( 2 )
سهل عامر
1962
لم يكن من العدل أن أصدر حكما جازما على مريم بالكبرياء والعنجهية المستترة مثلما حكم عليها معظم الزملاء وبصفة خاصة سمير زخاري الذي كان ينفر منها بشدة، رغم أنها لم تكن زميلة مباشرة له، ربما كانت مسكينة تعان من الانطوائية والتقوقع حول ذاتها، وتعجز عن التفاعل مع الواقع الخارجي، وإن نجحت في التعامل السطحي معه بشكل أو بآخر. كان جمالها ذا طابع فريد متميز يفضى على شخصها هالة من الحزن الشجي تشع من عينيها الساهمتين ووجنتيها الحمراوين وفمها الذي تجمع شفتاه بين الاكتناز والرقة وبين حمرة الورد وطزاجة الفاكهة، فتبدو كقديسة من عالم الملكوت تجذب من يقترب من فلكها المكهرب بسحر غامض دونه شتي المخاوف والمحاذير.
لهذا لم أصدق إطلاقا ما أشاعته إحدى الزميلات من أن الدكتور عبد الجليل صيام رئيس قسم الآثار يكثر من استدعائها إلى مكتبه، وأنها تظل جالسة عنده بالساعات أحيانا، ضاربا عرض الحائط بمسئولياته الجسيمة. ولقد صدق البعض الشائعة حين كانت مريم تنفرد عن بقية زملاء القسم بتقدير الامتياز في مادة الآثار بصفة دائمة. أما أنا فلم أصدق عن مريم أية شائعة، لست أدري لماذا، حتى بعد أن أقسم لي زميل آخر لها أنه رآها بعينيه قرب نهاية العام الدراسي الأخير تدخل مسكن الدكتور الصيفي الذي يمضي فيه شهرا من كل عام مختليا بأسطوانات الموسيقى الكلاسيك وزجاجات الويسكي بعيدا عن الكتب والأبحاث.
كنت أتألم لحالها وأقول إن للجمال الفادح ضريبة فادحة، وإن غيرة النساء من بعضهن كفيلة بإشعال جحيم من النيران بين قبيلة كاملة من الرجال.. حتى فوجئت بها يوما تطرق بابي في جرأة صامتة يستحيل تفسيرها للوهلة الأولى، فإن العام الدراسي 61/ 62 هو العام الأخير لنا في الجامعة وكلنا مشغول بمستقبله غارق في مذكراته وأحلامه وتطلعاته للمستقبل.
-اسمع يا سهل. أنا لا أعرف إلا أقصر الطرق.
وكأنني بصدد تاجرة تعقد معي صفقة عاجلة لبيع لحم بشرى، أفاجأ بها تواصل الحديث قائلة:
-يخيل إلى أني أحبك.
أهو كبر زائد متضخم بحاجة إلى من يذله ويقهره حتى تثوب إلى رشدها، أم أنه مرض نفسي يمكن أن تشفي منه بالعلاج؟!.. أم أنها جرأة تصل إلى درجة الشذوذ عن بنات قومها من فتيات الجامعة اللاتي تتمتع أكثرهن فجورا بحد أدني من الحياء يمنعها من ذلك؟
-أنا في الحقيقة لست أجد ما أقوله.. المسألة..
ارتبكت وتلعثمت فقاطعتني بنبرة استفزازية:
-المسألة هي اختلاف الديانة .. أليس كذلك؟
أي اختلاف هذا وأي تطابق أيتها المجنونة المثيرة لأعتي شياطين الرغبة!.. أجئت متفضلة على بمنحة لست أدركها لأنك تتخيلين أنك تحبينني، ثم تحسمين كل مشاكل الكون في خيالك المتورم بحيث لا يبقى إلا اختلاف الأديان؟!
-لم أقصد ذلك، ورغم اعتزازي بإسلامي فالحب لا دين له ولا وطن، إنما نحن مازلنا طلبة والطريق أمامنا حافل بالمجاهيل.. كما أن..
لم تدعنى أواصل الكلام، كنت أود أن أنبهها إلى أنها إنسانة محظوظة، فمن هم مثلي من المغامرين لا يتركون فرصة كهذه دون التهامها حتى الرمق الأخير.. البيت خال إلا منى وهو بيتى.. ومساحة حريتي واسعة للغاية، فأبى تاجر ميسور الحال يغدق على المال الوفير ولا يزورني إلا بعد أن يخطرني، ونجاحي الدائم يعفيه من أن يحمل همي، ولو أغلقت الباب علينا بالمفتاح لكانت النهاية المحتومة!
أردت أن أوضح لها خطورة ما تفعل وتقول ثم أصرفها بمعروف، لكنها قاطعتنى بعصبية مكبوتة:
-لا تكمل.. أنت أعجز من أن تحب من هي مثلي!
لم تسعفني ثمرة ما قرأت من كتب عن شخصية المرأة كي أفهم وأفسر وأحلل ما حدث من مريم. رغم ذلك فقد تعاملت معها باحترام كنت على ثقة من أنها تستحقه.
لقد استقر في ضميري في تلك اللحظات اللامعقولة أن مريم ليست في كامل وعيها لسبب أو لآخر، وأن هناك دوافع خفية غامضة أقوى بكثير من قدراتها الذهنية والوجدانية هي التي وضعتها في هذا الموضع العبثي.. وكان أغلب ظني أنها سوف تندم ندما شديدا حين تفيق إلى نفسها وتستعيد تصور ما حدث.
وكأننا كنا على اتفاق شفاهي وتحريري موثق بقسم كل منا بدينه ألا يذيع ذلك السر.. فما حاول أحدنا أن يشير للآخر ولو بنظرة موحية إلى ما حدث في تلك الليلة.. التقينا في أول محاضرة وكان جليا في نظراتها عرفانها بالجميل، لكنها لم تقل شيئا.
1964
أما مفاجأتها الثانية فقد نزلت على رأسي كالصاعقة. كان قد مضى على تخرجنا ما يزيد عن عام حيث استمرت إقامتي في نفس المنزل بعد استلامي العمل.
فتحت الباب لأجدها واقفة أمامي كتمثال لربة الجمال. ابتلعت دهشتي وقد تسمرت في مكاني أبادلها الصمت بصمت أقوى. لم تتكلم. دعوتها للدخول. جلست في انكسار شديد وقد تبدد كبرياؤها القديم فلم يعد له أثر.
لم تلبث أن انفجرت في بكاء يحرق القلب. تألمت بشدة لحالها وقد تضاعفت دهشتي وتأكد حسن ظني القديم بأنها ضعيفة تعسة بحاجة إلى فيض إنساني من الرحمة والتعاطف والمودة.
ربت على كتفها مغالبا هواجسي الشيطانية التي اشتعلت في جسدي لحظة تساقط دموعها الغزيرة على وجنتيها الباهتتين. جلست بجوارها أسألها في حنان:
- ما بك يا مريم؟
كنت أعرف أنها عينت كمعيدة بالكلية وأنها تزوجت بعد تخرجنا بعدة أسابيع، وأنها مرشحة للسفر في بعثة إلى أمريكا، لكني لم أكن أعرف أنها قد أصبحت أما لطفل لا يتجاوز عمره أشهرا قليلة.
-لم أعد أستطيع الصبر.
-على أي شيء؟
-على نفسي!
***
فكرت بعمق قبل أن أقول لها، وقد تخلصت من ذهولي الشديد لوقع المفاجأة على:
- أنا أعيد لك كرامتك المفقودة ولحظات السعادة المشتهاة!
-كيف؟
-الطب كفيل بالقسط الأول، وأنا كفيل بالباقي حال موافقتك.
***
عادت مريم عذراء من جديد وتواعدنا على اللقاء في اليوم التالي. ظللت طوال الليل أجتر وقائع اليوم في ذهول.. خاصة ما حدث في عيادة الطبيب الصديق.
يحيرني ذلك الكيان الإنساني الهزيل المخيف المسمى بالمرأة. إنها لم تغفر لوفيق اغتصابه المتكرر لها وهي في غيوبة المخدر، نسيت الفضيحة العارمة بكل أبعادها ولم تذكر إلا تلك الواقعة إذ استعصت على نسيانها تماما ، ولست أرى غرابة في ذلك فهو فعل يكاد يستعصى على الغفران، أما الغريب حقا فكان مواجهتها للمأساة بالصمت التام لأكثر من عام، ظلت تبكي فيه عذريتها التي سرقت منها دون أن تدري، وهي التي ظلت تصونها وترعاها انتظارا لليوم الموعود.. هذا ما قالته لي بنبرات جامدة كالموت.
قالت إنها لم تخض تجربة التحول من فتاة إلى سيدة رغم أنها أنجبت "بشارة".. لم تعش تلك اللحظات القدسية الحافلة بالرهبة والرغبة والنشوة، والتي تعيش كل فتاة على الحلم بها حتى تتحقق. لهذا كانت تزور صديقاتها المتزوجات حديثا فتسألهن بحرقة عن تفاصيل الليلة الأولى: ماذا حدث، وكيف كان شعورك، وهل كان رقيقا حنونا معك أم كان فظا غليظا؟!
.. توقف بها الزمن عند تلك اللحظة فانفصل الماضي عن الحاضر وأصبحت على وشك الجنون، لاستحالة قدرتها على استرداد ذلك الزمن المفقود.. أغلى أيام العمر.
- وهل أجبرك أحد على الزواج منه؟
- بل أنا الذي اخترته بكامل إرادتي وطبقا لمواصفاتي.
- فما السبب إذن في نفورك المفاجئ؟
- لن تصدقني مهما أقسمت لك بأني رأيت الشيطان متجسدا في وجهه وصوته وجسده ليلة الزفاف.. حينها أدركت بعد فوات الأوان أنني ارتكبت غلطة العمر وطمعت في تصحيحها على الفور.
- كيف وأنت تعلمين باستحالة الطلاق؟
- لعلمي بأني طمعت في المستحيل فقد اندفعت إلى البحر لأنهي حياتي بيدي.
لم أكن أتصور ألا يختلف مستوى تفكير معيدة جامعية عن تفكير قروية ساذجة فيما يتعلق بذلك الغشاء الجلدى الرقيق، وما يمثله عندهن من معان أعمق وأعقد بكثير مما أعرفه من أبعاد تاريخية ونفسانية وجسمانية وعاطفية فضلا عن فكرة الشرف.
كانت تزأر بالحديث في وحشية بالغة ودون توقف.. كائن آخر غير مريم التي عرفتها وعرفها الجميع.. وكلما أعادت ذكر الواقعة في سياق الحديث بدا التقزز الشديد على ملامحها، بل إنها تقيأت أكثر من مرة وهي تصف لحظة اكتشافها لما حدث، ومواجهتها لوفيق بعينيها دون كلمات وهو يلهث أمامها في تخاذل سعيد خائب، وجاءت في الموعد المحدد فاستقبلتها مهللا:
-أهلا.. آنسة مريم.
تفجرت ينابيع السعادة من عينيها لدي سماعها لقولي فألقت بنفسها على صدري. رحت أربت في حنان على ظهرها وأتحسس شعرها الكستنائي برقة دهشت لها من نفسي. أمسكت بيديها أقبل أظافرها وأطراف أناملها ورقبتها وباطن كفيها وظهرهما في طمأنينة صامتة، ورأيتها تذوب بين يدي كقطرة ندى، ثم تستحيل إلى نسمة ربيع هائمة تفوح برائحة الزهر، وكانت عيناها تنطقان بآيات السعادة والذهول في آن واحد، وكأنها لم تكن تتصور إن في الحياة متعة تعدلها تلك المتعة ونشوة كهذه التي تتفجر من أعماق القلب فيرتعش لها الجسد وينتفض وقد بعثت فيه الحياة لأول مرة.
عاشت معي مريم اللحظات التي تمنتها من عمرها واستردت مفقوداتها الغالية من الحياة، وكان امتنانها فوق قدرتها على التحمل حتى أنها انحنت لتقبل قدمي قبل أن تتركني أسيرا لسحرها الطاغي على موعد بلقاء في اليوم التالي.
***
بعد مرور ثلاثة أسابيع على علاقتنا استقبلتها يوما كعادتي مرددا العبارة التي تسعدها:
- أهلا مدام مريم.
انطلقت الضحكات من أعماقها في تحرر مطلق وهي تقبلني. كان وجهها زهرة حمراء تتفتح عشقا وحنانا. جاءت بحقيبة أفرغت محتوياتها من ملابس منزلية. ارتدت بعضا منها واستلقت في طمأنينة على مقعد وثير.. ثم انهارت باكية.. تعجبت لتحولها المفاجئ فسألتها:
- ما الذي حدث؟
- إني حزينة لما يحدث.
- لكنك تحبينني.
- لهذا أنا حزينة.
- كيف؟
- أولا لأنك لا تحبني وإنما ترضيني وتستمتع بي، وثانيا لأن ما نفعله محرم.
أطرقت برأسي عاجزا عن النطق بكلمة تليق بالموقف، حين فاجأتنى بقولها:
- إني أكرهك كما لم أكره إنسانا من قبل.
منذ أن عرفت هذه المرأة وأنا رهين مفاجآتها وتقلباتها الجنونية العارمة التي تختفي تحت وجه ملائكي حزين، وتستتر وراء عينين شاردتين ولسان لا يفصح إلا عن القليل. صرخت فيها قائلا:
- ما هو المطلوب مني على وجه التحديد؟
قالت في استسلام قدري عجيب.. وكانت نبراتها كسيرة:
- لا شيء!
ولم تلبث أن ارتدت ملابسها وانصرفت ولم أرها مرة أخرى.
***