وقد تجدد لقبه اللماز الهماز الذي كان له قبل الثورة ، وبُعث بأفواه أبنائه قبل غيرهم اللقب المنسي : " أحمد الأقرع" مع أنه إلى عهد قريب كان يدعى أحمد المؤمن.

حياة، هذه المرأة الأبدية الشباب .. ومع شراستها ، استطاعت التنانين الباكية في شعبة الزيتون أن يروضوها ويخضعوها لشواظ نيرانهم.. لقد جردوها عنوة من قصر مسعود اليهودي الذي يعتبر من الأملاك الشاغرة ، وأسكنوها في القرية الاشتراكية بورقاص في مسكن إذا قورن بالقصر المسلوب ، اعتبر مجرد كوخ حقير لا أكثر.. كانت مساومة فظيعة.. قانون التنازل عن أملاك الدولة طـُبق بطريقة تضمن للكبار السرقة بأقبح الصور . لم تكن حياة تدفع كراء القصر ، الذي هو من الأملاك الشاغرة ، ولم تكن تملك حتى وثائق باسمها.. كان العقد محررا باسم زوجها المتوفى في ظروف غامضة ، وكانوا ينادونه في الشعبة بالمكتب السياسي ، وحين صدر قانون التنازل ، أكبر عليها التنانين أن تحرز أرملة قصرا بحديقة واسعة في قلب البلدة ، ورتبوا الأمور بيسر كبير .. حددوا مبلغ الإيجار الشهري فجأة ، وطالبوا الأرملة بدفع مبالغ الإيجار على مدى عشرين سنة مع غرامات التأخر عن التسديد ، ووجدت المرأة نفسها غير قادرة على استيعاب مقدار المبلغ في ذهنها ، فما بالك بدفع المبلغ الخيالي . وهددوها برفع الدعوى للمحاكم ضدها ما لم تسدد.

أرملة الشهيد محمد بخوش أمام المحاكم؟..لم تستطع أن تصدق إذا كان الأمر حقيقة أم مجرد كابوس ، لكن استدعاء من البلدية جاءها أخيرا، وحين اتصلت ، أعلموها أن الدولة يمكن أن تتنازل لها عن الديون، وتمسحها ، لكن عليها أن تخلي القصر ، وستعوض فورا بسكنى في القرية الاشتراكية بورقاص.. لم توافق على العرض مباشرة ، واستشارت معارفها ، وحاولت أن تدفع بخالها الحاج سعد للوساطة لها مع التنانين ، وركضت إليه حتى إقامته بتلملي في العاصمة بلا جدوى، فهو ذاته لا يملك باسمه سكنى في الشعبة... ورضخت أخيرا ، وقد كانت دهشتها عظيمة حين اكتشفت أنها تسكن قصرا من غير أن يكون لها أي سند قانوني يسمح لها بالشكوى ضد البلدية ، بل البلدية ذاتها لو تفطنت إلى الأمر لما احتاجت إلى خلق سيناريو الكراء ؛ ذلك أن مقرر كراء القصر كان باسم زوجها المكتب السياسي الهالك ، لكن علاقتها هي ذاتها بالمكتب السياسي غير موثقة بأي عقد شرعي، كان زواجه بها عرفيا لا يتجاوز الأمر فيه قراءة الفاتحة شفويا ، وإقامة مأدبة عشاء للأشهاد..

كان المكتب السياسي انتهازيا ، فحياة هي أرملة شهيد ، ولكي يحتفظ لنفسه بامتيازات أرملة الشهيد لم يعقد عليها رسميا ، وهاهي حياة لا تجد أي سند بينها وبين المكتب السياسي كي ترافع عن قصرها ..لذلك سارعت إلى البلدية تتنازل بملء إرادتها ماداموا سوف يسكنونها في بورقاص، وبذلك تمكنت التنانين الخفية من الاستيلاء على قصر قيمته بأسعار السوق تتجاوز الملايير ، لكنهم اشتروه ، وفق قانون التنازل عن أملاك الدولة، بثمن بخس دراهم معدودة ، ليعيدوا بعد ذلك بيعه لذلك البقار الجاهل الذي حوله إلى حصن ، وحول الحديقة ذات الأشجار والنباتات النادرة إلى مستودعات لشاحناته المقطورة .."

ـ صاح أحدهم في مقدمة الطابور مبشرا الخلق الذين ملواّ الانتظار :

ـ هاهم جاءوا..

ضغط أحد الأعوان على ملامس الحاسوب كأنما يختبره ، ورفع اللوحة البغيضة " الجهاز عاطل" المكتوبة باللغة الأجنبية بخط اليد .. وتململ الصف ، وتقدم كل مصطف خطوة ، كأنما ليوهموا أنفسهم بأن الصف بدأ يتحرك على الأقل.. الساعة في الحائط تشير إلى الواحدة بعد الزوال ودقائق ، ومع ذلك لم أشعر بالجوع ، لكن هذا الجو الثاخن المنقوع بالعرق والصهد، جعلني في حالة عطش ، ولم أجد ما أفعل غير أن أؤجج من لهيب ذلك العطش، برفعة من دخان الشمة أحشرها في حنكي ، دون أن أبالي بمن حولي . حتى الشمة في هذه الأيام مفقودة في الأكشاك التي تبيعها بالأسعار الرسمية ، ونضطر لشرائها من السوق السوداء بأضعاف سعرها الرسمي.

السوق السوداء ..أجل.. تحولت البلاد كلها إلى سوق سوداء ، لاشيء يباع بقيمته الحقيقية ، كل شيء خضع للندرة والمضاربة، وغابت السلطات .. الداب راكب مولاه، وكأن لا أحد مسؤول.. المجتمع يتفكك ، والأمور تسير بقدرة الله و بالبركة، سفينة بلا ربان في عرض المحيط في موسم العواصف، وإذا هبت عاصفة ، ونحن على هذه الحال فلطفك يا رب!.. لن يكون غير الغرق..لا نرجو غير الموت الرحيم.. أمثال النائب إبراهيم ابن ربعية ، يشرّعون ويعيدون ، وفق شعار " المؤمن يبدأ بنفسه.." أنظر كيف حُرف المبدأ، وأفرغ من محتواه الأصلي والإيجابي.. أن تبدأ بنفسك، يعني أن تتحمل تبعات المسؤولية ، وتقوم بالواجب المفروض، لكن الانتهازيين عندنا قلبوا المعنى وجعلوه يعني الأثرة..من الإيثار إلى الأثرة..من نكران الذات إلى التمركز في الذات .. من الرشاد والتسامي إلى الطفولة الأولى والانحطاط..

المسؤولية في الأصل هي تقديم الخدمة للغير، لكنها اليوم باب عريض للوجاهة غير المستحقة و للثراء غير المشروع ..وقامت مناقشة في الصف وراء ظهري قطعت حبل الخواطر في ذهني ، قال أحدهم:

ـ يقال إن مركب الشاحنات والحافلات بالرويبة في إضراب منذ أيام..

ـ الإضراب في بلد يزعم أنه بلد اشتراكي؟..

ـ أحوال البلاد لا تشكر منذ خطب الرئيس أمام إطارات الحزب.. حمـّل الحزب كل مصائب الوطن .. بل حتى إشاعات الصيف المعتادة مسحها في أعطافهم..وقال لهم أنتم مصدر الشائعات اللعينة..

ـ إنه يطبخ مع أولئك الذين يقفون وراء الستار طبخة للمؤتمر السادس..

ـ يريدون أن يرشحوه للمرة الثالثة . مع أنه هو نفسه زاهد في الكرسي ، كما يعلن في كل المناسبات..

ـ وفي غير مناسبة أحيانا ..

ـ قد يكون صادقا فعلا ، لكن الأمر لا يتعلق بشخصه ، فهو يبدو أسيرا . إنه واجهة لمصالح متعددة ضخمة لقوى خفية تمارس السلطة بالفعل..

واستدرت للمتحدثين أريد أن أقول ".. يتمنعن وهن الراغبات.. ذلك هو سلوك السياسيين، إنهم مثل السيدات المتحذلقات النواعم.. لكن منعني أني رأيت ثمة نساء في الصف يتابعن النقاش بدورهن ، ويبدو من مظهرهن الاحترام والوقار والاحتشام مع أنهن سافرات ، فتراجعت.." وقال آخر:

ـ اللاعبون الفعليون بخيوط عرائس القوقاز لا يظهرون للمتفرجين على المسرح ، إنهم يحركون العرائس وفق مشيئاتهم ، وبفنيات تمتع الجمهور..

وباغتني أحدهم يحثني على التقدم ، وملء الفراغ في الطابور أمامي:

ـ تقدم يا أبا لحية، أرى الحديث في السياسة يستهويك ويستغرقك !..

واستدرت لأتقدم خطوة .. تخمر التبغ في حنكي، وتصاعدت لسعات حرارته إلى حنجرتي .. لم يتصدع العطش في حلقي ، لكن فمي قد ابتل بريق نيكوتين التبغ، وآن أوان التخلص من القمامة التي في حنكي، لكن ما زال أمامي في الصف خمسة رؤوس للوصول.. ماذا لو حصل عطل آخر لهذا الحاسوب اللعين؟.. وتسلل شخص وصل توا، وكان عليه أن يلتزم مكانه في ذيل الصف، لكن ، لأن وجهه صفيق ، تعلل كاذبا بأنه سيستفسر العون في شأن خاص ، غير أن العون سرعان ما شرع يحاور الجهاز ويكشف له عن الرصيد، فيما راح هو يعبئ الصك، وتوقف العون ينتظر استلام الصك ..إنه من معارفه.. وتعالت أصوات الاحتجاج من كل جانب، ولم يجد العون من تصرف يرفع عنه الحرج ، غير أن يأخذ سجله ، ويمضي بعيدا ، ويغادر مقعده أمام الجهاز، بعد أن خدم صفيق الوجه ذاك، والغاشية تحتج و تصطخب وحدها مثل زوبعة في فنجان أو في فراغ..

********

بالكاد استخلصت دنانيري من حاسوب البريد اللعين ، وملت إلى أقرب محل للوجبات السريعة أقمع أولا غليلي الذي أضرم حلقي ، ثم أكسر جوعي وأقيم أودي ، بأقل قدر من الدنانير، كان أغلب رواد المحل فتيانا وفتيات تبدو على مظهرهم الرفاهية والغبطة ،ووجدت بعض الحرج بوجودي في هذا الوسط الشباني الغريب ، بسني وبلحيتي الكوسجية ، وبسرعتي في اللقم ، مما يدل على الجوع والنهم .. أما هؤلاء ، فلم يكن الجوع دافعهم لارتياد المحل كما هو شأني ، وإنما التلذذ بالأكل في تأنق وحبور ، والتمتع بالهمس والدردشة مع الصحبة كان هو حاديهم وسائقهم ،

شارع العربي بن مهيدي.. شارع أزيلت أرصفته ، وأعد كلية للراجلين ، ومنع فيه سير المركبات .. ترى كم كانت تكاليف هذه التهيئة الدالة على البذخ ، بإزالة الرصيف ، وإعادة الرصف والتبليط ، وبث بعض المقاعد الأسمنتية للراحة هنا وهناك ، وإقامة بعض الأحواض للأزهار؟. لكن كل تلك الجهود والتكاليف تضيع ، لأن فكرة التعهد والصيانة لم تكن واردة في أذهان أصحاب المشروع ، و هاهي الحشرات قد أخذت تعشش في تلك الأحواض بدل نمو الاخضرار وتفتح الأزهار ، وها هي أسافلها تنِـز حمأ مسنونا وقد خالطتها أصناف من القمامة ، مع أن ثمة سلالا للقمامة مثبتة مع كل عمود كهربائي ، لكن لا أحد يستعملها..أجمل الشوارع وأكثرها جاذبية واستقطابا إلى عهد قريب ، يتحول إلى أعفن شارع ، ونحن في أواخر عقد الثمانينيات!.. يا له من فهم سطحي للشعار الذي رفع؛ "من أجل حياة أفضل.." وأنجزت تحت ظلاله مثل هذه المفرقعات الصاخبات الفارغات فرغا..

لم يبق من جمال الشارع وجاذبيته غير هذه الواجهات التي تحمل عناوينها صيحات الموضة ، وهذه العناقيد الثلاثية البيضية الشكل واللون للإنارة العمومية.. ماذا لو يأتي متعنت آخر ، ويقرر أن يعيد للشارع سيرته الأولى بدعوى تخفيف ضغط سير المركبات ،على الشوارع المكتظة المجاورة ، وتسييل حركة المرور عامة ؟.. ملايير الدنانير سوف تنفق وتزهق مرة أخرى ..كل مدننا وقرانا تتعرض لآفة تلك السلسلة التي لا يعرف طرفاها .. التحطيم ، وإعادة الهيكلة أو الترميم ، فالتحطيم ... إلى مالا نهاية..

وقفت عند واجهة تعرض ملابس رجالية .. ارتسم شبحي على الزجاج الظليل ، شعر متشعث غير حليق احتجاجا على الأيام الكليلة .. لحية كوسجية تمادت في الاستطالة حتى حد الصدر.. قميص مفتوح الأزرار حتى البطن . والهام والجوهري هو هذا الهيكل العظمي الهزيل ، الذي يتغطى بهذا القميص الحائل اللون من طول الاستعمال ، مع هذا السروال البني المتواضع من الترقال الرخيص..ويعلو كل ذلك حقيبة سفر خفيفة الأغراض، تتدلى من أعلى الكتف..

لكن ثمة أنف وعينان وجبين عريض ، بذلك تسقط النساء في حضني من أول نظرة.. لم أجد يوما صعوبة في إغواء امرأة أي امرأة..لكن وقد تزوجتْ نوارة ، وتزوجتْ حياة.. هل علي أن أبقى حزينا أبد الدهر، لأن الأولى تطلقت وتزوجت انتقاما والثانية تراني قاصرا!.. وتتزوج من كهل ؟.. سأتشبث بأول امرأة مليحة تواجهني .. ما أقبح حياة العزوبة!....

أحتاج لشراء سترة وسروال وقميص على الأقل..لكن ذلك يكون بعد الانتهاء من قضية ابن ربعية اللعين، وقضية استعادة الوظيفة .. أما في اللحظة الراهنة فعلي تدبر المبيت .. يعد تدبير مكان للمبيت بالعاصمة مشكلة المشاكل ، مع مرور ربع قرن من الاستقلال لم يفتتح ولا فندق واحد للطبقات الشعبية .. كل الفنادق الشعبية الموجودة ترجع إلى الفترة الاستعمارية .. وقد حول بعضها عن وظيفتها .. الفنادق المرتبة كثيرة ، لكن هل لأحد مثلي أن يبيت ليلة واحدة في فندق مرتب ، مثل السفير أو الأوراسي أو السوفيتال ؟ فتلك فنادق لم تشيد لأمثالي..

يروي المتفكهون المنشغلون بعثرات السياسيين لدينا ، أن وزيرا نافذا يواجه بجدية من يطرح عليه مشكلة السكن بقوله :

ـ أنا وزير بحقيبة سيادية ثقيلة ، ومع ذلك لم أفلح في إيجاد سكنى لنفسي، وما زالت عائلتي تقيم في جناح من الأوراسي.. إنها أزمة خانقة!..

وهي طرفة على وزن طرفة قديمة من زمن آخر ، تقول بأن أميرة فرنسية أطلت من شرفة القصر، فرأت جموع الشعب تتظاهر ، فتساءلت عن سبب المظاهرة ، فقيل لها إنها للاحتجاج على ندرة الخبز وغلائه ، فقالت الأميرة الصغيرة ببراءة تامة : ولم لا يأكلون المرطبات؟!..

ومن المعلوم أن تكاليف الإقامة في فندق الأوراسي شهرا واحدا تسمح ببناء قصر فخم..لكن مادامت تكاليف الإقامة تدفعها الخزينة العمومة بالتمام والكمال ، فلم القلق إذن يا سيادة الوزير؟..

إذا لم أجد غرفة في فندق شعبي، سأضطر للنزول ضيفا على أبناء خالي سعد في تيلملي .. إن خالي قد استراح وهو ينصب إماما لمسجد سلمان الفارسي في شعبة الزيتون بشكل نهائي ، وتوج ذلك كله بزيجة غريبة .. لقد تزوج من زوجة المعتوه سريولة التي طلقها منه أبوها بالقوة ، والتي يقال إنها كانت تمارس البغاء سرا لتعيل أبناءها المعتوهين.. يا لها من زيجة عجيبة!.. ويا له من حرج على الجميع ، سوف تسألني عقيلة عن مثل هذه الأخبار ، فهل أحكي لها ما أعرف عن خالي ومريومة ؛ ضرتها الجديدة التي هي من أبناء عمومتها ؟.. المسكينة لم تستوعب بعد أن يخونها سيدها وزوجها سعد بهذه الزيجة الغريبة في آخر العمر .. ألا ما أثقل على نفسي أن أروي مثل هذه الحكايات !..ثم إن زيارتي في الحقيقة ، ليست مسألة قريب يزور قريبه، لكنها مسألة وافد على العاصمة لقضاء مآربه الشخصية ، فلا يجد مأوى عاما، ويضطر حينئذ للاتجاه إلى بيت قريبه كملاذ من ورطة .. وذلك ما يوخز الكرامة ويخدشها ، ويحط من قدر تلك العلاقة العائلية بين الزائر والمزور ويخزيها ويزري بها ..

ثم إن أفضال أبناء خالي علي بلغت حدا لا أستطيع تحمل المزيد منها .. فرحات هو الذي أعادني لبيت أمي التي هي خالته الصادة، وأقنعها بأن تتحملني بكل ما أمثله من عيوب .. كانت لديه قدرة على الإقناع مذهلة ، لعل هذا هو الفضل الكبير في دراسة الفلسفة ، بل إنه أقنعها ، وقد صادف هوى في نفسها ، بأن حبسي كان تجنيا علي، ولم يكن عادلا ، لقد كان مؤامرة استهدفت عزوز وبوعزيز معا ، و عزوز لم تقتله شجرة لوز كما تردد الأساطير ، بل اغتيل عن سبق إصرار وترصد.. بل إن مؤامرة الاغتيال كانت أعظم من أن تخطر على البال في تلك الظروف..

ولست أدري إن كان فرحات لفق مثل هذه المعلومات عن المؤامرة لمجرد إقناع خالته، أم لديه معطيات استقاها من محيطه الحزبي الذي ينشط فيه سياسيا ، وهي معطيات لا أعرفها على كل حال..والهام بالنسبة لي أن الأم رضيت بعودتي للبيت، وأصبحت تردد لمن يلومها عن استقبالي أسطوانة فرحات .. بل وردت لي الاعتبار، وصرت وكيلها في مختلف تعاملاتها بعد أن اعتكف ابنها هامل المساجد وبات لا يأتي البيت إلا للأكل والراحة والابتزاز ولا ينهض بأي شيء .. لذا فأنا أدين لفرحات بهذا الفضل ، زيادة على تسخيره سيارته في الأيام الأولى عند خروجي من السجن في تنقلاتي ..

وفضلا عن ذلك كله ، أخرجني من مشروعي الأحمق الخائب الذي اصطنعته في ذلك اليوم المشهود يوم عودتي إلى الشعبة عقب خروجي من السجن ، أعني مشروع اصطناع العته.. وهو من حررني من معتقل جماعة أهل الهجرة والتكفير في شعاب السيف والرصاص.. هل كانوا سيقتلونني كما هددوا بعد أن يستتيبوني ؟.. لو استمر أبو الغرانيق في جلدي لأتلف روحي .. والغالب لو استتابوني بجد لتبت رياء ، وانخرطت في تنظيمهم ، وصرت الكلب أبا عصعص أو الأمير أبا تراب آخر؟.. "

هذه ساحة الأمير ..حتى تمثال الأمير عبد القادر البرونزي الشبهاني على جواده العربي قد بدلوه ، هل هناك من مغزى لهذا التبديل العابث؟.. ما عدا أن التمثال القديم كان مزعجا مخجلا في زاوية من زواياه حيث بالغ النحات، الفنان الإيطالي في إبراز فحولة الحيوان الكريم ..أم هم يقصدون المس باسم مدشن الساحة والتمثال ؟.. أي استبدال اسم المدشن .. يريدون إزالة لوحة التدشين التي تحمل اسم هواري بومدين.. يكرهه الأعداء ، ويمقته مناوئوه السياسيون الصغار أمام قامته الفارعة حيث كانوا ، ويمجده الشعب في كل مكان .. السذاجة السياسية هي الدافع لمثل هذه الأفعال الصبيانية ، فالعظماء ترسخ أسماؤهم ولو بعد حين ، وذكرى بومدين لا يمكن أن تزول بمثل هذه الحركات ، يقولون عنه إنه دكتاتور، وقد يكون كذلك ، لكن هناك فترات في تاريخ الأمم تقتضي مثل هذا النوع من الحكم ، فما هو الحكم المنتظر بعد سبع سنوات من الحرب العاصفة والأرض المحروقة التي اتبعها العدو، والتي أودت بما يزيد عن مليون نفس ضحية ، وبتخريب آلاف القرى والمشاتي ؟..

بعد الحروب تظهر صراعات بين زعامات من شتى الصنوف ، ولا سيما زعامات كانت خانسة في أتون الحرب، أو آمنة في السجون وفي المنافي ، ولكنها تخرج رأسها بعد الحرب، وتستعرض ماضيها وكأنها هي كل شيء ، مع أن الميدان يفرض القيادات العملية الموجودة على الأرض وفعليا..

وعندئذ يحكم على الرجال بأدائهم .. فديكتاتور متحرك حي عادل ، يفهم متطلبات العصر، ويفهم روح الشعب ، ويدفع إلى الأمام ، خير من ديمقراطي خامد نكرة ، يتشبث بالماضي ويتغنى بمآثر مُتحفية .. لقد جعل حكم العقيد هواري بومدين من بلد صغير كالجزائر بلدا محترما ، يفاوض على المستوى الدولي والعالمي باسم العالم الثالث كله ، وفي تلك الحقبة كانت هامة الجزائر عالية في كل الربوع .. سيقال بأن ذلك الشموخ يعود لسمعة ثورة التحرير المجيدة ، من خلال التضحيات الكبرى التي رافقتها ، وهذا صحيح ، لكن الحاكم أفلح في المحافظة على جذوة تلك السمعة ، وأججها في خطابه وفي المشاريع الوطنية التي طرحها للإنجاز. وحين تم تدشين مركب الحديد في الحجار مثلا ، كانت مدخولات الوطن من البترول لاتصل حد الدولار الواحد للبرميل.. لكن حكام اليوم ونحن في النصف الثاني من الثمانينيات لا يكادون يدشنون غير بعض المرافق الاستهلاكية التي سوف تتهاوى مع هذه الهبة العاصفة من سقوط أسعار البترول ، حيث لا يجدون عملة لاستيراد تلك الكماليات من موز وكيوي ..

أجل لقد ذاق المواطنون الموز واقتنوه بالصناديق، لكن هل بالموز يشيد الوطن ويحيا الإنسان؟..لقد خبت الآن جذوة الثورة ، وانغمرت سمعة ثورة التحرير ، وغدا المواطن الجزائري في المطارات الدولية كالكلب الطريد.."

الأروقة الجزائرية المركزية.. كان صف من الزبائن يحيط بالمبنى ممتدا يتلوى كالأفعوان المرقط نحو الباب الخلفي، فيما يخرج آخرون مهللين مسرورين ، وقد ظفروا بصفائح البيض الذي يقال أنه مستورد من أسبانيا..لأن الدجاج الوطني، كما تردد الطرفة الشعبية، ما زال ينتظر رخصة تسمح له ليبيض ، إما وفق نظام المستثمرات الفلاحية، الذي لم ينصب بعد ، أو حسب صيغة التسيير الاشتراكي العقيم المتهاوي ، أو أن سلالة الدجاج في الجزائر قد تذكرت أصلا وتبعلت كلها، أو انخرطت في حالة إضراب مزمن!.."

ومن الاتجاه المعاكس في الشارع الكبير ، رنت إليّ عينان دون قصد ، سرعان ما تبينت فيهما نظرات زميل دراسة سابق من بلدة الشريعة التبسية ، في دار المعلمين ببوزريعة ، واستنفرت الذاكرة أبحث عن الاسم، وأسعفتني باللقب الساخر الذي أطلقناه عليه عبثا " بوترنيخ.." على وزن الوزير النمساوي الأمير ميترنيخ..ولم تفلح الذاكرة في مدي باسمه الحقيقي ، لقد غمره النسيان في لجة الزمان ، وصرخت فيه أداري نسياني بفرح جم:

ـ بوترنيخ؟..

تأملني أكثر ، وقال :

ـ أهلا.." وعرفت أنه هو بدوره يكون قد نسي اسمي ، وبعد العناق الحميم ، قال بلهجته التونسية الحلوة:

ـ أنت توا على الأقل تذكرني بهذا الاسم الساخر ، والله لقد نسيت هذا الاسم ، ولم يبادرني أحد به غيرك منذ تخرجنا ..أما أنت فإن لحيتك هذه الغريبة ، جعلتني لا أكاد أتعرف عليك لقد تحولت تماما ، وصرت هزيلا كأنك لم تأكل منذ تخرجت في المعهد..

وقلت له مازحا:

ـ الأمر كذلك تقريبا . إنه مشوار طويل على كل حال..

ـ معجزة أن نلتقي الآن، أتدري ، لقد أخجلني أني لم أتذكر اسمك ، مع أنك كنت معنا من الأوائل في الصف..

ـ لا تثريب عليك يا بوترنيخ، أنا بوعزيز قادري..لكن اسمك الفعلي لم يحضرني بدوري ، ويا للعجب ها هو ذا يحضر الآن بغتة وتلقائيا .. موسى القواسمية!.. أين أنت الآن يا سي موسى؟.." وقبل أن يرد ، يأخذ بذراعي غير المشغولة ويجرني إلى أقرب مقهى ، كان اسمه " مقهى المفاوضين.."

ـ في الثانوية يا أش اسمك .. عفوا قلت لي توا سي قادري .. إني أدرس التاريخ في ثانوية عقبة..

ـ عظيم ، لقد التحقت بالجامعة إذن؟..

ـ أنسيت؟.. لقد كنت معك في المعهد ممن انتدبوا للمدرسة العليا للأساتذة.. لمَ لم تلتحق أنت بالمدرسة؟..

ـ يا أسفا!.. لقد ضحيت بتلك الفرصة النادرة في سبيل الأوهام .. وهْمُ العائلة والأولاد .. كان تفكيري في هذا الموضوع قاصرا ، و محل ندامة العمر كله يا سي موسى.. لم أربح الدراسة ، ولم أحتفظ بالعائلة..

اتخذنا ركنا قصيا في مقهى المفاوضين ، وجال الحديث بيننا في كل اتجاه وقصصت لبوترنيخ حكاية السجن من ألفها إلى ألفها باستثناء العلاقة مع حياة بطبيعة الحال، فتلك مدار فلك الأسرار، مسهبا في ظروف مقتل أخي عزوز كأحد الأسباب لسجني، مقتبسا من خطابات فرحات ما ذكره لأمي من مؤامرات ..فالمرء أمام معارفه القدامى يبحث دوما عن دور البطولة فيما يرتكبه ويجترحه من أفعال في غيابهم وعدم إدراكهم لمجرى الأحداث حقيقة ، حتى ولو كانت أحداثا مؤذية تؤدي إلى السجن..

ـ وهل عدت إلى وظيفتك بعد خروجك من الحبس؟..

ـ إني أسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .. لقد ضاع مني كل شيء يا سي موسى..وظيفتي ، زوجتي ، أبنائي .. حتى مسكني..إن قرأت قصة نجيب محفوظ : اللص والكلاب، تجدها مطابقة لواقعي في أكثر تفاصيلها..

ـ لكنك لم تكن لصا في يوم من الأيام ولن تكونه؟..

ومر النادل ، يرفع الأوعية الفارغة ، فأشار عليه بوترنيخ أن يأتيه بقهوة وعرض علي يقول:

ـ زد ، اشرب حاجة..

طلبت شايا ، لقد فهمت أن بوترنيخ يريد أن يسمع قصتي كاملة ، وفي زوادته بدوره أشياء كثيرة يريد أن يرويها ،ولم أمهله بقصتي ، لأني لم أكن أستطيع أن أحيى من غير أن أعبر عما يثقل كاهلي ، وخاصة صراعي غير المتكافئ مع النائب إبراهيم ابن ربعية جيلاني..

*********

"..حين التقطني فرحات من مخالب جماعة الهجرة والتكفير في شعبة من شعاب السيف دون أن يدري بأني كنت أسيرا ملقى في كهف مواشيهم ، وتحملت بصبر أيوب لسعات الجراح تحت ملابسي، وقد التزمت الصمت الذي أملاه علي أبو ُرميس، بل أبو الغرانيق ،لا أدري ، فكل أعضاء الجماعة الجهنمية متشابهون في الأسماء الغريبة تشابه الغربان في سرب .. لقد أُشربت على الاحتفاظ بالأسرار إبان ثورة التحرير وأنا صبي .. ومثل هذه الجماعات المنغلقة على نفسها لا يؤتمن جانبها ، ولا بد أن تؤخذ أقوالها بحذافيرها ، وبالجدية التامة ، ولذلك اكتفيت وأنا أعلل لفرحات ولمن استنفر معه توغلي في الشعاب ، برغبتي في الوقوف على أطلال أيام الصبا في مخابئ الثورة .. وأخلدت للصمت متكتما على الأنات التي تريد أن تنفلت مني رغما ، ليفاجئني فرحات بالقول ، ونحن عائدان إلى الشعبة في سيارته الزسطافا مع شخصين آخرين من المستنفرين للبحث عني ، وهما من المدعوين لمائدة النائب ابن ربعية :

ـ إني كنت أخشى عليك أن تعود لحكاية العته، لذلك سرحتَ في هذه الشعاب .. والحق ، لقد كنت شهما ، وتفوقت على ذاتك.. وتصرفت في حفل التهنئة تصرف كبار النفوس تجاه سي إبراهيم .. بل إنك حييته وهنأته بالنجاح في الانتخابات؟..

أدرت جرارة الزجاج أشرع النافذة على ملئها رغم آلامي ، وأبصق من فمي خميرة الدخان السوداء ، وقلت له بأعصاب متوترة وأنا أتوجس خيفة من كل هذا الاحتياط ، متحملا كل اللسعات الواخزة وإن كانت لم تبلغ ما ستبلغه في الأيام القادمة من قسوة وفظاعة :

ـ فرحات!.. منذ الصباح وأنت ما تفتأ تذكر هذا الذليل المتعاظم ، وتسدي لي النصائح لأتصرف التصرف اللبق.. ما الذي حدث يا فرحات؟.. نحّ الغطاء عن البئر وأقلني.. ما الذي اجترحه هذا الجيلاني ابن ربعية ربيب الخماس بودربالة في حقي حتى أتلقى كل هذه التحذيرات المتكررة ، ثم تمدحني على حسن السلوك معه؟ . ما الذي حدث أرجوك أرحني؟..

ـ أما وقد انفض الحفل ، آن أن تعرف ، عليك فحسب أن تبقى منضبط الأعصاب ، وأن تسلم بالأمر الذي رسمته الأقدار، وأن لا تخلق المشاكل لنفسك بلا فائدة..

ـ أعدك، عجل بما ظللت تلوح به دون أن تصرح .. عجل!..

وقال وهو يخفف السرعة بالمكابح نتيجة وجود منحرف خطير في منحدر تآكل فيه الإسفلت، ويعشق السرعة الثانية:

ـ الأمر يتعلق ببنت الزواتنية!..

فرحات يتحدث عن زوجتي السابقة نوارة التي طلبت مني الطلاق وأنا في السجن ، وقد استجبت للأمر الواقع وطلقتها.. كان الأمر يتعلق بسنوات سبع طوال .. من حق أي امرأة لا معيل لها في مثل حالها أن تطلب الطلاق.. لكنها هي بالذات طلبت الطلاق انتقاما لكرامتها كأنثى من خيانتي لها.. فماذا يعني فرحات ؟.. وخطر في ذهني هاجس سال له العرق البارد ، ولكني تجاهلت الهاجس مؤقتا على الأقل، وتذكرت الآن حديث عليوة ابن خالتي زينب صباحا عن الجيلاني باعتباره مزواجا .. بعد لحظات صمت وتردد ، خوف أن أفتضح أمام هؤلاء الأجانب القابعين في المقاعد الخلفية سألته بحذر هامس يشبه الأنين وقد امتزج الخوف من الحقيقة ممتزجة بآلام السوط:

ـ ماذا تعني؟..

ابتلع ريقه ، وقال كأنه يضع نقطة النهاية، وهو يعشق السرعة الرابعة ، وقد تخلص من أفعى المنحرفات في المنحدر الخطير ، وامتد أمامه الطريق المسفلت البراق:

ـ لقد تزوجها..

وتحقق الهاجس الذي راود ذهني .. فعلها ابن الأتان ؛ ربعية .. إبراهيم جيلاني.. أخذ مني نوارة .. ترى ما الذي يجول الآن في ذهن فرحات وهو يلقي إلي بنظرات متجسسة خاطفة؟ .. ومر أمام ناظري جيش من الصور الحافلة ؛ صور متداخل بعضها ببعض من الحاضر القريب إلى الماضي البعيد .. صور متفجرة كأن كل صورة منها تريد أن تعبر عن نفسها قبل الأخرى.. صورة جيلاني بذقنه وكلكل قفاه الخنزيري المحمر، وهو يصافح مهنئيه أو يعانقهم في جذل وحبور . لقد كان إذن يتلقى تهنئتي ، ليس على النيابة في البرلمان ، ولكن النيابة والتداول على جسد نوارة البض.. لقد شاهد بودربالة خماس أبيه بولعياد وهو يباشر أمه تحت تهديد بنادق العسكر ويغتصبها ، وهو اليوم ينتقم بلا شعور لأمه ربعية بتكرار الزواج وتعدده.. أخزاه الله!..أخشى أن يباشرها ويغشاها في ذات السرير الذي كنت أغشاها فيه ، وفي ذات البيت.

ولاحظ فرحات صمتي المطبق ووجومي ، فقال مواسيا:

ـ هذه هي حال الدنيا ، ليس عليك بأس..سوف تلقى امرأة خيرا منها، أم تظن أن أسطورة بينيلوب الوفية لزوجها، التي ظلت تنكث غزلها أمام الخطاب عشرين سنة ، في انتظار عوليس زوجها ، أسطورة قابلة للتجدد مع كل امرأة يغيب عنها زوجها؟..لا تأس على شيء إن فاتك ، وفكر في الآتي من الأيام بتفاؤل، وكما ورد في الأثر : تفاءلوا خيرا تجدوه..

لم تقطع هذه المواساة حبل تخيلي .. بل إن هذا الخيال ما زال يلح علي في تصور ألوان الفجور والفسوق التي مارسها نائب الشعب على نوارة في فراشي .. نوارة ؛ هذه القامة الهيفاء، وهذه النخلة الفارعة ، وهذه المرأة التي لا أستطيع أن أتصورها إلا امرأة فاضلة غيورا أبية .. أمّ صخر .. تسقط هكذا بيسر، وبكل استخفاف لرجل آخر .. أيمكن أن يحدث مثل هذا؟.. لكنها تزوجته زواجا شرعيا بعد طلاق شرعي ، فهو بعلها ، وهي لباس له وهو لباس لها . زواج على كتاب الله وسنة رسوله .. كما كانت لك يوما سكنا ولباسا ومودة ورحمة .. لكن أين هي كل تلك العهود والمواثيق والأيمان التي أخذتها على نفسها في تلك الساعات الحميمية التي كانت بيننا ، ومن دون أن أسألها.. ها هي تنكث كل ذلك دفعة واحدة ، وكان عهدي بها امرأة صارمة ،رزانا، حصانا ، أنوفا ، صبورا، كانت ما تفتأ تذكر لي بأنها لن تستبدلني بأي رجل أي رجل ، مهما كانت مزاياه ومهما كان اعتباره ، وهاهي تتزوج بهذا الذليل الربيب ، بهذه الرقبة الخنزيرية ، وبهذه البطن المنتفخة..

غير أن ما يقف غصة في حلقي ؛ أن تتزوج رجلا من لداتي ، ومعارفي .. ابن ربعية ، جيلاني.. كان في البدء أحد منافسي على حصيرة الحلفاء في الجامع نحفظ القرآن ، كان المعلم الطالب يستخلفني ، فأقوم مقامه حين تعن له خرجة من خرجاته غير المفهومة ، فكنت أملي على التلاميذ القدادشة ألواحهم من محفوظي ، دون الرجوع إلى نسخة المصحف المهلهلة من كثرة التداول والاستعمال ، وكان ابن ربعية ممن يستمليني مثلهم :

ـ نعم سيدي.. "يسألونك ماذا ينفقون؟.. "

فأجيبه بثقة ، ودون تردد أو تلعثم

ـ" قل العفو.."

لكن ها هو اليوم يخلفني على جسد نوارة ، وجاء دوري لأستمليه:

ـ نعم سيدي.. "ادع لنا ربك يبين لنا ما هيه؟.."

ويجيب في تلعثم المتهجي وتردده من نسخة المصحف المهلهلة ، لأنه لم يبلغ بعد سورة البقرة :

ـ "إن البق.. البقرة.. تش ..تشابه علينا!.. "

يعني : إن البقر تشابه علينا.." صارت نوارة بقرة من بقرات إبليس اللعين ، ولم تكن كذلك قبل، كانت ملاكا يمشي على الأرض.. عرفتها يوم كانت مزاملة لأختي علجية ، وكانت تأتي بيتنا من حين لآخر لتترافق مع علجية في مشاوير مختلفة .. كانت تبدو متخلقة ، غاية في التحفظ ، جمة الأدب والحياء ، كانت تجتاز مرحلة المراهقة ، وهو ما يعني أنها كانت كل يوم تصحو، فتجد نفسها لا تتحكم في صوتها ولا في حركة قدميها ولا تدري ما تصنع بيديها عندما تواجه أحدا أو يواجهها أحد ، إذ تظن أنه يلحظ أعضاءها المتنامية وحركاتها المضطرمة ، فتزداد حركاتها تلك اضطرابا .

كان ذات يوم أن أقبلت على بيتنا متهادية تريد علجية كعادتها ، وتصادف أن خرجت من البيت ، وإذ رأتني منفردا بها في الممر، احمر وجهها كالطماطم خجلا وغرقت في موجة من الارتباك وتعثرت ، فتساقطت منها كراساتها وأقلامها التي كانت تضمها إلى نهد نافر آخذ في البروز من تحت المئزر السماوي اللون دون استئذان ، وقد لامسته جديلة منسابة بحرية .. فقلت بآلية على وقع عثرتها وتناثر أشيائها أمامي :

ـ استر يا ستار!..

وطفقت أجمع لها كراساتها وأقلامها ، فيما ظلت هي جامدة كالتمثال شاخصة من وقع الحياء لا تقوى على الحركة.. وكان وضعها المنهزم يشجعني على مبادرتها بالغزو والعدوان.. وطرأ في خاطري فكرة شيطانية ، أن أختطف منها قبلة على الأقل وأنا أضع بين يديها أغراضها التي التقطتها من بين قدميها.. إن وضع الانهزام المسبق الذي يتخذه الكائن الوجل غير الواثق من قدراته ، هو المحفز الأكبر للكائنات الأخرى لكي تعتدي عليه.. كان ذلك هو وضع نوارة .. لكن حظي كان خائبا ، لقد صر باب بيتنا بعنف يعلن أن علجية هناك ترقب الوضع وهي آتية ، فلم أكمل المشروع الشيطاني وانكفأت ، ولم أجرؤ، إلا أن أطراف أصابعي لامست أصابعها وأنا أسلم لها الكراسات والأقلام ، وسرت ارتعاشة في سائر بدني وكأنما لامستني موجة من سلك كهرباء ، ومضيت في سبيلي دون أن أنظر خلفي ، وأنا أحتفظ بخلجات تلك الرعشة اللذيذة .. لقد غمرتني عدوى الخجل ، وقد التقت عينانا في عجل كالبرق ، فلم أفلح في صنع شيء ، ولكني مع ذلك مضيت في سبيلي مغمورا بأمواج من البهجة والانتشاء.

هذه الحادثة البسيطة هي التي هزت قلبي يومئذ، وجعلتني ألتفت لبنت الجيران ، ولسبب ما لم تتطور علاقتنا إلى أي نوع من أنواع الحب أو الغزل على الأقل. كل ما في الأمر أنه توطن في عقلي أن للجيران بنتا بهية الطلعة ، كاملة الأنوثة ، طيبة ، قد تكون صالحة لمشروع جدي .. ولم يخطر ببالي يوما أن أعابثها باستثناء خاطرة القبلة التي وأدها ظهور علجية في مهدها.. والهام أن الأيام رتبت لي فرصة للعبث ببنت جار آخر ، لكنه عبث بريء ، وإن ألحق بالبنت المسكينة بعض الضرر في سمعتها ، بسائق أنها كانت تضبط مرارا في النافذة أو لدى الباب ، وهي تقوم بإشاراتها الغزلية العنكبوتية تجاه نافذة بيتنا أو باب بيتنا . لقد اندمجت معها في تلك المغازلات تماجنا وتسلية وعبثا، فيما كانت هي الأنثى ، جادة في مسعاها تريد زوجا .. فكانت تلوح بيديها حينا وترسل القبلات في الفضاء كل حين ، و تحيي بمناديلها أخرى ، وبالورود والأزهار ، وبأوراق تعني بها أنها تريد أن أراسلها وتراسلني .. وأحيانا وفي جرأة تبلغ حد الوقاحة ، تشير علي أن تعال وهيت لك !.. ولكن فرائصي كانت ترتعد خيفة من أهلها ، فما أكاد أقترب من باب بيتهم ، حتى يتملكني الرعب فأنكص وأتراجع وأنسحب انسحاب جبان .. ثم إن بيتهم موبوء بالخمور ، وكنت أكره رائحة الخمور بمقت شديد ، فيبدو البيت كله نجسا..ومع كل الاحتياط في هذه العلاقة من قبلي على الأقل، شاع الأمر أخيرا، وانتشرت في الحي حكاية غنية بنت الخمار مع بوعزيز بن مبروك .. وجاءت أم غنية ذاتها يوما ترعد وتزبد ، وتطلب من والدتي أن تزجرني وتردعني وتمنعني من معاكسة غنية ابنتها ، وإلا سوف ترسل علي أوباشا ليلقنوني ما لن أنساه طول العمر.. مع أنها تعلم علم اليقين بأن ابنتها هي الغارقة في قصة الحب الخيالية ، وأنها إذا أرادت أن أرتدع وأزدجر ، فما أسهل ذلك من خلال منع ابنتها من الوقوف إلى النافذة ليلا ونهارا!.. والحق أن البنت أخذت تيأس شيئا فشيئا مني ، حين تكفلت والدتي بقطع هذه العلاقة الواردة من منبت السوء ، فكانت تبعث لها بالسباب والشتائم ، وتسمعها أقبح النعوت في خلقتها وفي خلقها معا ، وتبعث في نفسها اليأس الحاسم ، وأن بوعزيز لا يمكن أن تناله بنت بائع الخمور، تعني أباها صاحب المطعم الحقير ، الذي اتخذ المطعم غطاء ليبيع الخمور تحت جنح الظلام لبعض الزبائن الخاصين المعروفين هم بدورهم بترددهم على مطعمه البائس السيئ ذكره ، والموجود أسفل نافذة الصبية غنية مباشرة..

والحق أني أشعر ببعض الذنب تجاه غنية ، تلك الفتاة المسكينة ، لأنها أحبتني بملء الفؤاد ، وكنت اتخذت عاطفتها لمجرد العبث وتزجية الوقت. ولم يكن من حقي التجاوب مع إشاراتها ، مادمت لا أطمح لأي نوع من العلاقات الشرعية معها .. وحين جد الجد ، وعرضت علي والدتي أن تخطب لي فضيلة بنت أخيها رفضت بصرامة ، إذ سبقني إليها قلب أخي عزوز وأحبها حبا مأساويا ، وعرضت علي الصغيرة ابنة أختها فرفضت وقد تعلق بها الفتى المسكين ؛ بلقاسم بن خلاف ، فضلا عن أنها بنت حرام ، بذلك يتكلم الصغير قبل الكبير ، وهو مالا تريد أمي أن تقر به وتصدقه لأن الأمر يتعلق بشرف أختها زينب..

ولكي أقطع عنها نهائيا حبل التفكير في بنات أخويها اقترحت عليها صديقة علجية الحيية؛ نوارة بنت الزواتنية ، فسرت بذلك ورحبت بحماس ، لأنها كانت تتوهم بأني مازلت متعلقا بغنية المسكينة ، وتظن ظنا مؤكدا بأنها استطاعت أن تصرفني عن بنت الخمار نهائيا . وتمت إجراءات الخطوبة وطقوس العرس في يسر مدهش ، ووجدتني إزاء امرأة تعترف لي بأن حبها لي كان منذ نزلنا بالشعبة ومنذ سنوات المدرسة الابتدائية ، وما اتخذت علجية زميلة لها وصديقة إلا لمزيد التقرب مني ، ورغبة في التعرف إلى محيطي الأسري ، فضلا عن رؤيتي عن قرب ، لكنها احتاطت للأمر حتى لا يكتشف ، فأغلب حكايات الحب المعلنة ، مع أبناء الجيران تنتهي إلى نفق مسدود.

والحق أني وجدت لدى نوارة منيتي ، خاصة بعد أن نزعت عنها غلالة الخجل الذي كان يلازمها قبل الزواج، وإذ أسفرت عن شخصيتها الفعلية ، وجدتها امرأة أخرى؛ الكبرياء سمتها ، والصراحة صفتها.. متعففة عن كل تبرج ، لا تحفل بآلات التجميل ، ولا تعبأ بالأصباغ .. مكتفية بمباذلها الطبيعية التي حباها الله بها . لكن أحب ما ربطني بها خاصة وأكبرها في عيني ، هو بَوحها لي بحبها الدفين دون أن تعرض ذلك الحب الرصين يوما على قارعة الطريق أو على النافذة أو على أي طريق آخر ، كما فعلت غنية بنت الخمار ، ما عدا تلك الزيارات الغامضة التي كانت تقوم بها لبيتنا بدعوى مرافقة علجية أو لغرض من الأغراض ، وما اكتنف تلك الزيارات من تهادي المطاعم والمشارب والتحايا بين البيتين المبجلين ..

ثم إن ما قربها من نفسي هو جمعها الخفي بين أمرين قلما يجتمعان ؛ ظهورها أطراف النهار بمظهر العفة والوقار والصلابة حتى ليكاد المرء يشك في خصوصيتها الأنثوية، حتى إذا حل الليل،وخلعت عنها لباس اليوم ، وتزيت بزي الفراش ، وازينت بزينة غرفة النوم ، جاء منها ما قرأته في بطون الكتب عن النساء الكاملات .. هل لنحافتي وقصر قامتي دخل في العبودية التي أحس بها إزاءها في غرفة النوم؟.. إن الرجل القصير القامة وهو يستولي على امرأة كاملة ويخضعها لسلطانه ويستقطر منها في الفراش عبارات الخضوع والاعتراف بالامتلاء والتسليم له بالسيادة أمر يرافقه لدى الرجل لون غامض من المشاعر المتناقضة بين الشعور الطافح بالسيادة من جهة، والخضوع والعبودية المضمرة لمنطق الفراش من جهة أخرى ..

إن نوارة كانت كنزي السري ، وها هو هذا الكنز يضيع من يدي ليستمتع به منافس من المنافسين الذين قهرتهم في أيام الصبا . أتكون نوارة مقبلة بمباذلها السخية السحرية على هذا الذليل ذي العنق الخنزيرية بذات الروح من الكرم والسخاء والمحبة والسحر ، وتتناغم معه في الحياة اليومية ، في عفوية وإقبال تناغمها الذي كان معي؟..

الغريب أن هذه المشاعر التي تغمرني بهذه الحدة القاهرة ، غمرتني الآن لأني عرفت الرجل الذليل الآثم ، الذي تجرأ أن يتزوج بها ، لقد كنت في السجن كثيرا ما أفترض زواجها بعد أن طلبت الطلاق، ووقعت على الوثيقة.. ولكن كنت أرى ذلك بنوع من الحياد باعتبارها مـُست في كرامتها.. ليتها اختارت رجلا آخر من غير معارفي، إذن لهان أمر زواجها ، ليتها تزوجت بغير ابن ربعية هذا ..إن نفسي لتمتلئ حقدا وغيظا نحو هذا الربيب اللئيم جيلاني، وتكاد تتقيأ بغضا وكراهية تجاه تلك المرأة المسماة نوارة ..وفيما أنا مطمور في هذه اللجة من الأسى النفسي وآلام حزازات السوط في ظهري ، نبهني فرحات ، وبدا صوته غريبا علي تماما:

ـ أراك استسلمت لألم ممض ، وصمت مريب..

ـ وماذا تريدني أن أقول ، هل تريدني أن أقول هنيئا له؟

ـ إني أتفهم وضعك تماما ، لكن وقد طلبت هي منك الطلاق ، كان لا بد أن تضع في الاعتبار أن زواجها أمر وارد في كل وقت..

وبدل أن أعبر عما شعرت به قلت:

ـ جزعي فظيع، وقد انتقمت مني شر انتقام حين تزوجت من أحد معارفي ، وأذلت ولديّ إذلالا ليس له نظير..

وما كدت أستحضر في ذهني ذكرى الولدين حتى طفت صورة ما فتئت أراجعها في سجني ، وأحضنها وأضمها إلى صدري كما لو كانت من لحم ودم فعلا.. صورة لعائلتي الصغيرة .. كانت في آخر عيد من أعياد الأضحى بالمدينة .. لقد اتفقت مع نوارة على أن نكتفي بشراء اللحم مع الرأس و بعض الحشايا ، ولا ضرورة للتضحية بذبيحة في مدينة لا معارف لدينا فيها تقريبا ، فلم الذبح ؟.. وبعد الظهيرة من يوم العيد لبسنا ما لدينا من فاخر الثياب وقشيبها ، وخرجنا نتجول ، وكانت لا تلتف في ملاءتها السوداء بالمدينة مجاراة لجاراتها الحضريات ، وتتلفعها فقط عند ذهابنا إلى الشعبة رياء، والتزاما بسمت التحفظ في القرى ، كانت تدفع أمامها عربة الصغيرة شهيرة ، وكنت أقود بيدي صخرا ، وأجذبه إليّ جذبا كلما هم بالتملص خوفا عليه من أرتال السيارات ، وفي أحد استوديوهات التصوير استخرجنا صورة للعائلة الصغيرة ، كانت نوارة تقف إلى جانبي بقامتها المديدة التي تتجاوزني قليلا ، وعند قدميّ يقف الصغير صخر ، فيما كانت شهيرة مضمومة إلى صدر أمها في لفافاتها الوردية الزاهية ، ولا يكاد يظهر منها إلا وجهها المتلألئ الطري المتنعم ، وقد ضاقت عيناها فكأنما هي وليدة صينية في صحة وعافية..

كانت صورة لأسرة نموذجية سعيدة ، خرجنا من الأستوديو ، وكانت نوارة قد اقترحت أن نزور عمتها التي كانت عجوزا في الغابرين ، ومع تقدمها في السن كانت حبيبة إلى النفس ، خفيفة الظل ، مرحة الروح ، استقبلتنا مع بعلها الشيخ وأبنائها وعرائسها استقبالا حافلا ، وعندما عدنا إلى بيتنا في العشاء الآخرة وقد ركنا إلى الفراش ، قالت نوارة في زهو وحبور ؛ إنها جد فخورة بي ، لقد كانت عرائس عمتها ، مع ما هن فيه من خير وغنى، يغبطنها على نعيمها الذي تنعم فيه باستقلالها ببيتها وبطفليها معي ..وتمتد الغبطة إلى طريقة الحديث التي كنت أنا زوجها المثقف أتكلم بها وإلى الحبور والصراحة والانطلاق..

وقالت وهي تنكب علي في مباذلها تقبلني في نهم :

ـ بصراحة لقد خفت أن يصبننا بضربة عين!..

فقلت لها مازحا: ـ أكثري من تلاوة سورة الفلق..

وألحت علي الصورة الجنسية التي يعطيها بعض المفسرين للآية الكريمة: " ومن شر غاسق إذا وقب" مع انكباب مباذل نوارة ، وسألتها إن كانت تفهم الآية ، فنفت معرفتها بطبيعة الحال، وعندئذ قلت لها بأن تفسيرها فيما بين الأزواج لا ينبغي أن يتم بمجرد الكلام الشفاهي ، ولا بد من المباشرة والممارسة والتطبيق وتجسيد المشهد على حقيقته ، فأقبلت في تجاوب وحماس تشاركني في رسم المشهد البديع.."

وقال فرحات ، وقد أحرج من هذا الصمت الفاضح ، ومن تأوهاتي التعيسة :

ـ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم..

فرددت بلهجة بائسة:

ـ وعسى.. عسى يا فرحات لا تفيد اليقين!..

فرحات لا يعلم أن هذه العبارة وردت في كتاب الله ، في صيغتين مختلفتين ، مرة لتعبر عن أن الحرب من الضرورات ، مع أنها تبدو لأول وهلة شرا كله.. ومرة في معرض الحديث عن النساء.. وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ..هو حض للرجال على المسك بعواصم نسائهم ، ولو كانوا يكرهون فيهن صفات أو أمورا أو بعض الخصال المذمومة المقيتة..وها أنا لم تتح لي أي فرصة مع نوارة لأتجاوز عن بعض ما لا أرضاه فيها ، وها هي في حجر رجل آخر، رجل من معارفي يظل دوما في ضميري أقل قيمة مني ، وإن احتل مقعدا في البرلمان ، إنه يحاول الآن أن يثير أرضا قد حرثتها ، وطابت لي حرثا ، وجاءت بغلالها الوافرة ..

وقال فرحات يعللني ويواسيني:

ـ سيان أن تتزوج هذا أو ذاك . وأراها بصراحة معذورة ، سبع سنوات ونيف زمن لا يستهين به أحد ممن يمتلك منطق الحياة..

وشرحت لفرحات مبلغ جزعي ، ورحت أشكو، ولم أعر أي اهتمام لذينك الشخصين اللذين يقبعان في المقاعد الخلفية ، وتجاهلت وجودهما ، فكأنهما غير موجودين مع أنهما كانا يتشربان كل ما يدور بيننا من حديث تشرب الملهوفين ، فالحديث عن النساء دوما حديث شيق ، ولو كان يضمر الفجيعة:

ـ لا .. لا يتعلق الأمر بالسنين يا ابن خالي .. الأمر كله انتقام فض وشرس من فعلة لا أقول لم أرتكبها ، فأنا لا أدري بالضبط ما الذي حدث في حينه ، لكني لم أعترف بها إلا تحت الإكراه .. لقد عاشت تلك المرأة نفسها ، أعني نوارة ، خمس سنوات بعيدة عني ، ولا نلتقي إلا في العطل المدرسية، قبل أن أفرط في منصبي بالعاصمة من أجلها هي ، نعم كانت على أحر من الجمر بأن يجتمع شمل أسرتنا الصغيرة ولو في كوخ حقير ، وهاهي تقدم على الطلاق ثم على الزواج ، رغم أني لو كنت أدرك منذ البدء بأن أمر المحاكمة الهزلية يؤول إلى ما آل إليه لكلفت محاميا يستطيع بسهولة أن يبرئ ساحتي من تلك التهم غير المؤسسة على البينات ، لكنني سخرت من الأمر كله ظانا أن "غراق الشرع" كان يغالي في تهمه المجانية كعادته ، ورفضت اصطناع محام ، وفهمت المحكمة ذلك بأنه تحد للعدالة ومس بكرامتها ، ودفعت الثمن غاليا . لأني لم أتمكن من الاستئناف في الآجال ، وكان الاستئناف نفسه يقتضي محاميا ..

تفككت أسرتي ، وتشرد أطفالي ، وضاع منصبي في الوظيفة ، و... بل أنا ذاتي قد ضعت..

ـ لم يضع شيء بعد ، شرط أن تتجه صوب المستقبل..اجترار الماضي لن يفيدك ، بل قد يضرك الضرر البالغ إن انغمست فيه..

ـ هيهات ، هيهات ينسى المرء.."

طبعا لم أرو لجليسي بوترنيخ كل هذه التفاصيل ، بل ولم أشر قط إلى حكاية الاسئسار، فتلك حكاية أخرى ، إنما قبست من هذا الخضم ما يناسب المقام..

*********

تنهد بوترنيخ بعمق ، وقال يعقب على المأساة التي تغمرني وتحيط بي من كل جانب وصوب:

ـ حقا قصتك رديفة رواية اللص والكلاب في جوانب معينة ، ولكن ما أنصحك به هو أن تعمل على أن تكون النهاية سارة ومشرفة ، نهاية تختلف جذريا عن نهاية اللص والكلاب المأساوية

ـ ولكن أنى لي ذلك وأنت ترى أن خصمي، وإن كان ذليلا حقيرا في نفسه ، جبارا بوظائفه ، يمسك بزمام الأمور، و يتميز بكل خصال النذالة.. ماذا تنتظر من امرئ رأى أمه يفعل فيها في وضح النهار ، وهو ما يزال يرى الفاعل أمامه يوميا ، وبدل أن يرفض ذلك الفاعل على الأقل ، رضخ وترسم بودربالة زوجا شرعيا لها ، بعد أن افترعها اغتصابا أمام الدنيا ، ويصير إبراهيم ربيبا خانعا ، يتلقى لسعات عصب الثور من يد الخماس السابق ، راضيا دون أن تتأثر كرامته لذلك!..

ـ مع ذلك لا تيأس أبدا . الأيام قلـّب ، ولك أن تضع في الحسبان أن كل المؤشرات تؤكد أن أحداثا عظمى على وشك الوقوع .. أترى أن خطاب الرئيس ضد الحزب ومناضليه يمر دون أثر؟..ثم إن إضراب عمال مركب الشاحنات بالرويبة ، وترك الأمور تتعفن دون أي تدخل من السلطة ، كما جرت العادة في مثل هذه الأحوال ، يعني أن هناك اتجاها يعمل في الخفاء لتسخين الجبهة الاجتماعية وتعفين الأوضاع كي لا ينعقد المؤتمر السادس للحزب .. أو إذا كتب له أن ينعقد ، ينعقد لكن بمعطيات جديدة ، يستطيع من خلالها ممثلو التكتل المتقن للعب أن يرجح الكفة لصالحه ولصالح أطروحاته .. لكأنما جبهة التحرير أصيبت بلعنة ، كلما تقرر عقد مؤتمر من مؤتمراتها ، وشرع في الإعداد للمحاسبة ولفصل المفسدين وإبعاد الانتهازيين من المسؤولية على المستوى المركزي ، حيث يتخذ القرار، كلما تدخلت ظروف طارئة لينعقد المؤتمر في حالة استثنائية متوترة ، وتمرر خلال ذلك مشاريع لا يتفطن لها المناضلون المخلصون إلا بعد فوات الأوان ..

قلت يائسا وأنا أستمع لتحاليل بوترنيخ السياسية ، وقد فهمت بأنه مناضل في صفوف الحزب القاعدية ، وهو يصبو لمناصب قيادية عبر المؤتمر، لكن الأمور تجري بمنطق آخر، وتطيح بكل طموح مشروع:

ـ وما دخل ذلك كله في مشكلتي يا سي موسى؟..

وأخرجت حُـق الشمة ، واستأذنت الأستاذ بوترنيخ ، وأنا أرفع قبضة ثخينة وأحشوها بأصبعيّ في أقصى حنكي . نظر بوترنيخ إلى معصمه ، ففهمت أنه يرغب أخيرا في الانصراف ، وقال:

ـ أليس في حل البرلمان حلا لمشكلتك؟..

وإذ لم أفهم في التو مقصده ، مكثنا نحملق في بعضنا ولم نجد ما نضيف ، فقمنا بحركة واحدة ، واتجهنا إلى المحسب للدفع ، واتفقنا ، ونحن نتواعد مصافحة ، على لقاء قريب محدد في المكان نفسه ، في وقت مضبوط ، وقد رفضت في لباقة عرضه الكريم قصد الذهاب إلى بيته لتناول العشاء وشكرته ، فمشكلتي على كل حال ليست في العشاء ، ويمكنني أن أبيت على الطوى دون حرج ، بل مشكلة المشكلات في المبيت ، وذلك ما لم يجرؤ أن يعرضه علي ..