(1)
وفيق جرجس
1962
هذه الليلة بعمري كله. تحقق حلمي وأملي ففزت بمريم من بين المتقاتلين عليها. لم أكن أنتظر أن تختارني دون من يصغرني سنا أو من يفوقني ثراء. لا بد أن لها معيارا خفيا تقيس به صلاحية من تختاره ليشاركها الحياة. أية معجزة أرضية تلك التي تجعلني أتصور أنني سأقضي الليلة معها على فراش واحد، وأنني سوف احتوى هذا الجمال المخيف بين ذراعي وأعتصر رحيقه وأرتشف من عسله ملكا خالصا لي وحدي حتى الموت.
إن ما يثيرني لحد الفزع أحيانا أنها لم تبادلني سوى كلمات قليل خلال مرات تعارفنا ولقاءاتنا المعدودة قبل الزفاف، فغالبا ما كانت تكتفي بالتعبير بعينيها وإيماءات رأسها عما تريد. لقد شعرت يوما أنني أمام أشعة عينيها النفاذة مجرد خلية مجهرية تخضع لفحص ميكروسكوبي ثاقب.. كل هذا في كفة وقبولها لي دونا عن غيري في كفة أخرى.
ما أروعها من امرأة حباني بها الرب بعد صبر عظيم. إنني لم أفرح منذ طفولتي بشيء مثل فرحتي اليوم بمريم. أحبها. أعشقها. أشتهيها بشدة. أحترمها وأثق بها وأتيه عجبا بشخصيتها التي بهرتني منذ التقيت بها لأول مرة في الكنيسة. إني أكاد أقدسها.
ها هي الآن بين يدي. مريم الجميلة الصامتة الخجول.. تطرق حياء
ودلالا فتكاد أنوثتها تفقدني الصواب وتسلبني الاتزان، وأنا الذي لم اقترف الخطيئة مع امرأة ولو مرة واحدة رغم تجاوزي الثلاثين بعامين.. وكيف أزني وأبى القسيس لا يزال يتعهدني بالوعظ منذ كنت صبيا وحتى اليوم "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زني بها في قلبه، فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فأقلعها وألقها عنك لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم، وإن كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها وألقها عنك لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم".
هكذا تحالفت مع الحرمان واستمرأته رغم قسوته وشدة بطشه.. ولأن الإنجيل وممارسة الرياضة وكثرة الصوم والصلاة لم يستطيعوا قهره في جسدي واستئصاله من مشاعري وأعصابي وطاقتي الشابة المشتعلة، فإنه لم يكن أمامي إلا أن أستسلم للحرمان وأتلذذ بعذابه وسطوته انتظارا لليوم الموعود.
وها هو اليوم يجئ بمعجزة وقد نفد صبري عن آخره، واستحال استمراء الحرمان والتلذذ القهري بعذابه إلى قوة عمياء جامحة، اندفعت في ليلة العمر الهادئة تبطش به وتلتهمه وتفتك دون رحمة أو روية.. وإذا بمريم تصرخ فزعة وتتملص مني وفي عينيها رعب لم أشهده من قبل في حدقتي مخلوق! لم أشعر بنفسي وقد ازداد توحشي ونشبت أنيابي ومخالبي فيما تمكنت منه من جسدها المرمري وأنا أخور كذئب مسعور تسيل من فمه دماء فريسته الجريحة.
أطلقت صرخة مدوية واندفعت إلى باب الغرفة تفتحه منطلقة في أرجاء الفندق الكبير.. حافية القدمين في ثوب الزفاف وقد تمزق معظمه وتناثرت عليه بقع لست أدري من دمها أم من دمي.. تجري في الطرقات وأجرى من خلفها دون وعي بالزمان أو المكان وما يشغلهما من جماد وبشر.. لم أدرك معنى الذهول الذي كان مرتسما على وجوه النزلاء – فقد كنت فاقد الإدراك – حتى وصلت إلى باب الفندق المؤدى إلى الطريق العام.
كلما تمكنت من ثوبها وكدت أمسك بها نزعت نفسها منى بقوة خرافية ليزداد تمزق الثوب ويتعرى لحمها الأبيض الشهي وقد تلون بلون الدم فيزداد صرعي ويتصاعد جنوني وكأنني في كابوس مثير.
لم يكن في اندفاعي من خلفها شيء من الإحساس بالفضيحة أو العار أمام النزلاء الذين شهدوا حفل زفافنا منذ ساعتين.. كما لم يكن في هذا الاندفاع مجرد رغبة في كبح جماحها والسيطرة عليها لإعادتها إلى غرفتنا بالفندق، وإنما كنت أريدها في التو واللحظة كما لو كان ملاك الموت سيخطفها مني بعد دقيقة، ولو تمكنت منها لما ترددت لحظة واحدة ولو على قارعة الطريق. هذه نتيجة تربيتك المباركة يا أبي المبارك.
في عرض الشارع كدت أتمكن من الإمساك بها وقد ارتبك مرور العربات التي توقف معظمها فجأة في جو عاصف مطير تحاشيا للاصطدام بها أو بي أو ببعضها البعض لزلاقة الطريق.. لكنها تمكنت من الهرب مندفعة إلى رصيف البحر قافزة من فوقه بسرعة فائقة.. وتفرج الخلق جميعا على عروس جميلة تندفع إلى شاطئ البحر الثائر ليلة زفافها يطاردها وحش بشري مجنون كاسر.. وقبل أن تلقى بنفسها بين الأمواج المتلاطمة سقطت على الرمال منهارة فاقدة الوعي.. وحملتها عائدا بها إلى الفندق غير واع بما يحيط بي من موجودات كونية.
استدعيت طبيب الفندق وطلبت أن يحقنها بمهدئ.. ارتجف جسدها عدة مرات متقطعة ثم غابت بعد ذلك في نوم عميق.. وكنت قد فقدت السيطرة على أنفاسي المتهدجة وروحي الخائرة، أما جسدي فلم أقو على إطفاء نيرانه الملتهبة رغم كل ما حدث.
ما أن خرج الطبيب حتى اندفعت في قلب الحريق لا لأطفئه بل لأحترق فيه وأتلظى في نعيمه وأكتوى بجمره حتى الموت.. أدخل المحرقة وأخرج منها أكثر التهابا فأعود إليها من جديد متعبدا في محرابها، مصهورا متفانيا في عشقها حتى الرمق الأخير.
ولما أفاقت مريم لم تسارع بستر جسدها في فزع واحتقار كما توقعت أو كما كان يجب أن يكون، وإنما رمقتني بنظرة مبهمة لم أفهم مغزاها حتى الآن، ثم شرعت في ارتداء ملابسها على مهل ولم تنطق حرفا واحدا.
***
عقب تلك الليلة وفيما يزيد على عام كامل عاشت مريم حالة من الاستسلام القدري العجيب لواقعها دون إبداء أي تذمر. كان إحساسي بالذنب تجاهها أصيلا طاغيا، تجذر في أعماقي رغم أنها لم تفاتحني مرة واحدة فيما حدث. بذلت لها كل ما بوسعي من عطاء، وكنت على اعتقاد راسخ بأنها تستحق ذلك..
1964
لم تمض أشهر قليلة – بعد أن أنجبت لي " بشارة " – حتى هبت على في عنف رياح صمت ثانية مازلت أجهل مصدرها حتى الآن. كانت تصاب بنوبات تشنجية خفيفة تعقبها حالة من الإغماء المؤقت كلما دعينا إلى حفل زفاف لحظة انصراف العروس مع زوجها.. لكنها كان تلح في كل مناسبة على زيارة العروس خلال شهر العسل وتذهب وحدها محملة بأفخم الهدايا والعطور والملابس للزوجين.
وأحيانا أجد جسدها يتحول إلى قطعة من الثلج ويزداد صمتها وانكماشها على نفسها – متحفزة كنمرة – ويكثر زهدها في الطعام، ثم تعود جمرة مشتعلة من جديد، لكنها تحرمني من الاستمتاع بنارها المقدسة. استمرت على هذه الحال قرابة أسابيع ثلاثة، كانت قد وصلت في نهايتها إلى ذروة الغضب العصبية لأتفه الأسباب حتى خشيت عليها من انهيار عصبي محتمل.
اصطحبتها إلى أكثر من عاصمة أوربية وأغدقت عليها من الهدايا والملابس والمجوهرات ما تشتهيه ملكة عسى أن تعود إلى حالتها الطبيعية التي ارتضتها لنفسها وارتضيتها أنا لي ولها كحالة ساكنة مستقرة، راضية من عطاء القدر بحياة تكاد تخلو من الحماس والقلق والانزعاج.. لكنها ظلت معي على برودتها وصمتها وزهدها.
1992
عموما فقد شكرت الرب على مرور الحياة ورضيت بما تمنحه لي مريم من قليل وما أمنحه لها من كثير، وكان من الضروري أن أدرب النفس على قتل شعوري بالمرارة من تلك الحياة الشبيهة بالموت، والتي أمضت مريم ما يقرب من ثلثها بالولايات المتحدة الأمريكي على فترات متقاربة أحيانا ومتباعدة أحيانا أخرى، كمبعوثة مرة، ومعارة مرة، ولحسابها الخاص مرة.. ولم يخطر ببالي يوما أن أمنعها من السفر، كما لم يخطر ببالها هي الأخرى أن تفكر في دعوتي لمصاحبتها ولو مرة واحدة.
***
ولكن … يبدو أن هناك عاصفة ثالثة من الصمت سوف تجتاز حياتي هذه الأيام، وبعد مرور ثلاثين عاما على زواجنا.. وإن صحت نبوءتي فالله وحده هو الذي يعلم متى وكيف ستهدأ تلك العاصفة أو تنتهي إلى ما تنتهي إليه.. أما بواعثها ودوافعها فسوف تظل في صدر مريم حتى يوم البعث.
نظرات عينيها الشاردة الغامضة لا تختلف عن تلك النظرات التي عهدتها في العاصفتين السابقتين حين يصحبها زهد في الطعام أشبه بزهد النساك، فقليل من الماء وكسرة من الخبز وقطعة من الجبن قد تكفيها زادا طول النهار.
إذن فهناك ما تخفيه عني من أمر جلل طرأ فجأة على حياتها المتحوصلة في داخلها منذ تزوجتها – وهي في الثالثة والعشرين من عمرها – وكالمعتاد سوف تضيفه إلى مخزون أسرارها المجهولة المتراكمة في أغوار صدرها عبر السنين.
إن يقيني مطلق أنها لا تفكر لحظة في خيانتي أو الإضرار بإسمي وشرفي،لكنها لا تستطيع أن تتنفس إلا إذا التزمت الإخفاء والحرص والتكتم والصمت والحذر، لست أدري لماذا؟.. إنه طبعها الذي عهدته فيها منذ هبت العاصفة الأولى في ليلة العمر الكالحة.
***