الفصل الأول
الله الكريم ما أعظمه. إنه عظيم بقدر سعة عزلتي. أرى المُؤلِّف كما اللوحة. في باريس التي لا حدود لها، لا يملك طريقة أهل حرفته. لا يتكلّم أبدا ليقول الكلمات التي لا تتكلّم. هو والكلمات شيء واحد. وهذا في حدّ ذاته شيء لا يُستهان به. إنه موجود. في المكتب، حينما حطّ المخطوط، لم يكن هناك أحد. إن المؤلف وحيد في حياته. ذلك أنه الوحيد الذي يمكنه قيادة حياته مثلما تقاد السفينة. لا يرى الكلمات التي تروّج للسلع تنفجر في السماء. لا يفهم إلا نافذته. وعيناه. ما الفرق؟ بلى، ومع ذلك. نفتح النافذة للنظر إلى الخارج والعينين للنظر إلى الداخل. أن ننظر، يعني أن نتسلق الجدار. توجد رؤى قصيرة كما توجد سلالم قصيرة أيضا.
وضع المؤلف مخطوطه على طاولة، بإزاء ممحاة. وبقرب الطاولة توجد سلة أوراق. الشيء الموجود يبقى. تنتظر الممحاة وسلّة الورق خرقا مفسدا. تكفي حركة. ولكن كم تطلّب من حركات كي يُصنع هذا الشيء الذي يسمى رواية؟ إنه لشيء قطرة ماء في محيط. ينبغي أخذ كبرياء المنتحر بعين الاعتبار، ذلك أن رغبته ليست في إثبات النفس بإلغائها وإنما في احترامه الساذج للممحاة وسلّة الورق. ليس الموت قطرة ماء، إنه حجر في البحر.
نظر المؤلف إلى رزنامة يعود تاريخها إلى السنة الماضية. فكّر بأن السنة تحوي أياما كثيرة. يا له من سلّم. ويتكرّر مرة أخرى. وسوف يتكرر أخرى. يملك مفهوما عموديا للأشياء. لقد تعلّم كل شيء في طفولته على سبورة حائطية. لاحظ بأن طاولات العمل فقدت طبيعتها الكتابية منذ اكتشاف الأقلام السيّالة. يمنح القلم السيال نوعا من الثقة لا تتماشى مع التفكير. لسنا بحاجة إلى مسطرة كي نسطر خطا. من أجل الكتابة، يستعين المؤلف بقلم غليظ ذي خدين ممتلئين. يحلو له أن يملأه صدفة وسط جملة أثناء تعطّل في الأفكار أو الحبر. المؤلف مُسكتشف. لا يقع المؤلف في التعطل أبدا لو يستخدم القلم السيال. كيف نُثمّن الجهد ونبتهج له دون علامات الإرهاق العادية؟
ولج قليل من الشمس العاطلة عبر نافذة المكتب الضيقة. لم تذهب الشمس المدعوكة أبعد من سلّة الورق. يتدلى علم من الطابق العلوي مثل أذن تعسة. المجد مسرور. لا توجد ريح. ليس من جهة "أوسترليتز". ولا من جهة جسر "أركول". بدا العلم بألوانه الثلاث الحزينة مثل فارس عجوز متقاعد.
نظر المؤلف إلى ساعته دون تدقيق للوقت. فكّر بأنه ليس لديه ما يفعله بداخل هذا المكتب، فاتجه نحو الباب الذي تحرسه مِلفات غير مفيدة. حكم على تلك الملفات بعدم الفائدة. يحكم بعدم الفائدة على كل شيء لا يفهمه. وهو لا يفهم أشياء كثيرة. يقال له مرارا بأنه يسرح في القمر. ولكنه لا يفهم شيئا في القمر. ومع ذلك فهو مقتنع بأنه لا توجد ملفات في القمر.
انتهت أجزاء الشمس العاطلة في سلة الورق. شمس بداخل سلة الورق. ابتسم المؤلف. تطبع ابتسامته قسمات وجهه بصرامة ظاهرة. لقد لاحظ يوما صورة زواج بداخل سلة أوراق. كانت العروسة ترتدي فستانا أكثر بياضا من تلك الابتسامة الخائفة التي تمنحها لآمالها بهدف ترويضها. أما العريس فكان وقورا. ابتسامات ووقار، أطفال سيلعبون غدا، أكاليل زهور من الحنان، يد في يد، أحبك حبيبي، يا له من لغو مقدّس، الابتسامات والوقار... وفي النهاية صورة مسكينة، رثّة في مزبلة. قد يكون شخص أدخل تنظيما في أوراقه وفرز ذكرياته.
كان المخطوط على الطاولة وديعا كما قرص بداخل ظرف.
همّ المؤلف بالخروج حينما تذكر أنه لم يسجل العنوان، لا بورقة داخلية، ولا على الظرف الذابل الذي غطى به المخطوط. عاد نحو المكتب وكتب بحروف غليظة:
سأهديك غزالة
لا يحمل المخطوط اسم المؤلف. لقد صرّح هذا الأخير لمجلة، ذات يوم كان فيه تَحت تأثير غنائية تحت الطلب، أن مانحي الأحلام يسافرون متخفين. ربما كان يعتقد نفسه من مانحي الأحلام. في حقيقة الأمر، لا يفهم هذه طريقة في التصرف والتي تتمثل في القول: "هذا أنا". يقال: "هذا أنا". ثمّ يقال: "هذا لي". نمنح لقبنا لطفل. ولكن للأسف، لا نناديه إلا باسمه.
يُقرفه النفاق الأبوي المتمثل في وضع اسم المؤلف على الغلاف. لم يكن متواضعا.
صفق الباب مثلما يغلق الكتاب.