ـ 1 ـ
باتت صفـاء في فراشها قلقة في تلك الليلة الباردة من شهر آذار (مارس ) سنة (1964م) ، فقد آلمها نقل مدرس التربية الإسلامية بأمـر من حزب البعث العربي الاشتراكي ؛ نقله من ثانوية السيدة عائشة في مدينة حماة إلى إحدى مدارس البوكمال في الشمال الشرقي من سوريا . عينوه على البنات ليعزلوه عن الشباب المسلم ، ولما لاحظوا أن دعوته مستمرة مع البنات ، وأنه وجد حقلاً جديداً للدعوة ، لذلك نقلوه بعيداً إلى البوكمال .
كان مدرساً ناجحاً ، يحبه مؤيدوه ومعارضوه ، لاتفارق البشاشة وجهه الوقور ، ولايرفع بصره عن طاولة المدرس ، وجميع الطالبات كبناته أو أخواته ، يشفق عليهن من عذاب الدنيا والآخرة ، ويجهد نفسه من أجل إعداد وتربية الأخوات المسلمات ، نصف المجتمع المسلم المنشود .
تقلبت صفـاء في فراشها تبحث عن النوم على أطراف وسادتها ، لكنها لم تجده ، وإنما سمعت صوت الناعورة كأنه نواح أم ثكلى فقدت مهجة قلبها الذي ربتـه زمناً طويلاً ، انتبهت صفاء لهذا الأنين وكأنه نذير شؤم فزاد قلقها ، وتذكرت خطيبها (محمود ) الذي لم تـره سوى مرة واحدة بعد عقد قرانهما ، حيث تزداد مسؤولياته يوماً بعد يوم . مع أنه يستعد هذا العام لامتحان الشهادة الثانوية ، ولما هرب النوم من عينيها ، نهضت فتوضأت لتصلي في جوف الليل ، والناس نيام ، ثم جلست على جلد صوفـه طويل قرب المدفأة تسترجع ذكرياتها القريبـة .
دخلت ثانوية السيدة عائشة سنة (1962) وقد فاضت حماة بالدعوة الإسلامية ، من مساجدها ومن مدارسها ، وكأن الدعوة كانت محبوسة في زجاجة ثم نزعت سدتها فانتشرت في المدينة كلها نوراً يبدد الظلام والجهل والتخلف . ودخلت الدعوة مدارس البنات ، مع مدرسي التربية الإسلامية الذين أبعدوهم عن مدارس الشباب ليحولوا بينهم وبين نشر الدعوة بين الشباب ، واشتهر الجلباب الإسلامي في مدارس البنات ، بين الطالبات وبعض المدرسات ، وانتقل إلى ربات البيوت وصار زيـاً شائعاً في شوارع حماة . وازدانت شوارع حماة بمواكب المسلمات تغدو صباح الجمعة إلى المساجد ؛ تنهل من العلم الشرعي ، وأخلاق القرآن ، وتمر الطالبات بجلابيبهن صباح كل يوم كأسراب الحمام ينشرن حولهن الهدى والنور ، ويبعثن الأمل في نفوس اليائسين بعودة الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي .
وازدانت ثانوية ابن رشـد وعثمان الحوراني وأبي الفداء والصناعة وغيرها بلحى الشباب المسلم ، كأنها براعم حضارة ربانية عريقة تتحدى عوامل الضعف والانحدار التي دبـت فيها منذ زمـن بعيـد . وصارت المساجد والثانويات مراكز إشعاع للدعوة الإسلامية ، في المساجد علماء باعوا نفوسهم لله تعالى، وأولهم العالم العامل محمد الحامـد يرحمه الله تعالى ، الذي جعل من مسجد السلطان مدرسة للإخوان خاصة ، وللحمويين عامة ، ينهلون من درسـه اليومي نور العلم يبددون جحافل الظلام التي تهجم عليهم صباح مساء من وسائل الإعلام ومؤسسات التربية والأحزاب وفكرها السياسي الانتهازي والتخريبي . وقد أقبل الشباب على الإسلام لأنه يتجاوب مع فطرته التي فطره الله عليها ، لم تفسدهم بعد سموم الأحزاب السياسية ومتع الحياة الفانية .
تلك صور سريعة تداعت في مخيلة صفاء ، وهي تدخل عالم النوم قرب المدفأة ، حيث رقدت ثلاث ساعات ، نهضت بعدها على أصوات المؤذنين يحثون المسلمين (الصلاة خير من النوم ) ، فلبست صفاء ثيابها وغطت شعرها ثم فتحت النافذة لترى طلائع الفجر تنبعث من الشرق فتتلقاها المآذن ، مآذن حماة الجميلة ، وكأنها أيد امتدت إلى السماء ، تبتهل بالدعاء تضرعاً إلى الله عزوجل أن يحمي حماة من كيد الطغاة ، وكانت مئذنة جامع السلطان تشد عيني صفاء ، وهي تعلم أن محمود في طريقه الآن إلى مسجد السلطان ، كما كان صوت مؤذن السلطان متميزاً ،ولـه أثـر خاص في نفوس الشباب المسلم ، صوت معبر عن براعم نهضة تواجه جحافل الطغاة ، الواقفين بينها وبين الحضارة الإسلامية ، ثم عادت صفاء إلى محرابها في غرفتها تؤدي سنة الفجر وفريضة الصبح ، ثم تتلو وردها اليومي من القرآن الكريم ، قبل الاستعداد ليوم مدرسي جديد .