_4_
كانت شمس الأصيل تسكب أشعتها الذهبية على مآذن حماة وأشجارها العالية ، فتصل بعضها إلى صفحة مياه العاصي ، فتنكسر ثم تهتز غضباً كأنها تنذر بعاصفة هوجاء ، تدمر المآذن وقباب المساجد خاصة ، وتمر الأشعة على رشراش الناعورة فترسم عليه قوس قزح بألوانه الأصلية كأنه سيف قديم من سيوف الصحابة ينادي : ( أين أبا بكر !!؟ أين ابن الوليد !!؟ هذه ردة قد تودي بالمسلمين من بلاد الشام ، ردة ولا أبا بكر لها ، ومسيلمة يهذي ولا يسمعه ابن الوليد ) .
وسط هذه الايحاءات الكونية خرج الشيخ مروان من مسجده في حي البارودية بالحاضر ، ومعه ثلة من الفتيان يمشون حوله وخلفه ، كلهم في سن البراعم ، ومعظمهم من الأسر العريقة في حماة ، منظر فريد إذا رآه الغريب يعجب من ذلك الشيخ الشاب ذي القامة المديدة واللحية الكثة ، بلباسه الأبيض المتميز وعمامته وعباءته ، هذا الشكل الفريد وكأنه خرج من الماضي ، أما إذا رآه القريب أدرك بعد النظر الذي وهبه الله عزوجل لمروان ، فقد عرف أن هؤلاء الفتية يرتبط بهم مصير الأمة ، فهم يعيدون بناءها ، أو يكملون تخريبها ، لذلك انصرف إليهم بكل جهده يربيهم على كتاب الله وسنة رسوله r .
مر موكب الشيخ الشاب من البارودية إلى جسر السرايا فشارع العاصي ثم الدباغة ، فمسجد السلطان ، موكب متميز ينظر له البعض بالدهشة والخوف ، والآخرون بالأمل ، أما مروان فكان يعيش في ( 1964م ) ويرى عام ( 1982م ) ، وكان يرى المستقبل من ثقوب الحاضر الصغيرة ، وهؤلاء هم العباقرة الذين يرون المستقبل وهم في الحاضر ، وعندئذ ينكر عليهم معاصروهم ، ولا يصدقونهم ، والعبقرية هبة من الله تجعل الإنسان حاد الذكاء ، فيستشف المستقبل من خلال مؤشرات الحاضر .
ما زال الموكب في الطريق إلى مسجد السلطان عندما تعالت أصوات المؤذنين ( الله أكبر ... حي على الصلاة .. ) فيزيد مروان في نفسه ( حي على الجهاد ) ويقول في نفسه : عجباً للمسلمين كيف يفصلون بين الصلاة والجهاد ، ما الفرق بين قوله تعالى ( كُتب عليكم الصيام ) وقوله عزوجل (كُتب عليكم القتال ) ، لماذا تبحر العلماء في فقه الصيام وحدثوا المسلمين عنه ، وسكتوا عن الجهاد !!؟ .
وكان صوت مؤذن السلطان من أواخر المؤذنين ، عندئذ وصل الموكب إلى المسجد ، وتوزع أفراده حول البركة وسط صحن المسجد يتوضأون منها لصلاة المغرب ، جمع من الشباب المسلم توافدوا من أنحاء المدينة كلها لهذا اللقاء اليومي ، حيث صلاة المغرب ثم درس الشيخ ثم صلاة العشاء ، شباب ورع أقبل على الله ، وصد عن الطواغيت وأحزابهم ، تعجبك إشراقة النور في وجوههم ، وقطرات الماء تقطر من لحاهم بعد الوضوء ، وكأنك تسمع تسبيح الملائكة واستغفارها لهم ، ثم تقام الصلاة ، ويتلوها بقليل درس الشيخ اليومي ، ثم صلاة العشاء ، حيث يزيد عدد الحاضرين بين الصلاتين لسماع الدرس وحضور صلاة العشاء . وبعد الصلاة ترى الأخوة يسلمون على بعضهم ، وقد ملأوا أركان المسجد وزواياه ، هذا مروان بقامته ولباسه المتميز يسلم على عبد الستار وهشام ومنقذ ومحمود وعبدالله وتوفيق ، وكلما طلب منه الدعاء قال كعادته : أسأل الله أن يتقبلك شهيداً في سبيله . ثم سلم مروان على الشيخ وحاول أن يقبل يده فشده بقوة كعادته ، فقال مروان : _ أريد أن أراكم يا سيدي لأمر هام . _ متى يا مروان ؟ _ اليوم إن أردتم ؟ _ خيراً ، انتظرني الساعة العاشرة بمكتب المهندس ( رامي علواني ) .
افتتح الشيخ الجلسة بالدعاء إلى الله عزوجل أن يفرج على المسلمين ، ثم قال لمروان هات ما عندك ؟ فأجاب مروان :
_ يا سيدي ، بدأ البعثيون في تنفيذ مخططهم ، لقد صفوا الجيش من الضباط المسلمين ، ثم بدأوا بتصفية التعليم ، فنقلوا بعض مدرسي التربية الإسلامية من حماة إلى مناطق يبعدونهم فيها عم الدعوة إلى الله ، أو بعيدة عن مراكز دعوتهم وأنشطتهم . كما أنهم يضايقون الطالبات في حجابهن ، ويتحدون الطلاب جهاراً في هجومهم على الدين .
_ هذا دينهم ، قاتلهم الله ، وليس هذا جديداً منهم ، فهم أعداء المسلمين ، وعلينا الاستمرار في دعوتنا ؛ لنرمم بعض ما أفسدوه ونحافظ على شبابنا قدر طاقتنا ، والله المستعان . _ يا سيدي ، مهما ضاعفنا جهودنا فإننا نرمم عشر ما يفسدون أو أقل ، لأنهم دولة بيدهم الإعلام والجيش والتربية ، لقد سلبوا الحكم منا ليقضوا علينا بواسطته ، ويقضوا على ديننا ، فماذا ينفع ترميمنا !؟ . _ ما العمل غير ذلك يا مروان !؟ _ لِمَ لا نعلن الجهاد !؟ الجهاد السلمي ياسيدي الشيخ ، كالاضراب ، والمظاهرات ، والاعتصام ، ومقاطعة السلطة ، .....إلخ ، وندعو المسلمين إليه فنقضي على هؤلاء الفسقة في مهدهم ، قبل أن يستفحل أمرهم ويتمكنوا من رقاب المسلمين . _ من معك يا مروان !؟ _ الشعب كله ، الشعب المسلم ؛ هل يرضى بذلك !؟ _ الشعب متفرج يا بني ، ولن يجتمعوا حولك ، بل قد يجتمع بعضهم ضدك . _ أقصد يا سيدي الشيخ أن يقوم الإخوان المسلمون بالجهاد ضد الطغاة ، فيتبعهم المسلمون . _ الجهاد سبيلنا يا بني ، والجهاد ضد الحاكم يكون بالسياسة ، أي الجهاد السياسي ، وليس الجهاد العسكري ، أما الجهاد العسكري فهو ضد العدو الخارجي مع وجود الحاكم المسلم ، الذي يعلن الجهاد ويقوده .
ـ طيب نعلن الجهاد السياسي . ـ لا لم يحـن وقته بعد ._ ومتى يحين وقته إذن!؟
_ عندما تتكون الجماعة المسلمة في صفوف الشعب ويصبح لها قاعدة شعبية صلبة يتحرك الشعب لنصرتها ، إذا حاولت السلطة ضربها ، ألا تذكر موقف الشعب من الجماعة المسلمة في مصر ، خلال الخمسينات ، عندما سلطت عليهم السلطة الكلاب المدربة تنهش أجسادهم ، والشعب صامت كأنه لا يسمع ولا يرى ، ولا يهمه سوى البحث عن الخبز والطعام وضرورات العيش التي حجبها عنه الطغاة ليشغلوه بالبحث عنها . _ وكيف نتمكن من صفوف الشعب ، ومتى ؟ _ الدعوة مستمرة ، والقدوة الحسنة ، ومد الجسور مع فئات الشعب كلها ،والعمل على نصرة المظلومين ، فما زلنا يا مروان نحصر وجودنا بين المثقفين فقط ، وتركنا العمال والفلاحين للاشتراكيين ؛ يغزونهم ويضحكون عليهم بسراب التأميم والإصلاح الزراعي ، هذه واحدة من أخطائنا يامروان ، يجب أن نتلافاها ـ ولكنهم سبقونا إلى العمال والفلاحين ، وقد ساعدتهم الظروف التي هيأها لهم الإقطاعيون والبرجوازيون ، فأحسن الاشتراكيون استغلالها ـ سوف تنكشف دعواهم ، وسيأتي اليوم الذي ينقلب عليهم العمال والفلاحون ، ويعودون إلى دينهم معنا ضدهم . ـ المثقفون طليعة الشعب ، والطلاب وقوده ، وكلاهما معنا الآن . ـ هذا صحيح يابني ، لكنهم الأقل عدداً ، لابد من بناء القواعد في صفوف العمال والفلاحين يامروان . ـ مشكلة الفلاحين ياسيدي أنهم خدعوا بسراب الاشتراكية . ـ وعلينا يامروان أن نعلمهم كيف يميزون بين السراب والمـاء . ـ هذا ضروري ياسيدي ، لكن الزمن في صالح السلطة ، وليس في صالحنا ، فالهدم أسهل وأسرع من البناء ، ومؤسسات الدولة بيدهم ، وعندما يصفون مؤسسات التربية كما صفوا الجيش ستكون كارثة علينا . ـ نظرتك صحيحية يامروان ، لكن نحن ضعفاء ، وقوتهم تتزايد بسرعة ، ولن تحقق المواجهة السياسية هدفها الآن .ـ ماهدف المواجهة ياسيدي . ـ سوف تقول النصر أو السجن أو الشهادة ، اليس كذلك يامروان !؟ ـ بلى ياسيدي ، وسوف نحقق أحد هذه الثلاثة .
ـ ( ضحك الشيخ ) وقال : هذه عاطفة الشباب ، وهذا إخلاصهم ، وأسأل الله عزوجل أن يعطيكم على هذه النوايا الطيبة ، لكن الحكمة والتعقل لايريان ماترى ياولدي ، لايصح الخروج على الطغاة إلا إذا توقعنا النصر بدرجة معقولة ، ولايجوز الإقدام على إزالة منكر يؤدي إلى منكر أكبر منـه ، إننا بصطلاح الفقهاء نختار مجبرين أخف الضررين ، ولانريد أن نعطي السلطة ذريعة أمام الشعب كي تذبح العلماء ، وتهدم المساجد ، وتزج الآلاف في السجون .
ـ ذاك ياسيدي الذي تقوله ينطبق على الخروج عسكرياً على الحاكم ، ولكني أريـد الخروج السياسي فقط .
ـ ينطبق عليه ما ينطبق على العسكري ، فالحاكم لا يريد خروجاً عليه ، لا سياسياً ولا عسكرياً . لا تدع لهم ذريعة أمام الشعب ، يذبحوننا بسببها ، والشعب يتفرج علينا ، كما حصل في مصر .
ـ يا سيدي عندما يتمكنون من رقاب الشعب ؛لن يحتاجوا إلى ذريعة أمامه ، وسيفعلون ما يحلو لهم ، وما يخدم مخططهم نحو ضرب الإسلام والمسلمين .
ـ اسمع يا مروان لن يوقف الدعوة في حماة نقل بعض الأخوة مدرسي التربية الإسلامية منها ، وتهجم الحزبيين على الإسلام لن يزيد الشباب إلا تمسكاً به ، أما خروجنا ضد الحكومة في هذه الحال سيضرنا كثيراً وليس في صالح المسلمين .
_إذن ندعو الشعب إلى الإضراب والمقاومة السلبية .
ـ الشعب غير موجود الآن يا مروان ، مزقته الحزبية إلى أجزاء متناحرة ، وعندما ندعو إلى الإضراب ستجد من يصطاد في الماء العكر . _ نحرك الطلاب يا سيدي فيحركون البلد كله . ـ الأفضل بل الواجب أن لا نحرك أحداً ، لأن الحركة ستؤدي إلى فتنـة أكبر منا ونعجز عن مواجهتها . ـ الفتنة موجودة الآن يا سيدي ، ألا تراهم يفتنون الناس عن دينهم صباح مساء ـ وقد أمرنا الله عزوجل أن نقاتل حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين كله لله . فلنخرج سياسياً ، ونقاتلهم بالكلمة ، والمظاهرة ، والإضراب ، حتى نسقطهم . ـ اسمع يا مروان ، القضية خطيرة ، والحكم فيها صعب جداً ، لا يمكن استخلاصه من آية واحدة بهذه البساطة ، ولابد من الرجوع إلى العلماء ، أنت وأنا لا نكفي ، يجب الرجوع إلى مجالس العلماء ، لأن الفهم الجماعي للدين هو المطلوب ، ومادام أي تحرك سيعود أثره على الجميع ، لابد إذن من مشاركة جميع العلماء في اتخاذ مثل هذا القرار . ـ سيدي الشيخ !!! أليس الجهاد مفروضاً علينا !!ـ بلى ، ولكن يفرض علينا الإعداد قبل الجهاد ، إعداد الرجال والعتاد . ـ يا سيدي الزمن في صالحهم ، نعد رجلاً فيعدون جيشاً ، نشتري مسدساً فيشترون طائرة .
ـ يبدو أنك لن تقتنع مني يا مروان ، وأخشى أن تفعل ما تقول ، وتخالف رأي جماعتك ، جماعة الإخوان المسلمين ، وأدعو الله عزوجل أن يهديك إلى الالتزام بقرار الجماعة، وخطتها وعملها ، كما أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ هذه المدينة وسائر بلاد المسلمين من الفتـن ، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين .(( سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك )) .