الفصل الثاني
سألتْ جيزل ديروك الجميع. لم يرَ أحدهم شخصا دخل المكتب. في ذلك اليوم، لم تكن تنتظر تسليم أي مخطوط. حينما تغرق جيزل ديروك في التفكير، تقترب من الجمال. هذا إذا غضضنا الطرْف عن جبهتها العريضة جدا، وعينيها الشاحبتين جدا والبرطمة الصغيرة التي تشكل قوس دائرة في زاوية شفتها وحول سيجارتها. كانت تدخن كثيرا. حينما تَغرق في التفكير، تبدو كما لو أنها تتصارع مع أفكارها، وينسجم الغضب مع هيئتها بشكل رائع. تستعيد شبابها مع غضبها. إن الشباب جميل خاصة عند أولئك الذين افتقدوه، حينما ييأسون من انتظاره. إن صفة الشباب في متناول أي أحمق. أمّا استعادة الشباب فإنها لمهارة خاصة، بل إنها موهبة.
ابتسم موزار – نعم موزار، مثل الآخر، ولكن هذا يسمى برنار، السيد برنار موزار، في حين لا يحتاج الآخر إلى اسم إضافي- إذاً ابتسم السيد موزار، مدير قسم الصحافة، وأضاف:
- إنه عنوان جميل.
وأضاف أيضا:
- كان عليه أن يسجّل اسمه.
ثمّ داعب الشلاغم التي لا يملكها وأجرى مكالمة هاتفية.
يهتف كما التنشيقة الفاسدة. تمنحه هذه الطريقة الانطباع بأنه مفيد. إذا اعتبرنا أن الهاتف اكتشاف جديد نوعا ما، قد نتساءل كيف كانت تقاس أهمية رئيس مكتب حينما لم يكن هذا الجهاز موجودا.
تناولت جيزل ديروك المخطوط وفتحته على الصفحة الأولى. قرأت:
" الله الكريم ما أعظمه. وما أكبر عزلتي. أرى المُؤلِّف كما اللوحة..."
كرّرت مع نفسها:
- "أرى المُؤلِّف كما اللوحة..."
فكّرَت: " يا لها من فكرة... كما اللوحة."
سأل موزار:
- أتأخذينه؟
- نعم. سأقرَأه في هدوء.
داعب السيد موزار أفكار شلاغمه. يبتسم دائما. إنه رجل حزين. مَن أثَّر على الآخر، هو أم المكتب؟ المكتب حزين. يطبع الحزن جَميع المكاتب. وهذه الأخيرة تمقت العمل. إنها حزينة كما محطات المسافرين. للمحطة عذرها: إنها لا تسافر أبدا.
الهاتف والشمس. الآن، يتحرك العلم في الطابق العلوي. تكرّر سيارة الإسعاف هلعها وهي المولعة به. عبر النافذة، رأت جيزل ديروك رجال الإسعاف جالسين، مصطفين برزانة، متشابهين إلى حدّ التماثل. إنهم معدون بفتور للموعد مع الكارثة. إن سيارات الإسعاف تشبه لعب الأطفال.
باتجاه "سانت-جنوفييف"، فصل جرسٌ السماءَ إلى سبعة أجزاء صغرى. غطت سماء باريس المدينة، مُزبدة، مموّجة كما الأغطية السميكة المجعدّة على مكان تسلية، ثقيل وثابت. يبرز صليب "البانطيون" خلوده. تحب جيزل ديروك باريس. تحب باريس لأنها لا تشعر بالخوف اتجاهها. مَن يُحب باريس، عليه أن يقبلها. وقد تعوّدت. تكون باريس هي التي صنعتها.
في الشوارع، تركض الأرصفة. إنها الغابة. يظهر المخطوط من حقيبة ضيّقة كانت جيزل تتأبطها. باريس تأكل ناسها.
كرّرت السيّدة ديروك: " يا لها من فكرة... كما اللوحة...".