( 4)

6 0 00

( 4)

حليم صادق

1990

رغم عشقي للبحر والنوارس والورد والرقص والكتب والغناء، ماتت أمي فجأة.. في ذلك الصباح كانت تدعو لي بالفلاح أما في المساء فكانوا يهيلون التراب على جسدها بلا رحمة لتختفي تحت الأرض إلى يوم الدين.

في لحظة ذهب السكر وجاء الصحو. راحت النشوة وحضرت الإفاقة، فعلمت أنها لو نشرت وأخبرتني بحقيقة الموت لما انتفعت بعيش ولا لذت بنوم. الآن ينكشف لحبيبتي ما لم يكن مكشوفا لها في الحياة التي جاءت بي إليها ثم فارقتني عنها ، وفي المرتين لم يكن لي خيار.

اليوم أطلقت أمي من السجن فأيقنت أن أنسى بها وطمأنينتي تحت جناحها وشغفى بروحها وغفلتي بالظن في بقائها كان جحيما من الشقاء فجره الفراق الحتمى.. يقول لها ملائكة الرحمة هنيئا طبت حية وطبت ميتة، ويفرشون لها فراشا من الجنة وقنديلا منها تستضئ بنوره حتى يوم البعث. عليك رحمة الله يا أمي فإنك لا تعلمين مبلغ حزني ، لعلمي بحزنك على غياب "بسمة" عنك في تلك اللحظات. إنها هناك.. محيطات وبحار وجبال وأنهار تباعد بينكما، مثلما أن بسمة لا تعلم هي الأخرى قدر مرارتي لعلمي بلوعتها حين يصلها النبأ في تلك القارة التي استقر بها زوجها الغنى، وكأن مصر قد خلت من كسرة خبز وقطعة جبن وكوب من الماء وكسوة من قماش وسقف للنوم.

***

لم تمض أيام قلائل حتى لحق بها أبي وكأنه مصر على تعقبها من عالم الملك والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت.. ولأني لم أستوعب سرعة المفاجأة الثانية أو ربما لأني استوعبتها – والله أعلم – فإنني بدأت أزهد الفرحة بكل أهلي وأحبائي وحتى بميراثي من أبى، وكذا بسمعي وبصري وعضوي التناسلي الذي ظللت منشغلا به عمرا طويلا.

أوكلنا – أنا وبسمة – شقيقنا الأكبر "نزيه" بوثيقة رسمية ليتولى شئوننا المالية كاملة فاستولى على الميراث وباع بعض الممتلكات وأدعى أنه ينشئ مشروعا ضخما في إحدى البلاد العربية التي كان يعمل بها مدرسا تخرج على يديه ثلاثة أجيال من أبناء العرب العظماء، وأنه سينتقل بنا جميعا من حياة الإنسان العادي إلى حياة أخرى لم نحلم بها.. وهكذا هاجرت بسمة ولم أرها حتى اليوم، وبكيفية أخرى غاب نزيه ولم أره حتى اليوم، لكنه يختلف عن بسمة في أنه لم يفكر في مكاتبتي مرة أو في إرسال نفحة عابرة من نعيم الحياة الأخرى التي يرفل في خيرها الآن.. تلك الحياة التي قال إننا لم نحلم بها من قبل، ولقد صدق فعلا حتى أنه لم يفكر في رد مستحقاتي الأصلية من الميراث، وكنت أتعجب في سرى من فعلته الشنعاء فيمنعني الكبر من مطالبته بحقي وأترفع في إباء عن ذلك فكيف أتسول حقي من أخي؟

كنت أبعث بخواطري تلك إلى بسمة التي لم تكن تهتم مثلي بالمال، ولكنها كانت تبعث إليه برسائل قاسية جارحة تتهمه فيها بالبخل والطمع والاعتداء على حقوق الغير ولو كانوا إخوة.. غير أن هذا كله لم يحرك فيه ساكنا.. ومازلت حتى هذه اللحظة غير قادر على فهم الأسباب التي تدفع نزيه إلى اتخاذ مثل هذا الموقف وانتهاج مثل هذا السلوك.

عندما تكرر المشهد الترابي أمام عيني للمرة الثانية خلال أيام قليلة شعرت بغربة حقيقية في الحياة رغم حبي لزوجتي وأبنائي وإحساسي بأنهم يضفون عليها إحساسا عميقا بالأمان.. اليوم بات هذا الأمان مهددا فما يدريني أن يكون الدور على زوجتي للردم عليها في حفرة مشابهة بعد أيام أو ساعات قليلة؟.. لقد بات واضحا أمامي أن أى شيء في هذه الحياة غير قابل للثبات والبقاء مهما كان عنصره شريفا كريما، فهو عرضة للزوال بين يوم وليلة لسبب أو بلا سبب، ومما ضاعف من سيطرة إحساسي بتلك الغربة في حياتي، إحساس خفي بأني مغترب في وطني أيضا – وأكثر الناس غربة هم الغرباء في أوطانهم – لأن الغربة خارج الوطن ميسور أمر القضاء عليها بالعودة وليكن ما يكون، أما الغربة داخل الوطن فهي تشعرني بأنه لا جدوى من مخالطة الناس والثقة بهم أو الاعتماد عليهم.

هكذا تملكني شعور جارف بالحنين إلى قوة مجهولة أقوى بكثير من قوة حب امرأتي وأولادي لي أو حبي لهم، قوة آنس إليها وتحتويني بحنانها الطاغي فأودعها سري ونجواي وتكون سكني الآمن أمانا أبديا لا خوف فيه. لكن ما زاد طينتي بلة هو طبيعة عملي ومصدر رزقي الوحيد، الذي أصابني بملل من نوع غريب تمتزج فيه الرتابة بالخوف من الحياة والموت معا. فحديثي اليومي المعاد للسواح عن تلك التوابيت وعن أصحابها الذين ماتوا من آلاف السنين.. فلاسفة وفنانون ومفكرون وعلماء راحوا في سبات نوم الزمن العميق منذ عهد سحيق، لا تبرر لقمة العيش محاولة بعثه كل يوم من جديد لمجموعة من خلق الله القادمين من آخر الدنيا ليعبروا فوق كلماتي إلى بلادهم مرة أخرى متحدثين بفخر عن حضارتهم القديمة والحديثة والتي لست أرى من مظاهرها الآن سوى البلطجة السياسية والاستعمار بأنواعه وسفك الدماء والسيطرة والعنف والعنصرية والتبجح والاستعلاء على مساكين الشرق.

والحق أني كنت في بداية الأمر منبهرا بوظيفتي وكان فكر الغرب وفلسفته وعلمه وفنه طاغيا على كياني حتى أن أبي كان يتعثر أحيانا في كتب اشتريتها ورصصتها فجأة في أي مكان.ثم تكرر الأمر في بيتي فامتلأت مكتبتي وغرفة نومي ومساحات أخرى من الصالة وغرفة الطعام بتلك الكلمات المرصوصة التي كنت ألتهمها بنهم مزمن منذ صباي وحتى عهد قريب.

ولقد فوجئت فيما بعد بنتائج غير سارة لذلك الانبهار الذي لم يقف عند حد. أولها أنني بلغت السابعة والأربعين دون أن أتمكن من تحقيق أمان مادي لمستقبل ابني وابنتي كما يقول ويفعل كل الناس. لم أحترف أو أمتهن عملا من أي نوع آخر كان كفيلا بسد تلك الثغرة الهامة، أقربه العمل مع أخي الهارب، أو حصولي – كحد أدنى – على حقي منه بأية وسيلة، كما لم أسافر في إعارة لإحدى البلاد العربية مثلما فعل الكثيرون من زملائي فعادوا مرتاحين من تلك المشكلة الأزلية: الاحتياج المادي!

فهل ألوم اليوم أبي على غرسه بذور القناعة والرضا في نفسي منذ طفولتي وحثي على ألا أعمل إلا في المجال الذي أحبه لأن الدنيا ليست كلها نقودا؟!

أما النتيجة الثانية التي لم أكن أشعر بها أبدا فهي اكتشافي التدريجي لجهلي الشديد بروح الحضارة الشرقية وتراثها الروحاني الهائل الذي أخذ يستولى على بشدة وكأنني وقعت فجأة على وسيلة معرفية جبارة للاستشفاء من انبهاري القديم بانبهار أكثر وأورع وأجمل.

قادتني المصادفة إلى كتاب عن العشق الإلهي فشدني إلى كتب عن التصوف، ووجدت نفسي أسبح في بحور العشق ومقامات الحب والوصل. حدث هذا كله بينما أمارس حياتي الرتيبة دون أدنى تغيير سواء في البيت أو المتحف.. أما قلبي فقد اكتشفت أنه كان صحراء جرداء مظلمة متعطشة إلى النور السماوي والحب الإلهي. كان جفافي الروحاني بحاجة إلى ماء مقدس يبلل روحي ويرطبها بذلك الندى المعطر الذي لا يعرفه إلا من كتب الله لهم السعادة الحقة في الدنيا والآخرة.

وهكذا تصورت أنني غريب بين خلقي فحلمت بالأنس في فناء المحبة الربانية. وأمسيت مجهولا عندهم فلا جاه ولا مال ولا حسب ولا نسب ولا سلطة ولا ثروة إلا في الوصل بجلال الله. وقلت بعد اجتيازي كل تلك الدروب وتعثري في كل هذا التراث وتأملي لكل ما حدث أن خلاصي الحقيقي في القرب من الله.

ومن الغريب أنني لجأت في تلك الأيام للقراءة كثيرا في كتب الجن بدافع مازال غامضا على حتى الآن، وأحمد الله أنني تحررت من هذا الأمر بعد إذ اكتفيت بالمعرفة اليقينية أن هناك كائنات أخرى غير مرئية خلقها الله تعيش بيننا ولا نراها، منها الطيب والخبيث ومنها المؤمن والكافر وكفى الله المؤمنين القتال.

ظللت لعامين متتاليين أقلب في أحوالي كما لو كنت متفرغا للفرجة على ذاتي، وكان بحثي عن وسيلة للقرب من الله هو بحث عن عالم يسوده العدل والجمال دون أن أزهد في دنيا الأسباب كما فعل المتصوفة فمازلت أحب الدنيا وأرغب في معايشتها وملذاتها، ولا يخطر ببالي تحت أية حجة أن أتنصل من مسئولياتي بها.

ولقد آلمني خلال تلك الرحلة النورانية أن أرى أعضائي تتخاذل ووساوسي تزداد ولساني يتكاسل عن الكلام فأكاد ألمس بقلبي سر الأسرار وهو أن ما تلذذت به في حياتي فيما انصرم من عمري حين أتأمله اليوم ما هو إلا سراب، ويكاد يكون لا شيء بالمرة. وكيف بالله أتوق إلى العودة إليه ساعيا بنفسي إلى الألم بدلا من اللذة وإلى النقصان بدلا من الكمال؟!

أيقنت أنني في صحوة من العمر ينبغي التشبث بها دون خوف أو وجل، واللعنة على سيزيف وصخرته التي فلقوا بها أدمغتنا، فالقرآن يقول بعبثية الحياة من قبل أن يولد هؤلاء الفلاسفة المتحذلقون الذين نمجدهم ونسير في ركابهم.. من الذي قال: " لقد خلقنا الإنسان في كبد"؟ ومن الذي قال: " أعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما "؟!

إني أعيش أيام استنارة أقف فيها وأدرك وأتدرب على عناد نفسي وعلى الخضوع لصولة بديع السماوات والأرض وإرادته فأبرأ من حولي وقوتي – وهما الوهميان الهزيلان – إلى حوله وقوته وهو الحق القوى العزيز.

إني أنظر اليوم إلى " عايدة" وأسائل نفسي أين ذهب جمالها؟ لو كانت تملكه حقا لظل باقيا على وجهها وجسدها وتحت أجفانها وبريق عينيها. إن جمالها كان وديعة ربانية زمانية تحوى الحب والحنان واللذة والشهوة والرحمة والمودة، لكن زمن الإيداع قد ولي وبدأ صاحب الوديعة في استرداد حقه منها.. وبدأت عايدة في الفتور وفي زهد ما لم تك تزهد فيه يوما.. ورغم ذلك فإني مازلت أحبها، وأحب جمال الجميل صاحب الوديعة فيها، فمالي أخاف القرب منه ومالي أخجل من الإقدام عليه وهو الغفور الرحيم؟!

***