( 3 )

6 0 00

( 3 )

جولييت مقار

1962

لست أدري هل أحمل نفسي وزر ما حدث أم ألقى به على القدر والمكتوب؟.. إن شعورا بالذنب قد تملكني منذ تلك الليلة الكابوسية السوداء، والتي أشكر ربي على أني لم أشهد وقائعها بعيني، إذ حدث ذلك كله عقب مغادرتي الفندق مع المدعوين مباشرة.

لم أكن أصدق أذني وأنا أستمع لمريم تقسم لي بكل المقدسات:

- صدقيني يا أمي لقد كان أسود الوجه محمر العينين أشعث الشعر طويل الأنياب والحوافز، وكانت نظراته الجائعة المفترسة تزلزل كياني وتصيبني بالرعب والاشمئزاز والتبول اللاإرادي.

- أنا لا أستطيع أن أصدق أنك تتكلمين عن الدكتور وفيق هذا الرجل المتدين المثالي.

- بل إنه هو كما رأيته ليلة الزفاف رأي العين.

***

حين تزوجت من عبد الشهيد كنت طفلة في الثانية عشرة من عمري. علمتني أم أن أطيع زوجي في كل ما يطلبه مني لأن طاعة الزوج من طاعة الرب. كل ما أذكر عن تلك الليلة أنها انتهت بآلام شديدة جعلتني أرجوه ألا يقترب مني، لكنه عاملني برقة شديدة حتى استمالني إليه. كنت في البداية استجيب له كى أرضيه فقط، لكني لم أعرف لذة هذه العلاقة قبل مرور سنوات عديدة، حتى أنني أصبحت أسعى إليها بعد ذلك أكثر منه.

بعد أن أنجبت دانيال ومريم أصيب عبد الشهيد في حادث بالعمل أفقده تلك القدرة الإلهية المقدسة على سريان الحياة بين رجل وامرأة. استسلمت للمقادير وحاولت قدر استطاعتي أن أخفف عنه المصاب، لكنه منذ ليلة الحادث كف عن تدليل مريم وتحول إلى إنسان صامت لا يتكلم إلا في أقصى الضرورات.. أما رقته التي بدأ بها حياته معي فظلت تلازمه حتى فارقني إلى الرفيق الأعلى تاركا لي قرة عيني مريم ودانيال كأجمل ما تكون الذكرى وأعطرها.

***

ما أذهلني حقا هو التحول بين يوم وليلة من الرضا والقبول فجأة إلى السخط والاشمئزاز والخوف والتقزز والكراهية. حقا إن وفيق تنقصه الوسامة لكنه مقبول بوجه العموم، ورغم كل شيء فقد كان بوسعها أن ترفضه – كما سبق أن رفضت كثيرين غيره – دون معارضة مني.. لقد أمليت عليه شروطها كاملة فقبلها على الفور، قلت له:

- لن أشترى لابنتي مقعدا واحدا.

فأجاب بكل الرضا:

- أثاث كل المنزل بكامله على نفقتى من أجل عينيها

قالت له:

- أريد عربة تحت يدي منذ الأسبوع الأول للزواج.

- غدا أسلمك مفاتيحها قبل أن نتزوج.

قلت له بقدرة فائقة على المبالغة تصل إلى درجة الكذب السافر:

- ابنتي عاشت مرفهة لا تطبخ ولا تكنس ولا تغسل.

- هذه الأصابع الحريرية لم تخلق للمعاناة وأنا كفيل بتدليلها أكثر مما تتصورين.

قالت له:

- سأستمر في عملي حتى أحال إلى التقاعد فأنا أعشق العمل.

- ولست أمانع فى ذلك

- وإن لم تعجبني الشقة فعليك بإيجاد شقة بديلة.

- الشقة جديرة بك مثلما أنك جديرة بها..انها قصر مصغر يطل على اجمل بقعة بشاطىء الاسكندرية

وأخيرا قلت له وأنا على ثقة مما أقول:

- إن ابنتي تستحق كل خير فهي خام لا تعرف شيئا عن عالم الرجال رغم بقائها بالجامعة أربعة أعوام وسوف تكون عجينة طيعة بين يديك، فهنيئا لك يا دكتور وألف مبروك.

لقد اختارته مريم بكامل إرادتها.أكان يجدر بي أن ألفت نظرها إلى فارق السن بينهما؟.. وكيف ألفت نظرها إلى شيء لم ألتفت إليه أصلا، فالسنوات التسع عندي لم تكن لتشكل أية خطورة على مستقبل العلاقة بين امرأة وزوجها، بل إن هذا الفارق مستحب عند غالبية الناس، لأسباب أكدتها الفطرة والتجربة قبل أن تؤكدها أسباب النفس والجسم وفن المعاشرة.

أكان قبولها التام لوفيق بمثابة إغلاق ملف مجهول لقصة حب فاشلة أخفتها عني مريم وهي التي اعتادت الصمت والتكتم منذ طفولتها إلى اليوم، حتى على والدها الذي كان لا يكف عن تدليلها ومداعبتها وإجابتها إلى كل طلباتها؟ دانيال هو الوحيد الذي يتكلم معي ويحكي عن كل شيء حتى عن بعض الأفكار اللادينية الغربية التي كنت أرفضها بشدة.. إن مريم تحكي لي فقط ما تريد أن تصرح به، ولكني دائما ما أرى في عينيها الكثير مما تخفيه، وأنا أمها وصديقاتها الوحيدة في الدنيا كما يحلو لها دائما أن تقول.

متى تتكلمين يا مريم يا حبيبتي وتنفضين ما بصدرك؟!

***