ـ 3 ـ

8 0 00

ـ 3 ـ

خرجت صفاء من بيتها يكسوها جلباب أسود فضفاض ستر جسدها كله ، وغطت شعرها ووجهها بخمار أسود ، ثم التقت بزميلتها أسماء فسلمت عليها . _ لقد غطيت وجهك يا صفاء !_ نعم هذا أحوط لي في ديني _ وهل تبقين هكذا عندما يدخل مدرس التوجيه السياسي ! ؟ _نعم ، وإن شاء الله يخرجني من الفصل فأرتاح من أكاذيبه ودجله . إنني أتحداهم يا أسماء !! يجب أن يعرفوا أن الإسلام خالد ، ولن ينقص بنقل مدرس التربية الإسلامية ، المهم يا أسماء : ما رأيك لو دعونا بعض الطالبات الخيرات إلى بيتنا فنشجعهن على الحجاب ؟ _ فكرة عظيمة يا صفاء ، لكن هل يسمعن منا !؟ _ انظريني يوماً واحداً ، لا بد من إعداد هذا اللقـاء .

امتلأ شارع الدباغة بالفراشات يتوافدن على ثانوية السيدة عائشة ، يتطايرن فوق أزهار الربيع ، وبين نسماته العذبة ، فأضاء الشارع نوراً بأمهات المستقبل وصانعات الجيل المسلم .

وفي المدرسة طلبت المديرة صفاء فأثارت انتباه الطالبات ، وراحت كل منهن تخمن ما سيجري في المدرسة بعد نقل مدرس التربية الإسلامية منها . _ السلام عليكم ( قالت صفاء ) _وعليكم السلام ، أهلاً بستي الحجة !! أم محمد !! ( وانفجرت المديرة ضاحكة ) ثم تابعت : أنت صفاء ... _ نعم يا آنسة . ثم ساد جو من الصمت كانت صفاء تنظر في وجه المديرة الذي غطته طبقات من المساحيق والألوان ، كما حدقت المديرة في وجه صفاء وفي أصابع يدها اليمنى ، حيث خاتم الخطبة ، ثم تناولت سيجارة ( الكانت ) وراحت تنفث دخانها أمام صفاء ، وقلبها يغلي حقداً على هذا المجتمع الذي لم يتقدم فيه رجل لخطبتها ، بينما يسرعون لخطبة هؤلاء المحجبات وهن طالبات ، وتقطع قلبها غيظاً على هذا المجتمع الحموي الذي ينبذ السافرات المتحررات أمثالها ... وطال الصمت في الغرفة حتى ملت صفاء فقالت : أي جديد يا آنسة ؟_ هناك أمور كثيرة يا صفاء ، أحذرك منها لمصلحتك ، فأنت طالبة في الثالث الثانوي ، أمامك المستقبل كله ، بأحلامه الوردية ، ولكنك تقامرين به . فقاطعتها صفاء :_ أرجوك يا آنسة ، أنا راشدة ولست طفلة ، أعرف مستقبلي في الدنيا والآخرة ، وأشكرك على هذا الاهتمام بي وبمصلحتي . فغضبت المديرة وارتفع صوتها : _ أنت تسممين عقول الطالبات ، لأنك من آثار ذلك المدرس الرجعي الذي تخلصنا منه ، كي لا يسحر الطالبات . _ ماذا تريدين يا آنسة ؟_ لا داعي لهذه القبة التي تلبسينها ( وضحكت المديرة ومدرسة تسمع الحوار ) . هذا جلباب وليس قبة ، سماه الله جلباب ، ورد ذكره في سورة الأحزاب فقال تعالى : ]يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ، وكان الله غفوراً رحيماً [ _ من قال لك إن الجلابيب مثل هذه القبة ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ؟ _ هل رجعت إلى قواميس العربية يا آنسة ؟ _ لا ، لم أرجع ، وهل رجعت أنت ؟ _نعم ، لأن دراسة القرآن تفرض علي ذلك ، فالجلباب هو الثوب الواسع الذي يخفي ما تحته . غضبت المديرة وقالت : آسفة لو فصلتك من المدرسة ‍‍‍ ؟ لأنك سبب للمتاعب . _ غريب يا آنسة ‍‍ أي مدرسة اشتكتني إليك ؟ ومتى قصرت في دروسي ، أو أسأت إلى إحدى مدرساتي أو زميلاتي ؟ . _ أنت رجعية ، ويكفي أنك رجعية ....

تحركت الدماء في وجه صفاء وفي دماغها أيضاً ، فصمتت برهة وهي تقرأ الحقد في وجه المديرة الذي زاده العبوس تجعداً ثم قالت : _ وكفاني فخراً واعتزازاً بذلك ، فأنا لا أنتظر الوظيفة ، ثم أشارت إلى خاتم خطبتها ، وتابعت : خطيبي ينتظرني لأكون مساعدة له ، قالت ذلك وهي تعرف أنها حرقت قلب المديرة فصرخت واقفة : _ أخرجي من مكتبي بسرعة ، اخرجي من أمامي . يا رجعية ... ، رمتها صفاء بسهام التحدي ، ثم قالت بهدوء : _ حاضر يا آنسة ( وشدت لسانها على لفظ آنسة )

قامت إحدى زميلات المديرة من المدرسات ، وقدمت لها سيجارة ( الكانت ) وطلبت لها فنجاناً من القهوة ن بينما أخرجت المديرة من حقيبتها ( حبة الفاليوم ) وأخذتها مع القهوة ، كما راحت زميلتها تهون عليها : _ النضال يحتاج إلى صبر ، كي نحول المجتمع الرجعي المتخلف إلى مجتمع متحرر ._ لكن يزيد في رجعيته ، هذه هي المشكلة ، كل ما يقدمه الحزب من دعم لنا ، وها أنت ترين البنات يلبسن هذا الحجاب ، ويرمين ما نقوله لهن عرض الحائط . ثم غرقت المديرة وزميلتها في أحاديث الماضي أيام الجامعة عن فـلان وعـلان وفـلانة وعـلانة .

دق جرس الانصراف فغطيت الشعور وبعض الوجوه ، وعادت الطالبات إلى بيوتهن ، وصفاء مشغولة بخطة اللقاء الذي اقترحته أسماء ، فقالت لها _ ماذا نفعل ؟ وماذا نقول للبنات ؟ ألا يوجد من يعلمنا ؟ _ نعم يوجد ، محمود خطيبك يا صفاء إنه خبير بهذه الأمور . _ لكن أخجل منه ، ولا ينطلق لساني أمامه يا أسماء . _ لِمَ يا صفاء !؟ ألم يعقد عليك . إنه زوجك الآن . _ سأحاول الاستفادة منه في هذا الأمـر .

فتح والد صفاء الباب ، وقلبه يردد مع لسانه ( سبحان الله والحمد لله والله أكبر ) فدخل محمود وجلسا في غرفة الضيوف ، وقد غشاه بعض القلق لمعرفة سبب دعوته إليهم ، ثم هدأ روعه لما رأى لوحة جميلة من القماش طرز عليها بأناقة سيفان متقاطعان بينهما مصحف وكُتب على الجانبين ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) ، إنها بلا شك من صنع صفاء ، وإنها اللوحة التي نالت إعجاب الجمهور الحموي في المعرض السنوي لثانوية السيدة عائشة قبل عامين ، عندما عرف اسم صفاء منها ، وتوجه قلبه إليها حباً في الأيدي المتوضئة التي طرزتها . وراح يستعد ليطلب من صفاء أن تطرز مثلها ليزين بها غرفة الضيوف في بيتهم الجديد إن شاء الله ذلك . فما أجمل السيوف عندما تعانق المصحف ، ثم قطع عمه حبل الصمت وقال : _ طلبت مني صفاء أن تشرح لها أموراً في الدعوة التي تحتاجها في مدرستها . ما شاء الله ، أنتم تعلموننا ذلك . _ والله يا بني تختلف أيامنا عن أيامكم ، أيامنا أكثر بركة ، لكن أنتم أقدر منا على مخاطبة الشباب والجماهير ، ثم دخلت صفاء وبيديها صينية القهوة ، تنبعث منها رائحة زكية منعشة ، وقالت وهي تنظر في الصينية : _ السلام عليكم ورحمة الله . _ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته (وسمّر بصره في الأرض كأنه يعد خيوط السجادة) ، وعندما اقتربت منه القهوة أنعشته رائحتها فنشطت دقات قلبه وسمع صوتاً ناعماً يقول : _ تفضل . مد محمود يده إلى الصينية فصارت يده في وسطها ويداها ممسكتان بها ، ثم أخذ فنجاناً وضعه أمام عمه ، ثم تناول فنجانه وبقي الثالث لصفاء .

صاغت صفاء الجملة عدة مرات قبل أن تقول : _ في مدرستنا عدد من الطالبات الطيبات ، يزيد عددهن كل أسبوع ، لكن إدارة المدرسة وبعض المدرسات والمدرسين يحاربونهن بكل وسيلة ، ويحاولون إزالة آثار مدرس التربية الإسلامية التي تركها في المدرسة ، وصارت تنمو ولله الحمد كل يوم . _ ألا توجد مدرسة تعوض المدرس المنقول ؟ _ لا ، لا توجد . ولذلك أردت أن أحاول سد بعض الفراغ الكبير الذي تركه ، وقد اقترحت إحدى الأخوات أن ندعو بعض النشيطات إلى لقاء في البيت ، وأردت أن تضع لنا خطة للعمل معهن في مدرستنا . _ سأقدم قليلاً من النصائح ، ثم لا بد من صلة مستمرة بالجماعة المسلمة ، لأن الالتزام بالجماعة واجب شرعي . _ واجب أم مندوب يا محمود ؟ _ واجب ، كما قال الإمام النووي يرحمه الله ، عندما عنون هذا الباب في شرح صحيح مسلم قال : ( وجوب التزام جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كال حال ) ، ثم أورد عدة أحاديث منها : (( من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية )) ، والميتة الجاهلية كما يفسرها النووي : تعني أن يموت على صفة من صفات أهل الجاهلية ، وهي أنهم فوضى لا إمام لهم ولا جماعة . وأورد كذلك حديث حذيفة بن اليمان الطويل والذي في آخره يقول له الرسول r (( ... تلزم جماعة المسلمين وإمامهم .. )) ، وهذه نصوص قطعية الثبوت والدلالة في وجوب العمل الجماعي ، وهناك أدلة عقلية منطقية خلاصتها أن إقامة الدولة المسلمة واجب على المسلمين ، ويستحيل إقامتها بالجهود الفردية ، لذا فالعمل الجماعي واجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . عندئذ قالت صفاء : _ وما هو منهج الجماعة المسلمة كي تعيد الدولة المسلمة ؟ فأجاب محمود : _ تربية الفرد المسلم ، رجلاً وامرأة ، ثم إعداد الأسرة المسلمة وهي النواة الأساسية للمجتمع المسلم ، ثم إقامة المؤسسات الاجتماعية والمجتمع المسلم ، وأخيراً تقوم الدولة المسلمة .

كانت صفاء آذاناً صاغية لمحمود وهي تمعن فكرها في ما قاله محمود ، ثم قالت : وما دور المرأة المسلمة ؟ فقال محمود : _ المرأة المسلمة فرد مسلم يجب إعدادها وتربيتها على الإسلام ، وهي الركن الأول والأساس في الأسرة المسلمة ، وهي نصف المجتمع المسلم وصانعة أجياله وأبطاله .

_ ابتعدنا عن موضوع اللقاء يا محمود : ماذا نفعل مع زميلاتنا في المدرسة ؟

_ ليكن اللقاء الأول زيارة للتعارف والمجاملة ، لتقوى الروابط بينكن في الله ، واللقاء الثاني يفتتح بالقرآن الكريم ، ثم تقرأ صفحة من السيرة وحديث شريف من رياض الصالحين ، وسوف تصلك مناهج موسعة فيما بعد .

في اليوم التالي حضرت مجموعة من الطالبات المحجبات إلى دار صفاء ، وكان لقاء التعارف والتعاهد على الدعوة لله عزوجل ، وأول ذلك الالتزام بكتاب الله عزوجل وسنة نبيه r ، ومن ذلك التمسك بالحجاب الإسلامي لأنه فريضة من الله ... وكانت مخابرات أمن الدولة تراقب المحجبات ، وترصد حركتهن خوفاً منهن ، وقد وضعت عدة خطوط حمراء تحت اسم صفاء .