-1-
أخذت أنشئ في خيالي عناصر سيرة حياتي. فرأيتني في أول الأمر أذكر من حياتي ما فيها من خير، وأدع ما عدا ذلك. ثم لما فكرت فيما كانت عليه حياتي بمزيد من الجد، أدركت أن هذه السيرة التي تخيلتها إن لم تكن كذباً في الواقع فهي على الأقل صورة خادعة.. فانتويت أن أقول الحقيقة كلها.
ليف تولستوي
• سأقول لك شيئاً عن حياتي. فأنا لا أريد أن تأخذ فكرة خاطئة بسبب كل هذه القصص التي تسمعها.
ف. سكوت فيتزجرالد
•إنني أصف جميع المشاهد دون رحمة لنفسي، وذلك حتى يكون كل شيء واضحاً، ذكريات كان أو انطباعات.
دوستويفسكي
تابع الفتى: قبل أن أبدأ بالحديث عن حياة والدي وفقره، وقصة قهره وذله.. لا بد لي أن أشير إلى نقطة أثارت اهتمامي طويلاً، فمنذ أن كنت في الرابعة من عمري.. كنت أفكر وأسأل نفسي دائماً: لماذا لدى جميع أترابي من الفتيان جدان وجدتان إلا أنا.. ليس لدي سوى جد واحد وجدة واحدة.. وهما والدا أمي؟
أذكر، ذات يوم، سألت والدي من دون مقدمات عن هذا الأمر، التفت ونظر إلي طويلاً، ما لبث أن أدار وجهه عني، وراح يحدثني عن ذلك: «لقد مات والدي، أي جدك يا بني، وأنا طفل في الثانية من العمر. لم أعرفه، ولم أتذكره فيما بعد، رغم محاولات أمي، أي جدتك، في وصفه ورسم صورته لي باستمرار.. لم أعرف في تلك الأيام، لماذا كانت تصر على وصفه لي؟ أبيض، له شعر أسود وعينان رماديتان. كان مربوع القامة. ولكنه لا يميل إلى البدانة، إنما إلى الامتلاء فقط. كان مثله مثل كل الفلاحين يحرث ويزرع ويحصد ما كان قد زرعه في الأرض. وكان ما يحصل عليه من المال، بعد بيع المحصول، يدخر قسماً منه وينفق الباقي على أسرته. ولكنه ذات يوم لم يستيقظ! نام معكر المزاج، لأن بعض المنتفعين طالبوه بعمل سخرة لأحد أغنياء القرية. جاء جدك، إلى البيت مقهوراً وهو يشتم ويلعن.. ثم نام ولم يستيقظ».
تابع والدي: «كانت أمي، أي جدتك، ما تزال في أول صباها، لم تزل في السابعة عشرة من العمر.. ولم تمض شهور على موت جدك حتى فرغ البيت من الطعام والمال. كان لا بد لها أن تبحث عن حل، وكان الحل في زواجها من عمي! رغم زواجه من اثنتين. كانت جدتك، تقول عنه: «لو لم تكن عينه علي حتى قبل موت والدك يا بني لما تزوجني! ثم تضيف موضحة: لم يتزوجني من أجل أن يبقى بيت أخيه عامراً، أو من أجل أن لا تتزوج امرأة أخيه من رجل غريب.. كان نذلاً، لم يتزوجني إلا لإرواء غرائزه الحيوانية التي كان يظهرها لي في بعض الأحيان حتى قبل موت والدك!«تتابع جدتك يا بني بقهر: «كان لا بد لي من الموافقة، لأنني لم أجد حيلة من دونه في معيشتي..»، واليوم أتساءل، تابع والدي: «هل كانت جدتك تُذكّرني بأ بي كي لا أنساه؟ كي أعرف أن الذي أصبح زوج أمي هو عم وليس أباً لي؟ لا أعرف! كان إصرار جدتك في وصف صورة جدك، وطبع قسماته في نفسي، وسرد قصصه وحكاياته علي، كل هذا أثار التساؤلات لدي. إلا إني لم أستطع أن أجد الأجوبة على تصرف جدتك ذاك!».
تابع الفتى: شب والدي في بيت عمه، وكان يعامل كفرد من الدرجة الثانية في العائلة، حتى أنه، أي عمه، كان قد أهمل جدتي تماماً، خاصة عندما علم بأنها تلجأ إلى كل الأساليب من أجل أن لا تحمل منه طفلاً، كانت لا تريد منه أولاداً، خوفاً من أن تكرههم بسبب كرهها له. كانت تقول: «لدي ابن.. وهذا يكفي»، وما أن بلغ والدي الثامنة عشرة حتى رحل عن قرية«قيبار» إلى مدينة حلب، وفيها عمل أول الأمر في«كوبانية» فرنسية، قبل أن يتطوع في الجيش كنفر.. ما لبث بعد سنة أن عاد إلى القرية ليتزوج فيها من بنت لأسرة فقيرة أيضاً، ثم أدار ظهره للقرية في سنة1939، ولم يعد إليها إلا محمولاً على الأكتاف بعد أكثر من خمس وأربعين سنة، ليدفن في تراب مسقط رأسه.
كان أبي، عندما يحدثني عن حياته، يتحدث بصوت خافت حزين، وعيناه شاردتان كأنه ينظر إلى أمر لا يراه أحد سواه، كأنه يرى أيامه البائسة في بيت عمه، كأنه يراقب أمه الذليلة كالخادمة وهي الزوج!
عاش والدي غريباً بين أبناء عمومته، عمل منذ صغره راعياً لمواشي عمه،حتى عرف بين أفراد الأسرة بالراعي، فقد لحقه ظلم كما لم يلحق بأحد من أبناء قريته. كان يتساءل فيما بينه وبين نفسه عن أسباب المعاملة القاسية والمذلة التي يعامله بها عمه؟ إلا أنه لم يجد جواباً على تساؤلاته تلك أبداً.
كانت والدته تقول له بإصرار، وهي تكرر: «لا تفكر باليوم، إنما فكر بالغد.. فكر عندما تصبح شاباً ورجلاً، ماذا ستعمل؟ وكيف ستعيل نفسك؟ثم تردف: «يجب أن تبحث عن الأجوبة خارج هذه القرية اللعينة يا بني».
كان أبي يسأل جدتي: «وأنت، ماذا سيكون من شأنك إن نفّذت ما تطلبينه مني؟». تجيبه جدتي: «لا تفكر بي. فكر بذاتك.. أما عندما تستطيع أن تعيل نفسك، فيمكنك بعد ذلك أن تفكر بأمري. هل سمعتني؟ لا تفكر إلا بنفسك».
* * *
قيل لي،تابع الفتى: أن حكاية زواج جديك «والدا أمي» غريبة، وغير معقولة!هذا.. وقد سمعتها من كثيرين، أقرباء وأصدقاء ومعارف.. ولكن الغريب في الأمر، لم أسمعها من صاحبيّ العلاقة.. أذكر عندما سألت أمي عن الحكاية ومدى صدق رواتها، نظرت إلي، ثم قالت بحدة غاضبة: «وهل عرفت الكذب عن جديك؟».
أطرقت خجلاً ولم أنبث بحرف، رغم أني كنت أود أن أقول لها، أنا لا أكذبهما، لأني لم أسمع الحكاية منهما، إنما من الآخرين.. إلا أني لم أفعل.
أستطيع القول اليوم، لم ألمس فوارق كبيرة بين الحكايات التي رواها لي الرواة، أقارب كانوا أم معارف.. كان الجميع يؤكد على تفاصيل الحكاية، ولم تختلف الواحدة عن الأخرى إلا بالتقديم والتأخير فصلاً عن فصل أو فقرة عن أخرى.. لقد أكد الجميع، على أن جدي عندما تزوج جدتي كان يكبرها بأربعين سنة.. ولم تنجب جدتي إلا بعد مرور سبع سنوات على زواجهما، أنجبت ثلاث إناث وذكرين اثنين.
وهنا أريد أن أشير إلى النقطة التي كانت حديث قرية«قيبار». أولاً: إنهما، أقصد جدي وجدتي من قرية واحدة، وما عرفته عن جدي، كان فقيراً لأب فقير، أما جدتي فكانت ابنة لفلاح متوسط الحال، يملك أرضاً زراعية وحقلاً من أشجار الزيتون والتين والكرمة.. ولكن رغم هذه الفوارق لم يمانع والد جدتي الموافقة على زواج ابنته من جدي.
طبعاً ما تقدمت به، ليس النقطة الهامة في أحوال جديّ، إنما قصة زواجهما الغريبة!
بدأت الحكاية عندما كانت والدة جدتي تغسل ثياب أفراد أسرتها أمام دارها.. وبينما هي منهمكة في الغسيل تعالى صراخ ابنتها«ريحانة«التي لم يتجاوز عمرها آن ذاك الشهور الثلاثة، ولم تجد وسيلة لإسكاتها، خاصة وأن جميع أفراد أسرتها خرجوا منذ الصباح إلى«بازار عفرين»، فوقفت حائرة لا تعرف التصرف..
في تلك اللحظة مر بهما جدي، بعد أن كان قد تأخر في الذهاب إلى البازار.. وعندما حيا جدي والدة جدتي، هتفت به بعد أن ردت على تحيته، أن يحمل«ريحانة» للحظة فقط بين يديه، ريثما تنهي ما بين يديها من شال تغسله.. فرد عليها جدي، إن هذا الأمر سيؤخره فوق تأخره في الذهاب إلى البازار.. ثم مازحها قائلاً: «لقد سمعت عنك تقولين، إن بكاء الأطفال يساعد على نموهم؟». أجابته والدة جدتي: «هذا صحيح.. ولكن بكاءها يجعلني مضطربة، ومكتوفة اليدين، لا أستطيع أن أنجز غسيلي»، ثم مازحته: «تعال يا شيخو.. إن استطعت إسكاتها سأزوجك إياها عندما تكبر وتصبح صبية يافعة!». ضحك جدي طويلاً وقال لها: «ها أنت تريدين لي الخير الكثير يا أم حسن، لأنك تريدين مني، وأنا في الأربعين من العمر، أن أنتظر لتكبر«ريحانة ابنة الشهور الثلاثة، لكي أتزوج منها!». ثم علق جدي: «رغم هذا فلا بأس سأحاول أن أحملها بين يدي لعلها تكف عن بكائها، لتنهي غسيلك الذي بين يديك».
يتابع الرواة: «لقد كبرت«ريحانة» أمام أنظار شيخو.. كبرت وأصبحت ذات جمال نادر، خمرية البشرة، ذات عينين بنيتين غامقتين، وذقن مدورة، وأنف صغير. تقدم جدي ذات يوم ضاحكاً من والدة جدتي وقال مذكراً إياها: «أما زلت على عهدك يا أم حسن؟». يقصد والدة جدتي، يقال أنها التفتت إليه باستغراب وسألته: «أي عهد تقصد يا شيخو؟». أجابها: «عهدك بزواجي من«ريحانة يوم حملتها على ساعدي فسكتت ثم نامت وأنت تتمين غسيلك». هزت أم جدتي رأسها وقالت: «هل أنت جاد؟». أجابها جدي: «نعم». ضحكت والدة جدتي وقالت: «رغم أن عهدي الذي عاهدتك به قد قام على مزاح، رغم هذا، فأنا سأدعمك عند أبو حسن، تقصد زوجها، إن استطعت إقناعه بالزواج من ابنته؟».
فكر جدي بالأمر طويلاً، لأنه عندما فاتح والدة جدتي، فاتحها مازحاً، ولكنه عندما سمع منها ما سمع، قال في نفسه، لماذا لا تحاول طلب يدها، ما دامت قد وعدتك بأن تدعمك في طلبك لدى زوجها أبو حسن؟.
قد يسأل سائل: عن أسباب تأخر جدي في الزواج؟ أما الجواب فهناك كثرة من الحكايات..
عندما كان يُسأل جدي عن ذلك كان يجيب: حرب السفر برلك هي السبب!
ومختصر حكاية جدي عن هذه الحرب، أنه دعي إليها، فذهب من دون إثارة مشاكل، أي طائعاً، لم يتهرب كما كان يفعل معظم شبان ذلك الزمن القاسي والدموي كما قرأنا عنه في كتب التاريخ. ولكن، ما عاناه جدي منها بعد ذلك اضطره إلى البحث عن طريقة للهرب.. وعندما نجح في ذلك ظل لسنوات طويلة حذراً في تنقلاته بعد عودته إلى القرية. كان ما أن يسمع أن رجلاً ما يمت بصلة قريبة كانت أم بعيدة، ممن يعملون لدى الدولة حتى ولو كان موظفاً عادياً، يختفي من القرية ولا يعود إليها إلا بعد اطمئنانه وتأكده من خبر ذهاب ذاك الموظف..
وقد قال: «إن عدم زواجه يعطيه حرية التنقل والاختباء والاختفاء، وبقاؤه عازباً كان يشعره بشيء من الأمان والاطمئنان بعدم تحمله للمسؤولية تجاه الزوجة والأولاد في حال اختفائه وابتعاده عن حياتهم».
وذات يوم، يقال، إن أحدهم حاول أن يستفزه فقال له: «هل أنت جبان حتى هربت من الحرب؟». أجابه جدي: «لا..». ثم أضاف بخبث موضحاً: «وأنت هل كنت ستبقى في خدمة جيش لا يستطيع إطعامك سوى قضبان الثيران؟».
وحكاية قضبان الثيران، كما سمعتها، أن جدي وبعض أبناء قريته قد تناوبوا على مصها ومحاولة أكلها من شدة الجوع الذي عانوا منه بعد أن هزموا في إحدى المعارك، وهي المعركة التي هرب جدي على إثرها من الجيش العثماني.. «إلا أننا، يقول جدي ضاحكاً، فشلنا في اقتطاع جزء صغير من القضيب الذي تناوبنا عليه». كان جدي يضحك بشدة وهو يسرد على مستمعيه هذه الحكاية.
ولكن، هناك حكاية أخرى، حول أسباب عدم زواج جدي في السن الطبيعية التي يتزوج فيها معظم الشبان في الريف كانوا أو المدينة.. ومختصر الحكاية، أن جدي كان صاحب مزاج غريب.. يحب الغناء، أقصد الاستماع إليه،وقضاء الليالي الطويلة ساهراً لسماع القوالين وهم ينشدون الملاحم التي تتحدث عن الحب والحرب والعشق والموت التي تنتهي بالنهايات المأساوية لأبطالها. كان مزاجه يدفعه دائماً للانتقال مع هؤلاء القوالين عبر القرى قرية وراء أخرى لشهور وأحياناً لسنوات.
وأنا اليوم، يقول الفتى: أميل إلى تصديق هذه الحكاية، لأنني عشت في أجواء هذه السهرات في ليالي الشتاء الطويلة التي كنت أقضيها لدى جدي في أثناء عطلتي الانتصافية أثناء دراستي.
أذكر أنه تشاجر عدة مرات مع جدتي لأنها كانت تطلب مني أن أقوم للنوم، لأن الصباح أوشك على الطلوع، فكان جدي يصرخ بها زاجراً، أن تدعني، ويسألها غاضباً: «ألا ترينه كم هو شغوف بسماع ما يقوله القوال من الحكايات؟».
كان جدي في قوله هذا صادقاً، كنت لا أريد القيام من مجلسه، ولكني كنت أيضاً لا أريد أن أتمرد على طلب جدتي خوفاً من أن تزعل مني.. وما أذكره اليوم كنت في معظم الأحيان أبقى وأستمع إلى حكايات القوالين والرواة..
كما ذكرت سابقاً، أن جدتي أنجبت ذكرين وثلاث إناث. أما إن كان قد مات لها أولاد، فلا أعرف، ولم أعلم بذلك، كما أن أمي لم تذكر أمامي أن أمراً من هذا قد حدث..
كانت أمي بكر أولادهما، كانت جدتي قد ولدت بعد سبع سنوات من زواجها من جدي.. ثم جاء خالي جعفر، بعد ذلك خالتي جميلة، ثم عائشة، ثم مراد.. عندما كبرت قليلاً، لم أعرف منهم عازباً إلا خالي الصغير مراد.. فخالي جعفر كان متزوجاً من ابنة خاله، وعائشة متزوجة من ابن خالها. وكان زواج مقايضة.. أما خالتي جميلة فلم أكن أعرف عنها شيئاً، لم أرها أبداً إلا بعد أن بلغت الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمري.. وعندما كنت أسأل أمي عنها، كانت تغضب مني وتقول: «لقد تزوجت رجلاً من قرية أخرى غير قريتنا».
سأترك الحديث عن هذه الخالة اللغز إلى وقت آخر.
كان خالي جعفر رجلاً غامضاً، يحمل جانباً هاماً من صفات جدي.. لم أره إلا نادراً، في أثناء زياراتي المتعددة إلى بيت جدي في القرية. كان غائباً بشكل دائم عن البيت، دائم السفر.. إلى أين؟ لا أحد يعرف. يغيب شهوراً طويلة، يعمل بكل الأعمال، من فلاحة الأرض وحصادها إلى النجارة وتصليح الأحذية.. وما أن يجمع مبلغاً من المال حتى يعود مسرعاً إلى القرية، دون أن يخبر جدي أو جدتي أين كان طوال مدة غيابه.. فما أن يجلس ساعة مع زوجه حتى يقوم متوجهاً إلى دكان القرية، حيث خصص صاحبه قسماً منه كمكان للعب القمار والورق.. فيظل فيه، لا يخرج منه ليلاً ولا نهاراً، حتى يخسر آخر قرش كان قد جمعه من عمله طوال مدة غيابه، ليعود منكس الرأس إلى البيت، ما يلبث أن يغادره من جديد بعد عدة أيام من مكوثه فيه إلى وجهة غير معلومة.
في بداية الأمر كانت جدتي تغضب منه، تتشاجر معه، تقول له: اعمل في قريتك. كان يجيبها مازحاًً، إن هواء«قيبار» لا يواتيني..
كانت جدتي تشكو حظها العاثر في أولادها دائماً. كانت تقول: «الكبرى، تقصد أمي، لا تمل ولا تكل من طلب الطلاق وإزكاء الخلاف والشجار بينها وبين زوجها، تقصد أبي، أما تلك الـ... كانت تلفظ كلمة فاجرة بحق خالتي جميلة التي لم أعرفها ولم أرها كما ذكرت سابقاً. أما عائشة فهي أشبه بميت!».
ما الأسباب التي كانت جدتي تهاجم أولادها من أجلها؟ لا أعرف.. ولم أكن معنياً بالأمر أبداً، وأنا في السابعة من العمر أو الثامنة.
كانت خالتي عائشة جميلة جداً، دائمة الفرح والمرح والضحك والسرور. أذكر أنها زارتنا في أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنة1956، وهي حامل في شهرها الثامن أو التاسع.. كانت أخبار الحرب اليومية التي كنا نسمع بها من الراديو تطغى على الأحداث الأخرى.. وذات يوم سمعت أمي تقول لها: «لو تلدين قبل أن تقع واقعة ما لا سمح الله» قالت والدتي هذا، لأن أجواء الحرب كانت قد فرضت علينا أن نصبغ زجاج النوافذ باللون الأزرق والنزول إلى الملاجئ، والمقاومة الشعبية آخذة بالتوسع في كل حي وفي كل بيت.. إلى صفارات الإنذار اليومية التي كانت تعلو في أجواء مدينة حلب، وتحليق الطائرات الحربية المستمر في سمائها.. كان هذا الجو قد ألقى الخوف في قلب أمي.. من أن اليهود يقتلون المرأة الحامل ويخرجون الأجنة من بطونهن، ليعلقوها فوق الرماح..
ضحكت خالتي طويلاً ثم علقت على كلام أمي: «لا تخافي يا أختاه لن يقدر أحد من اليهود على الاقتراب مني، لأني، إن فعلوا ذلك، سأفجر هذه القنبلة التي أحملها في بطني في وجوههم!».
ضحكت جميع النسوة الجالسات، كما أذكر، ذات صباح وهن يشربن القهوة في منزلنا.
أما الحديث عن الخال مراد، وهو أصغر أولاد جديّ ففيه المتعة والحنين.. هذا الخال كان لا يحب القيود، كان منطلقاً بشكل دائم، لا يعرف الهدوء، كانت له روح برية متحررة، دائم التنقل في البراري، أو يقوم برحلات ما بين القرى، لم أعرف في يوم من الأيام عن ماذا يبحث.. كان لا يستطيع البقاء في مكان، كما كانت له روح مغامرة، فمن يديه أكلت لأول مرة لحم العصافير التي كان يصطادها، خاصة عصافير الدوري الخبيثة. وأيضاً حصلت منه على أولى الدحل الزجاجية الشفافة في سنة1952 أو 1953، كنا، نحن صبيان تلك السنوات، نلعب في أوقات فراغنا، بعيداً عن الدراسة بالدحل، وأذكر أن دحل تلك الأيام كانت من الزجاج الكتيم الذي يشبه الخزف.. هذا النوع من الدحل، حل مكان الدحل الحجرية التي كانت رائجة في الريف بشكل خاص..
أذكر عندما رأيت، لأول مرة، الدحل البللورية الشفافة، أصبت بالدهشة فقد كانت أشبه بكرات الساحر التي كنا نراها في السينما، ففي ذلك اليوم الذي رأيت فيه تلك الدحل الشفافة بين يدي طفل، كان الوقت ربيعاً، وكان الخال مراد في زيارة لنا، أذكر أنه نظر إلي طويلاً، ثم ابتسم وسألني: «هل تريد أن تحصل على بعض منها؟». نظرت إليه وأنا أهز رأسي موافقاً. قال الخال: «لا بأس».
كان الخال في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من العمر فراح يشارك الأولاد، وكان جميعهم أكبر مني سناً في اللعب. ومع مضي الوقت راح الخال يكسب في لعبه مع الأولاد جميع الدحل التي كانت لديهم، بحيث لم يبق واحداً معهم. ابتسم خالي ثم قدمها لي جميعاً.
هرعت إلى أمي أطلب منها أن تخيط لي كيساً من القماش السميك لأضع فيه دحلي..
نظرت إليّ أمي طويلاً، ثم ، نظرت إلى جيوبي التي رحت أفرغها من الدحل. سألتني: «من أين لك هذه؟ هل اشتريتها من الدكان؟». أجبتها بالنفي، ولكني لم أقل لها أن الخال مراد هو الذي وهبها لي بعد أن ربحها في اللعب من أولاد الحارة.
خالي هذا، كما قلت: كان روحاً هائمة، حائرة، قلقة لا تعرف الاستقرار.. كأنها روح طفل. لم أعرف أسباب حب أمي الخاص له، ليس كأخ صغير فقط، لأن أمي كانت تحب جميع أخوتها وشقيقاتها. حتى خالتي جميلة، التي كان يقترن ذكر اسمها ببعض الشتائم، كانت أمي تستنكر تلك الشتائم.. كانت هناك علاقة حب خاصة بينها وبين خالي مراد. لقد رعته دائماً، خاصة في فترة مرض جدتي الذي طال عدة سنوات، بينما كان خالي ما يزال صغيراً، في سن اليفاع.. هذا إلى جانب بقائه معظم أيام السنة لدينا قبل أن يصيبه اليأس في علاقة طبيعية متوازنة فيما بينه وبين جدي بعد موت جدتي.
كان وجدي على طرفي نقيض. لم أسمع إلا كلمة: عاق، بحق خالي، ولم أسمع من خالي إلا صفة العجوز الخرف بحق جدي.. كانا في حالة نقار وشجار دائم كصبيين صغيرين.
كنت أسمع في بعض الأحيان، والدتي وهي تعاتب خالي مراد قائلة: «عليك أن لا تنسى أنه أباك». كنت أسمع خالي يعلق وهو يضحك: «أنا لا أنسى ذلك يا أختاه، ولكن هو.. هو الذي ينسى أنني ابنه!».
كنت أسمع أمي، تناقش جدي بشيء من العتاب وحمله على أن يشعر بالذنب تجاه ابنه، فكانت تقول لجدي: «أستغرب منك يا أبي تصرفك تجاه مراد. أشعر كأنه ابن زوج وليس ابناً لك؟». كان جدي يبتسم بسخرية ويقول معلقاً: «إنه ابني.. ولكني كم تمنيت من الله لو ابن زوجتي!».
لم أعرف في يوم من الأيام أسباب هذه العلاقة الشاذة غير السوية بين جدي وخالي حتى اليوم..
لهذا كله، كما أعتقد، جاءنا ذات يوم شتائي بارد من القرية، يحمل حقيبة من الصفيح، يضع فيها كل ما يملك من ثياب، وهو في طريقه إلى دمشق.. وعندما سألته أمي عن الأسباب أجابها: «لقد قررت أن أتطوع في الجيش».
وهذا ما كان منه..
تبقى الخالة جميلة.
يتابع الفتى: كان اسمها يتردد على ألسنة جدي وجدتي وأمي وخؤولتي.. إلا أني لم أرها أبداً حتى عام1961.
لقد وقفت أمامها أنظر إليها كأني أنظر إلى كائن قادم من كوكب آخر غير الأرض!
كانت امرأة ضئيلة، تشبه والدتي كثيراً. كانت ما تزال ترتدي لباساً غير ما ترتديه والدتي، تتكلم بلكنة، يقال عنها«جزراوية» أي من سكان أهل الجزيرة.
كانت امرأة عادية جداً، إلا أنها كانت- هكذا تكون الانطباع لدي- تنطوي على نفس لا أستطيع أن أقول عنها خبيثة، إلا أنها نفس لا يرتاح المرء لها. إنما يأخذ منها موقفاً حذراً..
هذه الخالة ظلت طويلاً غريبة علي، قبل أن تمتد بيننا جسور الكلام القائم على الثقة والأريحية.
سأدع تقييمي لها الآن، لأعود إلى حكايتها.. قلت أكثر من مرة، أن جل ما سمعته عنها: كانت فتاة مارقة.... أما سبب مروقها هذا الذي يتحدثون عنه، فلأنها تزوجت من رجل رغم إرادة أهلها. فتاة حملت ثيابها، وكل ما يخصها من أشياء شخصية من البيت ورحلت مع الرجل الذي اختارته زوجاً.
ولما كان الرجل الذي اختارته زوجاً فقيراً، لا يملك شيئاً في القرية سوى بيت طيني لا يحيط به حتى سور يحدد حدوده ويحميه، قرر مع زوجته أن يهجرا القرية إلى غير رجعة بسبب معاناتهما من أسرتها.. رحلا وهما لا يحملان معهما سوى ثيابهما. سافرا إلى حلب ومنها توجها إلى منطقة الجزيرة. في البداية لم يعرف أهلها إلى أين رحلا، ولم يخبرا أحداً بالمكان الذي حطا فيه إلا بعد عدة سنوات. فقد توقف أهلها عن ذكرها في البيت. وإن ذكر اسمها أمامهم كان الجواب: ليكن الجحيم مأواها، أو لتدفن في أرض لا تطؤها قدم.. الخ
هذه الفتاة/ الخالة، منذ أن سمعت باسمها وحكايتها، لم تغب يوماً عن ذهني، كنت باستمرار أتساءل فيما بيني وبين نفسي: كيف هي؟ أهي جميلة كاسم على مسمى؟ طويلة أم قصيرة؟ أتملك عينان رماديتان كالخالة عائشة أم بنيتين كعيني أمي؟ ثم أسأل إن كانت حكاية زواجها، كما سمعت عنها من الناس صحيحة،أم أنها عارية من الصحة، أم أن هناك حكاية أخرى غير شائعة؟
ظلت هذه التساؤلات تدور في ذهني دون أن أجد لها أجوبة شافية حتى كانت أيام سنة1961، أما الأمر الغريب الذي وجدت الخالة عليه، فكان عدم إنجابها أو بالأحرى أنجبت ابنة واحدة، ولكنها ماتت وهي طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها الرابعة أو الخامسة.
أما زوجها فكان شيخاً، عرف بلقب«الشيخ حسين» كان نحيلاً، يملك روحاً مرحة، وذا حديث طلي، كما أنه يملك مخزوناً كبيراً من الحكايات. جاء حلب يعمل فيها عدة سنوات، ثم مات إثر عمل جراحي غير ناجح.. وقبل أن أنتهي من حكاية الخالة جميلة أريد الحديث عن حكاية كانت جدتي قد روتها لي وأنا طفل صغير، لا يتجاوز عمري الخامسة أو السادسة من السنين، بعد أن جاء في سياق الحديث ذكر اسم الخالة لسبب لا أذكره، فسألت جدتي: «لماذا لا تعود الخالة جميلة إلى البيت يا جدتي؟». نظرت إلي طويلاً ثم قالت: «لا تستطيع العودة، لأنها ماتت». ثم تابعت: «لقد ابتلعتها أفعى كبيرة!».
لم أصدق ما قالته إلا أني سألتها باستغراب: «كيف؟». قالت: «لا بأس هيا إلى المصطبة، وهناك سأحدثك كيف؟».
قبل أن أتحدث عما حكته لي جدتي عن الأفعى التي ابتلعت الخالة، أريد أن أصف بيت جدي. كان موقعه في غرب القرية التي تقع على حدود بيادرها التي عادة تكون في الصيف أرضاً لدرس الحنطة والشعير وبقية الحبوب من عدس وحمص وفول..
كان البيت يحيط به سور حجري يرتفع إلى ما يقرب المترين، وله باب خشبي كبير جداً. ستجد وأنت تعبره على يسارك بيت الخلاء ذا السقف المفتوح على السماء، ثم تمر بشجرة توت ضخمة، اعتدت أن أنصب بين أغصانها الغليظة أرجوحة في زياراتي لبيت جدي في الصيف. وفي عمق الحوش، على يسار البيت كانت حظيرة الحيوانات.. لم تكن، أقصد الحيوانات، كثيرة، بقرة وحمار، وأحياناً بضعة خرفان.. وإلى جانب الحظيرة كان خن الدجاج، هذا الخن الذي لا يمكن لي أن أنساه ما دمت حياً. والسبب، قلت لجدتي، بعد أن لعبت طويلاً مع أولاد القرية: «إني جائع» قالت لي: «اذهب إلى«القناق» وكل ما تريد». قلت لها: «أرغب في أن آكل بيضاً مقلياً». قالت لي: «اذهب واحضر من «القناق» بيضتين».
إلى هنا والأمر طبيعي، أما غير الطبيعي فقد حصل بعد ذلك. فأنا لم أستوعب قول جدتي، إنه علي الذهاب إلى«القناق» لجلب البيض منه، إنما ظننت أنها طلبت مني الذهاب إلى الخن وسحب بيضتين منه،كان من عادة جدتي أن تترك البيض في الخن يومين أو ثلاثة ليصبح عددها لا بأس به لتسحبه بعد ذلك من الخن.
اندفعت راكضاً باتجاه الخن وكان بابه الصغير مفتوحاً، مددت يدي إلى الداخل أبحث عن البيض، وفي أثناء بحثي لمست شيئاً طرياً، بارداً، له ملمس حرشفي.. شعرت بتموجه تحت أصابعي. إلا أني لم أسأل نفسي ماذا لمست؟ ظننت أن يدي قد وقعت على ساق دجاجة. سحبت بيضتين من الخن وركضت عائداً إلى البيت.
هذا الأمر تم في ساعة الظهيرة القائظة. أما في ساعة العصر عندما بدأت الدجاجات بالعودة إلى الخن، سمعنا قوقوة كبيرة ورفضت الدجاجات أن تدخل إلى الخن.. ولم تمر لحظة حتى رأينا خروج أفعى سوداء رقطاء من الخن، بعد أن كانت قد ابتلعت عدة بيضات بحيث أصبحت ثقيلة لم تستطع الهرب والاختفاء بين حجارة الحوش فقتلتها جدتي.
عندما رأيت مشهد الأفعى وهي ميتة أصابتني قشعريرة على طول عمودي الفقري. لأنني تذكرت ذاك الشيء المحرشف الذي لمسته بأطراف أصابعي في ساعة الظهيرة.
أذكر، عندما حفرت جدتي حفرة عميقة، ثم وضعت فيها الأفعى الميتة وطمرتها بالتراب، أخبرت جدتي بما حدث معي.
التفتت إلي مرعوبة، ثم تنهدت وقالت لي: «لولا البيض الذي كان في فمها لعضتك وغرزت نابها في يدك». ثم قالت: «إياك أن تمد يدك مرة ثانية إلى داخل الخن».
تابع الفتى: لنعد إلى وصف البيت حيث المصطبة تقع في شمال الحوش وعلى يسار باب البيت وهي، عادة تستعمل للجلوس والنوم عليها في أيام الصيف الحارة.
أما هيكل البيت فكان ينقسم إلى قسمين، الأول منه يتألف من مصطبة داخلية، تستعمل أيضاً للنوم، أما الـ(به خورا) فهو الفرن حيث يصنع فيه الخبز ويطبخ فيه الطعام. ويستعمل أيضاً كمدفأة في أيام الشتاء الباردة. أما القسم الثاني فيسمى(القناق) وهو قسم خلفي توضع فيه الأفرشة، والمواد التموينية من زيوت وبرغل، وكل ما يؤكل صيفاً وشتاء.. لأنه، أي(القناق) يكون بارداً.
أذكر أن جدتي أمسكت بيدي، لتخرجني معها إلى المصطبة، وهناك تمددت في حضنها، وهي تحدثني عن الفتاة التي ابتلعتها الأفعى. وأول ما ابتدأت به جدتي حديثها، كان: «قبل أن تبتلعها الأفعى، كانت فتاة صغيرة، جميلة، مرحة.. بها شيء من الخبث الطفولي الذي يدل على ذكاء حاد. كان والداها مبهورين بها. كل واحد منهما يعاملها برقة شديدة، محاولاً بذلك استمالتها إلى نفسه أكثر من الآخر.. ولكن والديها ما لبثا أن تساءلا بعد تمرد ابنتهما عليهما، إن كانت هذه المعاملة هي التي أفسدتها؟ المهم.. قالت جدتي متابعة: كبرت الفتاة الصغيرة التي كانت تشبه الأميرات، وترعرعت بين أخوتها من ذكور وإناث، كأنها الابنة الوحيدة لوالديها. هذه المعاملة الخاصة من قبل الوالدين لها، دفعت بالغيرة لتغلي في صدور الإناث من أخواتها، كما دفعت بالاستياء لدى الذكور من إخوتها.
رغم هذه المشاعر، ظل جميع إخوتها وأخواتها يعاملونها كما يرغب والداها. هذه الفتاة الصغيرة التي كبرت وأصبحت في الرابعة عشرة من العمر، بدأت تعامل إخوتها والإناث منهم بشكل خاص بشيء من قلة الاحترام وكثير من الأنانية.. فبدأ الوالدان ينتبهان إلى السلوك غير السوي لابنتهما التي لم تعد صغيرة، بعد أن أصبحت يافعة، وبدأ بعض الشبان يدفعون بأهاليهم من أجل خطبتها لهم.
راحت هذه الفتاة ترفض كل شاب يتقدم لها. وكان معظمهم من خيرة شبان القرية، يملكون المال والجاه والسمعة الحسنة.
سأل والد الفتاة زوجه، بعد أن تكرر رفض ابنتهم للعرسان عن أسباب ذلك؟ أجابت الأم بكلام غير مقنع للأب: ما تزال صغيرة..
نظر الأب إلى زوجه وقال باستغراب: أتقولين عنها صغيرة؟ ثم قال قبل أن تجيب زوجه على تساؤله: كم كان عمرك يوم تزوجنا؟ ألم تكوني في الثالثة عشرة من العمر؟ ثم أضاف الأب: وهل هناك فتاة في قريتنا يمكن لها أن تبقى برغبة منها أو أهلها، بلا زواج إن بلغت الثانية عشرة، و لا أريد أن أقول الثالثة عشرة؟
قالت الأم لزوجها: علينا أن نصبر عليها قليلاً.. لا بد أن تمل من دلالها ودلعها ذات يوم، لتقبل بأحد الشبان زوجاً لها.
هز الأب رأسه حزيناً ومضى دون أن ينطق بحرف.
هذا الحوار أثار لدى والدتها شيئاً من القلق. فجلست إلى ابنتها وسألتها عن أسباب هذا العزوف عن قبول الشبان واختيار أحدهم زوجاً لها؟ ثم سألتها، إن كان هناك شاب ما تنتظر منه أن يتقدم لخطبتها؟
هزت الفتاة رأسها نفياً.
ومرت شهور طويلة قبل أن يتقدم أحد الرجال من القرية طالباً يدها من والدها.
استغرب والدا الفتاة من جرأة هذا الرجل الذي كان قد تخطى مرحلة الشباب بالعديد من السنوات! هذا إلى جانب كونه فقيراً، لا بل معدماً. لا يملك مالاً أو أرضاً أو حتى حاكورة صغيرة يمكن له أن يزرع فيها ما يحتاج بيته من الخضار.
رفض والدا الفتاة طلب الرجل دون أن يسألا ابنتهما، فقد كانا على قناعة من أنها سترفضه بعد أن رفضت خيرة شبان القرية. إلا أن والديها استغربا وتعجبا لحظة تقدم ابنتهما منهما لتخبرهما بموافقتها على طلب الرجل بالزواج منها!
وقف والداها ينظران إليها غير مصدقين، حتى أنهما ظنا أن ما قالته هو شيء من الخبث الممزوج بالدلع الذي عرفت به.. ولكن خيبة والديها كانت كبيرة عندما عرفا أنها جادة في كلامها، وليس فيما قالته لهما شيء من المزاح والخبث والعبث الصبياني..
عندما عرف إخوتها من إناث وذكور بالأمر أصابهم شيء من الجنون، فتقدم منها الشقيق الأكبر وهو غير متمالك لنفسه، وقال لها بقسوة: انظري أيتها الـ... أنا لست بوالدك حتى أغمض عيني، وأغض الطرف عن جنونك الصبياني الذي تريدين أن تظهريه لنا. ثم تابع موضحاً: هذه الأسرة التي تنتمين إليها، أسرة محترمة، أعطاها الله من خيراته الكثير.. إياك والعبث بسمعة الأسرة. أكرر ذلك: إياك والعبث بسمعتنا؟.
أما شقيقتها الكبرى فتقدمت منها، ثم مدت يدها إلى شعر شقيقتها المجنونة، كما ادعت، وراحت تلفه على يدها حتى بات وجه الفتاة مشدوداً إلى راحة يدها، ثم قالت لها بلسان يقطر سماً: أتعلمين.. والله العظيم، سيكون قتلك على يدي.. ليس هذا وحسب، إنما لن أتردد في أن أشرب دمك! مضيفة، أيتها المجنونة، عليك أن تفكري بأنك عمة لستة عشر صبياً وصبية، فلا يمكن لك أن تسيئي إلى سمعتهم.
أما والداها، فقاطعاها، ولم يعودا يكلمانها..
سمع الرجل الذي تقدم لخطبتها بكل حرف مما قيل لها من قبل أشقائها وشقيقاتها، كما علم بموقف والديها منها.. وكان الرجل يخمن مسبقاً بموقف أهل الفتاة.
والحل؟
هذا ما طرحه الرجل على نفسه، ثم راح يبحث عن الجواب». تابعت الجدة قائلة: «هنا سأترك أمر الفتاة من أجل أن أحدثك عن أمر الرجل يا بني..
عندما شاعت حكاية الرجل والفتاة في القرية، التفت أهاليها إلى موضوع لم يحاول أي واحد منهم أن يبحث فيه سابقاً، ألا وهو.. تاريخ أسرة هذا الرجل!
قيل إن الرجل جاء صغيراً مع أسرته إلى القرية، هارباً من قرية أخرى لأمر ما. لم يعرف أي واحد من أهالي القرية سبب هرب أسرة الرجل.
وقيل أيضاً، أن الرجل، عندما جاء إلى القرية، كان وحيد والديه.. جاء صبياً وعمل لدى أهالي القرية طويلاً كفلاح أجير، قبل أن يستقل بعمل خاص به، بعد أن استطاع أن يشتري قطعة أرض صغيرة من أراضي القرية.
وقيل أيضاً وأيضاً.. أنه، أي الرجل، ولد في القرية بعد أن جاء والداه إليها بعد عدة سنوات، كبر الرجل فيها مثله مثل كل أولاد القرية.
أما رجال القرية، الذين كانوا أولاداً ذات يوم، عندما كان الرجل ولداً مثلهم، فقالوا: لم نعرفه أبداً ولداً بيننا.. لم نره، لم نلعب معه في يوم من الأيام! وأضاف بعضهم: لم نره إلا وهو رجل مثله مثلنا.
أما الحقيقة التي لا يمكن لأحد من أهالي القرية نكرانها يا بني، فهي أن الرجل جاء مع أسرته التي كانت مكونة من رجل وامرأة وثلاثة أبناء، صبيان وبنت.. البنت تزوجت لرجل غريب عن القرية، قيل على لسان والدتها، كان ابن عمها الذي تزوجها. جاء من قريته وعاد بها مرة ثانية إلى بيته فيها.
أما الرأي الذي انتشر في القرية حول زواج البنت، فهو أن والد البنت كان مديناً للرجل الغريب الذي جاء إلى القرية، فلم يجد والد البنت إمكانية في إيفاء دينه إلا بدفع ابنته زوجاً للرجل الدائن.
أما الصبي شقيق الرجل، فقد رحل مع مخيم للقرباط كان قد حط في أراضي القرية ذات صيف، وبعد انتهاء الموسم الزراعي، رفع القرباط مخيمهم ورحلوا إلى أمكنة أخرى كعادتهم دائماً.
أما والدا الرجل فقد اختفيا ذات يوم بصورة فجائية، ولم يعرف أحد من أهالي القرية شيئاً عن سر اختفاء الوالدين..
وهكذا لم يبق من الأسرة الغريبة إلا الرجل الذي عاش على هامش القرية وحياة أهلها، غريباً إلى أقصى حد.. لقد تجاهله الناس كشيء زائد عن قريتهم. لهذا، تابعت جدتي، عندما تقدم الرجل لخطبة الفتاة، تذكروا وجوده بين ظهرانيهم. ولكنهم، على ما يبدو لم يصدقوا عيونهم عندما رأوا الرجل ينبثق بينهم كنبت غريب، لذا تساءلوا: أين كان هذا الرجل؟».
ابتسمت جدتي، وهي تحدق بي بعينيها الرماديتين، عندما رأت، على ما يبدو، على وجهي علامات لا تمت بصلة إلى الدهشة التي، من المفترض أن تراني فيها، إنما على عكس ذلك، رأت ابتسامة ساخرة، فاستشفت ما كنت أقوله لنفسي: إن الأمر الذي يبدو غريباً، ليس الرجل وأسرته، إنما الغريب في الأمر هو أهل القرية!
تابعت جدتي قائلة: «أرى على وجهك خبثاً يا بني». ثم هزت رأسها وتابعت: «معك الحق في أن تنظر إلي بخبث!». المهم. قالت جدتي، ثم تابعت: «قد تسأل كما سألت نفسي أيضاً، كيف يمكن لرجل، هذا تاريخه، أن يتقدم للزواج من فتاة ذات جمال، ومن أسرة كريمة أيضاً؟.
هذا السؤال دار بين أهالي القرية جميعهم. وقد أجاب كل واحد منهم بالطريقة التي رآها مناسبة له من جهة، ومن جهة أخرى، حسب علاقته وموقفه من أسرة الفتاة.
أما الفتاة فقد وقفت أمام والدتها التي سألتها: ما الذي دفعك إلى رفض خيرة شباب القرية، وقبولك لرجل يكبرك بضعفي عمرك، وأيضاً لا أحد يعرف قرعة أبيه من أين؟.
يقال أن الفتاة ظلت تنظر إلى والدتها طويلاً قبل أن تجيب على سؤالها بأمر عجيب غير معقول أبداً. قالت الفتاة: عندما رفعت رأسي بعد أن وجدت نفسي في وضع لا خلاص لي منه، كنت في حكم الميتة، تقدم مني الرجل ومد يده إلي، وأنقذني من موتي المحتم..
كنت في النفق، لا أدري كيف وصلت إليه؟ وكيف وجدت نفسي فيه؟ كان كل ما فيه يشي بالوحشية، من النباتات التي كانت تزحف بين قدمي، ومن أغصان الأشجار الغريبة التي لم أر مثلها من قبل، تميل، وهي في عليائها على النفق لتسد عني أشعة الشمس ونور القمر..
أذكر عندما فتحت عيني وجدت نفسي في الموقف الذي حدثتك عنه، أما قبل ذلك فلا علم لي أين كنت! ما أذكره أنني توجهت باكراً إلى الفراش،كنت أشعر بتعب وشيء من انحطاط في جسمي. نمت باكراً، وأنت تعلمين أن هذا الأمر ليس من طبعي.. فأنا أظل ساهرة مادام إنسان ما في القرية سهران. لا أستطيع النوم ولا أقدر عليه قبل أن تنام القرية كلها، كأنني حارسة ليلية لها..
فتحت عيني وكلي ذعر وخوف مما وجدت نفسي فيه. نفق وكل ما فيه يشي بموتي المحتم..
ابتسمت الفتاة رغم ملامح الحزن المرسومة على وجهها وتابعت: أنت تذكرين يا أماه، أنك حكيت لي حكايات كثيرة.. هذه الحكايات تذكرتها فجأة، وأنا في وضعي الذي لا رجاء منه، فعاهدت نفسي أن أتزوج الشاب الذي ينقذني من وضعي اليائس المميت، وأنا في النفق.. رغم أني كنت على قناعة أن لا أمل لي في النجاة، لأن المكان الذي وجدت نفسي فيه كان مجهولاً، غير معلوم للبشر.. فأي شاب يمكن له أن يأتي إلى هذا النفق الضائع في شعاب الجبال العالية أو الوديان السحيقة أو في دروب سماء لا أحد يعرف لها باباً.. قلت، وأنا في وضعي هذا والخوف يأكلني، وجدت انفتاح كوة أشبه بنافذة صغيرة، دخلت منها أشعة شمس قوية، فأغمضت عيني من شدة نورها الباهر، ولكني بعد لحظات، شعرت كأن ظلاً قد انوجد ما بيني وبين تلك الأشعة الساطعة. فتحت عيني، لأجد وجه الرجل يطل علي، وهو يقول لي: تقدمي إلى الأمام عشر خطوات فقط، ثم أثبتي في مكانك.
فعلت ما طلبه مني الرجل، فوجدت نفسي أمام مدخل ضيق يفضي إلى ظلام. إلا أن صوت الرجل ناداني من وراء ذلك الظلام، أن أتقدم منه، ثم طلب مني أن لا أخاف.. فهو بانتظاري وراء ذلك الليل الكالح.. ففعلت.
وكم كانت دهشتي كبيرة، عندما وجدت نفسي أقف وجهاً لوجه، وفي مساحة لا تحدها حدود من أشعة الشمس، أمام الرجل وهو يأخذ بيدي ويطلب مني أن أتقدم عبر الشمس إلى الأمام.
سرنا معاً طويلاً قبل أن أسأله عن المكان الغريب الذي نحن فيه. قال نحن الآن تحت الأرض! لم أصدق ما قاله، ظننت أنه يمازحني. إلا أنه تابع: ولكن لن نلبث بعد قليل أن نخرج إلى الفضاء فوق الأرض.
عندما تذكرت أني سرت مسافة طويلة، ولمدة زمنية مديدة من دون أن أشعر بالتعب أو الإرهاق، أصبت بدهشة كبيرة. قلت للرجل: هل سيطول بنا الطريق، قبل أن نصل إلى القرية،؟.
تلكأ الرجل قليلاً، وهو ينظر إلي، إلا أنه ظل مستمراً في سيره وهو يقول: ومن قال لك إننا عائدان إلى القرية؟.
توقفت للحظة قبل أن أتابع سيري مبطئة من خطوي، وقلت: ولكن إلى أين نحن ذاهبان؟. أجابني: إلى الحياة! ثم أضاف: ولكن ليس قبل خروجنا من بطن الموت، حيث نحن نسير بين جنباته!.
لم أعلق على ما قاله الرجل خوفاً، لأنه، هكذا ظننت، بات مجنوناً.. وقبل أن أفكر بقول آخر، رأيت الرجل يبتسم بسخرية ويقول: حتماً أنت الآن تقولين عني في نفسك، أني مجنون.. وهذا الأمر، سيزرع الخوف في نفسك، أقصد خوفك مني.. ولكن؟. ثم صمت ولم يكمل إلا بعد حين: ألم تسألي نفسك أي جنون دفعك للمجيء إلى نفق الموت هذا الذي نسير فيه؟.
عندما لم أجبه، لأنني لم أستوعب المقصد من كلامه، تابع: لا تخافي، لأن مصيري في الخلاص من نفق الموت هذا مرتبط بمصيرك أيضاً، كما أن مصيرك مرتبط بمصيري.
شعرت بشيء من الهناء والاطمئنان بعد قوله هذا، فقلت لنفسي، لا داعي للخوف فنحن الاثنان معلقان بالموت والحياة، فإن سقط أحدنا باتجاه الموت، لا بد أن يسقط الآخر، وكذلك سقوطنا باتجاه الحياة.
خلال المدة التي سرناها أنا والرجل، لم أر شيئاً في الطريق، لم أر سوى أشعة الشمس الساطعة التي تعمي العيون ببهائها وقوة شعاعها.. إلا أني فجأة شاهدت في البعيد تلالاً صغيرة متصلة ببعضها بلون أزرق سماوي. ظننت أني أرى سراباً، إلا أن الرجل قال: ها نحن نقترب من حدود الحياة، إنها وراء تلك التلال الصغيرة، علينا أن نتحمل قسوة الموت فيما تبقى لنا من النفق.
إلى هنا أذكر كل شيء مر بي أو مررت به، إلا أني بعد هذا غمضت علي الأمور. كأنني غفوت، أو نمت نوماً طويلاً. ولكني عندما استيقظت، أو هكذا بدا لي، وجدت نفسي ممددة على عشب طري، تظللني شجرة وارفة الأغصان، وعلى مبعدة مني ببضعة أمتار كان الرجل غارقاً في النوم.
التفت حولي، وأنا أنقل نظري ما بين الأشياء المحيطة بي، أبحث عن أمر ما، وجود بشر أو حيوانات أو طيور.. إلا أني لم أجد شيئاً مما في نفسي أن أجده. كانت الشمس ساطعة ببهاء، أما الأرض فمعشوشبة على مد النظر، بحيث لا تستطيع أن تميز خط الأفق الذي يفصل ما بين الأرض والسماء.
التفت مرة أخرى إلى الرجل النائم. وبعد طول تأمل قلت لنفسي، أحقاً ستوافقين على الزواج منه إن هو طلب يدك؟ أجبت، لولا العهد لما وافقت..
صمتت الفتاة يا بني طويلاً، قالت جدتي، كأنها تنتظر تعليقاً من والدتها التي ربتها على الإيفاء بالوعد وعدم الانسحاب من العهد الذي يقطعه المرء على نفسه. ولكن والدتها لم تنبس ببنت شفة، ثم قامت تاركة ابنتها مع نفسها في غرفتها.
أما ما جرى بعد ذلك للفتاة والرجل، سأحدثك عنه في الليلة القادمة، لأنني أشعر بالنعاس الآن».
لم أطلب في الليلة التالية من جدتي أن تكمل لي حكاية الرجل والفتاة، إنما ندهت علي جدتي قائلة: «ألا تريد أن أكمل لك بقية الحكاية؟.
هززت لها رأسي أن نعم. ثم تحركت إليها، أرمي بنفسي إلى حضنها وأنا أضحك.
راحت جدتي تداعب شعري، وهي تشرد بعيداً عني، ولكن رغم حالها هذه، تابعت من دون مقدمات تحدثني قائلة: «ظلت الفتاة نائمة. كانت قد وضعت رأسها على ساق الرجل، وهما جالسان بقرب نبع للماء. وفوقهما شجرة ضخمة تظللهما بفيء أوراقها».
رفعت نظري إلى جدتي أريد أن أنبهها إلى أمر نسيته في الحكاية، ألا وهو، أن الفتاة هي التي كانت يقظى، أما الرجل فكان نائماً. إلا أني وجدت جدتي على قدر كبير من الاندماج فيما ترويه لي. لذا عدت إلى وضعي السابق في حضنها، مستمعاً إلى كل كلمة تنطق بها: «كان الرجل، وهو يسند ظهره إلى الشجرة الكبيرة ويطلق راحة يده مع مياه النبع الباردة، متأملاً وجه الفتاة التي عصت أوامر والديها وأشقائها وشقيقاتها، راحلة مع من تريد.
كان وجهها أشبه بالقمر. كان لا يصدق أن مثل هذه الفتاة التي تملك كل هذا الجمال، قد قبلت به زوجاً، لا يصدق أن مثل هذه الفتاة المنحدرة من أسرة غنية لها شأن كبير في القرية يمكن لها أن تتخلى عن كل الترف والرفاه اللذين كانت تعيش فيهما، وتلحق به، هو الرجل الفقير الذي لا يملك من مال هذه الدنيا شيئاً يذكر.
كان الرجل لا يصدق ما وجد نفسه فيه من حظ لا يمكن لأي امرئ أن يجد نفسه فيه.
أغمض الرجل عينيه لذلك وراح يحلم، راح يتصور الكيفية التي سيبني بيته عليها، والحديقة الصغيرة التي سيزرعها بالأشجار والحشائش وكل الأشياء الجميلة التي سيشتريها لزوحه، ثم راح يتخيل عدد الأولاد الذين سينجبهم، كيف سيكبر أولاده أمامه واحداً بعد الآخر. أما هو وفتاته كيف سيشيخان معاً. وبعد طول صمت، تابع لنفسه، وكل ما أتمناه أن يكون يوم وفاتي قبل يوم وفاتها، لكي لا أعيش تلك اللحظات المريرة من الحزن والشقاء. ثم حاول الرجل أن يرفع يديه إلى السماء ليدعو الله أن يحقق له هذه الأمنية.
شعر برأس فتاته يتحرك فوق ساقه، ثم تناهى إلى سمعه صوتها، وهي مابين النوم واليقظة يقول له: دعني أنم، لا تدغدغ لي باطن قدمي.
ابتسم الرجل ولم يعلق، ظل مغمضاً عينيه وهو يحاول أن يتصور العالم الذي سيعيش فيه مع فتاته. إلا أنه سمع صوتها من جديد، ولكن هذه المرة بلهجة فيها شيء من الاحتجاج: قلت لك دعني.. لا تحاول أن تمسك بقدمي.. دعني أنم..
فتح الرجل عينيه وهو يقول: ولكني بعيد عن قدميك فكيف لي أن... وقبل أن يتابع كلامه، نظر إلى الأسفل، حيث قدمي فتاته، فرأى أمراً مهولاً، رأى أفعى هائلة، منحدرة من أعلى الشجرة، فاتحة شدقها على طوله، وهي تهم بابتلاع قدمي فتاته!
لم يصدق ما رأت عيناه، ولم يصدق ما رأى بعينيه. كانت الصورة التي رآها غريبة، أيمكن لأفعى مهما كبرت وثخن وسطها، أن تبتلع قدمي فتاة؟ لا يمكن.. ولكن ما رآه كان حقيقة، لقد رأى الأفعى بأم عينيه وهي تهم بابتلاع قدمي فتاته. شعر برغبة في أن يتابع المشهد الذي رآه، وأن يخمن ويتساءل: لأرى كيف يمكن لهذه الأفعى أن تبتلع قدمي فتاتي؟.
كانت الأفعى من فصيلة غريبة، لم ير مثلها في سابق حياته، لها عينان آدميتان، وفي وسط رأسها من الأعلى، قرن عظميم يبلغ طوله أكثر من عشرين سنتمتراً. أما جسمها فكان بطول خمسة أمتار تقريباً، هذا إن لم يكن أطول، لأن جذعها كان ممتداً من أعلى الشجرة إلى الأرض، لينتهي رأسها عند قدمي فتاته، بينما لاحظ، عندما رفع وجهه إلى الأعلى، لاحظ أن ذيل الأفعى مختف بين أغصان الشجرة في أعاليها.
ابتسم الرجل بهزء وسخرية وهو يتساءل: أيمكن أن تنوجد مثل هذه الأفعى؟ هز رأسه وهو ما زال على ابتسامته الهازئة، وتساؤله مجيباً: أن لا. ثم تابع: إن ما أراه هو مجرد كابوس أو حلم أو شيء من هذا القبيل.
ولكن الأمر الذي جعله ألاّ يصدق نفسه، هو صراخ فتاته الذي راح يتعالى وهي تحاول الإمساك بقدميه، لأن الأفعى كانت قد أطبقت بشدقيها على قدميها بالكامل، وراحت تبتلعها بإصرار.
ظل الرجل لا يصدق ما يرى، رغم صوت الفتاة طالبة منه أن ينجيها مما هي واقعة فيه من خطر. ظل الرجل يحدق إلى عيني الأفعى اللتين تحدقان به بإصرار..
وأمام صراخ الفتاة يا بني، حاول الرجل القيام والتحرك لنجدة فتاته، إلا أنه لم يقدر، شعر كأنه مقعد لا يستطيع الحراك، كأنه عاجز، مشلول غير قادر على فعل شيء. فظل يراقب الأفعى تبتلع فتاته بإصرار، ظل يرى كيف تختفي فتاته شيئاً فشيئاً في بطن الأفعى حتى النهاية، حتى اللحظة التي أغلقت فيها شدقيها، وراحت تحاول الانسحاب للمضي في طريقها.
عند هذه النقطة، وهذا المشهد، استيقظ الرجل مما كان فيه من العجز، فقام بحركة عنيفة مهاجماً الأفعى التي ثقل جسمها، ولم تعد تستطيع التحرك بمرونة.
دار الرجل حول نفسه، ثم استل من وسطه خنجراً، كان يتمنطق به منذ لحظة خروجه من القرية مع فتاته.. وراح ينهال طعناً في جسد الأفعى حتى مزقها تمزيقاً، ثم راح يقشر جلدها بسكينه عن جسد فتاته، حتى استطاع إخراجه من جوف الأفعى.
كانت الفتاة، ميتة.. جلس الرجل أمام جثمانها منتحباً باكياً وهو يتساءل: كيف لم يدرك ما كان يشاهده، بأنه حقيقة وليس خيالاً؟ كيف ظن صراخ فتاته مزاحاً ودلالاً وليس جدياً؟ ظل الرجل على هذه الحال عدة أيام، كان قد دفن فتاته، وسحب جسد الأفعى بعيداً، تركها في مكان يمكن للطيور الجارحة تقطيعها والتهامها قطعة وراء قطعة».
سكتت جدتي طويلاً، ثم تابعت: «هذه الحكاية انتهت بعدة نهايات يا بني، لأن كل راو لها أراد نهاية كما يرغب، فمنهم أنهاها، على أنها، أي الفتاة، عندما قشر الرجل جلد الأفعى عنها، كانت ما تزال حية. ومنهم من أنهاها بأن الرجل بعد أن دفن فتاته، أقام على قبرها سقفاً وزرع حوله الزهور والورود والأشجار، جعل من تلك البقعة جنة، قضى الرجل حياته في خدمة قبر فتاته حتى بات مزاراً يحج إليه العشاق، ومنهم من قال: إن الرجل لم يدفن الفتاة لأن لوثة أصابت عقله. كما أن هناك رواية أخرى تداولها الناس، أن الرجل حفر قبراً واسعاً يسع لإثنين مدد الفتاة في القبر، ثم انتحر إلى جانبها».
على هذه الصورة أنهت جدتي حكاية الرجل والفتاة.
في تلك السنوات البعيدة، يتابع الفتى: وأنا في الثامنة أو دونها بقليل، لم أشعر إلا بالحزن لمصير تلك الفتاة، من دون أن أشعر تجاه الرجل بأي مشاعر محددة، إنما بقيت مشاعري حيادية تجاهه، أو هكذا خلتها. أما عندما كبرت وأصبحت يافعاً، وتناهى إلى مسامعي قصة خالتي، كيف أنها تمردت على إرادة أفراد أسرتها جميعاً، وذهبت مع الرجل الذي تحب، فحاولت أن أربط بين حكاية الخالة وحكاية تلك الفتاة التي ابتلعتها الأفعى، كلاهما، أقصد الفتاتين، ذهبتا من دون إرادة والديهما مع من تحبان.. وأن مصيريهما تقريباً كان مشتركاً، لأنني كنت دائماً أسمع من جدي وجدتي على وجه الخصوص، عندما يأتي ذكرلخالتي، كانا يقولان: لقد ماتت منذ زمن كاف لنسيانها!
ظل سؤالاً يدور في ذهني طويلاً: لماذا هذا الموقف القاسي من قبل جديّ ضد ابنتهما؟ ولكني لم أجد له جواباً في نفسي، رغم أني حاولت أكثر من مرة أن أبحث عنه لدى جدتي وأمي وجدي.. إلا أن أحداً منهم لم يقدم لي الجواب الشافي.
أما عندما رأيت خالتي لأول مرة، بعد أن جاءت هي وزوجها الشيخ حسين إلى مدينة حلب، فقد قصصت عليها حكاية الفتاة التي ابتلعتها الأفعى. ثم سألتها إلى أي مدى تجد نفسها في تلك الفتاة، كما حاولت جدتي/ أمها أن توحي لي بذلك؟.
هزت الخالة رأسها وقالت عن والدتها/ جدتي: لقد ارتحلت إلى ديار الحق، فأنا اليوم لا يسعني سوى أن أطلب لها الرحمة، وأطلب من الله أن يجعلها من أهل الجنة، رغم الظلم الذي ألحقته بي وأنا صغيرة ابنة الرابعة عشرة من العمر.
هذه الشكوى والدعوة التي رفعتها خالتي إلى الله بحق والدتها، غيرت الصورة القديمة التي كانت قد تكونت عنها في ذاكرتي، بعد أن اعتمدت في رسمها على أقوال جديّ وخالتّي وخالّي، طبعاً إلى جانب أمي أيضاً، فقلت لنفسي، أعرف أن خالتي قد أخطأت خطأ ما في الرابعة عشرة من عمرها، ولكن من الظلم أن تدفع طوال حياتها ثمناً لهذا الخطأ، لا بد أن يكون هناك رحمة مهما كبر الخطأ وتعاظم، لا بد أن يكون هناك غفران ومسامحة.
طبعاً لم أستطع أن أفعل شيئاً لخالتي، أن أحاول، مثلاً القيام بدور المصلح بينها وبين والديها، لأن الاثنين، جدي وجدتي كانا قد توفيا قبل أن أرى خالتي وأتعرف إليها.
* * *
في عطلة كل عيد من أعياد السنة، كنت أذهب مع أفراد أسرتي إلى بيت جدي في(قيبار)، وأذكر في أحد الأعياد، وأنا في السادسة من عمري، كنا نستعد للذهاب كالعادة إلى القرية.. في ذلك العيد ضربتني أمي علقة مبرحة، وسبب العلقة، كان.. ونحن في طريقنا إلى(الكراج)، لننطلق منه مسافرين إلى القرية. كان لا بد لنا من المرور بعشرات الحوانيت، في سوق منطقة(باب الفرج)، حيث يقع(الكراج)، وفيها، أقصد الحوانيت، كل ما يمكن للمرء أن يفكر فيه، من أطعمة وألبسة وألعاب وتسالي.
يتابع الفتى: واليوم لا أذكر الأسباب التي دعت والدتي إلى دخول أحد الحوانيت، لشراء حاجة ما.. أما أنا فوقفت خارج الحانوت، أمام واجهة تلاصق الحانوت الذي دخلت أمي إليه. وقفت أتأمل ما تحويه الدكان.. وكانت المفاجأة هي أني أينما حولت نظري في الواجهة لا أرى سوى الألعاب الخاصة بالأطفال.
وقفت أنظر إلى الألعاب المعروضة بدهشة، وأيضاً تلك الموزعة على الرفوف في داخل الدكان. شعرت بلعابي يسيل أمام هذا الحشد الكبير من الألعاب، كأنني أمام أطعمة لم أرها سابقاً، ولم أتذوقها من قبل. لذا اجتاحتني رغبة قاتلة في شراء لعبة تمثل دراجة نارية صغيرة رأيتها أمامي، على مستوى نظري، وراء الزجاج.. فرحت أتحرك يميناً ويساراً، أمط جذعي إلى الأعلى، وأقلص ظهري، أنظر وأراقب بدهشة الدراجة النارية الصغيرة. خرجت أمي من الحانوت، ومدت يدها إلى يدي لنتابع السير باتجاه (الكراج)، الذي كان قد بات قريباً منا. إلا أني سحبت يدي من يدها، وبقيت واقفاً أحدق إلى الدراجة النارية. كانت مؤلفة من قسمين، الأول، الدراجة أما الثاني فكان كبيناً ملحقاً بها لراكب إضافي. وقد رأيت فيما بعد، عندما أخذت أتردد على دور السينما، كثيراً من هذا النوع للدراجات النارية، وخاصة في الأفلام الحربية.
عندما سحبت يدي من كف أمي التفتت تنظر إلي باستنكار لتصرفي ذاك. ثم قالت لي: «هيا، لقد تأخرنا..»، إلا أني لم ألتفت إليها، إنما ظللت أنظر إلى الواجهة الزجاجية للدكان، حيث اللعبة. تقدمت أمي لترى إلى ماذا أنظر؟ سألتني: «ما بك؟ لماذا أنت واقف؟ هيا تحرك..».
لم أرد، ولكني التفت إليها وقلت: «أريد هذه الدراجة».
نظرت أمي إلى حيث أشرت، ثم قالت لي: «هيا، ليس لدينا وقت كاف».
لم أتحرك. قلت لها: «أريد الدراجة».
نظرت أمي إلي باحتجاج، ولكنها أمام إلحاحي وتناحتي، دخلت إلى الدكان وسألت عن ثمنها.. لا أذكر اليوم المبلغ الذي أعلن البائع عنه لوالدتي، إلا أني عرفت أن ثمنها كان باهظاً جداً.
أمسكت أمي بيدي وسحبتني وراءها وهي تقول: «سأشتريها لك بعد عودتنا من بيت جدك». ولكني لم أتحرك بعد أن سحبت يدي من يدها من جديد، ورحت أبكي صارخاً أريد الدراجة..
وعلى هذا الوضع، بين بكائي ورفضي التحرك من أمام الدكان، وبين طلب والدتي مني التحرك، ووعدها لي بشراء اللعبة، فور عودتنا من القرية، أصاب أمي الجنون، فراحت تضربني بقوة.. أذكر اليوم كان الضرب مبرحاً، إلا أني رغم الدم الذي سال من أنفي لم أتحرك من مكاني، أمام الدكان.. حتى اضطرت أمي إلى شراء اللعبة لي.
هذا إلى جانب تأخرنا في السفر لأكثر من ربع ساعة، حتى استطاع صاحب الحانوت، أن يعلمني طريقة تشغيلها..
إلى هنا تنتهي قصتي مع الدراجة النارية. لتبدأ مع جدي قصة أخرى عندما وصلنا إلى القرية.. بدا جدي كطفل صغير عندما تقدم مني، وطلب أن أعطيه الدراجة النارية! راح يقلبها بين يديه متأملاً تفاصيلها، يلمس بأصابعه وجه السائق الوردي، ووجه معاونه الجالس في الكبين الملحق بها.
ضحك جدي وهو ينظر إلي ويقول: «هاك دراجتك.. أخبرني كيف يمكنك تشغيلها؟». أخذت منه الدراجة وأنا أشعر بنشوة ومتعة، وبوضعي المميز الذي شعرت به، بعد أن طلب جدي مني أن أساعده، وهو الرجل الكبير الذي يملك لحية رمادية طويلة تغطي صدره بالكامل.
قلت له: «إنه عمل بسيط». ثم حركت النابض باتجاه الأمام، وأنا أشد عليه حتى الأخير، ثم وضعت الدراجة على الأرض، ورفعت يدي عن النابض، فتحركت إلى الأمام محدثة ضجة قوية، بينما تطلق من فوهتها الخلفية شرارات نارية كثيفة، وهي تدور في مكانها، وأحياناً تتقدم إلى الأمام. ظلت على هذه الحال حتى فرغ نابضها من قوة الدفع.
تناول جدي الدراجة عن الأرض، وقلبها بين يديه بحذر، وهو يداعب مفتاح النابض، ما لبث أن راح يدوره كما دورته أنا من قبل إلى حده الأقصى، ثم وضعها على الأرض، رافعاً يده بعد تردد قصير عن النابض.
انطلقت الدراجة من بين يدي جدي إلى الأمام.
راح جدي يلاحقها بصخب، وهو يضحك ويقفز وراءها كطفل صغير، مما دفع بي إلى الركض والضحك معه ونحن الاثنين نلاحق الدراجة التي راحت تدور في كل الاتجاهات قبل أن تتوقف.
ما أذكره اليوم أن جدي في ذلك اليوم، أصبح طفلاً مثلي تماماً! فظل يلعب بها ويركض وراءها، ضاحكاً صاخباً طوال اليوم، ما لبث أن هرع إلى بيت أحد أصدقائه المقربين جداً، وكانا رفاق طفولة أيضاً، جاء به إلى البيت ليريه أعجوبة الزمان!
لم يكن صخب صاحب جدي بأقل من صخب جدي، لقد انقلبا إلى طفلين صغيرين، هذا إن لم يصبحا أصغر مني سناً.. ظلا يلعبان بالدراجة طويلاً، وعندما استعادا هدوءهما، قال جدي وهو يحاول أن يشرح لصاحبه ميزات وحسنات الدراجة النارية فقال: «انظر يا صاحبي، هذه الدراجة مختصة باختطاف النساء! انظر إلى هذا الكبين الملحق بها، إنه المكان الذي تجلس فيه المرأة المخطوفة، ثم عليك أن تعرف، ما أن تنطلق هذه الدراجة فلا أحد يستطيع اللحاق بها.. حتى الجيوش غير قادرة على قهرها! أما عندما تبلغ أقصى سرعتها، فلا تقدر الطائرة بنفسها اللحاق بها.
في تلك السنوات البعيدة لم أستطع استيعاب كلام جدي، إلا أني حفظته غيباً. لأن ما قاله كان غامضاً بالنسبة إلي، كان أشبه بإحدى الحكايات التي كانت جدتي تحكيها لي بين الفينة والأخرى.
* * *
أذكر، يتابع الفتى: بعد أن توفيت جدتي في عام1955، أصبحت زياراتي قليلة لمنزل جدي، لأنه لم تمض سنة على موتها حتى كان خالي جعفر قد انقطع عن زيارة القرية ثلاث سنوات تاركاً وراءه زوجة وطفلين أو ثلاثة، لم أعد أذكر. أما خالتي عائشة فكانت هي وزوجها قد رحلا أيضاً عن القرية بحثاً عن لقمة العيش في المدينة. أما خالي مراد فقد ظل مقيماً في دمشق بعد أن تطوع في الجيش. لم يبق إلا جدي وزوجة ابنه جعفر وحفيداه.
كان الذهاب إلى القرية من دون وجود جدتي، تعني الذكريات الحزينة بالنسبة لي.. لقد تغير الجد تماماً بعد موت الجدة، لم يعد ذاك المرح، الضاحك، صاحب السهرات الطويلة، حيث الغناء والعزف على البزق، والصخب المتصاعد حتى ساعات الفجر مع صحبه.
كنت أراه، في المرات القليلة التي زرته فيها بعد وفاة جدتي، جالساً في عزلة، في أشد الأماكن ظلالاً، كأنه بذلك يختبئ من شيء ما لا يريد لأحد أن يراه، لا يريد أن يختلط بالآخرين، كأنه قد نسي الضحك والصخب والعزف والغناء.. ولم يبق له سوى الغرق في الصمت، مسترجعاً عالماً كان قائماً مع جدتي، وما أن ماتت حتى رحل معها ذاك العالم الذي أحبه بشغف يصل حد التهور والتطرف في بعض الأحيان..
كنت أحاول، وأنا الصبي، أن أخرجه من عالمه هذا بكل الوسائل، ولكني كنت أفشل، أفشل دائماً في تحقيق ما أريد. أما الأمر الذي أبعدني تماماً عن القرية، أقصد بيت جدي.. فكان أني ذات يوم، طلبت من زوجة خالي أن تحضر لي بيضاً مقلياً لجوع أحسست به بعد لعب طويل مع أترابي على أرض البيادر. بحثت زوجة خالي عن الزيت الذي كانت ستقلي به البيض، إلا أنها لم تجد لديها ما يكفي، فخرجت إلى الحوش حيث يفصل سور واطئ ما بين بيت جدي ومنزل والديها.. نادت على شقيقتها الصغرى أن تعطيها قليلاً من الزيت، يكفي لقلي بيضتين، ثم أتمت: «ابن بنت عمتي، تقصدني، جائع يريد أن يأكل».
ردت عليها خالتها، زوجة والدها الثانية، بلهجة قاسية: «أن لا زيت لديهم» ثم قالت لها: «اغلي له البيضتين في الماء، ووفري الزيت لوضعه في الطبخ».
ظلت زوجة خالي واقفة بجوار السور والسم يقطر من وجهها بسبب ما سمعته من خالتها.. إلا أن شقيقتها الصغرى استطاعت أن تسرق كوباً من الزيت، وسربته سراً لزوجة خالي.
في ذلك اليوم، لم أستطع أن آكل البيضتين، لم أستطع أن أبتلع أكثر من لقمة.. وقد لاحظت زوجة خالي ذلك. حاولت أن تهون علي الأمر، فأخبرتني أن خالتها كانت تمزح فيما قالته.
وما أذكره عن زوجة خال أمي، أنها كانت امرأة شرسة، أذاقت خال أمي الأمرين.. لم يحبها أي ولد من أولادها، كانت بخيلة، شحيحة اليد. وما أذكره أيضاً، أن أمي سألتني كثيراً، عن أسباب عودتي السريعة من القرية، أخبرتها بغير السبب الحقيقي لذلك.. ولم أخبرها إلا بعد سنوات طويلة من موت جدي، وبيع البيت في القرية.
هزت أمي رأسها وقالت كلاماً غمض علي معناه.
في سنة1960، جاء خالي جعفر إلى القرية، ورحل مع زوجه وأطفاله عنها نهائياً، إلى(الجزيرة)،حيث كان قد ابتاع في إحدى قراها دكاناً صغيرة، وراح يعتاش منها بعد أن هجر لعبة القمار إلى الأبد.
بقي جدي وحيداً في القرية، إلا أن والدتي ذهبت ذات يوم إلى القرية وعادت برفقته إلى البيت، وظل يشاركنا الحياة اليومية حتى يوم وفاته في نيسان 1963.
ما أذكره عن هذه الفترة من حياة جدي، أنه تغير تماماً، كأن شيخاً آخر قد حل في ثيابه، شيخاً لا يعرف سوى الصمت والشرود والتدخين بشراهة، وإن شاء أن يتحدث فيكون حديثه في معظمه عن حياته الماضية، يوم كانت جدتي على قيد الحياة.
لقد فكرت كثيراً بأسباب هذا الانقلاب الكبير في حياته وطريقة عيشه فلم أجد ما يقنعني من أجوبة. لذا علقت الأمر بموقف واحد لاغير، ألا وهو الوحدة، ماتت زوجه، ثم هجره أولاده واحداً بعد الآخر، ثم اضطراره العيش في كنف ابنته، وليس في كنف أحد ولديه كما تعارف عليه العرف والشريعة.
هذا الأمر، ما أعتقده، هو الذي دفعه إلى الصمت والشرود والانغلاق على نفسه والعيش في ذاته. أذكر أن والدتي، عندما لاحظت عليه أعراض الوهن والمرض خاصة عندما كان يكثر الحديث عن ليرات الذهب التي جلبها معه من حرب(سفر برلك)، كانت جدتي قد سألته ذات يوم: «لمن خبأت ليراتك يا شيخو؟».
ضحك جدي وقال: «للأيام السود يا ريحانة».
سألته جدتي: «وهل هناك أيام أشد سواداً من التي نعيشها يا شيخو؟».
ضحك وأجاب: «نعم يا ريحانة.. إنها الأيام الأخيرة من حياتنا، التي سنموت فيها، لأنني على قناعة أن أولادك لن يشتروا لي أو لك حتى قطعة قماش بيضاء تصلح كفناً لنا».
كانت جدتي تستاء منه وتقول له: «أنت دائماً كنت ظالماً بحق أولادك، أنت دائماً ركضت وراء نزواتك، وتركت الأولاد لحالهم يكبرون من دون أن تعلمهم شيئاً».
كان جدي يجيب على اتهامها: «ما أعرفه يا امرأة، أن الأم هي التي تعلم أولادها وليس الأب. ثم يضيف موضحاً، واحدة من اثنتين، إما لم يحاول أولادك التعلم منك؟ أو فشلت أنت مثلي في تعليم أولادك».
نظرت والدتي إليه طويلاً، ثم سألته بقلق: «أبي، أراك واهناً في هذه الأيام، هل أنت مريض؟».
ضحك جدي وقال بعد شرود قصير: «كلا يا ابنتي لست مريضاً، إنما صوت ريحانة، ينادي علي كلما حاولت النوم. فأفيق. أنظر حولي، أبحث عن صاحب الصوت إلا أني لا أرى أحداً». ثم يتابع: «هذا الوهن الذي تتحدثين عنه سببه قلة النوم يا بنتي، وكأن أمك تعرف أمري هذا، لذا لا تنفك في هذه الأيام الأخيرة أن تنادي باسمي لكي ألحق بها، لكي أنام نومتي الأخيرة».
ضحكت والدتي وقالت له: «ما زال الوقت باكراً للحديث عن الموت، فلا تفوّل على نفسك».
ابتسم جدي بحزن وقال: «المهم يا بنتي.. أرى أن وراء كلامك هذا كلام آخر.. فما هو؟».
أجابته والدتي: «ليس لدي أي كلام آخر، إنما سؤال أريد أن أطرحه عليك».
قال لها: «تفضلي، اسألي ما تشائين».
قالت له: «أما زلت تعتقد بأن ليراتك الذهبية التي جلبتها معك من(سفر برلك) مخبأة في مكان ما، كما كنت تتحدث عنها لأمي؟».
رأيت جدي في حالة كمن أسقط في يده. فتلكأ لحظة بعد أن تلعثم قليلاً، ثم ابتسم بخبث وقال: «ألم تخبريني منذ قليل، أن لا أفوّل على نفسي، وأن الوقت ما زال باكراً للحديث عن الموت؟».
أجابته والدتي: «نعم.. قلت. ولكن من الأفضل، إن كان هناك كما أشرت سابقاً لأمي، أن نخرج الليرات الذهبية من مخبئها، قبل الموت من جهة، ومن جهة أخرى، قبل أن يباع البيت. لقد جاءك أكثر من شار له.. أليس كذلك يا أبي؟».
هز جدي رأسه وقال: «كلامك صحيح، وفيه حكمة، لأننا لا نستطيع حفر جدران البيت بعد أن نسلمه للذين يريدون شراءه». ثم قال لأمي: «متى تريدين أن نذهب إلى الضيعة فأنا على استعداد لذلك».
هزت أمي رأسها وقالت: «لا بأس سنختار يوماً مشمساً، دافئاً».
كانت أمي على قناعة، أنه ليس لدى جدي أي مال سوى بيته. كانت تقول: أنا لم أصدق في يوم من الأيام ما زعمه من امتلاكه لليرات ذهبية عثمنلية. ولكنها في الوقت نفسه كانت تقول: لن نخسر شيئاً إن ذهبنا إلى القرية وبحثنا عما يزعم من امتلاكه لمال مخبأ في أحد جدران البيت.
أذكر، عندما عادت أمي من القرية، تجمّع حولها بعض الجيران، وكان جلهم من أبناء القرية الذين يعيشون في حلب، وسألوها عن نتائج رحلتها إلى القرية.. ضحكت أمي وقالت: «كما توقعت. ليس هناك أي مال. لقد حفرنا معظم جدران البيت.. ولكنه في النهاية ادعى أنه نسي في أي جدار من جدران البيت دس ليرات الذهب. وعندما قلت له: «علينا أن نعود إلى حلب يا أبي.. سنأتي في يوم آخر، نعاود فيه الحفر. ولكن ليس قبل أن تتذكر مكان ليراتك الذهبية. فوافق مباشرة، وطلب أن نعود قبل أن يكتشف الناس الأسباب الحقيقية لمجيئنا إلى القرية».
تساءلت النسوة عن أسباب هذا الادعاء من قبل جدي، ضحكت والدتي وقالت: «يعتقد لو أسمعنا بأنه يملك مالاً ما سنرعاه أكثر مما رعيناه.. أي يريد لنفسه وضعاً مميزاً، وضعاً كوضع مالك المال قبل الوفاة». ثم أضافت بلهجة بدت لي حزينة، أسيانة: «وكأننا لا نرعاه!».
ولم يمض على هذه الواقعة سوى أقل من شهر، حتى توفي جدي، وعاد إلى القرية هذه المرة عودته النهائية. ناسياً ليراته الذهبية، على ما يبدو، في إحدى جدران بيته الذي بيع لابن حميه الذي كان في الوقت نفسه خال والدتي.