ـ 2 ـ
كانت المخابرات العسكرية تراقب وتتعرف على المواظبين على صلاة الفجر عامة ، ومسجد السلطان خاصة ، فلقد اعتقدت السلطة أن المواظبين على صلاة الجماعة عامة والصبح خاصة ؛ هم الخطر الوحيد الذي يعرقل مخططها الهادف إلى إعادة العرب إلى جاهليتهم قبل الإسلام ، وهؤلاء الشباب المتوضئون ، الذين لا يرقصون ولا يشربون الخمر هم الخطر الرئيس على التقدمية والتحرر كما يفهمه الانقلابيون الذين قفزوا إلى السلطة في جنح الظلام ، عندما قامت مجموعة صغيرة من الضباط بانقلاب عسكري استولوا فيه على السلطة ، وأعلنوا أن هدفهم الأول القضاء على الرجعية العربية في الداخل والخارج ، لذلك وصل بهم الخوف من المسلمين وكراهتهم والحقد عليهم إلى رصد الشباب الذين يؤدون صلاة الفجر جماعة في المساجد .
لذلك خرج محمود من مسجد السلطان وهو يدعو ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد ، اللهم إني أسألك من فضلك ) ولم يتكلم مع منقذ الذي كان قريباً منه حتى منتصف طريق الدباغة _ السلام عليكم : _ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، كيف حالك يا أخي ؟ _ الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، نسأل الله أن يتمم بخير يا منقذ . _ أين توفيق وعبد الله ؟ _ رأيتهم سبقونا _ ما الذي أغمك يا محمود ؟_ ألم تسمع ماذا فعلوا ؟ _ تقصد نقل مدرسي التربية الإسلامية ؟ _ نعم ، نقلوه إلى حلب ونقلوا زميله إلى البوكمال ، وثالث إلى السويداء ، _ كل هذه الإجراءات خوفاً من مدرس ؟ _ نعم .. إن الخبراء في علم النفس والاجتماع يخططون لهؤلاء الانقلابيين ، ويعرفون أن التربية أهم سلاح في المجتمع . لذلك أعلنوا أنهم سيصفونها من كل مدرس رجعي كما يقولون .
ونزل الأربعة شارع الدباغة إلى ساحة العاصي بين مقهى الروضة وفندق أبي الفداء ،في ذلك الشارع الجميل حيث تبعث النواعير أنغاماً شجية على ضفاف نهر العاصي تناشد النيام أن يستيقظوا فقد ملهم الفراش وسأم منهم الزمن . ثم مروا على دفعتين فوق جسر السرايا ليدخلوا حي الحاضر ، الحاضر الذي يحتوي الماضي العريق الأصيل ، ويحفظه من العدو ، وعند بداية الحاضر انعطفوا يميناً إلى حي البارودية قلب الحاضر النابض ، وفي أول الحي تقريباً دخلوا مسجدا ً صغيراً رسم على بابه سيفان متقاطعان بينهما مصحف ، عرف باسم مسجد مروان حديد .
دخل توفيق وعبدالله ، فسلما على الشيخ مروان ، ثم صليا تحية المسجد ، وجلسا في حلقة التلاوة ، وسط مجموعة من طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية ، ثم وصل منقذ ومحمود ، وكان الشيخ مروان يتلو قول الله عزوجل : ] وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين ، واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ، والفتنة أشد من القتل [ حتى وصل قوله تعالى ] وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين [ ثم يقول مروان بتحسر : هذه أول آيات نزلت تأذن للمسلمين بقتال من قاتلهم ، يقول تعالى : والفتنة أشد من القتل : الفتنة هي الشرك والردة عن الدين ، والشرك أو الردة عن الدين أشد من القتل ، فمن قتل على الإسلام ، بعث مسلماً ، أما من فتن ومات على غير الإسلام فإنه يبعث على ما مات عليه ، وللفتنة أساليب شتى ، وهي كل مايحول بين المسلم ودينـه ، كما يفعل حكام بلدنا اليوم ، يسدون الأبواب أمام الشاب الملتزم بدينـه ، وأمام المسلمة المحجبة طاعة لله ورسوله ، ويحرمونهم من حق التعليم والعمل ، ويفتحون الأبواب على مصراعيها أمام المتحررين من دينهم والمتحررات السافرات المتبرجات ، أما المجاهرون بالكفر والإلحاد فيصلون إلى أعلى المراتب في بلدنا ، إنها دعوة سافرة للردة ، وإن الدولة تشجع بل تجبر الناس على الردة ، وهذه هي الفتنة ، وهي أشد من القتل ، وقد أمرنا ربنا أن نقاتل حتى لاتكون فتنـة ويكون الدين كله لله . أمرنا الله عزجل أن تكون كلمة الله هي العليا ، ألا ترونهم يهزأون بكلمات الله سبحانه وتعالى ، ويسمون الإسلام رجعية ، ويشتمون الرجعية صباح مساء ، ويمجدون الشيوعية والعلمانية ، ثم تنفس الشيخ عميقاً وتابع يقول : ] ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون [ والموت في سبيل الله أسمى أمانينا ، فمن لها غير الشباب المسلم ، أنتم ياشباب ، أنتم أحفاد خالد وأسامة وعمر رضي الله عنهم أجمعين .
كانت هذه الكلمات تخرج من قلب مروان المخلص لله تعالى ، والذي لم يتعلق بغيره ، وتدخل قي قلوب مريديه النقية الطاهرة ، فامتلأت قلوبهم بها ونقش عليها ( الموت في سبيل الله أسمى أمانينا ) ، ] وقاتلوهم حتى لاتكون فتنـة ويكون الدين كله لله ...[ .
ارتفعت الشمس وحان وقت المدرسة ، فصلى الحاضرون سنة الضحى ، ثم انصرفوا ماعدا الأربعة الذين التفوا حول الشيخ مروان :
ـ ماذا يا أخي هل نسكت على نقل مدرسي التربية الإسلامية ؟
ـ لقد سكت المسلمون طويلاً ويجب أن يتكلموا ( أجاب مروان ) .
ـ لماذا لايقوم المسلمون بثورة شعبية ضدهم ؟
ـ أجاب مروان حديد : نعم يجب أن يقوم المسلمون اليوم وليس غداً ، بثورة سلمية ، سياسية ، بالمظاهرات والإضراب ، والعصيان المدني ، يجب أن تغلق المدارس والأسواق ، والدوائر الحكومية ، ويستمر الاضراب في حماة ، ويمتد إلى سائر المحافظات حتى تسقط هذه الحكومة ، كما فعل آباؤنا في إضراب الستين يوماً ضد الفرنسيين ... فعدونا اليوم ضعيف ، مازالوا متناحرين على الكراسي ، ولما يتمكنوا من رقابنا يصعب القيام عندئذ ، لقد بدأوا بتسريح الضباط المسلمين (السنة ) بحجة أنهم غير بعثيين ، وبعد مدة سيطردون الضباط البعثيين بحجة أنهم من اليمين العفن ، حتى ينفرد أعداء المسلمين بالسلطة وحدهم معتمدين على عشائرهم وأقاربهم فقط . إنهم يتقنون بدرجة أكثر من ممتازة لعبة الأسد والثيران الثلاثة ، وهذا ليس من ذكائهم .
ـ بل من تخطيط الكرملين والبيت الأبيض لهم .
ـ وهذا أعجب مافي الأمر ، أنهم ينالون تأييد الكرملن والبيت الأبيض معاً .
ـ سوف ترون ذلك واضحاً في المستقبل القريب . وينكشف للناس كافة أنهم عملاء للروس والأمريكان ، ولكل أعداء الإسلام والمسلمين .
ـ ماذا ننتظر إذن ؟
ـ حافظوا على الصلة الدائمة بالله عزوجل ، ثم على الصلة اليومية معي ، وندعو الله أن يوفقنا إلى مافيه خير المسلمين .
ثم دعا الجميع : سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لاإله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ، ] والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [ . ثم ودعوا شيخهم على أمل اللقاء به في در س الشيخ محمد الحامد في مسجد السلطان قبيل العشاء ، فدعا لهم الشيخ مروان كعادته : ( أسأل الله أن يتقبلكم شهداء ) .