-2-
• إن المرء لا يستطيع أبداً أن يعرف نفسه، ولكنه فقط أن يروي قصته.
سيمون دي بوفوار
•وأنا أرقد في المساء على ضفة النهر، في قلب الأغصان المعتم، وأتذكر..
بريخت
•لا نتأمل الذكريات، بل نرويها.
ناظم حكمت
ما بين عامي 1950/1951 حيث اختلطت فيهما الوقائع والأحداث إلى حد لا يستطيع اليوم أن يميز حادثة ما عن الأخرى، أو أن يحدد زمن واقعة بعينها، رغم أنه يستطيع أن يسترجع أدق تفاصيلها..
ما يذكره الفتى.. الآن، هو أن أسرته كانت تسكن في(كامب) كان فيما مضى سكناً للجنود الفرنسيين، يقع في جنوب (ثكنة طارق بن زياد) حيث كان والده أحد المتطوعين في الجيش الوطني.
كان (الكامب) عبارة عن مبنى مستطيل مؤلف من عدة أقسام، مبنياً من الحجر الأبيض السوري، المنحوت بأشكال هندسية جميلة، أما السقف فكان مغطى بصفائح من التوتياء القصديرية اللون، له جدران عالية تقارب في علوها الأمتار الأربعة. ويود الفتى أن يشير إلى أنه قد يكون يبالغ في أمر ارتفاع الجدران، وسبب ذلك في رأيه يرجع إلى تساؤله الدائم عن أسباب ارتفاع جدران الكامب هذا الارتفاع الكبير؟
كان مجمع (الكامبات) ينقسم إلى قسمين، الأول خاص بالضباط وعائلاتهم، وهو يبتعد عن القسم الثاني، الخاص بالجنود وضباط الصف، عدة مئات من الأمتار.
كان القسم الخاص بالضباط، بيوتاً مبنية على شكل فيلات صغيرة مزدانة بأعمدة كهربائية وشوارع وأرصفة مزروعة بالأشجار، كما كان للقسم ثلاثة مراكز حراسة، يقوم عليها بعض الجنود ليلاً ونهاراً.
أما القسم الثاني من التجمع فكانت بيوته مبنية على شكل مهاجع مقسمة إلى غرف، تسكن كل غرفة منها عائلة واحدة مؤلفة من عدة أفراد. كانت العائلات التي يعمل أربابها في ثكنة(طارق بن زياد) تتجمع في خمس(كامبات) على شكل دائرة، وفي وسطها ساحة ترابية، كانت ملعباً لطفولة الفتى.. الأولى، وعلى شمال المجمع هذا كان المرحاض العام، وهو مؤلف من قسمين، أحدهما للنساء والآخر للرجال.
هذه أولى ذكريات الفتى.. عن هذا العالم الغريب الذي وجد نفسه فيه، ولم يعرف خارج هذا التجمع شيئاً لعدة سنوات، هذا إذا استثنينا عالم القرية.
ففي سنواته تلك، وهو في الرابعة أو الخامسة، بدأ يتعرف إلى الدنيا.. وكان أول عالم تعرف إليه، هو القسم الخاص بسكن الضباط.
يذكر الفتى.. يوم رافق والدته مع جارة لهما إلى بيت أحد الضباط، ليجلبوا منه دواء. كان أحد أبناء التجمع الثاني بحاجة ماسة إليه، ولما كان مستوصف(الكامبات) مغلقاً، والوقت تخطى منتصف الليل، دفعهم أحد ممرضي المستوصف إلى القسم الخاص بالضباط لجلب الدواء منه.
يذكر الفتى.. مشاعره في تلك اللحظة كانت تشبه مشاعر من يتوجه إلى عالم مجهول لا يعرف عنه شيئاً. بدا له العالم الذي توجه إليه مع والدته والجارة، غامضاً! قال الفتى.. لنفسه: «لن يكون مثل العالم الذي نعيش فيه«لأن المظهر الخارجي للفيلا التي قصدها كان يختلف تماماً عن المظهر الخارجي (للكامب) الذي يعيش فيه. ثم أكد قائلاً: « يكفي أن ترى سقف (الكامب) التوتيائي، وأن ترى بالوقت نفسه، السقف القرميدي الأحمر للفيلا حتى تشعر بالاختلاف». قال أيضاَ: «حتماً، هم، أقصد الناس الذين يقطنون الفيلا، يختلفون عن الناس الذين يقطنون(الكامبات)». ولكنه تساءل في ذلك اليوم البعيد، سؤالاً غبياً: «يا ترى، كيف هو شكلهم؟ هل يشبهوننا في التقاطيع؟ هل لهم الوجوه نفسها التي لنا؟ أم لوجوههم سمات أخرى لا توجد على وجوهنا؟ هل لهم ثلاثة أنوف؟ أم أذنان كبيرتان؟ أم لهم أكثر من فم، أو ربما يكونون برأسين!».
وراح الفتى.. يتخيل أشياء كثيرة في تلك الرحلة الليلية التي قام بها مع أمه والجارة لجلب الدواء من فيلا بعينها.. وكان اسم الدواء مكتوباً على ورقة ملفوفة معلقة في زنار الجارة. هذا وقد غضب الطبيب كثيراً للمدة التي استغرقتها الجارة لفك زنارها وإخراج الورقة التي دوّن الممرض اسم الدواء عليها. سمع منه كلمة غاضبة، وهو ينتر الورقة بغضب من يد الجارة، كانت الكلمة(دواب).
لم يعرف الفتى.. معناها إلا بعد مدة طويلة من الزمن، لذا ظلت محفورة في ذهنه لا يستطيع نسيانها، كأنها قيلت له أو لأمه. لقد تذكر الفتى.. كثيراً من الأشياء، إلا أنه نسي معظمها اليوم، ولكنه أيضاً لم ينس أشياء بعينها.
كانت حديقة(السبيل) هي التي تفصل بين قسم الفيلات وقسم(الكامبات)، هذه الحديقة التي لعبت دوراً كبيراً في وعيه. ولكن الحديث عنها ما زال باكراً، فهو يريد أن يتحدث الآن عن تلك الحكايات والمشاهد والوقائع التي عاشها، أو كان شاهداً عليها. هذا العالم الصغير الذي لعب دوراً رئيساً في عملية بناء وعيه بعد ذلك بسنوات طويلة، هذا العالم الذي طرح عليه أسئلة لم يجد لها جواباً في حينها، ولكنه حفز الفتى.. على التبصر فيه، وإمعان العين الفاحصة بين ثناياه.
يذكر الفتى.. أن(الكامب) الواحد كان مقسماً إلى عدة غرف، تسكن في كل غرفة منها عائلة واحدة. فهو ما يزال يذكر حتى اليوم، بعض الجيران، يتذكر أسماءهم، تقاطيع وجوههم، لهجاتهم.. كانوا من شتى المدن السورية وقراها. كان الفتى.. يتمدد على الحصير، واضعاً راحتيه تحت رأسه، محدقاً في السقف وهو يتساءل: «كم هي عالية هذه الحيطان؟ كم هو بعيد هذا السقف؟ ويسأل نفسه من جديد: هل كان المخطط الأولي(للكامب) وبقية(الكامبات) مخططاً لبناء سجن؟ أو مصح لمرضى العقل.. حتى جعلوا جدرانه عالية كل هذا العلو؟» لم يصل في يوم من الأيام، إلى جواب على تساؤلاته. لذلك اعتقد الفتى.. بأن المرء، عندما لا يجد أجوبة عما يدور في نفسه من التساؤلات، في أمور الدنيا ومناحي الحياة، فلا بد له أن يصاب بالحزن والإحباط، ويحس بالخيبة المريرة، ليرسم له وضعه هذا، صورة عن انغلاق أسرار الحياة أمام عينيه، مشيرة إلى أنه كائن صغير، تافه، لا يقدر على حل أبسط أمور دنيانا! لذا عليه في هذه الحالة احد الأمرين: أن يدير ظهره لكل الأسئلة، أو أن يستمر بإصرار وعناد في البحث عن إيجاد الأجوبة عن تلك الأسئلة التي لا يكف عن طرحها على نفسه.
أمام هذا الطرح، قال الفتى.. لنفسه: « دعك اليوم من معرفة أسباب بناء حيطان(الكامب) بهذا العلو، وعلى هذه الشاكلة، إنما عليك أن تبحث عن أسباب قناعة والدك بالسكن في هذا(الكامب)؟».
يذكر أن السبب الأول كان الفقر.. فوالده، مجرد نفر متطوع في الجيش، وهو رب أسرة مؤلفة من زوجة وثلاثة ذكور، مات الثاني في الثالثة من العمر، لهذا كان الفارق بين الفتى.. وأخيه البكر ست سنوات. وهنا يود الفتى.. أن يشير إلى مصادفة يمكن أن يعدها غريبة، وهي: أن الفتى.. ولد في الأسبوع نفسه الذي مات فيه شقيقه الوليد الثاني لوالديه عن ثلاث سنوات.
أما (الكامب) وما يذكره من أحوال العيش فيه فكان أشبه بعالم يلفه الضباب، لا ملامح له ولا تفاصيل.. يذكر، في الركن الغربي من الغرفة كانت بلاطة رمادية كبيرة تعلو أرضية(الكامب) الإسمنتية مسافة متر أو أكثر بقليل. هذه البلاطة كانت أشبه بالمطبخ. حيث كانت أمه تجهز عليها طبخ الطعام، ووضع الملاعق والصحون والطناجر وموقد الكاز من ماركة(بريموس) المصنوع من النحاس الأصفر، هذا إلى جانب كثير من الأوعية الزجاجية المملوءة بالمخللات، خاصة الفليفلة الخضراء منها، وبعض الأكياس المملوءة بالعدس، وما تحتاجه الأسرة الفقيرة في الشتاء من الخضار المجففة والحبوب والبقوليات، وبعض تنكات الزيت.
أما في الزاوية الشرقية فكان الفراش مرصوفاً على شكل تل صغير فوق عنبر، قد يكون صغيراً أو كبيراً، حسب عدد أفراد الأسرة. وكان يستعمل عادة لتخزين(البرغل) فيه.
كان(البرغل) هو(المونة) الرئيسية، والمادة الغذائية الأساسية لجميع الأسر الفقيرة في تلك السنوات البعيدة. أما الرز فلم يكن معروفاً لديهم إلا في حالة واحدة، وهي حالة(طبخ المحشي)، أو بعض الطعام الذي لا يمكن أن يتم طبخه إلا في استعمال الرز فقط. وكانت هذه الطبخات، على ما يذكر، قليلة جداً في حياتهم. مثال: المحشي. فقد كانت والدته تطبخه مرة أو مرتين على مدار السنة.
رغم هذا الفقر، كان أمثال أسرته، ترفع أنوفها عالياً عن الأسر التي كانت لا تطبخ مثل هذه الطبخة إلا مرة كل سنتين أو ثلاث. كانوا ينظرون إليهم بإشفاق وهم يقولون: «الله يساعدهم على هذه العيشة» ويفرحون متنهدين، وهم يحمدون الله على أنهم ليسوا أفقر الناس في(الكامب).
وما يذكره الفتى.. عن كمية(المونة) من البرغل، كانت تقارب مابين ثلاثمائة كيلوغرام أو أربعمائة في الموسم الواحد. ولا يدري الآن إن كانت ذاكرته دقيقة في تقديرها أم لا، إن وضع(مونة) بهذه الكمية في الموسم الواحد، كان على أسرته أن تدفع ما يقارب المئتين من الليرات ثمناً له. كانت والدته تدفع هذا المبلغ الضخم، في تلك الأيام، على شكل أقساط شهرية، يتراوح الواحد ما بين خمسة عشر وخمسة وعشرين ليرة سورية لا غير.
كانت أسرة الفتى.. في كثير من المواسم، لا تستطيع تسديد المبلغ بالكامل عبر مدار شهور السنة، وكثيراً ما كانت أسرته تشتري(المونة) للسنة الجديدة قبل أن تسدد ثمن(مونة) السنة الفائتة التي استهلكتها أسرته. أما الجبنة فلم تكن الأسرة تعرف لها وجوداً في البيت. كان، على ما يذكر، البرغل والزيت هما الطعام الرئيسي الذي يتناولونه على مدار السنة.
أما الزاوية الجنوبية من الغرفة، فكانت موقعاً(لمونة) الأسرة في الشتاء، من حطب الزيتون، بعد أن احتلت مدافئ الحطب مكان المناقل والكوانين التي كانت سائدة قبل ذلك لسنوات طويلة.. يذكر أن أسرته كانت قد تأخرت عما حولها من الجيران في استبدال التدفئة على المنقل والكوانين بمدفأة الحطب.
كان والده، في مطلع كل شتاء، بعد أن يتشاور مع والدته، يذهب إلى السوق، كانوا يسمونه (البلد) ليركب عائداً مع سائق عربة تجرها دابة، حصان عجوز أو بغل أو حمار وهي تحمل (المونة) الشتوية من الحطب. كان الفتى يرى العربة، من أول الطريق الإسفلتي الوحيد الذي يربط (الكامب) بالشارع الرئيسي الذي يمر من أمام حديقة السبيل.. هذه الحديقة التي كانت ملعباً واسعاً لسنوات طفولته وصباه.
كان ينتظر العربة، وعلى متنها والده الجالس إلى جانب السائق، وهما يتحدثان. طبعاً لم يعرف في يوم من الأيام عما يتكلمان.. ولكنه، هذا ما يعتقده اليوم، أن مثل هذين الرجلين الفقيرين لا يمكنهما أن يتحدثا سوى عن الحياة القاسية والصعبة التي يعيشها الفقراء من أمثالهما.
وما أن كانت العربة تقترب من(الكامب) وهي تقرقع بدواليبها، وقوائم الدابة الأربعة المحدية، حتى كان يهرع إلى البيت صارخاً على والدته، يخبرها، على أن الحطب قد جاء، ثم يعود ليهرع إلى الطريق، حيث العربة تنحدر عنه إلى الدرب الترابي الذي يفضي إلى أمام الغرفة التي تشغلها أسرته من غرف(الكامب) الكثيرة.. وأمام الباب، يفرغ سائق العربة حمولته من الحطب على الأرض ثم يتناول من والده مبلغاً من المال لا يعرف، إن كان ذلك ثمناً للحطب أم أجرة نقله! وقبل أن تغيب العربة عن أنظار الفتى.. حتى يكون وكثير من الأولاد يتسابقون في نقل الحطب من الفسحة الواقعة أمام الغرفة إلى داخلها، لترصفه والدته بشكل هندسي بحيث يشغل أقل مساحة ممكنة من الزاوية الجنوبية من الغرفة.
كان يشعر، عندما ينتهي والده من وضع (المونة) من الحطب والبرغل والزيت، بالراحة ويضحك ويغني في بعض الأحيان، ويتحدث بانشراح كأنه قد أ ّمن لأسرته سنة أخرى من الحياة..
هنا، وقبل أن ينتقل الفتى.. للحديث عن الحياة المعاشية للناس يريد أن يتحدث عن قضية شغلت باله كثيراً، منذ أن كان في الخامسة، إلى اليوم..
لم تكن حياة أسرته وطريقة عيشها تختلف عن معظم قاطني(الكامب) إنما الاختلاف كان في اختلاف الأماكن والمدن والقرى التي جاء منها الناس وليس الفقر ودرجته. مثال: كانت أسرته كأسرة كردية لا تعرف مثلاً(الشنكليش) الذي كانت تضعه الأسر من الساحل أو من مدينة حمص وريفها.
يذكر الفتى.. أنه لم يستسغ طعمه، فكان يرفض تناوله رفضاً باتاً، بينما كان يلتهم ما تطبخه والدته من طعام اسمه(الخبيزة). هذه(الأكلة) لم تكن العائلات المنحدرة من الساحل أو المنطقة الوسطى تعرفها.. ولكن الفتى.. لاحظ في وقت متأخر، كيف أن الأسر راحت تتناقل عادات الطعام هذه فيما بينها، فأصبح معروفاً لدى أسرة كردية طعام أسرة من الساحل، والعكس صحيح.
وهكذا تداخلت عادات وتشابكت في مجتمع صغير، مرمي على أطراف مدينة حلب. كان جنوب ثكنة(طارق بن زياد) التي بناها الفرنسيون في الثلاثينات من القرن الماضي على حد معلومات الفتى.. التي استقاها، وهو طفل من بعض الخبراء العسكريين في الثكنة. يود الفتى.. أن يشير إلى ضرورة حديثه عن الثكنة و(الكامبات) والحياة اليومية للأسر القاطنة في ذلك التجمع الذي جمعته الظروف، ظروف البحث عن لقمة العيش عن طريق التطوع في الجيش الوطني في تلك السنوات البعيدة.. أي، حتى قبل سنوات الاستقلال، فالفتى.. على حد علمه، أن والده قد جاء إلى المدينة متطوعاً بعد زواجه بسنة واحدة.
مازال يذكر الطريق الإسفلتي الضيق الذي كان يصل ما بين الثكنة والطريق العام، ذاك الطريق الذي لم يبق اليوم إلا جزء يسير منه. كان يمتد من نهاية(الكامبات) على اليمين، حتى باب الثكنة. هذا الباب لم يكن موجوداً في تلك الأيام التي يتحدث عنها الآن، إنما هو باب حديث تم تركيبه، بعد توسيع المساحة التي تحيط بالثكنة.. فالباب القديم كان يقع في أعلى التل، قريباً من البيوت المسماة بالمساكن الشعبية وكان الفتى قد عبره برفقة والده مرات عديدة وهما يتخطيان ذاك الحارس الدائم الوقوف أمام الباب.
عندما كان ينهمك والده في عمله، كطباخ، كان هو يسرح ويمرح كما يقولون بين جنبات الثكنة.. ولكنه، أي والده، كان يحذره من الابتعاد عنه. ولكن الفتى.. رغم تحذيرات والده هذه، كان يذهب بعيداً، يلف و يدور بين أقسام الثكنة، يصعد من ا لطابق الأول إلى الثاني ثم ينزل إلى الطابق الأرضي. لقد أصبحت صور الغرف والممرات اليوم ضبابية تماماً في ذهن الفتى.. لا يستطيع أن يرسم ملامحها بشكل دقيق، ولكنه يستطيع أن يتحدث عنها من دون مبالغة في الوصف.
كان المبنى ككل المباني- يقصد المباني العسكرية- خاصة القديمة منها، عبارة عن بناء مستطيل، مؤلف من ممر يطل من جهة، عادة تكون غربية، عبر نوافذ كثيرة وكبيرة على باحة الثكنة، ومن الجهة الشرقية، على أبواب غرف واسعة، عالية الجدران والسقوف، بعضها تستعمل كمكاتب تجد فيها طاولات عدة، يقبع وراء كل واحدة منها عسكري تتراوح رتبهم ما بين جندي أول ووكيل أول أما الغرف التي كان فيها بعض الأسرّة فكانت للجنود المناوبين، طبعاً، لا يستطيع الفتى.. اليوم أن يقدر عدد العسكريين في الثكنة ولكنه يذكر، لم يكن كثيراً. كان عددهم قليلاً بالنسبة إلى ضخامة الثكنة واتساعها.
يذكر أن إحدى أهم رغباته التي كانت تدفعه للذهاب إلى الثكنة، هي الأكل! كان عندما يرافق والده إليها، يشبع من أكل اللحم والفواكه، كون والده أحد الطباخين الذين يعملون في مطبخ الثكنة. أما الرغبة الثانية فكانت أحد العرفاء الذين تعرف إليهم في الثكنة، بعد أن أصبحا صديقين حميمين. كان الفتى.. قد لقيه في الثكنة جالساً ذات يوم إلى شجرة سرو باسقة، طويلة كرمح، بين مجموعة من الأشجار القزمة التي لا يذكر اليوم اسماً لها. ولكن ما يذكره عنها، كانت ذات جذوع ثخينة وقصيرة، أما أغصانها فمعوجة ذات عقد وكتل، كأنها ظهور حدباء بأوراق صغيرة كريهة الرائحة إذا ما فركتها بين أصابعك.
يذكر عندما اقترب من العريف، كان جالساً على الأرض، مسنداً ظهره إلى جذع شجرة السرو، يحدق أمامه في الفضاء بعينين دامعتين! وهنا يود الفتى.. أن يشير، إلى أنه نسي أن يذكر، أن الثكنة كمعظم الثكنات المبنية في حلب، مبنية على تلة عالية، قبل امتداد العمران إليها كما هي اليوم، ظاهرة للعيان من بعيد، كأنها قلعة عتيدة في أعلى ا لتلة، بلونها الأصفر ونوافذها الزرقاء العديدة.
وصل الفتى.. إلى العريف من دون أن يصدر صوتاً في أثناء سيره. وقف قريباً منه، طبعاً الأمر الذي دفعه للوقوف هو الدمع الذي رآه معلقاً بأهداب العريف! هذا العريف، وكان اسمه درويش سيتحدث عنه الفتى.. بالتفصيل حين يحين وقت الحديث عنه.
كانت (الكامبات) تقع ما بين حديقة السبيل، وبين الطريق الإسفلتي الضيق المتجه إلى الشمال، إلى منطقة عفرين، إلى قرية(قيبار)، هذا الطريق الذي سافر عليه الفتى.. كثيراً في سيارات كبيرة وأخرى صغيرة، في أيام الصيف بعد أن تعطّل المدارس، ذاهباً إلى بيت جده، وفي أحيان أخرى، نادرة، كان يذهب إليها في أيام الشتاء الباردة.
كان بمحاذاة الطريق، مستودع لشركة الكهرباء، وهو ما زال إلى اليوم يستعمل كمرآب يقع قبيل ثكنة(طارق بن زياد) ببضعة مئات من الأمتار. في تلك السنوات البعيدة، كانت الأرض التي أقيم عليها المستودع واسعة وشاسعة، انتشرت فوقها الكوابل والأسلاك والأعمدة والصحون الزجاجية والحديدية والبرونزية التي تعلق بها الأسلاك عبر الأعمدة، وتوزع على البيوت، بحيث كان المستودع بحاجة إلى حراس كثر.. ما زال الفتى.. يذكر بصورة شاحبة، طريقاً ترابياً ضيقاً يشق المستودع إلى نصفين، ليفضي الطريق إلى صنبور ماء كان سكان(الكامبات) يشربون منه. وما يذكره، أنه كثيراً ما رافق والدته ليساعدها في جلب الماء عندما كان صغيراً، لا يقدر وحده على حمل(التنكة) المملوءة بالماء. أما عندما بلغ سناً تمكنه من حمل سطل صغير أو نصف(تنكة) كان يذهب وحده لجلب الماء. هذا الأمر كان يبغضه ويرميه في شجار مع أمه، خاصة في فصل الشتاء، لأن الماء كان ينسكب على قدميه ويديه كلما حاول نقل السطل أو(التنكة) من يد إلى أخرى. فما أن يصل إلى البيت حتى يكون قد بكى مرات عدة من شدة البرد.
أما في فصل الصيف فكان الفتى.. يسعد لأمر والدته، أن يذهب لجلب الماء لها. كان يلعب هو وبقية الصبيان والبنات طويلاً بالماء قبل أن ينقل منه قليلاً إلى البيت.
واليوم، يقول الفتى: «لو رجعنا قليلاً إلى الوراء وارتقينا التلة العالية الواقعة في حي(براكات السريان) الذي كان على يمين(الكامبات) لوجدنا التالي: برية تمتد باتجاهات أربعة، وفي غرب(الكامبات) تقع حديقة(السبيل) وهي حديقة كبيرة بالنسبة إلى الحدائق المتعارف عليها.. وأهم ما يميزها النوافير المائية، خاصة نافورة(رأس الأسد الحجري) الذي يفتح شدقيه على الماء المنسكب منهما إلى حوض واسع يطفح منه، ثم ينزلق منسكباً بسلاسة إلى الأسفل، إلى حوض حجري أصفر اللون، ومنه إلى مصرف فني جميل النقش. أما قاعة الموسيقا الواقعة في وسط الحديقة فهي قبة حجرية قائمة على مجموعة من الأعمدة».
يذكر: «كانت فرقة موسيقية من العساكر تأتي يوم الثلاثاء من كل أسبوع، إلى الحديقة وتبدأ العزف على مجموعة من الآلات والصنوج النحاسية.. مرشات عسكرية وأناشيد وطنية مدة ساعة تقريباً. كان يلتم لذلك كل المتنزهين في الحديقة، يتراصون حول القاعة المفتوحة الجنبات، يستمعون إلى الموسيقا الصاخبة التي كانت تضج بها الآلات وصدى الصنوج الذي تحدثه القاعة بسقفها العالي».
كان الفتى.. يهرع إلى الحديقة صباح كل ثلاثاء ليستمع إلى الموسيقا العسكرية التي كانت تعزفها الفرقة المؤلفة من ستة أو سبعة عسكريين، يلبسون البنطالات الشورت الخاكية اللون في الصيف.
وهنا يود الفتى.. أن يقول: « أعتقد بأن الفرقة كانت تأتي في فصل الصيف فقط لعزف موسيقاها» لأنه لا يتذكر اليوم، مما بقي في ذاكرته من صورهم، أنه رآهم بغير لباس الشورت، لا يذكر أبداً أنه رآهم ببنطالات طويلة، كما كان يلبس العساكر في فصل الشتاء.
كان المرء، هذا مايذكره، ينحدر عبر طريق إسفلتي يشق البرية ما بين حي(براكات السريان) وبين(الكامبات). هذه البرية التي كانت ملاعبه في الطفولة الأولى لا تشحب صورها في ذهنه أبداً.
ليعد الفتى.. إلى الحديث ثانية عن المستودع: « كنا أطفالاً أشقياء، رغم صغر سننا. كنا نقوم بسرقة الأسلاك النحاسية التي كانت تستعمل في مد الكهرباء إلى الأحياء، كنا ندقها بالحجر، لنجعل منها كتلاً صغيرة، ثم نضعها في أكياس ونذهب لبيعها في حي (براكات السريان) لشيخ مقدود، نحيف بشكل لا تصدقه العين، كان الشيخ خبيثاً بشكل لا يصدق، يغشنا بالوزن والسعر، حتى بالبضاعة التي كنا نشتريها من دكانه الحقيرة. كنا بعد أن نقبض منه بضعة(فرنكات) نشتري منه الأفلام والدحل والصياييح، أي البرام، أو شرائط المطاط التي نستعملها في اصطياد العصافير. هذا الشيخ الخبيث كان يحمل اسماً غريباً لم أنسه أبداً.. تصور أن يكون للمرء اسم يدعى «دادا».
يذكر الفتى.. قبل انتسابه إلى المدرسة، كان يحب العصافير لصلته اليومية بها، وذلك بسبب البرية التي تحيط(بالكامبات) وحديقة(السبيل). كان الصيد إحدى أهم شقاوة أترابه، ولكن الفتى.. كان خائباً في هذا المجال، رغم سلاحه الجيد! وهو «نقافة»، بمطاط أحمر، كان من المعروف بين الفتيان، أن المطاط الأحمر الذي يقص على شكل شرائط يبلغ عرض الواحد منها سنتمتراً واحداً، هو الأجود والأفضل بين الشرائط الأخرى.. الأسود مثلاً. كان الأخير قاسياً لا يمكن شده والتحكم به، أثناء الصيد، لأنه سرعان ما يتعب الصائد من قسوة الشد وصعوبته وعدم مرونته.
«قد يسألني أحد، يقول القتى: إذاً لماذا كنا نبتاعه؟ الجواب بسيط: كان ثمن المطاط الأسود عشرة قروش، أما الأحمر فكان ثمنه عشرين قرشاً. يتابع الفتى: لا شك سيضحك كل من سيسمع اليوم بهذه المبالغ المالية التافهة، ولكن في ذلك الزمن الذي أتحدث عنه كانت العشرون قرشاً مبلغاً كبيراً، كبيراً جداً.. كان لو أضفنا إليها خمسة قروش أخرى فيشكل مصروفاً لمدة أسبوع كامل لصبي مثلي.. لهذا السبب كنا، نحن الأطفال، نضطر إلى شراء المطاط الأسود لنوفر عشرة قروش من ثمن المطاط الأحمر».
كانت طامة الفتى.. ليست في خيبته كصياد، إنما أيضاً في نوع المطاط الذي كان يشتريه. لذا كان يفشل دائماً في صيده.. يذكر أنه في ذات يوم ضربته أمه ضرباً مبرحاً وهي تقول له: « لم أر فيك سوى الخيبة!» وكان سبب ذلك، أنه جرى بينه وبين والدته خلاف، بعد أن طلبت منه أن يجلب لها ماء (تنكة) بعد نفاذه من البيت، في اللحظة التي كان وبقية الأولاد يستعدون للذهاب إلى حديقة(السبيل) من أجل الصيد، فأخبرها إنه والأولاد ذاهبون لصيد العصافير.كررت أمه قائلة: « عليك جلب الماء قبل الذهاب إلى الصيد».
بكى رافضاً ذلك. ولكن أمه أصرت، ثم ضربته عندما وجدت منه العناد في عدم تنفيذ طلبها. ما لبثت أن قالت له: « تمنيت يا بن الكلب، لو جلبت معك ذات يوم من الأيام التي تذهب فيها إلى الصيد، عصفوراً واحداً اصطدته مثل بقية الأولاد.. لشفيت غليلي أمام الجارات، وتباهيت بك أمامهن مثلما يتباهين بأولادهن أمامي».
«المهم. يقول الفتى: بعد أن جلبت الماء ركضت ألحق بالصبية من أجل الصيد.. كعادتي مرت علي ساعات واحدة بعد الأخرى وأنا لم أصطد شيئاً، أما عندما قاربت ساعة العودة فلم أحمل إلى أمي عصفوراً واحداً كما كانت تتمنى ذلك. ولكي أحقق رغبتها هذه، لتفاخر بي أمام الجارات، على أني لست خائباً كما تتصورني، كان لا بد لي من التصرف، لا بد لي من حمل عصفور ما لأمي.. ولكن من أين لي العصافير؟
وأنا، يتابع الفتى: على هذه الحالة من اليأس، ونحن نصعد الطريق إلى البيت.. كنا ستة صبيان باستثنائي يحملون في أياديهم ما اصطادوه من العصافير المدماة إلا أنا.. وفجأة طلبت منهم الوقوف. قلت لهم: «ما رأيكم لو باعني كل واحد منكم عصفوراً من عصافيره؟ أريد أن أقدم أنا أيضاً لأمي بعض العصافير».
نظر الأولاد إلى بعضهم وهم مندهشون لما قلته!
كيف يمكن أن..
قال أحدهم، وكان اسمه أمير، ولاسمه الغريب هذا لم تغب صورته عن ذاكرتي أبداً، برأسه الصلعاء وأذنيه الرقيقتين الشفافتين، وشفته المشرومة كشفة الأرنب. قال: « لا بأس. ثم أردف بخبث: ولكن ما الثمن الذي ستدفعه لنا للعصفور الواحد؟» بعد طول نقاش تقرر أن أدفع(فرنك) واحد للعصفور، أذكر أني اشتريت خمسة عصافير، أي دفعت مصروفي الأسبوعي كله دفعة واحدة.
وهكذا دخلنا، نحن الصبية إلى بيوتنا، وكل واحد منا يحمل بيده عصافيراصطادها. وهنا، يقول الفتى.. لا أريد الحديث عن الأطفال الذين قدموا لأمهاتهم العصافير في ذلك اليوم، إنما أريد الحديث عن نفسي، وعن اليوم الذي افتضح فيه أمري، والخدعة التي حاولت أن أمارسها ضد أمي.
تناولت والدتي العصافير الخمسة من يدي وهي فرحة، وغير مصدقة عينيها ما تريان! أيعقل أن يأتي ولدها بهذا العدد الكبير، نسبياً، من العصافير، وهو الذي خاب حتى يوم أمس في جلب عصفور واحد؟ ناولتها العصافير دون أن أنظر إلى عينيها، إلا أني لمست نشاطاً في حركة أمي وانشراحاً في صوتها، ولكنها في اليوم التالي سألتني عن الطريقة التي اصطدت بها العصافير؟
لا أدري لماذا لمست في سؤالها أمراً ما؟ ولا أدري أيضاً، ماذا حل بي بعد أن أنهت أمي سؤالها، فلم يتح الوقت الذي منحتني إياه ما بين سؤالها وبين ضرورة الجواب عليها، التفكير مطولاً، إلا أني قلت في نفسي، سأخبرها عن حكاية من حكايات جدتي التي حدثتني عنها ذات يوم.. ولكني سألت نفسي: ماذا لو أن جدتي كانت قد سردت الحكاية نفسها على أمي عندما كانت طفلة؟ أليست أمها؟ والحكاية التي يمكن للجدة أن تحكيها لحفيدها، يمكن قبل ذلك أن تكون قد حكتها لابنتها! لذا قلت لنفسي عليك أن تحرّف كثيراً من جوانب الحكاية، عليك أن تصف لها حديقة(السبيل)، لكي تعرف بأنك لا تكذب.
وها أنت تتحدث لها عن رحلة الصيد-أقصد- صيدي في الحديقة، وها أنا، ابنها، لم يعد خائباً، يعود وهو يحمل عصافيراً في نطاقه، وغداً سيحمل لها أرانب وطيوراً برية.. وقد، هكذا قلت، أحمل لها بعض الغزلان من صيدي، ولكن-أقول لنفسي- كيف يمكنك أن تقنع والدتك بأنك اصطدت الغزلان في حديقة(السبيل) والغزلان لا توجد سوى في الغابات أو الصحارى، وفي الواحات كما هو معروف. لذا قلت، عندما تحدثها عن رحلة الصيد: حاول أن تقنعها اليوم بصيدك المقتصر على العصافير! قلت لها، وأنا أتذكر سؤالها عن الطريقة التي اصطدت بها العصافير: هل تعتقدين بأن أمر الصيد صعب؟ طبعاً، أضفت، ليس سهلاً أيضاً.. ولكن المرء، أقصد الصائد، تلزمه الشجاعة.. التي لولاها لما استطاع أن يتنكب بندقيته، ويجري أمامه كلاب الصيد، يخوض في مياه آسنة ورمال متحركة، أو يعبر جسوراً قديمة تخلى عنها البشر منذ عشرات السنين، بعد أن سكنتها الأرواح لتدفع المارين عليها إلى القناعة بأنهم ضلوا الطريق التي يبتغونها، فظلوا تائهين سنوات وسنوات، من دون أن يتمكن صائد واحد منهم العودة إلى دياره!
ويقال، أخبرت أمي، إن واحداً من هؤلاء الصيادين فقط عاد إلى بيته، كما قلت بعد سنوات! إلا أن أحداً من أهل بيته لم يعرفه، تنكروا له وقالوا: إن الذي جاء قد مات منذ أكثر من أربعين سنة، أما أنت فلا نعرف عنك شيئاً، ولا نعرف من تكون، وماذا تريد؟
عاد الصياد التائه مرة ثانية إلى المكان الذي جاء منه، يعيش في الأرض المجهولة التي دفعته إليها أول الأمر تلك الأرواح! طبعاً عندما يسأل سائل: لماذا لم يتعرف أحد من أهله بعد أن عرفوا فيه ذاك العزيز الذي غاب عن أنظارهم منذ سنوات عديدة، ذهب يافعاً وعاد شيخاً مهدماً.. هم الذين بحثوا عنه لسنوات طوال حتى اليوم والساعة واللحظة التي هلّ فيها عليهم ذلك الصياد التائه! يذكرون أنهم بحثوا عنه فلم تكل لهم قدم وخطو.. ولكن قبل أن يصل التائه، كانت أخباره قد وصلت إلى أهله، أوصلت الأرواح أخباره للأهل: أن روحاً خبيثة قد حلت بقريبهم العائد بعد أربعين سنة، عاد إليهم ليس كما كان بريئاً، إنما بعد أن أصبح روحاً شريرة. جاء لينقل الشر إليهم ويخرب بيوتهم فوق رؤوسهم. جاء ليميتهم واحداً بعد الآخر!
أذكر، يتابع الفتى.. أن أمي ظلت تنظر إلي وتستمع إلى حكايتي التي تابعتها قائلاً: أما عندما كان الصياد التائه في طريق عودته إلى حيث تلك الأرض، كانت الأرواح التي دفعته إليها ترافقه من جديد وهي تنشد له أغنيات فيها السخرية والهزء والحديث عن قدرتها وقوتها، وأن أحداً لا يستطيع الفكاك من سيطرتها، حتى لو عرف الصياد التائه وتلمس العودة إلى أهله بعد أن يكون قد أضاعه أو تاه عنه لمئات السنين..
قاطعتني أمي تسألني: «وبعد ذلك؟».
تابعت: يقال أن الصياد التائه كان قبل أن يصل إلى تلك الأرض اللعينة قد وقف عند أول جسر وصل إليه، وقف على طرفه ثم ألقى بنفسه إلى مياه النهر الجارية تحته، ولكن، لا أحد يعرف حتى اليوم يا أماه، إن كان الصياد التائه قد سقط في المياه فجرفته بعيداً ليموت بين جذوع الأشجار والنبات من قصب وغيره، أم سقط فوق الصخور وتحطمت أضلاعه وتهشمت عظامه؟
ويقال، ما أن غاب الصياد التائه حتى كفت الأرواح عن سخريتها وهزئها منه، لتجلس فوق الجسر، وتنظر إلى المكان الذي غاب فيه الصياد، تغني له أغنيات حزينة حتى تتلاشى الجثة ذوباً في الماء أو طعاماً للسمك. وعندما لا يبقى من الجثة سوى عظامها البيضاء كانوا يرفعونها في غطاء مضفور من العشب الأخضر ويرحلون بها إلى أهله، يرقدونها في أول الليل، يشعلون حولها النار حتى لحظة شروق الشمس، أي في اللحظة التي يخرج فيها أفراد عشيرته من بيوتهم إلى أعمالهم، فيردون عظامها لهم.. هنا كان أفراد عشيرته يرمون أنفسهم عليها ويبكون منشدين إن التائه قد عاد، عاد.. ويردف موضحاً أقرب الناس إلى جثة الصياد، زوجه مثلاً، أو أحد أولاده قائلاً: عاد وهو رميم..
لم تعجبني هذه القصة/الحكاية، يتابع الفتى: لأنها غير مقنعة.. لن تقنع والدتي، على أني كنت ذاك الصياد التائه الذي عاد إلى والدته، ولكنه ليس كوم عظام، إنما يحمل في نطاقه عصافيراً اصطادها.. وقبل أن أكشف لوالدتي التي سألتني جواباً عن الطريقة التي اصطدت بها عصافيري، قالت تنبهني:«ها أنت تحدثني بإحدى حكايات جدتك عوضاً عن الإجابة على سؤالي الذي طرحته عليك!».
لم أجبها، إنما أطرقت برأسي، بعد أن عرفت أن أخبار صيدي المزعوم قد وصلت إلى أمي، فما كان منها إلا أن هزت رأسها وقالت: «ستبقى خائباً رغم عصافيرك الخمسة التي حملتها لنا البارحة». ثم تابعت حانقة:« اصطد جرادة خير لك من أن تشتري خمسة عصافير لتخدعني على أنك صائدها، تفو.. يا ابن الكلب!».
استقرت البصقة على وجهي. رفعت رأسي، ثم هربت عندما تقدمت أمي تريد الإمساك بي، ومناولتي علقة لا رحمة فيها.
هربت إلى الحديقة من جديد، وعلى أحد كراسيها استلقيت مفكراً بأحوالي، ومسترجعاً مشاعري والانطباعات التي تركتها أمي في نفسي، عندما بصقت في وجهي، ومخاوفي وأنا أهرب منها، ثم تساؤلاتي: كيف يمكنني أن أعود إلى البيت بعد أن نفدت من بين يديها؟ لو أني تركتها تمسك بي، لتصفعني مرة وأخرى، لكانت قد تركتني لشأني بعد أن تكون قد نفّست عن غضبها.. لعدت إلى البيت من دون حرج، أما هربي من دون أن أمكنها من تنفيث غضبها فهذا يعني أن تظل تغلي إلى أن أنال عقوبتي، وهي الضرب المبرح هذه المرة! لذا علي الآن أن أفكر بكيفية عودتي إلى البيت.. وبعد تفكير طويل لم يكن أمامي سوى خيارين، الأول: أن أعود إلى البيت لأنال علقة مرتبة من أمي الغاضبة. والثاني: أن أجد مكاناً آوي إليه خلال هذه الليلة».
يتذكر الفتى.. أن هذا الأمر لم يأخذ من تفكيره إلا الوقت القليل، لأنه كان يفكر بأمر آخر تماماً. كان يفكر بسهولة الحياة التي وجدها عندما سرد الحكايات على لسان جدته، وكيف وجد الصيغ التي تمكنه من تبرير كثير من القضايا في حياته.
وعلى ذلك الكرسي الخشبي الذي تمدد عليه، راح يفكر بالطريقة السهلة التي حلل بها سبب خيبته في الصيد، ثم ما فكر به، وما سرده على والدته ليقنعها بما قام به، ليقنعها بأنه الذي اصطاد العصافير. أما ما قاله أمير لها، فهو محض افتراض! ثم كيف ألف حكاية طويلة حتى كاد أن يصدق نفسه على أنها الحقيقة.
« أذكر منذ ذلك اليوم، يتابع الفتى: استحوذت علي فكرة الأحلام والخيالات والرحلات الذهنية.. أي أخذت أبني وأشيد عوالماً في خيالي أكثر مما أشارك العالم في صناعته وصناعة تاريخه. واليوم، يتابع الفتى: أشعر بعجزي عن القيام بأي تصرف عملي ناجح، مثلاً: تركيب جرة غاز. واذكر أيضاً عندما كنت أتحدى نفسي في لحظات، كنت مضطراً إلى تركيب جرة الغاز، كنت أحس بأن العالم يقف ضدي،لما أحسه من قهر ليس له حدود.
كان هذا الوضع بالنسبة لي رحمة ولعنة بآن واحد! رحمة لأنه أصبح زادي كإنسان، ولعنة، لأنه، كان علي أن أحيا في عالم ككل الناس الذين يخوضون صراعاً تلو الصراع من أجل البقاء، بدءاً من تأمين لقمة العيش، وانتهاء بتحقيق الأحلام الكبرى.
هذا الأمر، يتابع الفتى: تحقيق الأحلام الكبرى، لم يحن أوانه بعد، لأنني ما زلت أتحدث عن طفل صغير كنته ذات يوم».
ذات صباح، عندما استيقظ الفتى.. شعر، وهو ما زال في الفراش، بأنه تأخر في نومه، لذا لا بد أن ساعة الظهيرة قد حلت. فدفع عنه اللحاف، وقام عن الفراش مندفعاً باتجاه الباب، وهو يفرك عينيه ليزيل عنهما العمش والغبش اللذين يمنعان الرؤية الواضحة عنه.
التفت حوله بعد أن شعر بغياب أمه عن البيت. فتساءل: «غريب! إلى أين ذهبت؟».
وصل إلى الباب، كان مغلقاً، فدفعه أمامه متوقعاً أن تغمره أشعة الشمس وهي في عز الظهيرة.. ولكنه فوجئ، عندما لم يجد شيئاً من بهاء الشمس تغمر عتبات (الكامبات)! كان الظل، رغم أن الوقت نهاراً، يمتد بعيداً عن حيطان (الكامبات). فخرج ملتفتاً حوله، استغرب الفتى.. لأن الوقت ما زال صباحاً!
سمع صوت أمه- كانت جالسة مع بعض الجارات في ظلال جدران (الكامب) العالية، وهن يشربن الشاي- تسأله: «استيقظت أخيراً؟».
نظر إليها وهو يهز رأسه بالإيجاب، ثم عاد أدراجه من جديد إلى داخل البيت. ذهب إلى (قلة الماء) يسكب منها الماء على رأسه، ليغسل وجهه.. وما إن انتهى من ذلك حتى سمع الباب يفتح لتدخل أمه عليه.
وقفت بالباب وهي لا تصدق ما رأت، ثم قالت معلقة: «أيعقل؟ تغسل وجهك قبل أن تتناول إفطارك!».
ابتسم لها متوجهاً إلى (النملية) فتح بابها الخشبي، حيث يغطيه شبك منخلي بالكامل. نظر إلى داخلها فلم يجد سوى الزيت والزعتر. بلع ريقه وهو يشعر مسبقاً بشيء من الحموضة في معدته، لذا انسدت شهيته، ولم يعد يشعر بالجوع.
التفت باتجاه اليمين، حيث كانت أمه واقفة، تنظر إليه، عندما سألته: « ما بك؟ ألا تريد أن تتناول فطورك؟».
أجابها: « لا».
تابعت أمه بعد أن خمنت ما كان يريد قوله: «ماذا أفعل يا بني.. لم يصل راتب والدك بعد. وما لدي من المال لا يسمح لنا بالتبذير. علينا أن نتحمل».
ثارت في نفسه موجة من الحقد الممزوج برغبة في البكاء. إلا أنه مد يده مرغماً إلى الخبز وراح يغمس ما يقطعه منه بالزيت والزعتر، ويرفع اللقمة إلى فمه، ثم يلوكها كأنه يلوك تبناً.
سأل والدته وهو مستمر في الأكل على رغمه: «ماذا، هل جاءت جدتي؟».
استغربت أمه السؤال، وقالت: «من قال إن جدتك قد جاءت؟».
أجابها: «لا أدري.. ولكني سمعت صوتها.. سمعته قبل أن أستيقظ بوقت قليل، سمعتها تقول: لقد جلبت لكم نصف (تنكة) من الزيتون الأخضر، ونصف آخر من العطون الأسود».
سألته أمه باستغراب: « هل سمعت جدتك تقول هذا؟».
أجابها: « نعم. لقد سمعتها.. إلى أين ذهبت؟ هل ذهبت إلى بيت جارتنا، كلي؟».
صرخت أمه في وجهه: «بماذا تخرف يا ولد؟ لا بد أنك رأيت ذلك في المنام، أو رغبتك في أكل الزيتون هي التي دفعتك إلى أن تتخيل مجيء جدتك!».
قال لها باحتجاج وغضب، وهو يغلق باب (النملية): « أنا لا أتخيل.. أنا رأيتها بعيني».
قالت أمه: « نعم. ولكن في النوم».
ثم تقدمت من البلاطة حيث هي بمثابة مطبخ، يطبخ فوقها الأكل،ويوضع عليها، أيضاً الأوعية الزجاجية والفخارية المملوءة بالبرغل والزيت والبهارات، وبعض الأكياس القماشية التي تحتوي على (المونة) السنوية. قالت أمه: «إن موسم الزيتون لم يأت بعد.. حتى تأتي جدتك حاملة لك الزيتون والعطون، فنحن لا نزال في أول أيلول».
نظر إليها وهويمسح ما علق بيده من زيت وزعتر بطرف سرواله.. مما أدى بأمه أن تصرخ به، ألاّ يفعل. أن يبقي ثيابه نظيفة، ولو ليوم واحد.. إلا أنه هرب منها، منطلقاً خارج البيت.
انحدر الفتى.. إلى الساحة، حيث تعوّد أن يلتقي بالأطفال، ومنها ينطلقون إلى حديقة (السبيل)، أو يتجولون في أطراف (الكامبات)، وأحياناً، وهي نادرة جداً، كانوا يتسللون إلى منطقة (الفيلات) والخوف يملأ صدورهم. تذكر الفتى.. كيف كانوا يسيرون حذرين وهم يتلفتون فيما حولهم، كأنهم في بستان يريدون سرقة الفاكهة منه، دون أن يراهم الحارس.. ولكنه يذكر، ما أن يخرج بعض قاطني (الفيلات) من أبوابها، حتى كان الفتى.. وصحبه الأطفال يختفون في أقرب منعطف لهم، يهربون كما يهرب الناس من المصابين بالجذام.
تجول في الساحة كما كان يتجول فيها كل يوم، ولكنه، يا للغرابة، لم يجد أي طفل من الأطفال الذين يعرفهم ويشاركهم اللعب موجوداً في الساحة! ليس هذا فقط، إنما لم يجد حتى الأطفال الذين كانوا يكبرونه بأكثر من سنة.. كانت الساحة خالية تماماً. التفت فيما حوله ثم راح يلف ويدور، ينظر إلى مداخل (الكامبات) لعل وعسى يرى طفلاً فيها، أو أكثر ليهرع إليه ويبدأ باللعب والتجوال في البرية المحيطة (بالكامبات).
بقي الفتى.. وحده بعد طول تجوال، فجلس فوق بعض الحجارة وهو لا يعرف ماذا يفعل؟ رأى بعض النسوة، يذهبن لجلب الماء من القسطل الرئيسي للمياه أو يتوجهن إلى بعض جاراتهن للتسلية وتزجية الوقت.
مازال يذكر ذلك اليوم، أو بشكل أدق، ذلك الصباح، كان من أطول الصباحات والأيام التي قضاها فيما بعد.. وهو ينتظر هذا الأمر أو ذاك. كان انتظاره طويلاً جداً. ولكنه في ساعة الظهيرة يرى أول الأطفال من الشلة.. ثم ظهر الثاني والثالث.. الخ. حتى أولئك الأطفال الكبار ظهروا الواحد تلو الآخر، قادمين من طريق واحد، الطريق الترابي الذي يشق البرية الممتدة ما بين (الكامبات) وبين حي (براكات السريان) هرع إليهم، وهو يشعر كأنه قد أنقذ من ضياع أو من غرق وشيك وهو يصرخ بهم: «أين كنتم؟» ولكنه ما إن وصل إليهم، ورأى الحقائب المصنوعة من الخرق المعلقة بأكتافهم حتى توضحت له الصورة، وتكشفت أسباب غيابهم الطويل هذا الصباح.
كانوا قادمين من المدرسة.
كان قد نسي تماماً أن المدرسة فتحت أبوابها هذا الصباح.. شعر بشيء من الحزن، رغم أنه في يوم البارحة كان فرحاً لأنه لن يذهب إلى المدرسة، لن يستيقظ باكراً في البرد شتاءً والحر صيفاً.. نعم. يذكر الفتى.. بأن حزناً عميقاً قد انتابه، لذا تمنى لو ذهب مثلهم إلى المدرسة. كانت أمه تريد مثلها مثل بقية الأمهات أن ترسله إلى المدرسة إلا أن غياب والده، بسبب عمله، عن البيت هو الذي مانع في التحاقه بالمدرسة.
في ذلك اليوم لم يسأل الأطفال عن المدرسة، هل هي جيدة أم؟؟؟ إلا أنه خمن عبر مشاهدته ومراقبته لوجوه الأطفال لا بد أن تكون المدرسة جيدة. يذكر الفتى.. كيف رافق أترابه من الأطفال صامتاً وهو مطرق.. / قد يسأل سائل عن أسباب عدم انضمامي، يقول الفتى.. إلى المدرسة كباقي الصبيان: يعود ذلك إلى أن والدي كان في ذلك العام في الجبهة، أما والدتي فلم تكن تحمّل نفسها مثل هذه الأعباء لقلة درايتها بها. لذا في صباح اليوم التالي، استيقظت مبكراً جداً، قبل طلوع الشمس وخرجت من (الكامب).. كان الجو في ذلك الصباح بارداً إلى حد ما، والظلال الرمادية تغطي الأرض المحيطة (بالكامبات) ظللت واقفاً أمام الباب أكثر من ساعة، قبل أن أرى خروج الصبيان من بيوتهم متوجهين إلى المدرسة. كانوا يضحكون ويتشاجرون ويتشاتمون.. وفجأة توقفوا ونظروا إلي باستغراب، ثم قالوا: «ماذا بك؟ لماذا أنت واقف كالأبله؟ هيا معنا على المدرسة!».
قلت لهم لحظة، دخلت إلى البيت وتناولت حقيبة من الخرق كانت أمي تستعملها في شراء بعض الحاجيات، وعدت إلى الأطفال من دون أن تعلم أمي بذلك.. فراح الأطفال يضحكون من الحقيبة المعلقة بكتفي، لأنها كانت كبيرة، كانت واضحة لمن يراها، أنها حقيبة للخضار وليست للكتب المدرسية ودفاترها.
ما زلت أذكر كلما اقتربت من المدرسة كيف كنت أبطئ من سيري، ثم ما ألبث أن أحث الخطى لألحق بالأطفال، وأنا أتطلع فيما حولي بعد أن خرجت من البرية، ودخلت حارة (براكات السريان) بينما الأطفال من حولي يتراكضون وراء بعضهم، يتشاتمون، يقهقهون، ويطلقون من بين شفاههم موجة من الصفير الحاد حيناً، والغليظ في أحيان أخرى. ومع دخولنا إلى حارة (براكات السريان) شعرت بدق عنيف في صدري.. كنت دائب التلفت، أنظر فيما حولي، كأني أبحث عن أحد أعرفه لينقذني مما أنا فيه.. كنت أقول، لو رأيت أحداً ما من الذين أعرفهم لهرعت إليه، ألوذ به، طالباً منه ان يعود بي إلى المنزل!.
كانت البيوت التي أخذت تحف بي، واطئة الأسقف، معظمها مبني من البلوك الحواّري الأصفر الشاحب، تغطي أسطحتها صفائح صدئة وبعض الأعمدة الخشبية، هذا إلى جانب، كان كل بيت من بيوت الحي يحيط به حوش حجري، يرتفع وراءه بعض الأشجار، وكانت معظمها من التوت والسرو..
وفجأة.. عندما خرجنا من زقاق ضيق إلى آخر واسع، أصبحنا في زقاق ينفتح وسطه كساحة صغيرة، فواجهني مبنى كبير من الحجر، تتوسط واجهته بوابة حديدية واسعة، كان الملفت فيها، أنها مزينة بصلبان حديدية، وإلى جانب البوابة، باب خشبي سميك، ليس كبيراً، وأيضاً ليس بالصغير.. شعرت بلكزة في خاصرتي من أحد الأطفال الذين أرافقهم، قائلاً وهو يضحك: « لقد وصلنا».
دخلنا باحة المدرسة، كانت متوسطة الحجم يقوم حولها بناء ذو طابق واحد، مقسم إلى غرف تسمى، الصفوف.. رأيت عدداً كبيراً من الأولاد والبنات، كان بعضهم كبيراً مثلهم مثل البنات كان عدد منهن شابات، حتى أن صدورهن كانت نافرة تحت (المريول) الأسود ذي الياقة البيضاء، حيث يرتديها جميع التلاميذ والتلميذات.
دخلت الباحة وأنا مستمر في الالتفات حولي، كأنني أدخل إلى مدينة مجهولة، أو إلى بناء غريب، وخوف يقرصني في قلبي. كان الوقت باكراً على دخولنا إلى الصفوف، لذا أخذت شيئاً فشيئاً أشارك الأطفال في ألعابهم، ويزول ما كنت أحس به من مشاعر العزلة والخوف والتردد من صدري أيضاً.. إلى أن دق الجرس.
تم جمعنا في أرتال، كل صف في رتل واحد للصبيان وآخر يحاذيه للبنات.. ثم بعد تحية العلم، وإطلاق بعض الشعارات التي نسيتها تماماً، دخلنا إلى الصفوف رتلاً وراء رتل. جلس كل تلميذ إلى مقعد معين، وإلى جانبه جلست تلميذة.. لم يبق خارج المقاعد أحد سواي.. رحت أتلفت فيما حولي، أبحث بعيني عن مقعد أجلس عليه، إلا أنني لم أجد أي واحد خال.. شعرت بخوف واضطراب، خاصة عندما دخلت علينا فتاة كبيرة، لها شعر أسود وعينان سوداوان، ترتدي ثوباً زهرياً، بقبة زرقاء، دخلت علينا وهي تضحك ملقية علينا تحية الصباح. ثم دعت التلاميذ إلى الوقوف.
وقف الصف كله صبياناً وبناتاً.. ثم سمعت، عندما اتخذت الفتاة مكاناً لها وراء طاولة يعلوها على الحائط سبورة سوداء، سمعت كلمة: جلوس.
جلس جميع الصبيان والبنات. التفت أنظر إليها وأنا أشعر برعب حقيقي! خاصة عندما رأيتها تنظر إلي وفي عينيها سؤال.. اقتربت مني وهي تسألني، أو تسأل الصف: «أرى أن لدينا تلميذاً جديداً؟» وصلت إلي، انحنت فوقي، وهي تضع يدها على كتفي وتسألني: «ما اسمك يا شاطر؟» لم أستطع أن أجيب. رحت أتلفت فيما حولي وكلي ذعر.. حتى أن صبيان الصف وبناته انفجروا بالضحك مني. أما أنا فانفجرت ببكاء مع صرخة أطلب فيها أمي.
أخذتني الفتاة من يدي، وهي تهدئني وتقول: «لا تخف، أنت هنا في مدرسة.. لقد أصبحت شاباً، لم تعد طفلاً صغيراً حتى تنادي على أمك». ثم أخرجت من حقيبتها قطعة من السكر ملفوفة بورقة ملونة، وقدمتها لي قائلة: «خذ هذه (البونبونة) فهي فقط للتلاميذ الشاطرين الذين لا يبكون».
سكت وأنا أضع قطعة السكر في فمي، فضج التلاميذ مرة ثانية بالضحك، مما سبب لي هذه المرة ردة فعل عكسية، فرحت أشاركهم الضحك أيضاً.
أخذتني الفتاة التي عرفت فيما بعد أنها تدعى في الصف والمدرسة بـ (الآنسة)، أخذتني برفق إلى مقعد وطلبت من الصبي الجالس عليه، أن يفسح لي مكاناً ريثما تطلب من (الآذن) في (الفرصة) أن يحضر مقعداً آخر إلى الصف.
لم أصدق أبداً ما رأت عيناي عندما صمت جميع الصبيان والبنات عندما طلبت منهم الآنسة ذلك. ثم بدأت تلقي علينا درسها، لم أعد أذكر عن ماذا كان.. إلا أنني طوال فترة الدرس كنت أتلفت فيما حولي، وأنا لا اصدق أذناي، بأن هناك صمتاً يمكن أن يكون بوجود أكثر من ثلاثين صبياً وبنتاً.
مر الدرس دون أن أحس بوطأة الزمن، وهذا الأمر حدث عندما بدأ الدرس الثاني.. إلا أن رجلاً، جاء يقرع الباب علينا، وما إن دخل إلى الصف حتى سمعت من الآنسة تهتف بنا: قيام. ثم تطلب منا الجلوس، وهي تخاطب الرجل بكلمة غريبة لم أفهم معناها، كانت تقول له وهي تخاطبه (ملفونو) عبد النور. ثم رأيت أن حواراً جرى بين الآنسة وملفونو عبد النور وهما ينظران إلي.
اقترب الرجل مني.. وهو يرسم على وجهه ابتسامة، وقف أمامي وسألني بعض الأسئلة، كانت تتعلق بأمر انتسابي إلى المدرسة، ثم طلب من الآنسة أن تحضرني معها في أثناء (الفرصة) إلى الإدارة.
التفت فيما حولي كأني أبحث عمن يفسر لي ما قاله الرجل. إلا أن الآنسة ضحكت في وجهي وهي تقول: «لا تخف.. سنذهب إلى الإدارة في الفرصة.أما الآن..هيا إلى مقعدك واستمع إلى الدرس».
طوال الدرس كنت أفكر بكلمة (ملفونو) فلم أعرف لها معنى، هذا إلى جانب طلبه، لي، من دون الآخرين أن أزوره في غرفة الإدارة. أمسكت الآنسة بيدي وهي تشجعني: «هيا، علينا أن نذهب إلى (ملفونو) عبد النور».
في غرفة صغيرة إلى حد ما، وقفنا أنا والآنسة بعد أن صعدنا إليها عبر درجتين قبل أن نتخطى عتبة الغرفة. استقبلنا(ملفونو) وهو جالس وراء طاولة متوسطة الحجم، فوقها جهاز أسود له شريط، كان هاتفاً، طبعاً عرفت هذا فيما بعد بعدة سنوات. طلب الرجل منا أن نتقدم من الطاولة، ثم طلب من الآنسة أن تجلس على كرسي خيزراني قريب من الطاولة. ثم التفت إلي وتأملني وهو يبتسم.. وبعد حين سألني: «لماذا لم تسجل اسمك لدي يا بني؟ وأنا أرى فيك من يحب المدرسة».
التفت إلى الآنسة أطلب منها العون والمساعدة. ابتسمت الآنسة وقالت: «هيا. أخبر(ملفونو) ولا تخف».
قلت:«لم أعرف أن المجيء إلى المدرسة بحاجة إلى التسجيل».
ضحك(ملفونو) وقال: « ألم تسأل زملاءك الطلاب؟».
أجبته بالنفي.. سألني: «أين تسكن؟».
أجبته: «في(الكامب)».
سألني: «ماذا يعمل والدك؟».
أجبته: «لا أعرف.. ولكنه يعمل في الجيش».
هز(ملفونو) رأسه وقال: « إذاً بّلغ والدك أن يأتي معك في الغد لكي يسجل اسمك في المدرسة».
رفعت رأسي إليه، وقلت بصوت عال وبحركة، كأني كنت أخاف أن تهرب مني الكلمات، وأنسى الأسباب التي منعتني من التسجيل في المدرسة. قلت: «والدي ليس في البيت، وأمي لا تعرف كيف.. لها أن تسجلني في المدرسة».
ابتسم الرجل وسألني: «لماذا؟ هل تخاف أمك الخروج من البيت؟ وقبل أن أجيب على سؤاله، تابع في أمر آخر: أين ذهب والدك، أليس في البيت؟».
أجبته: « ليس في البيت، فهو يغيب أحياناً أسبوعاً أو شهراً عن البيت».
هز الرجل رأسه وقال: « لا بأس.. سأكتب لك يا بني ما يتطلبه من الوثائق لتسجيلك في المدرسة، وعلى والدك أن يجهزها فور عودته.. ثم تابع في أمر آخر: أما الآنسة مريم ستخبرك، عما يجب عليك أن تشتريه من دفاتر وأقلام.. وعندما يأتي والدك، عليه أن يأتي معك لتتم عملية تسجيلك بشكل رسمي».
وصمت، ثم تابع: « أما الآن فعليك أن تتابع دروسك.. وألاّ تنقطع عن المجيء إلى المدرسة. هل اتفقنا؟».
أجبته وأنا فرح: « نعم».
«إذاً هيا إلى الصف. قال(ملفونو) ونظر إلى الآنسة مريم وقال لها: اهتمي به.. تبدو عليه علائم النباهة».
خرجنا من غرفة الرجل.. إلى الباحة، ولم تمض دقيقة حتى دق الجرس، ثم ما لبثنا أن توجهنا إلى الصفوف لحضور الدرس الأخير في اليوم الأول لي، في المدرسة.
يذكر الفتى.. أن أمه كانت قد قلبت الدنيا باحثة عنه، عندما لاحظت غيابه، ولم يعرف مدى الحماقة التي ارتكبها، إلا في لحظة عودته مع الصبيان إلى البيت.. أما ما جرى له بعد ذلك، فيذكره بكل تفاصيله، لأنه نال علقة لم ينسها أبداً.
عاد إلى البيت مع بقية الصبيان وهو فرح وسعيد.. ولكنه، ما أن اقترب من البيت حتى رأى أمه واقفة أمام الباب .. ما لبثت أن تقدمت وهي تنظر إليه نظرة- لم يرها على وجهها إلا في ذلك اليوم، أو يفسرها. أو يسأل نفسه: ماذا تحمل وراءها؟ لأنه كما أخبرنا الفتى.. منذ حين، كانت في تلك اللحظة: كل مشاعره متوجهة إلى المدرسة والصبيان الذين درس معهم، ولكنه اليوم، وهو يتحدث عن تلك الساعات، خاصة لحظة وقوفه أمام أمه.. عرف كيف كانت نظرتها. وماذا تحمل من علامات ومعنى؟
كانت أمي، يقول الفتى: «تنظر إلي وأنا أقترب منها، بنظرة منحرفة جهة اليسار، حيث كنت والصبيان مقبلون منها. لم أر، أو لم أنظر إلى يديها، كانت بلا يدين. مجرد عضدين يميلان إلى الخلف ويختفيان وراء ظهرها. لم أر أمي في يوم من الأيام في مثل تلك الوقفة التي كانت تنتظرني بها أمام باب(الكامب).
أذكر، ما إن وصلت إليها، وقبل أن أقول لها: أمي، يجب أن أذهب في الغد مع الصبيان، كانت قد أمسكتني من رقبتي النحيلة، ورفعتني عالياً، ثم رمتني بعد أن خطت ثلاث خطوات واسعة باتجاه باب بيتنا، وهي تصرخ بي في وحشية: «أين كنت يابن الكلب؟».
سقطت على الأرض، فشعرت مع ارتطامي بالإسمنت بأن عظام حوضي قد تحطمت، فأطلقت صرخة وجع هائلة، وأنا أمد يدي إلى قفاي أتلمس مكان الوجع.
ارتفع صوت أمي ثانية: «قل يابن الكلب، أين كنت طوال هذا النهار؟».
صرخت بها، وأنا أرفع يدي اليمنى أمام وجهي، أمدها باتجاه وجهها: «في المدرسة. لقد ذهبت مع الصبيان إلى المدرسة».
كانت أمي، في تلك اللحظة، قد مدت يدها تريد أن تمسكني من رقبتي مرة ثانية، لترفعني عالياً.. لا أدري اليوم، إن كانت سترميني إلى الأرض، كما رمتني في المرة الأولى، أم أنها كانت ستلوح بي وتقذفني إلى الحائط لأرتطم به، ثم أسقط كجوال فارغ على الأرض.
وقفت، بعد أن أوقفت أمي اندفاعها باتجاهي، وسكن ساعدها أمام وجهي بخمس أصابع مفردة، وهي تقطب ما بين حاجبيها. قالت: «ماذا؟ كنت في المدرسة! أي مدرسة يا..؟».
تهدلت قامة أمي وحلت أعصابها، فجلست على الأرض إلى جانبي وقالت: «احك لي.. أي مدرسة كنت فيها؟».
قصصت عليها وقائع يومي منذ الصباح إلى ساعة عودتي إلى البيت في ساعة الظهيرة.
سألتني، وأنا ألمس لهجة الندم في سؤالها: «أتريد أن تذهب إلى المدرسة؟».
أجبتها: «نعم».
قامت عن الأرض، وراحت تفكر. ما لبثت أن ذهبت إلى (الوكيل) عبد الرحمن معمو، وأخبرته برغبتي، وطلبت منه إن كان ليس لديه مانع، أن يأخذني غداً إلى(براكات السريان) ليسجلني في المدرسة، لأن والدي كان في تلك السنة، في مدينة بانياس على حدود فلسطين.
وما أذكره عن تلك الليلة، أن أمي قضتها وهي تجهز حقيبتي المدرسية. كانت عبارة عن كيس مصنوع من القماش السميك، أضع فيه كتبي ودفاتري وبعض الأطعمة لأتناولها في المدرسة. كان الكيس مشدود الطرف بحبل صوفي لأعلقه بكتفي.. وهكذا بعد يومين لا غير كنت تلميذاً نظامياً مثل بقية التلاميذ.
* * *
في شهر أيلول، يذكر الفتى.. أنه قاطع جميع التلاميذ الذين كانوا يماثلونه في السن والصف.. لا يعرف اليوم سبب ذلك، ولكن ما يخطر بباله الآن، كان السبب هو غمزهم ولمزهم من(ماري روز) كان خلال الأيام الماضية قد استاء جداً من تصرفاتهم وسلوكهم تجاهها، لذا صرخ أن يكفوا عن ذلك، ثم تابع مهدداً: إن لم يكفوا، سيتصرف..
كان من حيث البنية الجسدية، أكثرهم قوة ومتانة، لذا خاف الصبيان منه، ثم ما لبثوا أن ابتعدوا عنه فوجد نفسه بعد ذلك وحيداً مع(ماري روز) يذهبان معاً إلى المدرسة ويعودان منها سوية.
كانت سعادتنا، يقول الفتى.. كبيرة فلم يعد يزعجنا أحد، كنا نسلك وحيدين الطريق البرية التي تعلوها الحجارة البيضاء، وقليلاً من الشوك. كنا نسرع أحياناً، نسبق التلاميذ بعدة مئات من الأمتار، بحيث لا نسمع منهم أي صوت. كنا نصل إلى المدرسة قبل أن يصلوها بأكثر من ربع ساعة. وأحياناً كنا نتأخر عنهم عندما نجد لدينا بعض الوقت، نذهب إلى المدرسة ونحن مرتاحان ومن دون منغصات منهم.
اليوم، يحاول الفتى.. أن يتذكر بكثير من تفاصيل بعض الأمور التي لعبت دوراً هاماً في حياته، وقلبت بعضاً من القناعات في نفسه رغم صغر سنه.. وكان السبب الحاسم في ذلك.. آنسته مريم. في تلك الفترة وهو طفل لا يتعدى السابعة، كان قد اطلع عن طريقها على حياة السيد المسيح عليه السلام. عرف منها عذابه وآلامه، ثم صلبه بعد أن خانه(يهوذا الأسخريوطي) وتخلى عنه بطرس.
يتذكر اليوم كيف كانت آنسته مريم تقوم بالتمثيل وهي تسرد على التلاميذ مقاطع من وقوف السيد المسيح أمام(بيلاطس). كان ينظر إلى وجه آنسته مريم، يمعن النظر في تقاسيمها التي كانت تنقبض وتنفرج مع كل حركة تقوم بها، وهي تحكي بأسلوب تمثيلي حياة المسيح عليه السلام. كانت ترسم الخوف واللامبالاة والحيرة والنرفزة، وهي تتحدث ما كان يقوله(بيلاطس) لليهود المتجمعين الذين يطالبونه بصلب السيد المسيح..
كما كانت ترسم الطيبة والحب والكبرياء والأنفة الممزوجة بالحزن وهي تتحدث على لسان السيد المسيح، ما كان يقوله لـ(بيلاطس).
ولعل الفتى.. رأى أفظع صورة على وجه آنسته عندما كانت تتحدث عن تلميذ المسيح الخائن. كانت تقوم بحركات من يديها، بحيث ترسم على وجهها الجميل كرهها لـ(يهوذا الأسخريوطي)، وهي تصفه بالخائن الأكبر.
والصورة الأخرى التي لا يمكن للفتى.. أن ينساها، هي عندما كانت تحدثهم عن اللص الذي أطلقه(بيلاطس) من سجنه بعد أن افتداه اليهود بالمسيح عليه السلام.
كنا نرى، يقول الفتى: على وجهها البلاهة والدهشة والمعجزة و(براباس) اللص لا يصدق أن سراحه قد تم.. كان يمشي بقدمين متعثرتين وهو يتلفت حوله غير مصدق ما سمع، وما رأى من أشعة الشمس وهو يهرب منطلقاً في البرية تحت الشمس.
أما عن بطرس، فكانت تحدثنا بحزن، بحزن شديد وأسف، لتخاذله، لخوفه عندما أنكر على نفسه معرفة السيد المسيح.
أما الأمر الذي أثر فيه بقوة فهو شخصية آنسته مريم..
مريم.. يقول الفتى: لقد نسيت كنيتها، وهي اليوم امرأة تقترب من الستين وكانت آخر مرة رأيتها فيها منذ ثلاثة أشهر، كانت تملك مسحة من ذاك الجمال الغابر، عندما كانت في العشرين أو الواحد والعشرين..
هذه الفتاة التي كانت ذائبة في حب السيد المسيح، كنت لا أراها إلا فرحة، ضاحكة، تلاعب التلاميذ، تحكي لهم الحكايات والقصص، كانت كتلة من الحركة لا تعرف الوقوف أو التوقف، ففي أيام الآحاد، وهي أيام عطلة رسمية لمدرستنا، تطلب منا أن نحضر إلى الكنيسة لأداء الصلوات.. طبعاً كانت تقصد التلاميذ ذوي الديانة المسيحية.. لقد أحببتها جداً.. وذات يوم، وكان يوم سبت سألتها، إن كان هناك مانع لديها أن أحضر غداً إلى الكنيسة لأداء الصلوات! فأجابت وهي تبتسم لي: ليس هناك أي مانع، تعال غداً.. ثم وقفت تنظر إلي، كأنها تراجع في نفسها ما قالته لي، كأنها قالت لنفسها، ولكنه مسلم. لقد شعرت في تلك اللحظة بالخوف من أن ترفض طلبي، وتقول لي: لا. عليك الذهاب إلى الجامع.. ولكنها لم تنطق بحرف.
وفي صباح يوم الأحد، لبست أفضل ثيابي، ثم ذهبت إلى بيت(ماري روز) ومنه انطلقنا إلى(براكات السريان) لحضور الصلوات.
استغربت أمي، عندما وجدتني ألبس ثياب العيد، وهي ثياب كنت أرتديها مرتين في السنة، في عيد الفطر مرة وعيد الأضحى مرة أخرى. كنت أستمر في ارتدائها إلى حين أن تضيق علي، فتجد أمي حلاً لها، وهو توسيع الثياب قليلاً لكي تلائم قامتي التي تنمو يوماً بعد يوم.
سألتني أمي في الصباح: «أين أنت ذاهب؟ أليس اليوم هو يوم عطلة؟».
أجبتها: نعم. ولكن هناك احتفال في المدرسة، طلبوا منا أن نحضره.. وها أنا سأمر على ماري لنذهب سوية.
انطلقت أنا وماري روز باتجاه(براكات السريان). كان صباح ذلك اليوم مشرقاً، دافئاً. رغم أنّا، كنا في أواخر شهر تشرين الثاني، وكانت الأمطار قد هطلت بغزارة في الأسبوع الفائت، ثم انقطعت لمدة أسبوع. كانت الشمس خلال ذلك الأسبوع مستمرة في سطوعها، فنما العشب التشريني، وغطت زهور صغيرة، جميلة، زاهية الألوان البرية التي كانت تفصل(الكامبات) عن حي(براكات السريان). كنا فرحين، أنا وماري روز، وكل واحد منا يمسك بيد الآخر، نلوح قبضتينا المتماسكتين إلى الأمام وإلى الخلف، ونحن نغني بعض الأناشيد التي تعلمناها في المدرسة. ثم ما نلبث أن نركض بفرح مسافة طويلة، لنقف بعد ذلك، ثم نعاود سيرنا الهادئ ونحن نلهث. نضحك، وخدودنا تشع بالحرارة، بعد أن تصبح بلون الشمندر.. ولكنا، في أحيان أخرى، نمشي، نقطع مسافات طويلة صامتين، لا ننطق بحرف واحد إلى أن نصل المدرسة.
كانت الآنسة مريم تجمعنا في صفوف، ثم تقوم بجولة تفتيشية علينا، تنظر إلى ثيابنا ونظافتها، قبل أن نتوجه إلى باب الكنيسة. كان الباب من الخشب السميك المزخرف، وفي أعلاه يدان تتقاطعان بحنان، ترفعان راحتيهما إلى الأعلى، كأنهما تحميان شيئاً ما، مقدساً ما، تخافان سقوط ذاك المقدس الذي يحميانه، إلى الأرض. أما ما بين محيط اليدين فينتصب نقش الصليب ذهبي اللون.
أذكر،عندما دخلت أنا وماري روز إلى الكنيسة، شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، تضربني كسلك كهربائي، تهزني كالحمى. كنت لا أستطيع أن أحرك رأسي، أنظر إلى الأمام فقط.. وأبصاري معلقة بالثريات الضخمة التي تزن مئات الكيلوغرامات. تشع بمئات المصابيح، وفي مقدمة المحراب، عشرات الشموع الطويلة المنتصبة هنا وهناك، وهي تنشر أضواء شاحبة تذكرك بحزن خفيف يجوب الحنايا، وأنت تتأمل وجه السيد المسيح بقسماته الهادئة.
كانت رائحة البخور تفوح في فضاء الكنيسة، تبدو للوهلة الأولى، ثقيلة، غير محببة للنفس، تكاد أن تكتم الأنفاس.. ولكن ما تلبث بعد حين أن تفتح لك الصدر فتنساب إلى كيانك، لتصبح بعد ذلك جزءاً منك، وأنت قابع وراء مقعد، تنتظر بدء الصلوات.
طبعاً لا أريد هنا، أن أدخل في تفاصيل تلك اللحظات التي كانت بالنسبة لي مثيرة، لأنها كانت مجهولة، كنت أدخل إلى عالم جديد، غير معروف لدي.. تلك اللحظات، أذكرها الآن، كانت واحدة من أجمل وأحّن لحظات حياتي..
لماذا؟ أسأل اليوم نفسي.. لا جواب دقيق لدي. إنما، هكذا ظننت فيما مضى من الأيام، كما أظن اليوم أيضاً. لأنها كانت مرتبطة بذكريات تتعلق باثنتين من البنات أحببتهما وأنا طفل صغير لا يتجاوز السابعة، الأولى ماري روز رفيقة دربي التي اختفت بعد مقتل أمها، والثانية مريم، آنستي التي ما زلت أحمل لها في نفسي أجمل الذكريات.. فهي اليوم، كلما تمر بي، بعد أن أصبحت عجوزاً تبتسم لي.. لا أعرف إن كانت تتذكر أم لا، أني أحد تلاميذها الصغار الذين كانوا شهود عيان على قصة حبها الحزينة».
لم يستطع الفتى.. أن ينسى قصة الآنسة مريم حتى اليوم، ويعتقد بأنه لن ينساها أبداً، ويعتقد أيضاً بأنها ستذهب معه إلى الأبدية يوم يضع قدمه فيها، بعد عمر طويل كما يقولون.
بدأت القصة، يتابع الفتى: بطريقة غير متوقعة. جاء شاب راهب إلى مدرستنا، في حي(براكات السريان) ظل فيها ما يقرب الشهور الثلاثة. كان الراهب كما قلت شاباً، وجهه أشبه بوجه السيد المسيح المرسوم على الأيقونات التي رأيتها في الكنيسة، وجه نحيل، شاحب، يزين جبينه العريض شعر أصفر اللون، وفي أيقونات أخرى بشعر بني كاشف اللون، مسبل الأجفان، وجسد عار إلا من رداء يستر عورته، نحيل بحيث يمكن للمرء أن يعد أضلاعه البارزة على الطرفين من الصدر، ولحية نابتة، ناعمة، مهدلة الشعيرات..
كان الراهب يعتمر قلنسوة سوداء. بالأحرى كان متشحاً بثياب سوداء. يدخل علينا إلى الصف، يسأل عن دروسنا، يقدم لنا بعض القطع من السكاكر، وكان نصيب الشاطر أكبر من نصيب الكسالى، ما يلبث أن يقبل وجناتنا، ورؤوس أصابعنا. ثم يمضي عنا.
طبعاً، يتابع الفتى: كلما أتذكراليوم ما كنت أشاهده بأم عيني، أقول أن قصة الراهب ومعلمتي مريم واحدة من أعظم قصص الحب. القصص التي نتغنى بها مثل روميو وجولييت، مع فارق أن قصة روميو وجولييت كان لها مؤلف عبقري عالجها في أعظم قصة حب عبر التاريخ، ولكن هذين المسكينين لم يجدا من يتحدث عن قصة حبهما العظيمة.
لم أعرف بالضبط ما كان يجري بينهما، وهما واقفان وراء الطاولة، وأمام السبورة السوداء، لا يظهر لنا منهما إلا نصفهما الأعلى، لأن نصفهما الثاني، أي الأسفل كان يختفي وراء طاولة الآنسة مريم. كانا يميلان برأسيهما باتجاه واحد وهما يتحدثان. كنت أراقبهما. كان الراهب يضع يده على طرف الطاولة ويضغط عليها بأصابعه بحركة عصبية. أرى على وجهه تقاطيع حزن ورجاء وألم. كنت أرى نصف وجهه فقط، أرى(بروفيل) وجهه. أما آنستي فكنت أرى ثلاثة أرباع وجهها. أرى حزناً قاتلاً في عينيها كلما رفعت أهدابها إلى الأعلى، ورمت الراهب المطرق بنظرة فيها الضراعة التامة.
لا أعرف ماذا كانا يتحدثان، ولكني كنت أرى أنهما يعانيان المرارة والقسوة. أرى الألم على وجهه، علاوة على الحزن.. كنت أرى الدموع، وهي تتساقط من عيني آنستي بين فترة وأخرى.
كلنا نعرف ماذا يمكن لأطفال صغار لا يتجاوز الواحد منهم الثامنة، أن يتصرفوا وهم قابعون وراء مقاعدهم لا يلهيهم درس أو وظيفة، وآنستهم منفصلة عنهم تماماً. كنت أشعر لو أن أحد التلاميذ رمى بإبرة لسمع الصف، جميع الصف صوتها، وهي ترتطم بالأرض.
كان التلاميذ يصمتون، لا ينبسون ببنت شفة، ينظرون إلى وجهي الآنسة مريم والراهب، يرون الألم والعذاب في عينيهما، حتى أني وجدت أكثر من تلميذ وتلميذة، وأنا واحد منهم، يبكي مع بكاء آنستنا. كنا لا نعرف لماذا تبكي؟ ولكن الذي نعرفه، أنها تعاني من أمر رهيب، قوي، لا تستطيع أن تحمل وطأته. لذا كنا، في ذلك اليوم البعيد قد قررنا أن نتضامن معها، أن نبكي برفقتها..
ولن أنسى ما حييت، عندما حاول الراهب الخروج من الصف. كان قد مد يده مصافحاً ومودعاً آنستنا. فرأينا كيف تمسكت بيده، والدموع الكبيرة تنهمر من عينيها، تحاول أن توقفه، لا تريد أن تفقده، لا تريد أن تتركه يمضي في سبيله. كانت تحبه حباً يفوق الوصف، ولكن الراهب مضى أخيراً، كان لا بد له من الذهاب.
انهارت آنستنا على الكرسي، واستمرت بإجهاشها بصوت عال هذه المرة. أما نحن تلاميذ الصف الأول فقد تدافعنا لنسند الآنسة في انهيارها.. ولكن الطاولة هي التي أسندتها.
ما زلت أذكر تقاطيع وجهها، هذه التقاطيع التي لم أنسها، ولن أنساها، لن أنسى لحظة العذاب التي عاشتها، أو تتخطى حالة الألم تلك التي مرت بها، في ذلك اليوم، في ذلك التاريخ الذي أصبح بعيداً.. بعيداً جداً.
* * *
جاءت ماري روز ذات صباح ليوم الثلاثاء إلى الفتى.. في بيته، استأذنت والدته ودخلت عليه..
في ذلك اليوم، كانا في عطلة، أما سبب العطلة فلا يذكره، وفي ذلك الصباح كان الفتى.. قد استيقظ باكراً، ولكنه بقي في فراشه واضعاً راحتي يديه تحت رأسه، محدقاً في السقف، يسترجع ما قالته ماري روز له في عصر يوم أمس، وهما عائدان من المدرسة.
سألته، إن كان باستطاعته في الغد، أن يرافقها لزيارة الحديقة- تقصد حديقة السبيل- سألها: لماذا؟ أجابت: هناك فرقة عسكرية موسيقية ستأتي إليها لتعزف فيها بعض الألحان.
يذكر الفتى.. تلك الفرقة التي كانت تزور الحديقة باستمرار، في كل ثلاثاء من الأسبوع.. بقيت الفرقة، يقول الفتى: على حال زيارتها هذه حتى يوم رحلت مع أسرتي عن «الكامب»، لأنني انقطعت بعد ذلك الرحيل عن زيارة حديقة السبيل سنوات طويلة، وعندما عاودت زيارتها، كان ذلك بشكل متقطع، كان ذاك التقليد قد ألغي، ولم تعد تلك الفرقة العسكرية الموسيقية تقوم بزيارتها كالسابق.
كنت في ذلك الصباح أفكر بماري روز وطلبها الغريب! خاصة عندما سألتها إن كانت قد أخبرت بقية الأطفال من «الكامبات»؟ هزت رأسها نفياً، ثم قالت: أرجو ألاّ تفعل. أريد من هذه الزيارة أن نكون لوحدنا.. أنا وأنت فقط.. أما في المرات القادمة فلا بأس إن دعوناهم إلى زيارة الحديقة معنا.
وافقتها على طلبها، وأنا على شيء من التشويش والتساؤل!
قبل الحديث عن ماري روز، أود الحديث عن حديقة السبيل، لقد سميت بالسبيل، لأن المرء عليه أن يقطع سبيلاً طويلاً من أجل الوصول إليها وزيارتها، فهي في برية بعيدة عن العمار، مقداراً من الساعات.. مشياً على الأقدام..
كانت تقع غرب «الكامبات»، لا تفصل بيننا وبينها سوى مرآب شركة للكهرباء قائم بالقرب من الطريق الترابي الذي يشبه الممر، يقسم المرآب إلى قسمين، وفي نهاية الطريق الترابي، وعلى بعد عشرين متراً أو أكثر بقليل، يقبع باب حديقة السبيل بقوسه القائم على طرفي المدخل فوق عضاضتين عريضتين من الإسمنت المسلح.. أما اليوم، يقول الفتى: فلا أثر لذلك القوس، إنما حل مكانه شكل جديد لا يمت بصلة إلى شكل المدخل القديم للحديقة.
يمكن للزائر أن يدخل الحديقة عبر طريق إسفلتي يلف به على شكل نصف دائرة باتجاه اليمين، ثم ينتهي إلى ساحة صغيرة.. يفضي إلى كشك حجري يجلس فيه الحارس، وإلى جانب الكشك مكان خاص لوضع الدراجات الهوائية للذين يأتون إليها على دراجاتهم. أما على يسارها فبئر مائي تعلوه مروحة هوائية لنضح الماء منه، مع مؤشر على شكل سهم يشير في حركته المرافقة لحركة المروحة إلى اتجاه الهواء والريح.
ومع تقدمنا باتجاه اليمين، عبر ممرات الحديقة الضيقة منها والعريضة، أي الرئيسية، كان أول ما يلفت النظر قفص كبير فيه طيور الطاووس.
أذكر، يتابع الفتى: كنا نتحايل عليها، عندما نريد انتزاع ريشة من ذيلها الملون الجميل.. كنا نطعمها، في أول الأمر، بعض الحبوب بأيدينا، وما أن تنتهي الحبوب لدينا، كنا نصرخ بها لنفزعها فتهرب منا، وفي حركة هروبها هذه كانت تلف بذيلها الطويل فتصبح أرياشه على الشبك الحديدي الذي يلف القفص الكبير، فنمسك ببعض أرياشه ونشدها بعنف وقوة.. لننتزعها من ذيولها.
أما إذا تابعنا سيرنا، متخطين قفص طيور الطاووس، فسنصل إلى قفص آخر به جملة من النسانيس والقردة الصغيرة، كنا نقف أمامها ساعات طويلة، نراقب حركاتها. كانت، عندما تستثار، تشن علينا هجوماً فنهرب مبتعدين عن القفص ونحن نضحك منها ثم نعود إليها لنصرخ بها من جديد، ونقوم بحركات لإثارتها وهيجانها.. وعندما يتم لنا ذلك، كنا نشعر بأننا فزنا في معركة، لنعود إلى البيت مزهوين بأنفسنا كتلك الطيور- طيور الطاووس- ممتلئين نشوة وغروراً.
كنا نستمر في السير، يتابع الفتى: فنصل إلى بركة ماء من الحجر المنحوت، والمزخرف الجوانب. وخلف البركة كانت تقوم واجهة حجرية ينبثق منها رأس أسد حجري، يتدفق من شدقه نافورة ماء عذب، في منظر جميل وساحر.. خاصة في ساعة الصباح الباكرة، حيث الشمس تكون في لحظة شروقها الأولى، كانت النافورة ورأس الأسد يبدوان كأنهما ينبثقان من نور في صورة ساحرة وخلابة.
كنا بعد ذلك نصل إلى تلك الممرات القصيرة والضيقة التي تتوزع الحديقة، حيث تعلو أشجارها هنا وهناك في جزر صغيرة، لتميل ذراها فوق جسور وقناطر واطئة، يتسلقها الزائر بسهولة وهو يلتفت إلى يساره فيرى المياه الشفافة المتدفقة، حيث تجري إلى أمكنة مجهولة تختفي ما بين صخور وأعمدة ملقاة بفوضى في مجرى الماء.
وقبل أن أتحدث عن كشك الموسيقا، أريد أن أتحدث عن قفص آخر، ولكنه يمتاز هذا في بنائه، وتصميمه عن الأقفاص الأخرى للطيور والنسانيس، فهو مبني خصيصاً للغزلان، كان عددها أحياناً في ازدياد وأحياناً أخرى في نقصان.. أما منظرها فكان جميلاً بحيث كنا نجلس أمامها، على الكراسي الخشبية، ونراقبها ساعات طويلة. ننظر إلى عيونها السود، وإلى سيقانها الرفيعة الرشيقة، وإلى وجوهها المرسومة بإتقان، وإلى آذانها الناعمة الصغيرة، وإلى خصورها الضامرة، وبطونها المسحوبة إلى الداخل.
واليوم أذكر، كم من المرات أغمضت فيها عيني، لأستعيد المشهد وأتخيله من دون ملل، لأنتهي إلى قول: سبحان الله ما أجمل ما خلق وما أبدع! أذكر، كم كانت تلك الحيوانات تدخل الطمأنينة والهدوء إلى النفس.
* * *
استغربت والدتي، يتابع الفتى: مجيء ماري روز في ذاك الصباح الباكر.. وقبل أن تفتح أمي معها باب السؤال والجواب، أمسكت بيدها وقلت لها: هيا.. ثم اندفعت بها إلى خارج «الكامب» قبل أن تتمكن أمي من سؤالي: إلى أين؟ وعلى الطريق الترابي الذي يقطع تجمع «الكامبات» انحدرنا باتجاه باب حديقة السبيل. كان الصمت قد لازمنا حتى وصولنا إلى الحديقة. التفت إليها وأنا أبتسم. ابتسمت لي وقالت سائلة: أحقاً لم تر الفرقة الموسيقية من قبل؟
أجبتها: لا.. ولكني سمعت باسمها.
قالت: الآن سترى أي فرقة رائعة هي، وأي عازفين رائعين هم.
سألتها: ولكن ما الغاية من هذا الأمر؟ أقصد عزف الموسيقا.
أجابتني: لا أعرف. ولكني سمعت من بعضهم، من أجل إدخال السعادة إلى قلوب الناس.
رددت كالببغاء: من أجل إدخال السعادة إلى قلوب الناس!
أجابت: نعم..
كان كشك الموسيقا الذي وصلناه بناء كبيراً، كنت قد مررت به أكثر من مرة فيما سبق من زياراتي إلى الحديقة ولكنه لم يثر انتباهي أو فضولي ذات يوم. كان البناء يرتقي إليه الناس عبر درجات خمس، حجرية، جميلة على شكل نصف دائري، كان بناء الكشك دائرياً، يرتفع سقفه الذي يشبه القبعة على ستة أعمدة حجرية رشيقة.. توزعت حول البناء كراسي خشبية جميلة، للجلوس عليها والاستماع إلى ما يعزفه العازفون.
أذكر، مع وصولنا إلى الكشك وصلت الفرقة الموسيقية التي صعدت الدرجات، وتوزع أفرادها جالسين فوق الكراسي الحجرية، وهم يحملون آلاتهم الموسيقية، وكانت جميعها آلات نحاسية نفخية، منها الكبير، وفيها الصغير. أما العازفون فكانوا يرتدون ثياب «الشرطة»، سراويل قصيرة كشورتات وكتافيات وبعض الأشرطة الذهبية المتدلية عن الكتف إلى الصدر، وقبعات خاكية اللون، وما أن جلسوا وأخذوا يدوزنون آلا تهم حتى وجدت ماري روز قد اندمجت بالجو كاملاً، بعد أن أمسكت بيدي وضغطت عليها عندما أردت سؤالها عن الفرقة، تعلمني بذلك أن أسكت وأستمع.
وهذا ما كان مني خلال أكثر من ثلاثة أرباع الساعة.. وما أن انتهوا حتى سألتني: هل أعجبك العزف؟
لم أقل لها لا، وأيضاً لم أستطع أن أقول لها نعم.. نظرت إليها..
يا ليتني لم أنظر إليها، لأنني وجدت على خديها دمعتين كانتا قد انزلقتا من عينيها. استغربت الأمر تماماً. أمسكت بيدها وضغطت عليها، لأنني لم أستطع سؤالها عن سبب البكاء.
ظللنا جالسين على الكرسي بعد أن ذهبت الفرقة، وبقي الكشك فارغاً يعاني من الصمت بعد أن كان يضج بالصخب والموسيقا قبل حين.
قامت ماري روز وهي ما تزال ممسكة بيدي، بحيث لم أجرؤ على سؤالها إلا بعد أن خرجنا من الحديقة وابتعدنا عنها: كأني رأيتك تبكين؟
لم تجب، ظلت صامتة وهي تسير إلى جانبي شاردة..
هتفت بها: روز.. ما بك؟
التفتت إلي، ما لبثت أن ضحكت، أو حاولت الضحك، ولكنها لم تنجح في ذلك كاملاً. كان الانفعال والافتعال سائداً في سلوكها وحديثها..
عدت إلى سؤالها: ما الأمر الذي أبكاك في الموسيقا التي سمعناها يا روز؟
أجابتني: لم تبكني الموسيقا، إنما عازف الموسيقا!
استغربت جوابها فقلت: أي عازف منهم، لقد كانوا ستة عازفين؟
أجابت: واحد منهم.
سألتها: لماذا؟
لم تجبني، ظلت صامتة وهي تسير إلى جانبي.. ما لبثت أن أجابت قبل أن نصل إلى «الكامبات»: لأنه يشبه أبي.
قلت بدهشة: يشبه أباك؟
أجابت: نعم.
ثم هرعت مهرولة إلى «الكامب» الذي يقع فيه بيتها، وهي تقول بصوت عال: سأخبرك الحكاية كاملة ذات يوم.
وقفت أنظر إليها وهي تتوجه إلى بيتها في «الكامب» القصي البعيد عن «الكامبات» الأخرى.
كان لا بد للفتى.. أن يعود إلى البداية وهو يتساءل: كيف له أن ينسى تلك الطفلة التي ماثلته في السن، طوال هذه السنوات، تلك الطفلة الصغيرة ذات العينين الزرقاوين والشعر الأحمر الناري الذي كانت أمه تصفه بشرائط النار.. تلك الطفلة التي ذهب وإياها، لأول مرة إلى المدرسة، إلى صف«الشعبة» أي «الحضانة» بلغة اليوم. قبل أن ينتقلا معاً إلى الصف الأول الذي افترقا عند نهايته إلى الأبد.
هذه الطفلة ذات الشعر الأحمر التي لم ينسها أبداً، أحاط بحياتها وحياة والدتها كثير من الغموض والألغاز! أما حديث الفتى.. عنهما قد لا يصدق. قد يقال: مجرد أحداث ووقائع خيالية أراد بها أن يثبت مقدرته على التخيل.. ولكن الفتى.. لن ينقل إلا ما علق بذاكرته..
وأول ما يريد الحديث عنه، هو العلاقة التي كانت بينهما.. وهما في السابعة من العمر. كانت علاقة غامضة، رغم صغر سنهما، كانا يتعاملان مع بعضهما كالكبار. أحبها، كما أحبته هي.. دون أن يعرفا معنى الحب. إنما- هذا ما يستطيع أن يسجله عن نفسه على الأقل- الفطرة والغريزة هما اللتان كانتا تدفعانه إليها وتدفعانها إليه. كان قبل أن ينام لا يستطيع إلا أن يفكر بها.. ويتساءل الفتى.. اليوم: كم كانت قريبة مني عندما كنت أراها بثوبها الأحمر أو السماوي. ويضيف: وأحياناً أخرى، كانت نادرة، أراها بثوب أسود.. كانت تأتي إلي وتجلس إلى جانبي على الحجر الكبير الذي كان قائماً بقرب «الكامب» القصي، البعيد.. حيث تسكن مع والدتها.
اليوم، أتساءل كيف سكنت أمها في «الكامب» الخاص بالعائلات العسكرية. كان شقيقها، أي خال ماري روز، عسكرياً.. ربما لهذا السبب استطاعت أن تحصل على رخصة السكن في «الكامبات»، كان الخال برتبة عريف..
يتابع الفتى: ما أتذكره اليوم عن والدة ماري روز، كان مليئاً بالشكوك. قيل عنها: امرأة سافرة، متحررة، حتى إنها تستقبل الرجال الأغراب في بيتها.. أما أنا، فلا أستطيع أن أؤكد هذا الكلام أو أنفيه. كل الذي أذكره اليوم هو تلك العلاقة البريئة التي كانت تقوم بين طفلين، بيني وبين ماري روز..
أذكر في أول يوم لنا، بعد انتقالنا إلى الصف الأول، ذهبت إليها من أجل أن نذهب سوية إلى المدرسة ونعود معاً منها كما طلبت مني والدتها. كنت سعيداً برفقتها. أذكر أني عندما ذهبت إلى بيتها استقبلتني والدتها وقادتني إلى الداخل بعد أن طبعت قبلة على خدي. لم يكن أحد في المنزل سوى ماري روز. طلبت الأم مني أن أجلس ريثما تنتهي ابنتها من عقد ضفيرتيها.. وأثناء قبوعي وانتظاري الذي لم يطل عن الدقائق الخمس، شعرت كأنني أعيش في جو غير كل الأجواء التي عشت فيها سابقاً. بدءاً من بيتي وانتهاء ببيوت الأقرباء والجيران. كانوا جميعاً في فقرهم مثل فقر أهلي.
لذا استغربت غنى ماري روز الواضح، وأنا أدير نظري في البيت وأثاثه، ليس هذا وحسب، إنما الجو الذي يسوده. أنا لا أتذكر ما شاهدته بالتفصيل في بيت ماري روز ولكن الذي لا أقدر على نسيانه، هو أن البيت كان ممتلئاً بالأشياء حتى أن السقف بدا واطئاً أكثر من سقوف بقية «الكامبات». كانت الحاجات كثيرة وغير مرتبة أومنظمة، إنما مبعثرة هنا وهنالك.. رحت ألتفت فيما حولي مبهوراً، لا أعرف ماذا أقول؟ أي جو غريب وجدت نفسي فيه؟
أحسست بشيء من الفزع، تمنيت لو أسرعت ماري روز بالخروج إلي، حتماً لو خرجت في لحظة معينة، وهي اللحظة التي وصلت مشاعري فيها من خوف وحقد وانبساط إلى أقصاها، لقلت لها: هيا نهرب من هذا البيت الغريب يا ماري!
وفجأة، يتابع الفتى: رأيت والدة ماري روز تخرج إلي، لا أدري من أين! ولكني وجدتها تقترب مني.. كانت امرأة شابة، شقراء الشعر، ترتدي ثوب نوم حريري. شعرت كأن المكان الذي خرجت منه فيه بعض الرجال، لأنني كنت أسمع أصواتاً خشنة، أو هكذا خيل لي.
خرجت إلي ضاحكة، وهي تحمل على يديها قطعة كبيرة من(الكاتو)، موضوعة على صحن بللوري أزرق اللون، وإلىجانبها أقصد (الكاتو) سكين وشوكة.. وضعت الصحن أمامي وهي تقول: كل إلى حين تخرج ماري روز إليك.
كانت والدة ماري روز تنظر إلي نظرة غريبة. كانت تضع ساقاً على ساق.. والذي أذكره اليوم، كانت شبه عارية. كان ثوب النوم شفافاً عليها.. واليوم ما زلت أستغرب المشهد الذي رأيته، كيف كانت ترتدي مثل ذلك الثوب في ذلك الجو البارد من أواخر فصل الخريف. كانت تهز ساقها العارية الموضوعة فوق ساقها الأخرى بحركة رتيبة، وهي تشجعني على ا لأكل.
كانت تعرف، على ما يبدو أني لم أذق(الكاتو) في يوم من أيام حياتي. كانت تعرف أني سأتناول (الكاتو) لأول مرة. كانت تضحك وتقول: لا تخجل.. كل.
عندما قامت من جانبي، بعد أن انتهيت من الأكل، وهي تأخذ الصحن من يدي، كان قفاها عندما استدارت شبه عار.. كان سروالها الداخلي صغيراً إلى درجة ظننت أنها من غير سروال.
أذكر، يتابع الفتى: لم أر سروالها، ولم أتبينه إلا بعد أن تمعنت في عجيزتها.. واليوم، يتابع الفتى: لا أدري لماذا أحتقر كلمة(العجيزة) ألأنها تعني أمراً حقيراً غير جميل؟ رغم أني لست من أصحاب هذه النظرة، ولكني بحثت مطولاً لأجد كلمة بديلة لها فلم أجد واحدة أخرى تعبر عن شيء شفاف، جميل، مغر، مثير.
عندما قامت ومضت وظهرها لي، تأملت، وأنا الطفل في السابعة من عمري، قفاها بنظرة شهوانية، لا أدري اليوم وأنا أستعيد هذه الذكريات، إن كنت حقاً شهوانياً في تلك اللحظة البعيدة؟
مضت وهي تنادي: روز، روز..
في طريقنا، أنا وماري روز إلى المدرسة، كنا نسير إلى جانب بعضنا بعضاً، متجهان عبر البرية التي كانت تفصل ما بين «الكامبات» وحي «براكات السريان»، تلك البرية التي شهدت فصولاً مطولة من حياتي، عبر جميع مراحل عمري، حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها..
قالت ماري روز تحدثني عن حياتها، وحياة أسرتها: كنا نقطن في مدينة بعيدة عن حلب، لا أعرف لها اسماً، كان بيتنا واسعاً وأبي غنياً.. ولكن ذات يوم جرى شجار بين أبي وأمي. وكانا كثيراً ما يتشاجران. ولكن شجار تلك الليلة لم أر مثله من قبل، لم أعش فظائعه سابقاً، ظللت أبكي طويلاً رغم أن أمي ضمتني إلى صدرها وطلبت مني أن أكف عن البكاء، وأن أصعد إلى سريري كي أنام. ولكني لم أستطع النوم أو الكف عن البكاء.
عندما هدأ الجو في بيتنا خرج والدي أما والدتي فجلست بقرب المدفأة تفكر. كنت أحياناً أرى بعض الدموع تنزلق على خديها، وتتساقط إلى الأرض. كانت في ذهولها وشرودها أشبه بتمثال. كانت بين الفينة والأخرى تحرك أجفانها، تطبقهما بحركة سريعة، ثم تفتحهما.. ولكن هذه المرة بحركة بطيئة تماماً، كأنها لا تقدر أن تتغلب على النوم الثقيل الذي داهمها فأثقل من حركة أجفانها.
في الصباح، لا أعرف في أية ساعة، كان استيقاظي، وجدت خالي لدينا وهو يدخن بشرود. ركضت إليه وأنا أضحك.. ولكني توقفت عن الضحك عندما لم أجد على وجهه العلامات التي كنت أراها سابقاً عليه. أخذني بين ساعديه، وضمني إلى صدره، وضغط بوجهي إلى صدره وهو يطلق دخان سيكارته في الفضاء. سألني إن نمت نوماً جيداً؟ أجبته: نعم. فقال معلقاً: عال. والتزم الصمت. ظللت صامتة ساكنة، ثم ما لبثت أن ابتعدت عنه خطوتين ورحت أنظر إليه. قلت في نفسي: هذا ليس خالي الذي أعرفه! لأنني لم أجده في يوم من الأيام، على الصورة التي أراه فيها الآن. لم أره إلا ضاحكاً، يتحدث بحرارة، يلعب معي بحماس، يجعل من نفسه حصاناً لأمتطي ظهره. فيذهب في اللف والدوران على أربع..
أذكر ذات مرة سألته: لماذا تقول، سأجعل من نفسي حصاناً، وعليك بامتطاء ظهري؟
سألني بدهشة: وماذا تريدين مني أن أقول؟
أجبته: اجعل نفسك اليوم جحشاً. أليس هو أيضاً حيوان يركبه الناس؟
صرخت بي أمي، واقتربت مني مهددة بالضرب والغضب يطير من عينيها، وهي تلعنني وتلعن آباء آبائي.. فلم أجد مكاناً ألوذ به من غضبها سوى حضن خالي.. فحماني من عقاب والدتي وهو يضحك.. وفيما بعد، بعد أن مات الغضب عند أمي، وبختني، طبعاً بعد أن كان خالي قد مضى. وقالت: عيب يا ابنتي، كيف يمكن أن يقول الإنسان لخاله، أنت جحش؟ ألا تعرفين بأن هذا القول يعني الشتم؟ وعلى الطفل أن لا يشتم أحداً.
وعدتها بألاّ أعيد ما قلته لخالي أبداً.
في ذلك الصباح الذي وجدت فيه خالي على غير ما عرفته عليه سابقاً، جاءت شاحنة كبيرة، ومعها بضعة رجال لنقل اثاث بيتنا إليها. وعندما تم نقل آخر قطعة منه إلى الشاحنة، صعدت إلى كبينها أنتظر خالي ووالدتي، لنهرع إلى مدينة حلب. وجدت والدتي وخالي يقفان أمام بعضهما وكل واحد منهما يمسك بيد الآخر.
كان الدمع في مقلتي والدتي، والحزن الأسود على وجه خالي. تأثرت لمشهدهما ذاك وتساءلت: ماذا. هل يودع أحدهما الآخر؟ وأنا في حيرتي تلك رأيت خالي يميل بوجهه فوق وجه أمي، ويرفعه بأصابعه إلى الأعلى، ثم يقبلها قبلة طويلة على شفتيها!
استغربت تماماً ما شاهدت. كنت أقول: كيف.. أبي هو الوحيد الذي كنت أشاهده يقبل أمي على فمها.. أما خالي فمن المفروض أن يقبل خدها.. ولكني نسيت هذا الأمر بعد أن انطلقت بنا السيارة دون أن تحمل معها خالي الذي وعدنا بأنه سيأتي إلينا عن قريب.
ومنذ ذلك اليوم، تتابع ماري روز: اختفى والدي، لم أره أبداً، أما خالي فجاءنا بعد مدة وسكن معنا في حارة «بوابة القصب» وذلك قبل أن ننتقل إلى هنا- تقصد الكامبات.
أنا لا أنكر، يتابع الفتى: أني أحببت ماري روز. كنت أحس، وأنا في تلك السن، في السابعة، برغبة قوية أن أكون إلى جانبها. لأخفف عنها ألمها عندما كنت أراها تعاني منه. كنت أحس برغبة قوية في لمس أطراف ثوبها عندما كنا نجلس على العشب أو على حجر. أو أن أمسك برؤوس أناملها.. وفي لحظة وجد كنت أرفعها إلى فمي لأقبلها.
كانت تدعني أتصرف معها مثل هذه التصرفات، وهي تضحك وتقول لي: لماذا تفعل هذا؟ وكنت أحياناً أجرؤ على الالتصاق بها ولثم خدها، أو قطف قبلة سريعة من ثغرها، لأهرب بعد ذلك بأقصى سرعة ممكنة إلى البيت. أذكر، في اليوم التالي الذي يعقب مشاغباتي هذه، كنت أخجل من الذهاب إليها. فكانت هي تأتي إلي وفي عينيها حزن أسود! تنظر إلى عيني طويلاً، ما تلبث أن تمد يديها وتمسك يدي، تضغط عليهما، ثم تسحبني وراءها لنخرج من البيت إلى حديقة السبيل، أو إلى الجلوس تحت شجرة الزعرور البرية القائمة على أطراف المرآب لمدة طويلة.
يتابع الفتى: عندما انتهى العام الدراسي، ذهبت كالعادة إلى القرية، وبقيت الصيف كله لدى جدي، أما عندما عدت فكان أول عمل قمت به، أن ركضت إلى «الكامب» القصي حيث بيت ماري روز.
وصلت «الكامب»، وكان صغيراً بالنسبة إلى «الكامبات» الأخرى. كان مؤلفاً من ثلاث أو أربع غرف، لم أعد أذكر، تسكن كل أسرة من الأسر في غرفة واحدة. كانت الغرفة، حيث تسكن ماري روز، فارغة، لا أحد فيها! وقفت أنظر إلى الفراغ الذي جابهني، لا شيء في الغرفة سوى طبقة حديثة من الغبار ديست بأقدام صغيرة وأخرى كبيرة. وكان الصمت، حتى الآن أذكره، مضخماً، كان الصمت سيد الموقف الذي وجدت نفسي فيه.
ماذا يعني أن تكون الغرفة التي سكنتها أسرة ماري روز فارغة؟ ماذا يعني هذا الفراغ الذي وجدت نفسي فيه؟ ماذا يعني هذا الصمت الذي قابلني وحيداً؟ لم أجد لتساؤلاتي هذه أجوبة تنقذني من حيرتي إلا بعد عدة أيام، كنت، في كل يوم، أسمع نتفاً من الحكاية التي كان بسببها، أني وجدت الغرفة فارغة، تغرق في الصمت الذي تحدثت عنه.
يتابع الفتى: كانت الحكاية.. سكت الفتى.. ثم تابع مصححاً: لكي أكون موضوعياً سأسرد بقايا الحكاية بعد مضي هذه السنوات على وقائعها. قد أضيف بعض الوقائع أو أحذف بعضها الآخر، ولكني يقيناً لن أتحدث إلا عن جوهرها.. لأنها غريبة، هكذا وجدتها في ذلك اليوم، وهكذا أجدها اليوم بعد أن أعدت صياغتها في نفسي مئات المرات..
لا أحد من ساكني «الكامبات»عرف لماذا تم ما تم؟ وكيف وقع ما وقع؟ كل الذي عرفوه أو سمعوا به، أن عدة طلقات نارية دوت في إحدى غرف «الكامب»حيث بيت ماري روز، في ساعة العصر. قبل غروب الشمس. فخرجوا من بيوتهم ووقفوا بأبوابها وهم ينظرون باتجاه مصدر طلقات النار باستغراب.. ظلوا يحدقون باتجاه «الكامب»كأنهم يحاولون بذلك، وهم يركزون انتباههم، بتكذيب ما سمعت آذانهم.. كـأنهم يقولون لأنفسهم، لقد تخيلتم ما سمعتموه، لماذا الرصاص في مثل هذا الوقت الطيب من أواخر الصيف، وقبل أن يتنهدوا بارتياح، ثم يعودوا إلى داخل بيوتهم، وهم ينفضون الوهم والقلق وحتى الرعب الذي أحس به بعضهم. شاهدوا خروج خال ماري روز، والدماء تغطي صدره وهو يبكي ليرمي نفسه على الأرض، أمام باب «الكامب» ويعفر رأسه بالتراب.
ندت من بعض الجيران صرخات، وأصابهم كثير من الرعب وهرع بعض آخر باتجاه «الكامب»فشاهدوا والدة ماري روز جثة هامدة، وشقيقها غائب عن الوعي بعد أن غطى رأسه بالتراب تماماً..
طبعاً جاءت مفرزة من شرطة الثكنة، أخذته، ثم جاءت الجنائية لتأخذ جثة والدة ماري روز إلى المشرحة في الطبابة الشرعية، بعد أن قاموا بالإجراءات اللازمة.
ومنذ تلك الساعة ولمدة عدة شهور كان الناس يؤلفون قصصاً وحكايات حول حادث القتل ذاك. ولكن الجميع اتفق في نهاية الأمر، أن القاتل لم يكن شقيقاً لوالدة ماري روز، إنما كان عشيقها! أما أسباب قتله لعشيقته فلا أحد يعرفها، إنما جرت حكايات وقصص أخرى، ولكن جميعها كانت تصب في أن الغيرة هي السبب. أما ماري روز فلا أحد يعرف مصيرها، لأنها ذهبت، أو الأصح، أخذها رجال الجنائية لكونها ابنة وحيدة للمغدورة، ولا أحد يمكن حمايتها سوى الحكومة.
على هذه الصورة اختفت ماري روز من حياة الفتى.. ولكن صورتها لم تختف من ذاكرته أبداً، ما زالت حية في داخله، لا يقدر على نسيانها رغم أنه حاول ذلك مراراً.
3-
لئن بقيت على قيد الحياة فسأتذكر هذا المساء إلى الأبد.
إيفان بونين
• إن قلبي هو الذي يقص.
أندريه جيد
• ما أسرع ما تمضي الحياة! كل شيء يجري، كل شيء يتغير.
دوستويفسكي
•يجب أن أقول كل شيء. كل شيء. أجل كل شيء!
أليخو كار بنتيه
عندما انتهى فصل الصيف، وقبيل افتتاح المدرسة أبوابها، كان الفتى يعد نفسه ويجهزها للقاء آنسته مريم ويدخل إلى الكنيسة ليشم رائحة البخور، ويرى السيد المسيح، ويتأمل الملائكة الذين يضمون أياديهم إلى بعضها، وهم يرفعون وجوههم إلى السماء، باتجاه السيد المسيح المصلوب في الأعلى وهو «أي الفتى»ينظر إلى رمح القديس جرجس المنغرس بالتنين، أو يغفو دون نوم على تراتيل الأطفال التي ينشدونها. كان الفتى.. في حالة استعداده هذه، عندما جاء والده في إجازة، وفي اليوم الثاني أو الثالث. لم يعد يذكر، ذهب به إلى مدرسة(حطين) الرسمية ليسجله فيها لمتابعة دراسته الابتدائية.
كانت المدرسة تقع ما بين «الكامبات» وبين حي براكات السريان، وهي مدرسة تابعة للتعليم الحكومي، تنقسم إلى قسمين، قسم نهاري وقسم آخر ليلي. كان القسم الليلي تابعاً إلى إحدى الجمعيات الخيرية التي ترعى اليتامى في تعليمهم. أما القسم النهاري فكان للتلاميذ غير اليتامى.
كانت الصدمة التي تلقاها الفتى كبيرة في اليوم الأول من ذهابه إلى المدرسة: كانت، يقول الفتى.. حديثة البناء، مقسومة إلى قسمين، الأول يقيم التلاميذ اليتامى وينامون فيه، يتناولون طعامهم ويغتسلون فيه. أما القسم الثاني فكان مؤلفاً من صفوف الدراسة النهارية.
كان المبنى بقسميه على شكل مثلث غير متساوي الأضلع. فمن جهة الشرق كان الضلع ينتهي قبل أن يلتقي بالضلع الشمالي، ينتهي بردم ترابي ضخم، يحاذي طريق إسفلتي. أما الضلع الجنوبي فكان ينتهي أيضاً، دون الالتقاء بالضلع الشرقي، حيث ينتهي بسور المدرسة، رغم(وساعة وفساحة) باحة المدرسة، إلا أني، يقول الفتى: كنت أشعر بالاختناق.
وجدت نفسي غريباً فيها، رغم أن معظم التلاميذ كانوا أصدقائي الذين انتقلوا مثلي من مدرسة (بني تغلب) في براكات السريان. كنت أشعر بغربة وحشية، أبكي ما بيني وبين نفسي، وأقول: أريد أن أعود إلى مدرستي في براكات السريان، ثم أوضح: هذه ليست مدرسة، هذه كل شيء ولكنها ليست مدرسة! ثم راحت العداوة تنشأ بيني وبين مدرسة حطين وبما تحويه جدرانها من أساتذة ومدير ومعاونين وتلاميذ نهاريين كانوا أم ليليين. كنت ابكي وأطلب العودة إلى آنستي، أريد أن أصلي، أريد أن أتأمل المسيح، أريد أن أرتل الأغاني والأناشيد مع أترابي من الأطفال الصغار.
ولم ألق جراء هذا، سوى الإهمال من الجميع، خاصة من قبل والدي.. وذات يوم لم أحتمل وضعي أكثر مما احتملت، فهربت من المدرسة باتجاه حي براكات السريان، ومن ثم توجهت إلى مدرستي. وأنا اشعر بمشاعر غريبة من الفرح والشوق والحنين، ومشاعر أخرى غامضة ما تزال تمور حتى اليوم في صدري، مكان القلب.
كانت حالتي، في الساعة التي توجهت فيها إلى المدرسة في حي براكات السريان، غريبة، لا شيء يشبهها سوى حالة العائد إلى الحياة بعد موت دام أياماً!
كنت أحث قدمي رغم ركضي، من أجل أن أصل إلى مدرستي وآنستي بأقصى سرعة ممكنة.. وها أنذا أقترب منها، أكاد أن أصل إلى جدار باحتها، ألمسه وأنا لا أصدق بأني أصبحت أمام الباب الحديدي الكبير المدهون باللون الأسود. لا أصدق أني وصلت.. فمددت رأسي محاولاً أن أدخل وجهي بين تربيعات الباب الحديدي المزخرف، لأرى وجوه التلاميذ في الباحة.. ولكن المفاجأة كانت كبيرة لي، عندما وجدتها مغلقة الأبواب! كان اليوم، يوم أحد..كيف نسيت ذلك؟ يسأل الفتى..
استيقظت، كمن سكب على رأسه سطل من الماء. صحيح، إنه يوم أحد، يوم عطلة. كيف لم أفكر في ذلك قبل هربي من المدرسة التي نقلت إليها متوجهاً إلى مدرستي القديمة التي نقلت منها. ودون وعي مني، جلست على العتبة، كانت عبارة عن حجر يعلو الرصيف كدرجة في ارتفاعها. جلست مسنداً ظهري إلى حديد الباب الأسود صامتاً، حزيناً، خائباً.. ولم أستيقظ وأتنبه إلى ما حولي إلا على صوت قصف الرعد ولمعان البرق.
كانت السماء فوقي فاحمة، مثقلة بكتل الغيوم الزاحفة على مستوى منخفض جداً، حتى أني تخيلت، لو رفعت يدي لأمسكت بأطراف هذه الغيمة القاتمة أو تلك السوداء. شعرت لو أني قفزت إلى الأعلى قفزة واحدة لتعلقت بأسلاك البرق التي تدلت من بين الغيوم كشرارات، ثم تنفجر بين طياتها السود مدوية كقنابل موقوتة.
في البداية، شعرت بالفرح! رحت أركض مع تساقط أولى حبات المطر الكبيرة التي كانت تحفر وجه الأرض حفراً، وتتناثر من حولها الأتربة والغبار، فتصعد إلى الأنف رائحة الأرض الزكية والعبقة المحببة إلى النفس.. ولما كانت المدرسة على أطراف حي براكات السريان، فكان الوصول إلى أطراف البرية سهلاً علي.. فركضت أريد أن أجد نفسي وسط البرية، لأرى السماء كلها، أرى السماء في عليائها، سماء لا تحدها البيوت.. كانت غايتي من ذلك أن أسمع صوت الرعد بالكامل، وأرى شرارات البرق على مداها. لا أريد أن يحد نظري أو يمنعه من رؤية ما أريد، وما أشاهد.. لذا أخذت أركض وأركض وأنا فرحان، أنشد مع نفسي التراتيل والأناشيد التي تعلمتها في كنيسة المدرسة. كنت أرفع وجهي إلى السماء، عندما بدأت قطرات المطر الكبيرة في التساقط، ثم التهاطل، التي أصبحت بعد دقائق سيولاً، تنسكب من الأعلى، مع استمرار قصف الرعود بين طيات غيومها السود.
أذكر اليوم، يتابع الفتى: لم تمر دقائق حتى شعرت بالألم في وجهي، شعرت كأنه يجلد بالسياط، فأخفضته، وحاولت أن أخفيه بين كتفي. وبعد مضي دقائق أخرى، وجدت نفسي أزرب ماء، بعد أن تبللت، لا بل غرقت ثيابي بالماء. ومع مرور دقائق أخرى، بدأت أشعر بالخوف، وأنا في وسط البرية الواقعة ما بين حي براكات السريان وبين(الكامبات). كنت أحس بأن البرق يضيئني مع كل لمعة من لمعانه، ولن يلبث الرعد أن يقتلعني من الأرض مع قصفاته.. خاصة، عندما تذكرت عن جدتي، قولها إن الرعد ضرب في قريتنا رجلاً مع ثوره وبقرته ومحراثه وهم في وسط البرية حيث توجد أرضه، كان يحرثها، فأصبح الجميع دفعة واحدة فحماً اسود بعد أن احترقوا بالنار التي أشعلتها فيهم الرعود والبروق. لهذا شعرت بخوف شديد يعصف بكياني، فرحت أبكي بشدة.
أذكر أن الخوف كان قد اشتد بي مع لمعان البرق وقصف الرعد، لذا كنت تراني أركض من دون وجهة محددة أقصدها، وأنا أصرخ منادياً على أمي وأبي.
لا أعرف اليوم كم من الوقت ظللت على حالي هذه في تلك البرية. لأني فجأة وجدت نفسي أمام جدتي، وهي تحمل بيمناها كيساً من أكياس الطحين السميكة، تلفني به، ثم تحملني على ظهرها، وتهرع بي إلى البيت.. لأصاب بعد ذلك بالحمى لأول مرة والتي عانيت منها لسنوات طويلة.. لمدة أربعة أيام وحرارتي لا تنخفض عن الأربعين درجة، حتى أنهم يئسوا تماماً من شفائي.
كانت أمي وجدتي وأبي قد قالوا لي فيما بعد: كنا قد فقدنا الأمل في شفائك، حتى إنني- يقول أبي- في إحدى المرات، قمت وتوجهت إلى سوق المدينة لأجهز لك الكفن ظناً منا، أنك ميت لا محالة.. لا بل، في لحظة بعينها مت تماماً، وعندما عدت أحمل لك الكفن، كانت الحياة قد عادت إليك من جديد!
قبل اليوم الخامس أخذت الحرارة تنخفض رويداً رويداً، إلى أن بلغت حدها الطبيعي.. ولكن الحمى لم تترك منك إلا صبياً من جلد وعظم. رغم هذا، حمدنا الله على العظم والجلد اللذين بقيا لنا.
كانت جدتي في تلك السنة، قد بدأت بزيارتنا المتكررة لأسباب طبية، بعد ان أخذت تعاني آلاماً رهيبة في رأسها، كانت تقول: أشعر بصداع مخدر، يذهب بي بعيداً، يرميني في نوم ثقيل، لا أستطيع أن أفيق منه.. ثم تضيف: لو انتهى مرضي بهذا الحد فقط، لما راجعت طبيباً، لفضلت الخدر الذي أعاني منه، الخدر الذي يرميني في نوم حرمت منه طويلاً.. ولكن الألم الناري، أو الجهنمي كما كانت تقول عنه، ما يلبث أن يتسلل إلى رأسي، ويعصف به، يحرقه من الداخل، يفرغه، ثم يفجره بقوة.. فأقع أرضاً، وأنا آخذ رأسي بين يدي، أضغط عليه براحتي، أحاول أن أوقف فيه الألم، أو أضغط عليه لكي لا ينتشر في أرجاء جمجمتي.. أريد أن أحصره في أصغر بقعة ممكنة من رأسي، ولكني أفشل، لينتشر الألم وينتشر وينتشر حتى يلف كامل رأسي، أحس بدماغي يغلي ويفور، ثم ينسرب من فتحتي أذني وأنفي ومن عيني.. يسيل الدماغ من الفتحات التي ذكرتها حتى تفرغ جمجمتي تماماً، لا يبقى فيها شيء.. لأهدأ بعد ذلك، مع ابتراد رأسي، لأشعر بثقل في أجفاني وأنام، أنام على خوف.. وأنا أسأل نفسي ماذا لو عاودني الألم؟ ماذا لو سال الدماغ من جديد من فتحات رأسي؟ وأظل على خوفي هذا حتى أغفو وأنام.
هذا ما كانت جدتي تقوله لكل النساء اللواتي كن يلتممن حولها، يسألنها عن مرضها وألمها الغريب الذي لم يكتشف الأطباء سبباً له. كانت جدتي تغير طبيباً بعد آخر، كلما فشل الجديد في إيقاف آلامها، تعرج على طبيب آخر.. على أنه بارع وناجح. وعندما فشل جميع الأطباء مع أدويتهم التي كانوا يصفونها لها، من إيقاف الألم الذي كان ينتشر ويمتد من رأسها إلى بقايا جسدها، اقتنعت بأن لا دواء لمرضها عند الأطباء، فلجأت إلى المشايخ ورجال الدين.
هكذا بدأت رحلتها لسنة أخرى مع الألم، ومع جلسات المشايخ الذين توصلوا في نهاية المطاف، بعد أن فشلوا في شفاء جدتي، على أن جنياً، لا يذكر اسمه، خوفاً ورعباً منه، قد تسلل إلى رأسها، واستقر فيه، وهو لا يريد الخروج منه. لقد حاول المشايخ معرفة الأسباب التي دخل من أجلها ذاك الجني إلى رأس جدتي، ففشلوا.. وبذلك فشلوا في معرفة مطالب الجني القابع في رأس جدتي. قال أحدهم، وكان قوله فيه الجد أكثر مما يحمل المزاح الذي حمله قوله، على أن جدتي عشيقة لذاك الجني رغم إرادتها، لذا فهو يرفض الخروج من رأسها. يطلب منها أن ترضخ له، ولكن ليس رغماً عنها، إنما عن محبة وعشق.
كانت جدتي تضحك لمثل هذا الكلام وتقول: ألم يبق من النساء، خاصة العجائز، في هذه الدنيا سواي، حتى يتخذني عشيقة له؟ ثم تذهب في ذكر أسماء بعض النساء اللواتي كانت القرية تشهد لهن بالجمال والحلاوة، وتضحك طويلاً وتقول: لا تجنوا يا ناس!
وهكذا ذوت جدتي يوماً بعد يوم وهي تعاني من مرضها الأمرين إلى يوم وفاتها، وكان ذلك في أحد الأيام من شهر أيار في سنة 1955».
لقد ذهبت، يتابع الفتى: بعيداً عما كنت أسرده.. لنرجع إلى حكاية هروبي من المدرسة.. كان تلاميذ صفي، وبقية الصفوف قد انصرفوا منها ظهراً إلى البيت، وصل الجميع إلا أنا، والجو في ذلك اليوم ينبئ بيوم شتوي رهيب. كانت السماء جهة الشرق تمتلئ بالغيوم السود، وتزحف ببطء وثقل باتجاه الغرب. مع اشتداد البرد وهبوب الريح في هبات قوية، وفجائية بحيث تقتلع الأشياء من جذورها.
كانت جدتي خائفة، لقد مال الوقت باتجاه ساعة العصر ولم يعد حفيدها، لقد عاد جميع التلاميذ إلا أنا. أمي لم تكن في البيت، أما والدي فكان في زيارة لأسرة أحد الجنود في الجبهة الذي أوصاه بزيارة عائلته، وحمل بعض الحاجيات لها، وإعلامها بأن ربها سيعاودهم خلال الشهر القادم في إجازة.
لم يكن في البيت سوى جدتي. كانت قد سألت عن سبب غيابي جميع التلاميذ الذين عادوا إلى بيوتهم، فلم يسعفها أحدهم بجواب. كان جواب الجميع، لم نره في المدرسة، باستثناء واحد فقط، قال لها: لقد رأيته في فرصة الحصة الثالثة. كان حزيناً.
عندما بدأت قطرات المطر الأولى بالتساقط، عرفت جدتي أن مطراً مجنوناً سيهطل، وجواً رهيباً، مرعباً سيسيطر على السماء. عرفت أيضاً، أن الغيم الأسود سيكون منخفضاً، قريباً من سطح الأرض، سيكون الرعد والبرق فوق الرؤوس، بشراً كانوا أم أشجاراً أم أعمدة هاتف أو كهرباء، قد تلامس بعضها وجه الأرض فتحرق كل ما تحس به وتلامسه.
كانت جدتي تخاف البقاء في البرية، في مثل هذا الجو، لأن البرق يبحث عن كل ارتفاع، ولو لعدة أشبار، لينقض عليه فيلفه بناره، يجعل فيه شرارته الجهنمية، لا يتركه إلا كومة من الفحم الأسود. لذا خرجت جدتي، ووقفت أمام باب البيت تنظر جهة الشرق الذي أصبح أسود، بحيث تدلت الغيوم بانحناءات واستطالات حتى لامست الأرض.. ومع أولى القطرات الكبيرة من المطر التي أخذت تحفر وجه الأرض كما يحفر الجدري الوجوه الآدمية، بسملت جدتي في نفسها: بسم الله الرحمن الرحيم.. ومع قصفة من قصفات الرعد القوية ارتدّت إلى داخل البيت، وسحبت كيساً فارغاً من أكياس الطحين.. ألقته على ظهرها وهرعت إلى الخارج، لتسلك الطريق الترابي المؤدي إلى المدرسة عبر تلك البرية التي باتت تخيف للسواد الذي حط عليها.
سلكت جدتي الطريق الترابي والسماء في بداية اعتصارها وانطلاق أولى قطراتها باتجاه الأرض. كانت وهي تسرع في خطوها، تشعر كأن رأسها يختفي بين أطراف الغيوم السود المتدلية. بحيث لا ترى أمام عينيها الطريق».
كنت، قالت جدتي: مضطرة إلى أن أنظر إلى الأسفل، لأرى الطريق الذي أسير عليه، لأتأكد من أني أسير على الطريق الذي سيؤدي بي إلى حفيدي.. وفي منتصف الطريق، شعرت.. كأن الغيوم التي كانت تحبس الماء في جوفها، قد فتحت نوافذها لتهطل منها الأمطار.. وأي أمطار تلك التي هطلت؟ رغم هذا، أضافت جدتي، لم أبطء من سيري. تابعت بأقصى سرعة، لأقطع الطريق إلى المدرسة.. وفجأة رأيت نفسي أمام حفيدي. كان واقفاً وهو مبلل بالكامل، يبكي بصمت. لم أسأله عن أسباب بكائه، نزعت عن نفسي الكيس ولففته به، ثم رفعته عن الأرض، وحملته على ظهري، وهرعت به إلى البيت.
حاولت أن لا أقف، أن أسرع بقدر ما أستطيع، لأنهم قديماً قالوا، في الوقوف تحت العاصفة موت، لأن العاصفة ستلم رأس الواقف ورأس البرق والرعد في عناق نتيجته الموت المحتم! لهذا، تابعت جدتي: ما كان أمامي سوى الركض لكي أحبط محاولات البرق والرعد لنيلهما مني ومن حفيدي.
ومع وصولي إلى البيت، قابلت صهري وابنتي بوجهين أصفرين يكاد الموت أن يخطفهما. قلت لهما: لا تخافا.. إنه بخير».
أما الحقيقة، يقول الفتى: «فلم أكن بخير. كنت أرتجف من البرد، رغم تغيير ثيابي المبللة بأخرى جافة. ولكن هذه المرة ليس برداً، إنما ارتجاف الحمى.
سألني أبي بعد بلائي من المرض، عن أسباب هربي من المدرسة؟ قلت له، لم أهرب، إنما ذهبت إلى مدرستي في حي براكات السريان، ولكني وجدتها مغلقة.
قال أبي: ولكني قلت لك يا بني، أنك انتقلت إلى مدرسة أخرى.
وأراد أن يتابع، ولكنه لم يستطع، فقام، دار حول نفسه دورة كاملة، ثم جلس مقرفصاً فوق حصير ممدد على الأرض. أمسك بعضديّ المسبلين إلى جانبي وقال: بني، يجب أن تعرف. نحن فقراء.. وليس بإمكاني أن أعيدك إلى مدرسة السريان..
ظل والدي ينظر إلى وجهي بعد أن صمت. كان يحاول بذلك أن يتأكد من أني فهمت واستوعبت ما قاله لي.
شد على عضديّ مرة أخرى، ثم قام ومضى.
ما قاله والدي في ذلك اليوم البعيد، كان أول يوم بالنسبة لي أعرف فيه بشكل مباشر ماذا يعني الفقر؟ منذ ذلك اليوم عرفت أن الفقر يحرم الإنسان من الأشياء الجميلة التي لا يستطيع الوصول إليها إلا بالمال. يعني أن لا يندفع باتجاه الحياة، وأن يخاف من الانخراط فيها، أن يظل بينه وبين ما يريد فاصلاً، حاجزاً غير إنساني، لا يقدر على اختراقه! لذا، على الإنسان أن يكون مستعداً في كل لحظة له بالانسحاب من الحياة، لأن الفقر هو ظل الحياة، وليس الحياة نفسها.
أما لقائي الثاني مع الفقر، يتابع الفتى: أثبت لي بشكل كلي ونهائي وقاطع مسألة، أنني ابن رجل فقير، معدم.. عليه أن يجابه الحياة على هذا الأساس من دون أوهام أو أحلام زائفة.
أذكر: عندما اجتاحتني الحمى وألقتني طريحاً بين الموت والحياة في الفراش، واللهب يتصاعد مني، كنت أمزق كل الألبسة التي كانت تلبسني إياها أمي. أدفع عن نفسي كل ما كانت تحاول أن تدثرني به. كنت أجن، أثور، أرغي، أزبد.. ثم فجأة أهدأ، أو لأقل أنطرح انطراحاً على الفراش فتأخذني الحمى بين أذرعها المئة، تضمني أياديها، تخفيني في قلبها! ثم تعود وترميني بين هذيان، ورؤى، وصور، وأحلام لها طابع الكوابيس..
قيل لي، بعد أن أبليت من المرض، وعدت إلى الحياة، على أن حرارتي كانت تصل إلى أربعين درجة وعدة شخطات.. ولكن الله كان رفيقاً بي، فلم يخترني إلى جواره. عندما وقعت طريح الفراش، وارتفعت درجة حرارتي، واجتاحتني الحمى، نصحت جارات والدتي، أن تحملني إلى الطبيب بأقصى سرعة، ولكن أمي لم تحرك ساكناً، إنما أجابت قائلة: سيهدأ بعد حين.. لقد تعود جسده على المرض، وهذه المرة ليست الأولى التي يصاب بالحمى.
كانت أمي صادقة فيما قالته. ولكن اليوم هو المرة الأولى التي ينهك فيها جسدي هذا الإنهاك، وتطرحني هذا الانطراح. كانت، ولأول مرة، تدفعني الحمى باتجاه سرير الموت. هذا السرير الذي خطف من أسرتي أخين وأخت واحدة، وكنت المرشح لأكون الصبي الثالث والمولود الرابع لأمي.
كنت أشعر وأنا شبه غائب عن الوعي، بازدياد الزوار من حولي، كان معظمهم من النساء، وأسمع علو موجة البكاء بينهن بين الفينة والأخرى، كأني ميت. لقد وصلت بعض النسوة الزائرات إلى قناعة، أنني سأموت لا محالة هذه اللحظة أو تلك.
كنت أحترق، أجف، تتبخر المياه من جلدي. لقد دفعت أكثر من واحدة مصاغها لأمي، لكي تبيعه وتأخذني بثمنه إلى ا لطبيب.. ولكن أمي كانت صابرة، تبكي بصمت، تقول لهن: أشكركن، ستخف حرارته بعد قليل، ويوم الثلاثاء قريب؟
كان مشفى(فريشو) يستقبل مرضاه الفقراء بالمجان في يوم الثلاثاء من كل أسبوع. أذكر، يتابع الفتى: كنت تجد طابوراً لا آخر له من الأمهات، وكل واحدة منهن تحمل طفلاً أو اثنين، وأحياناً ثلاثة مهزولي الجسم، مرضى بشكل لا يصدق، ينتظرن الطبيب، أو ينتظرن دورهم في الوصول إلى الطبيب.
كانت تساعده في عمله امرأة تلبس رداء أبيض، ذات قسمات جهمة، تملك ساعدين كساعدي المصارعين، وأحياناً كساعدي الملاكمين من الوزن الثقيل. كانت الممرضة تدفع بالصبي المريض باتجاه الطبيب بيد، وتبعد الأم بالأخرى إلى بضعة أمتار، تصرخ بها، ابتعدي عن الطبيب، قولي مما يعاني ابنك، تكلمي دون أن تقتربي منه.
كانت الأم تحاول أن تشرح للطبيب ما يعانيه ابنها المريض.. ولكن الطبيب، كان ينظر إلى الصبي المريض نظرة عابرة، ثم ينهمك بالكتابة على ورقة بيضاء عن نوعين من الأدوية، قبل أن تنتهي الأم من وصف أعراض المرض، فتدفعها الممرضة إلى الأم وتقول لها آمرة: هيا.. هيا إلى (الأزخانة) على اليمين.
كانت الأم ترخي حنكها وهي تتوقف عن الكلام لتخطف الورقة البيضاء من يد الممرضة، وتهرع مع مريضها إلى (الأزخانة)، وهكذا كان الطبيب خلال ثلاث ساعات لا غير، عادة تبدأ من الساعة التاسعة صباحاً وتنتهي في الثانية عشرة، من تقديم العون الطبي المجاني لأكثر من مئة وخمسين مريضاً ومريضة، كان معظمهم من الأطفال الذين لا يتجاوزون العاشرة من العمر.
رسخ مرضي هذا، من دون كل أمراضي الأخرى التي عانيت منها في طفولتي، القناعة في نفسي بأنني، حقاً، ابن رجل فقير.. لا بل في أشد حالات الفقر..
كانت الحمى التي علقت بي سبباً في مشاهدتي رؤى وخيالات، وإعادة صور لذكريات غابت عن ذهني، وإحياء لوقائع حاولت دائماً نسيانها، أو إخفائها تحت طبقات كتيمة في نفسي.. ألا وهي الواقعة الجنسية التي كانت بيني وبين(بوران) ذات يوم.
رأيت نفسي وأنا أتقلب على الفراش كأنني أتقلب على نار متأججة، كأنهم يحاولون شيي وحرقي بأقصى سرعة ممكنة لهم.
شعرت، وأنا في تلك الحالة بحرارة ما بين فخذي، وبانتصاب عضوي الصغير في تلك الأيام.
هكذا تخيلت، لا أدري إن كان ذلك قد تم في الواقع أم لا؟ كنت على طرف برية. أما في الواقع فكنت على طرف حوض فارغ، أو قريباً من بيت(بوران) وكان الحوض يستعمل، عادة لوضع القمامة فيه. كنت أركض باتجاه مستقيم، ألاحق خيط الماء الحار الذي يندفع من عضوي المنتصب إلى الأعلى، على شكل قوس مائي ذي لون أصفر، ورائحة حادة نفاذة. أما في الواقع فكنت جالساً بثوبي، عندما جاءت (بوران) وكانت فتاة سمراء البشرة بعنين خضراوين وشعر طويل، ترتدي ثوباً أبيض بكمين مكشكشين، به دانتيلا..
لا أذكر كيف بدأت اللعبة فيما بيننا، أنا وبوران، كلانا طفلان صغيران لا يتجاوز الثامنة من العمر، وما قمنا به لم يعن لنا أي شيء. كل الذي قمنا به، هو محاولة اكتشاف تلك الأعضاء التي يمنع علينا اكتشافها، أو الكشف عنها..
كنت كل ما حاولت، وخاصة في الصباح، عندما أستيقظ، أن أرفع ثوبي لأفرغ مثانتي، كانت أمي تصرخ أن أترك ثوبي. ثم تصرخ بي هيا إلى المرحاض. وكان المرحاض بالنسبة لنا نحن الأطفال، وإلى كثير من الشبان وأيضاً الرجال، هو البرية الواسعة.
كان أحدهم يبتعد ويبتعد حتى يختفي عن الأنظار فيرفع ثوبه أو يهدل سرواله عن وسطه، ويبول وهو يلتفت بين حين وآخر فيما حوله ليطمئن، على أنه وحيد لا أحد يشاركه في امتلاك البرية التي يبول على صفحتها.
أما النساء فكان لهن مرحاض خاص، لا يجرؤ أي رجل أو صبي بالغ على الاقتراب منه، علاوة على الذهاب إليه. كان يبعد بضعة عشرات من الأمتار عن (الكامبات)، كانت النسوة من عادتهن أن تذهبن إليه جماعات، كأنهن بذلك يجدن الأمان لأنفسهن، حتى أن الواحدة منهن ترفض الذهاب وحدها لقضاء حاجتها. لذا، كن ينادين على بعضهن من أجل سيرهن الجماعي إلى المرحاض. كنت أستغرب: كيف يمكن لكل واحدة منهن أن تعرف حاجة الأخرى. طبعاً هذا الأمر والبحث فيه، ليس مهماً لي، إنما المهم هو ما تم بيني وبين(بوران).
في ذلك الصباح من الصيف، خلعنا سروالينا الداخليين، ثم قعدنا على حافة الجرن العالي الذي كان يستعمل كحاوية للقمامة، وكل واحد منا يحاول أن يكتشف عضوه التناسلي من جهة وعضو الآخر من جهة أخرى. ثم ما لبث أن حاول كل واحد منا أن يداعب الجهاز التناسلي للآخر، ثم، وبدون قصد منا تمددنا عاريين إلى جانب بعضنا، ثم قمنا نفعل ما كان يفعله الكبار في ممارسة الحب.
في هذا الغياب عن أنفسنا نحن الاثنين، وجدت رعباً قاتلاً على وجه بوران، هي المتمددة على ظهرها، وأنا المتمدد فوقها، وقبل أن أستغرب رعب بوران، شعرت بيد قوية تمسك بنقرتي وترفعني إلى الأعلى.
ما زلت إلى اليوم أتذكر العقاب الذي نلته على يدي أمي، كان عقاباً شديداً وكـأنني البنت وليس الصبي.
هذا ما جرى في الواقع. أما ما شاهدته، وأنا في حالة الحمى، وهذياني من آثارها فيختلف تماماً. لقد اقتربت مني بوران، أمسكت يدي رغم حرارتي وتوهج جلدي، شعرت بيدها المثلجة.. لقد انقدت وراءها أو بالأحرى وراء يدها المثلجة. كنت أحس بأن جسدي كتلة من النار المشتعلة، ولكن يد بوران ها هي تطفئ النار أولاً في راحة يدي، ثم في جسدي كله.
أمامنا البحر ومجموعة من الأنهار وجبل من الثلج الأبيض. أمامنا بساط من العشب الذي يغطيه الندى. أمامنا سماء خفيضة تقطر منها قطرات عذبة من الماء..
وها أنا، يتابع الفتى: ذات صباح استيقظت من نومي، لأرى باب(الكامب) مفتوحاً وخلفه السماء زرقاء وأشعة الشمس تلون كل ما تحط عليه باللون البرتقالي. كان البرد قارساً في ذلك الصباح، حتى أني وجدت أعمدة وخيوطاً متدلية من سقوف كافة(الكامبات)، كانت تشبه الصواعد والنوازل.. تحت هذه السماء الباردة الصقيعية ظللنا نركض أنا وبوران حتى وصلنا إلى أرض حمراء. طبعاً لم تكن مغطاة بتراب أحمر، إنما بعشب، أي والله، هكذا وجدت في مرضي وأنا أعاني من الحمى. كان العشب الأحمر به زهور بنفسجية صغيرة، تميل وتتراقص رؤوسها كلما هب الهواء بدفعات هادئة.
كان كل شيء من حولنا يوحي بالبرد القارس، رغم هذا بدأنا نخلع الثياب عن جسدينا. لماذا؟ لا أعرف الجواب. خلعنا الثياب قطعة وراء أخرى، أصبحنا عاريين، لا يستر جسدينا حتى ورقة التوت، وحولنا برية واسعة، مليئة بالزهور والعشب الأخضر، مع تواجد شجرة واحدة، كانت أحياناً تبدو لنا بعيدة، وأحياناً نراها قريبة، حتى أنه كان بإمكاننا أن نمد يدنا لنقطف منها تفاحة أو أكثر!
ولعل الأمر الغريب الذي وجدت نفسي فيه، في تلك الرؤى والهذيان والخيالات التي اجتاحتني، وأنا أعاني من الحمى، هو أني شاب، يظهر على عانتي شعر أسود مخشوشن، كثيف، كما كان لبوران أيضاً الشعر نفسه.. ولكني الآن، في هذه اللحظة، أحاول أن أتذكر، إن كان لها ثديان أم لا؟ لا أستطيع الجزم بجواب، لأننا، بعد أن أصبحنا عاريين، لم أهتم بالأمر.. أما في الواقع، فكنا مجرد طفلين في الثامنة.. وما أذكره عن تلك الخيالات، أن بوران سألتني من دون حياء أو خجل إن كنت مسيحياً؟ استغربت سؤالها. فأجبتها: لا. ثم أضفت سائلاً: لماذا هذا السؤال؟
لم تنظر إلي. طلبت مني أن أنظر إلى نفسي، أو بصورة أدق إلى ما بين فخذي. فعلت. ثم رفعت نظري إليها وسألتها: ماذا؟
أجابت وهي تلوي شفتها السفلى وتتساءل باستغراب: ماذا؟ ألم تجد جواباً على سؤالي؟ ثم أضافت مفسرة: أقصد ألم تدرك أسباب سؤالي؟
أجبتها: لا.
قالت: أراه بغلفة.
أطرقت وجهي أنظر إليه. كانت بوران محقة. كان عضوي بغلفة!
غريب! قلت لنفسي قبل أن أقولها لبوران، لأني لم أنس بعد ما جرى لي ذات صباح على يد رجل ذي لحية طويلة. يحمل بيده حقيبة جلدية ثخينة وهو يصرخ بأعلى صوته: مطهر أولاد..
أذكر، كان للرجل شكل غريب! يرتدي بنطالاً أصفر اللون، أي والله.. بنطالاً أصفر اللون، ينهضه إلى وسطه، ويشده بحزام جلدي عريض بني اللون، وفوق البنطال كان يرتدي قميصاً أزرق اللون، ويضع سلسلة ذهبية تنتهي بميدالية دائرية، محفور على وجهيها آيات وكتابات ورسوم.
ما زلت أتذكر: كيف نادت عليه أمي، وطلبت منه أن يأتي إلى بيتنا.كان عمري في ذلك اليوم ما بين الخامسة أو السادسة. ولكن أمي كانت على خلاف معي حول هذا التاريخ، كانت تؤكد، على أني كنت في الثالثة والنصف. المهم.. يقول الفتى: جاء الرجل ببنطاله الأصفر، وقميصه الأزرق، وميداليته الذهبية، وحقيبته الجلدية إلى بيتنا.. فتح الحقيبة وهو يطلب من أمي أن تحضر له ماء ساخناً، ثم أردف موضحاً: الأفضل أن تجلب لي وابوراً. وبعض القطع من الخرق إن وجدت في البيت؟
كنت مبهوراً بالرجل، وخاصة ثيابه. كان رجلاً جديراً بالتأمل.. وهذا ما فعلت. ولكني اليوم ألوم نفسي على رغبتي تلك.. لأن ذاك التأمل كان سبباً في أن أذاقني ألماً فظيعاً لا أنساه أبداً!
أخذ الرجل وهو يحضر عدته، ويغني عن الحمام الذي يطير في السماء، ويجلب بمنقاره للأطفال الذين يسمعون كلام أمهاتهم، قطع الحلوى.. أما أولئك الذين يبكون ويخبطون الأرض بأقدامهم، ويرفضون ما تطالبه منهم أمهاتهم، فيأتي طائر الغراب بجناحيه الأسودين، ومنقاره العريض، وعينيه.. يا لطيف! ويتابع الرجل صارخاً: الصفراوين اللتين استعارهما من الأفعى، ثم يقول موضحاً، بل من الحية، يأتي الغراب مرفرفاً بجناحيه فوق الصبي، ثم يهبط فوق رأسه لينقر له وجنتيه، ثم عينيه، ثم أنفه.. وهكذا حتى يتركه الغراب هيكلاً عظمياً صغيراً..
انكمش شيء ما في نفسي، وأنا أشعر بالخوف، غير مصدق أن الغراب، هذا الطائر التعس، فوق تعاسته يمكنه أن يقوم بفعل ما أخبرنا به الرجل الغريب! فأنا أعرف تماماً طيور الغربان.. ولكن، طالما أن الكبار يقولون ذلك، فلا بد أن يكون شيئ ما صحيحاً في كلامهم.
وهكذا انتهى الرجل من تحضير عدته. ثم طلب من أمي أن تجهز نفسها لمساعدته..
حتى هذه اللحظة، كنت لا أعرف بالضبط، لماذا يقوم هذا الرجل بما يقوم به؟ ولكني فجأة رأيت جيراننا، وكانوا جلهم من النسوة قد جئن إلى دارنا، يضحكن وهن ينظرن إلي.
استغربت، لماذا ينظرن إلي؟ وفجأة، أقولها مرة أخرى، صرخت إحدى النسوة، كان اسمها هدى، على أمي قائلة: لماذا تلبسين ابنك هذا البنطال القديم؟ أليس لديه آخر جديد؟
أجابتها أمي: بلى.. لقد اشتريت له بنطالاً جديداً على العيد وهو، تقصدني، لم يرتده إلا ثلاثة أيام فقط.
إذاَ، قالت المرأة: هاته.. فأنا لا أحبذ أن يرتدي ابني- هكذا كانت تطلق علي، لأنها كانت عاقر- هذا البنطال القديم. خاصة أمام عمه- تقصد الرجل صاحب البنطال الأصفر- الذي جلب له بعض الهدايا.
وعلى هذه الصورة، يتابع الفتى: صورة الرجل ، وما قالته هدى الجارة، وما أكدته بعض النسوة«شوَّ شو» علي الصورة الحقيقية التي سأكون عليها بعد قليل. بدأت الجارة، مساعدتي في خلع البنطال عني، ولكنها لم تكتف بذلك، إنما خلعت عني السروال الداخلي أيضاً بعد أن أطلقت صرخة استنكار قائلة: يا إلهي.. أي أم أنت؟ منذ كم من الوقت لم تخلعي عن ابني سرواله الداخلي؟ انظري كيف أصبح أسود اللون من كثرة ما علق به من الأوساخ.
لم أصدق قولها، لأنني في الصباح خلعت سروالي الداخلي، وارتديت آخر نظيفاً. أدرت نظري فيما حولي، أريد أن أرى أمي، ولكنها اختفت عن أنظاري، لم أتساءل في ذلك اليوم عن أسباب اختفائها.. كنت مبهوراً بالرجل وهو يجهز أموره، محاولاً أن لا يريني ما يقوم به من أعمال وما يعد له.. فكان يغني فقط عن الحمامة الجميلة والغراب القبيح.
عندما أصبح جسدي عارياً من النصف الأسفل، شدتني الجارة هدى إلى حضنها، وقالت لي: ما بك؟ هل أنت خجل مني؟ طبعاً لم أكن خجلاً، لأنني لم أكن أعرف بالضبط ماذا يعني أن يكون صبي مثلي خجلاً، من امرأة تقوم مقام والدته، ثم قالت لي: اجلس ريثما تجلب لك أمك بنطالك الجديد.
وأخذت ترفع صوتها تنادي على أمي، أن تسرع، قبل أن يبرد ابنها، تقصدني: خافي الله.. هيا بسرعة، اجلبي لابني السروال، لقد بردت ساقاه. بينما كان الرجل مستمراً في غنائه.
وفجأة سكت الرجل. التفت إليه. ابتسم في وجهي وقال: قل لي، أيهما تحب الحمامة الجميلة أم الغراب القبيح؟
أجبته بمرح: الحمامة الجميلة.
قال: شاطر. ثم أضاف: إذاً انظر إلى الأعلى، حاول أن تثبت نظرك فوق رأسي، لأن حمامة ما ستنطلق منه، يجب أن تكون الأول في مشاهدة انطلاقتها وهي طائرة، هيا أعدد معي: واحد، اثنان، ثلاثة.. ها هي تطير.
وكان الألم، يتابع الفتى: فظيعاً ما بين فخذي.
بهذه الطريقة خدعوني، بهذه الطريقة المخادعة قطعوا غلفتي. ولكن بوران هزت رأسها وقالت: غير صحيح.. لأنك بغلفة.
صحيح. كنت بغلفة. كيف؟ لم اجد جواباً على سؤالي في ذلك الهذيان الذي كنت أغوص في تفاصيله من جراء الحمى الجهنمية التي كنت أعاني منها.
رغم هذا تمددنا على العشب، سحقت أسفل ظهرينا تلك الزهور البنفسجية الصغيرة، ثم ما لبثنا أن مارسنا الحب.
كم كانت الشمس، في تلك اللحظة، مشرقة ودافئة؟ كم كان العشب طرياً؟ كم كان للزهور رائحة زكية؟ كان أريج البنفسج يفوح من حولنا ويتصاعد إلى الأعلى.
هذا ما كان في الهذيان، وفي رؤاي. أما ما كان في الواقع فلا أستطيع أن أصفه، أو أقارنه سوى بالعذاب الذي عانيت منه مدة ثلاثة أيام، بعد أن تمت عملية (ختاني). اليوم أتذكر كم كرهت طيور الحمام التي خدعتني لمدة طويلة من السنوات، أما الغربان فلم تحظ بكرهي إنما بشفقتي، فهي، هذا ما أعتقده، طيور مظلومة من البشر.
* * *
لأول مرة يحاول الفتى.. أن يكتب قصة وهو في السابعة أو الثامنة من العمر.. والقصة في مختصرها، قصته وقصة أترابه من الأطفال. لذا يقول بحماسة منقطعة النظير مؤكداً على أن السيرك ظل حديث(الكامب) الذي نسكنه نحن، عصابة الصبيان، لمدة تزيد عن الأسبوع، قبل أن نقرر زيارته، طبعاً من دون أن يكون لدينا القدرة على الدخول إليه ومشاهدة عروضه الليلية. لقد جاءت زيارتنا للسيرك في النهار بعد أن جمعنا أنفسنا، واتجهنا إلى البلد.. وكلمة البلد هذه عادة يقصد بها إلى قلب المدينة. مدينة حلب.
رأينا حول السيرك سياجاً ملوناً، ومزيناً بمجموعة من الأعلام التي ترفرف فوق السور. كان السور مؤلفاً من«شادر» سميك، مرسوم عليه شتى الرسومات، خاصة الحيوانات منها، مثل القرود والفيلة والدببة، والفهود والنمور والأسود والأحصنة.. ثم رسوم أخرى، في مشاهد تمثل حركات رجال السيرك وما يقومون به من ألعاب بهلوانية، بعضها خطر وآخر سهل.. كما أن رسوماً أخرى رأيناها على السور- الشادر، كانت لأقزام وقزمات وما يقومون به من التهريج، ودراجات نارية وهوائية تطير في الجو، أو تدور في حلقات بسرعة هائلة.. ثم رأينا، في وسط السور العالي، الخيمة العملاقة التي تجري في داخلها، وتحت سقفها استعراضات السيرك وألعابه التي يقوم بها الرجال والنساء والحيوانات.
أذكر أن السيرك، يتابع الفتى: استمر أكثر من شهر. وكان الصيف في أوله عندما بدأ استعراضاته الأولى. كنت وبقية عصابة الصبيان، نخرج مبكرين من بيوتنا في(الكامب) متوجهين إلى السيرك. ندور حول سوره العالي، ونحن نرفع وجوهنا بين فينة وأخرى إلى الأعلى، إلى تلك الخيمة العملاقة الزرقاء اللون.. ننظر إليها ولا نمل، وكل واحد منا يحاول أن يتخيل ما يجري فيها مساء، في ساعات العرض، وأي أناس يزورونه؟
كنا نقف أمام بابه المغلق، وكان من خشب رقيق يغلفه القماش السميك الملون والمزين برسوم الطيور والقردة والأشجار. كنا، وما إن يبتعد الحارس عن الباب قليلاً حتى نقترب من الباب لندفعه إلى الداخل ونحن نمط رقابنا مسترقين النظر مما يقع وراء الباب. ننظر إلى باحة السيرك حيث الأقفاص الحديدية القوية القضبان التي تقبع وراءها الحيوانات الكاسرة، كما كنا نرى مرور الذين يعملون بالسيرك من رجال ونساء بثيابهم الغريبة وطراطيرهم المضحكة، وأنوفهم الحمراء الكبيرة البارزة في مقدمة وجوههم.
كنا، ونحن نسترق النظر منهم، وهم يتدربون على ألعابهم واستعراضاتهم، نشعر بدق عنيف في صدورنا، وخوف شديد يقبض على قلوبنا كلما قام أحدهم بلعبة خطرة، كنا في طريق العودة إلى بيوتنا، ونحن ما نزال نعيش تلك المشاعر المضطربة، نطرح ما بأنفسنا، ونتحدث عما نشعر به..
ما زلت أذكر عبد المجيد، وهو صبي ذو لياقة بدنية عالية، كان يتيم الأب. يقول لنا: لقد شعرت بالرعب، لأنني كنت أتصور، ما أن نطيل مكوثنا أمام الباب، حتى يطلق الحارس مجموعة من كواسره باتجاهنا فتندفع إلينا لتمزقنا إربا.. بصراحة، يقطع حديثه، ليتابع في أمر آخر: تصورت نمراً يحملني بين فكيه إلى قفصه، وهناك على أرضيته الخشبية، وبين بقايا العظام التي لاكها من قبل، يلوك عظامي لينتزع عنها لحمي قطعة وراء قطعة، ولا يتركني سوى هيكل عظمي يصلح أن يوضع في غرفة العلوم والتشريح في مدرستنا.
كنا نضحك منه لمخاوفه، أما مصطفى، شجاع العصابة، وقد عرف عنه التهور فكان يقول: أما أنا، فبصراحة وددت لو دفعت باب القفص إلى آخره، ودخلت إليه مرتدياً ثياب العاملين بالسيرك، لأقف أمام الفهد، أمسكه من أذنيه وأجره خلفي.. فيتدخل أولاد عمومته من النمور وأولاد خؤولته من الأسود ما بيني وبين الفهد، يعتذرون مني ويطلبون أن أسامح هذا الفهد الطائش الذي لا يقدر الرجال حقهم!
أما عبد اللطيف فقد قال، وتقاسيم حادة ترتسم على وجهه: بصراحة وددت لو دخلت إلى السيرك، وطلبت من سائق(الموتوسيكل) أن يعيرني إياه لمدة قليلة، لكي أقوم باللعب عليه، كذاك اللاعب الذي رأيته ذات يوم في السينما..
ضحك محمد وقال: قبل أن تركب (الموتوسيكل) تعلم ركوب الدراجة الهوائية أولاً..
ضحكنا جميعاً لمزاح محمد.
يتابع الفتى قصته: عدنا إلى البيت، وكان النهار قد تلاشى ضوءه وظهر الليل من جديد بنجومه وقمره الأصفر الذي كان هلالاً في تلك الليلة..
لقد حاولنا جميعاً نحن الصبيان، في تلك الليلة، قبل أن نذهب إلى بيوتنا، أن نلعب ألعابنا المعتادة التي تعودنا أن نلعبها في كل ليلة، إلا إنا لم نستطع، كان هناك أمر ما يأمرنا أن نذهب إلى بيوتنا، قبل أن نجد أنفسنا محاصرين بين حيوانات السيرك الكاسرة..
لهذا انسحب كل واحد منا إلى بيته، وفي رأسه خيمة أو أرنب أو نمر أو فيل أو موتوسيكل أو فهد..
في الفراش، وهذا ما تحدثنا عنه في نهار اليوم التالي، يوم عدنا عصابة واحدة من الصبيان، كيف لم نقدر على النوم..
قال عبد الله، وهو صبي ضئيل الجسم: لن يهنأ لي عيش يا أولاد، إن لم أدخل إلى السيرك، وارى بأم عيني ما يتحدث عنه أولئك الذين دخلوا إلى السيرك وشاهدوا ألعابه..
هذه الرغبة، كانت أيضاً رغبتنا جميعاً. ولكن كيف يمكن لنا أن نحقق هذه الرغبة؟ فنحن مجموعة من صبيان أهلوهم من الفقراء المعدمين..
ظللنا لمدة تزيد عن ثلاثة أيام نفكر ونفكر بكيفية تحقيق هذه الرغبة، إلا أنا لم نتوصل إلى حل.. فاجتاحتنا مشاعر الخيبة والإحباط.. ما لبثنا أن شتمنا الفقر ابن الكلب.. الذي يمنعنا من زيارة السيرك، ومشاهدة برنامجه الليلي الذي يمتد ثلاث ساعات بالتمام والكمال.
لقد أخبرنا بهذا الأمر أحد الأولاد الذين قاموا بزيارة السيرك مع أهاليهم..
وفي اليوم الرابع، طرأت لي فكرة. ماذا لو جمعنا، نحن الصبيان، مالاً فيما بيننا، ودفعنا واحداً منا إلى زيارة السيرك، ليحدثنا بعد ذلك بشيء من التفصيل عما شاهده من ألعاب واستعراضات وبهلوانيات تحت الخيمة الزرقاء العملاقة؟ هذه الفكرة، ما إن طرحتها على عصابة الصبيان حتى تحمس لها الجميع، وبدأنا بجمع أموالنا، وهي(قروش) قليلة وضئيلة في مبلغ موحد، ساوى ثمن بطاقة واحدة فقط للسيرك..
شعرنا بفرح غامر ينبع من صدورنا، قلنا: وأخيراً سنحقق الرغبة التي تجوب نفوسنا منذ أكثر من أسبوع.. ولكن الخلافات ما لبثت أن دبت بيننا، وسبب الخلاف كان، من منا سيذهب إلى السيرك ليرى برنامجه على الطبيعة؟
وبعد أخذ ورد ونقاش توصلنا جميعاً إلى اقتراح أن نجري قرعة فيما بيننا.. وبما إنا ثمانية من الصبيان، أجرينا على كل صبيين قرعة، كان الخاسر ينسحب والرابح يتقدم إلى الدور التالي من القرعة.. حتى كانت نتيجة الدور الأول للقرعة، أن أربعة صبيان ربحوا، ومثلهم في العدد كانوا من الخاسرين.. ثم جرى الدور التالي فربح من الأربعة صبيان اثنان، ثم جرى الدور الثالث للقرعة، ما بين الرابحين الأخيرين، فربح مصطفى، وكان للمصادفة أكبرنا وأكثرنا جرأة.
كان السيرك، وهذا من حظنا، في برية قريبة من تجمع (الكامب) الذي نسكن فيه.. رحنا نؤكد لمصطفى عن ضرورة مراقبة كل ما يجري من ألعاب ليصفها لنا فور خروجه بالتفصيل. ومشاهدة كل الحيوانات، وخاصة الفيلة، لأنها حيوانات ضخمة تثير الرعب في النفوس، رغم أنها، كما قرأنا عنها في الكتب، حيوانات أليفة لا تؤذي أحداً، تألف رفقة الإنسان وتأنس إليه.
وفي اليوم المقرر، يتابع الفتى: وساعة العصر قد أزفت، وهي الساعة التي يفتح فيها السيرك أبوابه، ويبدأ في تقديم برنامجه اليومي.. فوجئنا، عندما ذهبنا جموعاً، برفقة مصطفى إلى السيرك، فوجئنا بإغلاق بابه الملون!
سألنا، ونحن مستغربون، البواب الواقف بقرب الباب، عن السبب، ومتى سيفتح السيرك أبوابه، ويستقبل زواره كالأيام السابقة؟
أجابنا البواب: لا أعرف. ثم أضاف: ما أعرفه، لن يفتح أبوابه اليوم.
عدنا إلى البيت محبطين، ومضينا من دون أن يتذكر أي واحد منا، ضرورة توزيع المال الذي جمعناه، ليأخذ كل واحد منا ما ساهم به من أجل شراء البطاقة.
في اليوم الثاني، عرفنا، أن سبب إغلاق السيرك لأبوابه، كان نفوق أحد الفيلة.. طبعاً تأسفنا لذلك وحزنا كثيراً، وأكبرنا بأصحاب السيرك والذين يعملون فيه، البادرة الإنسانية الرائعة في إغلاق السيرك أبوابه حداداً على الفيل النافق.
ما لبث أسفنا أن ازداد، ثم تحول إلى غضب ضد ذاك «الإنسان»الذي وضع قطعاً مكسرة من الشفرات والمسامير الحادة في رغيف من الخبز وأطعمها للفيل المسكين الذي لم يكن يعرف أنه يتناول لقمة الموت.
بحثنا، نحن الصبية طويلاً، الأمر فيما بيننا وكيف يمكن لنا الانتقام من هذا «الإنسان»الذي لا يملك ذرة من الضمير والوجدان. ولكنا، يا للأسف لم نكن نعرف الفاعل، فانتهى بنا أمر الانتقام أن ندعو الله عز وجل أن يدق عنق الفاعل الظالم.
وفي المساء، بعد أن عاد كل واحد منا، نحن عصابة الصبيان، إلى بيته حزيناً وخائباً، وبعد أن تمددنا في فراشنا، أذكر، وأنا ما بين النائم واليقظان، رأيت فيلاً جميلاً بأجنحة يحط أمام بيتنا من السماء، ثم رأيته يهز بمرح أذنيه العريضتين كأنه يطلب مني أن أجمع الصبيان أترابي، ليضعنا فوق ظهره، ويذهب بنا إلى حيث نريد.
وعندما فتحت عيني كان النهار يحدد النافذة بأضوائه، فهرعت إلى الباب، فتحته وخرجت منه مسرعاً إلى خارج البيت. ولكني يا للأسف، لم أر شيئاً، فطأطأت رأسي أسيفاً وأنا أقول لنفسي: على ما يبدو قد تهيأ لي رؤية الفيل الطائر.. رغم ذلك أمعنت نظري في أطراف السماء الزرقاء ولكنها كانت صافية، خالية ليس من الفيل فقط، إنما من العصافير أيضاً!
* * *
يتابع الفتى: كانا زوجين ليسا من حلب، إنما من قرية تابعة لمدينة حمص. كانت هدى، الزوجة تقضي معظم وقتها لدى والدتي، لم يكن لها أولاداً، رغم أنها كانت متزوجة منذ أكثر من عشر سنوات. أما يوسف، زوجها، فكان نحيلاً ذا وجه قاسي الملامح، له شارب دقيق فوق الشفة ويغلظ تحت الأنف. كان كثير السعال والكح من دون مرض. أما هدى، فكانت «مربربة» بيضاء البشرة، ذات عينين ساخرتين، كانا يعانيان من وضعهما في عدم الإنجاب أمام الناس وتساؤلاتهم وأمام نفسيهما. كان على ما يبدو، يشعر كل واحد منهما، أنه السبب في عدم الإنجاب. لقد عاشا على هذه الحال سنوات طويلة، حتى أقنعا نفسيهما بأن الله عز وجل قسم لهما هذه القسمة في الدنيا.
كنا نلاحظ عليهما الاستياء إن حاول أحد ما الحديث عن «الخلفة»والذرية وشيئاً من الغضب، خاصة من يوسف، على كل من يحدثه عن ضرورة الزواج للمرة الثانية لعل وعسى أن يرزقه الله بولد.
ذات يوم سافرت هدى إلى القرية. أما بعد عودتها فتناهى إلى أسماعنا أن زوجها سيتزوج. وهذا القرار كان قد اتخذه بموافقة زوجه. ضج مجتمع «الكامبات»الصغير للخبر. وتساءلوا وبحثوا إلى أن أجلي لهم الأمر.
هناك حكايتان، إحداها تقول: أن هدى كانت تعرف أن سبب عدم الإنجاب يعود إلى زوجها يوسف. لذا وافقت على الزواج. لا بل سعت إليه في أثناء ذهابها للقرية بحيث بحثت له عن زوجة حتى اهتدت إلى فتاة جميلة، صغيرة وخطبتها ليوسف من أهلها.
كانت هدى تحب زوجها حباً شديداً، وكان يوسف بدوره يبادلها الحب بالقوة نفسها. ولم يكن منغص في حياتهما سوى قضية عدم الإنجاب.. ولكي لا تشعر هدى بالذنب، ولكي يعرف زوجها أن السبب في عدم إنجابها، منه.. وليس منها. طرحت عليه فكرة الزواج. يقال إن هدى قد راهنت على حب زوجها لها، لأنها تخيلت، أنه سيطلق زوجه الجديدة في حال عدم إنجابها له ولداً، وبهذا، ستشعر هدى بالأمان أكثر، ولن ترى بعد ذلك، في عيني زوجها يوسف، نظرة ذات معنى أو إدانة بعدم إنجابها.
ولكن الأمر الذي حدث بعد زواج يوسف كان العكس تماماً. فقد كانت الزوجة الثانية ليوسف، صغيرة وجميلة، وعلى ما يبدو كانت تعرف كيف ترضي زوجها في الفراش، في شيء من الشبق، هذا وقد سمعت من هدى تقول لأمي: إنها عاهرة، فأنا برغم أني في الغرفة الثانية، كنت أسمع صوت تأوهاتها ويوسف يقول لها أن تكف عن هذا الأمر، فكانت تقول له مجيبة، لا أستطيع. لا أستطيع.. فهذا الأمر يثيرني حتى النخاع.
مضى على زواج يوسف أكثر من عامين دون أن تنجب له الزوجة الجديدة مولوداً.. طبعاً سعدت هدى لهذا الأمر، ولكن الأمر الذي لم تسعد منه هو انصراف يوسف عنها تماماً إلى زوجه الجديدة، كأن أمر الذرية لم يعد يهمه في شيء، إنما جل ما يهمه الآن هو إشباع رغبته بين أحضان الزوجة الجديدة التي كانت تعرف كيف تشبعه بحيث يسقط بعد الانتهاء من ممارسة الحب كالخرقة التي لا نفع منها.
هكذا قالت هدى لأمي.
أخذت الغيرة تأكل كبد هدى، لقد أضاعت زوجها من يديها نتيجة حماقة ارتكبتها. وغلط وقعت فيه، غلط لا يمكن لأبسط امرأة أن تقع فيه. وهو أن تطلب منه الزواج دون أن تخبره بأن سبب عدم الذرية منه هو وليس منها.
يقال إن هدى ظلت ثلاث سنوات تخطط لطريقة الإيقاع بين يوسف وزوجه الثانية، من دون آثار ومعالم تدل على خططها. هذا وقد توصلت إلى خطة، وكأن الشيطان بنفسه قد رسمها لها.
راحت هدى تسرد على أسماع ضرتها كثيراً من القصص عن الحب والحب الذي يموت في آخر المطاف. ولكي يستمر هذا الحب فلا بد لرابط يربط الزوجين به، وهذا الرابط، أجابت هدى على تساؤلات ضرتها التي رأتها في عينيها، هو إنجاب ولد.
هزت الضرة رأسها باستياء وقالت: لقد مضى ثلاث سنوات على زواجنا من دون أن أحمل منه. ثم أضافت: وعلى ما يبدو يا خالة، يوسفنا هذا عقيم.
هزت هدى رأسها وقالت: هذا على ما يبدو. وأضافت: لقد حرمني ولداً. وإن ظل بكما الأمر على هذا المنوال سيحرمك أيضاً الذرية.
والحل..
هذا ما سألت عنه الضرة.
هزت هدى رأسها وقالت: لا أعرف. ثم أضافت: ولكن علينا أن نفكر.. لا بد لنا من إيجاد حل يا بنتي.
تابع الفتى.. قصته: أما الحل فكان شيطانياً من قبل هدى. فقد دفعت ضرتها إلى خيانة زوجها يوسف. وأن تحمل ابن زنا، وبذلك تكون قد ربطت بينها وبين يوسف إلى الأبد. يقال إن الضرة لم توافق على هذه الخطة أول الأمر، ولكنها بعد ضغط كبير من هدى وافقت عليها على مضض.
لقد طار عقل يوسف عندما ولدت زوجه الثانية بنتاً، ولم تمض أيام وقبل أن تبلغ شهراً، كانت هدى انتقلت إلى تنفيذ الشق الثاني من الخطة، وهو إعلام زوجها بأمر خيانة زوجته الثانية.
لم يصدق يوسف كلام هدى، ظن أن دوافعها هي الغيرة فقط، ولكنه لم ينس الأمر، ظل يدوّره بينه وبين نفسه ثم ما لبث أن اقتنع بما أخبرته به هدى.
يقال أن يوسف ظل زمناً طويلاً يفكر ويبحث عن طريقة للتصرف مع زوجته الثانية، وإيجاد حل للوضع غير السليم الذي وقع فيه ووقعت فيه زوجه الثانية. فاتحها يوسف بأمر بنت الزنى التي تتربى وتكبر في بيته على أساس أنها ابنته، ثم سألها عن الأسباب التي دفعتها إلى هذا السلوك، وهو الذي لم يسألها أبداً عن الذرية والخلفة التي يطمح إليها كل زوج؟ ولماذا قضت على السعادة التي كانا يعيشان فيها معاً؟
قد يدور السؤال كما دار في ذهني، يقول الفتى: لماذا سلكت هدى هذا السلوك مع ضرتها، ومن ثم زوجها.. أجابت هدى، أنا أعرف أن يوسف لا يمكن له أن يقبل زوجه الثانية أن تستمر في الحياة معه، سيطلقها، أولاً سيعود إلي، لأنه لن يجد في البيت سواي، ثانياً سأكون بذلك قد حصلت على بنت أربيها كابنتي.. لأن يوسف لا يمكن له أن يبعد الطفلة الصغيرة عنه.
مرة أخرى وقعت هدى في الخطـأ.. خاصة عندما أجابت الزوجة الثانية على أسئلة زوجها، على أن هدى، هي التي رسمت لها هذا الطريق لتسلكه حتى النهاية.
عندما سمع يوسف هذا الكلام هز رأسه وقال: لا بأس..
فكر يوسف طويلاً بأمر يحل هذه المشكلة العويصة التي وجد نفسه فيها. لو كانت خلافات نسوة لما أعارها اهتماماً، لو كانت مجرد أكاذيب صغيرة مبعثها الغيرة، لما أصاخ بسمعه لهدى أو لفيروز زوجه الثانية.. إنما هي مشكلة تمس الشرف والكرامة. قال في نفسه: طلقها، لتذهب إلى بيت والديها كالكلبة الذليلة. ثم أضاف: لا.. اقتلها. وتمثل نفسه كيف قتلها، وكيف اقتيد من قبل الشرطة إلى السجن، وإن لم يعدم فهناك حتماً سنوات طويلة من عمره يقضيها وراء القضبان الحديدية.. ليس هذا وحسب، إنما ستجد هدى الصغيرة، وهي ابنة فيروز، والدها (على أساس الخانة) في السجن. فأي مستقبل سيكون لبنت والدها داخل السجون.
قال لنفسه: عليك أن تفكر بحكمة، عليك أن لا تهدر حياتك من أجل عاهرة، خائنة للمواثيق والعهود. عليك أن تنتقم منها شر انتقام، وتحفظ فيها ماء وجهك من العار الذي قد يلحقك لو انتشر خبر ما قامت به زوجه الثانية.
بعد تفكير طويل، أضاف: عليك أيضاً أن لا تنسى هدى زوجك الأولى، رأس الأفعى وأساس البلية.
يقال إن يوسف استدعى هدى وسألها: هل صحيح ما سمعته من فيروز؟
سألته: ماذا سمعت؟
أجابها: على أنك كنت وراء سلوكها الذي أخبرتني به.
قالت: نعم.. وما سلوكي هذا إلا لخيرك وخيري.
سألها هازئاً: كيف؟
أجابته: أنا أحبك. انصرافك عني إليها، يشعل النيران في كياني.. لذا فكرت أن أبعدها عن طريقنا، لنعود مرة أخرى إلى بعض كما كنا سابقاً، هذا إلى جانب حصولنا على ابنة كنا قد حرمنا منها ومن الصبيان أيضاً.
سألها هازئاً: أقلت تحبينني؟
أجابت: نعم. إلى حد الموت.
سألها: كيف تحبينني وأنت بفعلتك مرغت هامتي في الوحل؟
أجابته: لم أفكر في يوم من الأيام، أو في لحظة من لحظات حياتي أن أتصرف مثلما قلت. كل ما قمت به هو لأنني أحبك ولا أستطيع أن أراك بعيداً عني، وفي أحضان امرأة أخرى.
هز يوسف رأسه وقال: لا بأس.
يقال إن يوسف عالج الأمر طويلاً في نفسه، لذا كان عليه أن يتصرف بحكمة، والحكمة هنا تقتضي أن يأخذ المذنب عقابه، وأن يسعى إلى أن لا يدمر حياته وحياة الصغيرة.. فاستدعى زوجه هدى وسألها: أقلت بأنك تحبينني ولا تقدرين على فراقي؟
أجابته: نعم.
قال لها: لا بأس. ثم أضاف: ولكي يتحقق هذا الأمر يا هدى علينا إبعاد فيروز من بيننا. علينا إخراجها من حياتنا. كما قلت، والاحتفاظ بهدى الصغيرة.
سألته بلهفة: وكيف سيتحقق ذلك، هل ستطلقها؟
أجابها: كلا. لن أطلقها. أخاف أن يكون طلاقي لها سبباً في انتشار رائحة فعل الخيانة الذي قامت به.
سألته هدى: إذاً كيف التصرف؟
أجابها: دعينا نفكر..
وبعد طول تفكير قال يوسف لهدى: لقد وصلت إلى حل.
سألته بلهفة: ما هو؟
أجابها ببرود: القتل!
سرت قشعريرة باردة في كيان هدى وهي تتساءل: القتل! كيف؟
أجابها: لنختر أية طريقة يمكن للإنسان أن يموت بها.
سألته: كيف ستقتلها؟
ابتسم يوسف وقال: كلا. بل أنت التي ستقتلينها.
شحب وجه هدى وقالت بتردد: أنا!
أجابها: نعم. ألست أنت صاحبة الخطط. إذاً تابعي خططك. وما أن تموت فيروز، وننتهي من دفنها حتى نعود مرة ثانية إلى حياتنا السابقة مع طفلتنا هدى الصغيرة.
سألته: أتقصد.. نقتلها من دون أن يعرف أحد ما بأننا قتلناها؟
أجابها: هذا ما فكرت به.
يقال إن هدى نشطت في البحث عن الطريقة التي ستنفذها في قتل فيروز من دون أن تدل على فعل القتل، إنما كل مظاهرها تدل على موت طبيعي بأمر من الله تعالى..
حدثتنا جارة لنا في (الكامبات): لقد سمعت صراخاً في الخارج بينما هي تجهز الفطور لأولادها. ما لبث الصراخ أن تكرر. وقد عرفنا صاحب الصراخ، كانت هدى زوجة يوسف. فهرعنا إليها ونحن نقول، لا بد أن أمراً رهيباً قد حدث. لو لم يحدث لما صرخت هدى هذا الصراخ.. وصلنا إلى البيت. فواجهتنا هدى بقول يكسر الظهر، أن فيروز ماتت.. ثم راحت تتحدث عن الوقائع في موتها. قالت: استيقظت في الساعة السادسة صباحاً، جهزت الإفطار ليوسف ريثما ينتهي من حلاقة ذقنه، قمت أنا بتجهيز الإفطار وليس فيروز لأنه، كان قد أمضى ليله معي. وبعد أن ذهب يوسف إلى الثكنة سمعت تأوهاً من فيروز سألتها إن كانت تعاني شيئاً، فأجابتني: نعم. رأسي.. أحس به ثقيلاً. قلت لها: نامي.. عندما تستيقظين ستكونين في حال جيدة. وذهبت إلى فراشي أكمل نومي. ما لبثت أن استيقظت في الثامنة دون أن تستيقظ فيروز. قلت، لا بد أنها غارقة في النوم.. فأفطرت من دون أن أوقظها. ولكني وأنا أمام الطاولة أتناول فطوري سمعت بكاء الصغيرة. ثم تكرر من دون أن أسمع أية حركة من فيروز لإسكات هدى، فنادت عليها مرة وثانية فلم أتلق أي جواب منها، قمت إلى غرفتها فوجدتها مفتحة العينين باردة الجسد.. ميتة..
يقال: «أن أحد الصبيان ركض إلى الثكنة وهي لا تبعد عن«الكامبات»كثيراً وأخبر الحارس الذي على باب الثكنة، والأخير أخبر يوسف. نزل يوسف من الثكنة وهو يكرر ما بينه وبين نفسه، لقد فعلتها ابنة الكلب المجرمة.. لقد صرخت في وجهي أكثر من مرة، إن لم أطلقها ستقتلها..»
انتشر قول يوسف هذا بين الناس، ثم وصل إلى الشرطة الجنائية التي شرحت الجثة، فتأكد لها أن موتها كان بفعل مادة سامة، وقد حدثت الوفاة ما بين السابعة والنصف والثامنة والنصف، وفي هذا الوقت كان يوسف في الثكنة.. أي أنه كان بعيداً عن الشبهات.
يقال إن هدى اختلت بيوسف وسألته: لماذا فعلت بي هذا؟ لماذا دفعتني لقتلها؟ ومن ثم أخبرت عني! وهذا الأمر لم نتفق عليه أبداً.. لقد اتفقنا على..
يقال إن يوسف لم يدعها تكمل وهو يقول لها: لم نتفق على شيء، لقد قتلتها أنت بيديك.
يقال إن هدى ذرفت دموعاً سخية وهي تقول له: أتمنى ألا تطلقني.. لأنني عندما أخرج من السجن سأعود إليك.. فأنا أحبك رغم كل شيء.
يقال أن يوسف لم يعلق بكلمة على ما قالته هدى! وما أن دفنوا فيروز، وذهبت هدى إلى السجن، حتى حمل يوسف صغيرته هدى ورحل عن (الكامبات) إلى جهة مجهولة لم يره أحد بعد ذلك أبداً!
* * *
أتساءل، يتابع الفتى: «متى برز درويش كعسكري متطوع في (الكامبات) لأول مرة؟ فجأة رأيناه يسعى بيننا. كان شاباً، تخطى العشرين، وربما كان في الخامسة والعشرين؟
شاب أسمر البشرة، طويل إلى حد ما، صاحب عينين سوداوين كسواد الليل.. مما ألقى ذلك ظلالاً قاتمة حول عينيه. رأيناه أكثر من مرة يصعد إلى الثكنة في الصباح بشورته الخاكي القصير، وينزل منها في الساعة الثانية بعد الظهر. وذات يوم، كان ذلك بعد شهور عدة من ظهوره بيننا، أشار إلي أن أقترب منه، وكان واقفاً أمام باب الكامب الذي يسكنه. ذهبت إليه وعلى وجهي الاستغراب والدهشة! سألني وهو يضحك: «ما اسمك؟ أجبته. قال: اسم غريب!»لم أعلق أو أوضح له معنى الاسم، لأنني كنت على قناعة بأن اسمي واضح المعنى إلى أبعد الحدود. سألني إن كان والدي عسكريأً؟ أجبته، أن نعم.
ابتسم ولم يعلق.
هذا الحوار القصير الذي دار بيني وبينه كان السبب في توطيد علاقتي معه..
واليوم أستغرب تماماً، كيف يمكن لعلاقة تقوم بين شاب تخطى العشرين وصبي لم يتجاوز الثامنة من العمر؟ لم تكن العلاقة التي كانت بيني وبين درويش علاقة صبي صغير مع شاب. كلا.. إنما كانت علاقة ودية، كأنني مثله شاب أو كأنه مثلي صبي. لم نجد، الفارق في السن، يمكن له أن يكون عائقاً في صداقة.
ذات يوم سألني، إن كنت أرغب في الصعود معه إلى الثكنة؟ قلت بابتهاج: أرغب بشدة. فضحك وقال: إذاً هيئ نفسك في صباح الغد.
لم أنس إلى هذه اللحظة، ذلك اليوم الذي قضيته برفقته في الثكنة. لأنني لأول مرة أطل على مطبخ فيه كمية هائلة من اللحوم، والرز والبرغل، والمربيات.. والسمون والحليب والألبان.
سألني عندما رأى الدهشة في عيني: أتريد أن تأكل لحماً هذا الصباح؟
لم أجبه، خجلت أن أقول له نعم. عرف ذلك، فضحك وأشار إلى رجل كبير في السن، أن يجهز لي رغيفاً محشواً بقطع اللحم المسلوق..
ابتسم الرجل الكبير وقال: تكرم حضرة العريف. ثم رأيت فرناً هائلاً يخرج منه كمية كبيرة من الخبز(الصمن)، ثم مررنا بمهاجع للجنود، ضخمة، فيها كثير من الأسرّة، وعدة دكاكين للحلاقة وكواء الألبسة.. ثم عدد آخر من المكاتب التي يعمل فيها مجموعة من العساكر.
عند الظهيرة، يتابع الفتى: انحدرنا إلى بقعة رملية في جنوب الثكنة. يظللها صف من أشجار السرو والنخيل والزيزفون. قعدنا في ظلها طويلاً. لفنا، في أكثر الأوقات الصمت. كنت حائراً، ما معنى أن يأتي بي درويش إلى هذه البقعة المعزولة إلى حد ما عن بقية مباني الثكنة، ثم يجلس صامتاً من دون أن يحدثني؟ ما لبث أن قام وقال لي: هيا.. لقد حان موعد الغداء، علينا أن نكون في الوقت المحدد في قاعة الطعام، وإلا انتهى الطعام، ولن يتركوا لنا شيئاً من الأكل.
سألته باستغراب: أيمكن أن يأكلوا الطعام الذي رأيناه؟
ابتسم وقال: على الآخر.. لن يتركوا منه لقمة واحدة.
في الساعة الثانية انحدرنا على الطريق الإسفلتي الذي يصل الثكنة بالشارع العام، وما إن وصلنا إلى مفرق الكامبات حتى انحدرنا عليه ليذهب كل واحد منا إلى بيته.
منذ ذلك اليوم توطدت العلاقة بيننا.. بدا درويش غامضاً بالنسبة لي، لم أجرؤ، أو أستحسن أن أسأله عن حياته.. لماذا هو وحده؟ غير متزوج ككل الذين يسكنون الكامبات؟ أين كان قبل أن يأتي إلينا؟ أليس لديه والدان أو إخوة؟ لقد أوغرت هذه الأسئلة صدري ضده، ولكني لم أجد المناسبة التي يمكنني أن أستغلها في سؤاله. لذا تركت الأمر للمصادفة المناسبة.
وهذا ما كان.
ذات يوم، وكان يوم جمعة، أي يوم عطلة، قمت بزيارته في الكامب، لأنه كان قد وعدني أن نذهب إلى الحديقة معاً لصيد العصافير.. وما أن طرقت الباب حتى فتحه لي، كأنه كان بانتظاري. قال لي: تفضل لقد جئت بوقتك. ثم تراجع إلى الوراء، ليجلس على كرسي خيزراني قديم.
أدرت نظري في داخل البيت الذي كان قد سكنه يوسف وهدى قبل مأساتهما، أعرف جدرانه وسطحه ونافذته الوحيدة، كما أني رحت أتخيل كل قطعة أثاث من أثاث بيت يوسف وهدى في أثناء زياراتي لهما فيما مضى من الأيام.
كان الكامب بحضور درويش قد أصبح أمراً آخر. لقد أصبحت الصورة التي كانت في ذهني من قبل جديدة تماماً. بعد أن أصبح البيت شيئاً آخر، غير الذي أعرفه، لقد أصبح بيتاً يثير التساؤل والدهشة للأشياء الغريبة التي رأيتها فيه.
تابع الفتى: واليوم لا أستطيع أن أتذكر مما رأيت إلا شيئاً واحداً، وهو صورة.. صورة لامرأة في وضعيات مختلفة. كان درويش قد علق عشرات منها على جدرانها! بعض منها بإطار من خشب وزجاج، وأخرى بإطار من الورق المقوى، وبعضها الآخر ملصقة على الحيطان.
استغربت تماماً ما رأيت، رحت أتأمل الصور جميعها. كانت لامرأة واحدة لا تتجاوز العشرين من العمر. امرأة بأنف صقري وعينين كبيرتين وفم قاسي التقاطيع، حازم.. وفجأة سمعته يسألني: هل تعرف فيروز؟
كدت أن أجيبه، نعم. ولكني في اللحظة الأخيرة أدركت أنه يقصد صاحبة الصورة، وليست فيروز القتيلة، زوجة يوسف.
نظرت إليه، ثم هززت له رأسي بالنفي.
ابتسم هازئاً وقال: أيمكن.. أيمكن لا تعرف فيروز؟
سألته: من تكون؟
لم يجبني.. قام إلى مذياعه، وأدار إبرته بين الأرقام المرسومة على واجهته..
كنت قد سمعت بالمذياع، وسمعت منه بعض الأغاني من بعيد، أي كان صوته يصلني من هذا البيت أو ذاك، إلا أنني لم أره هكذا قريباً مني.. تقدمت من درويش، وأنا أسأله: هل هذا هو الراديو الذي يتحدثون عنه؟
أجابني: نعم.
سألته: ولكني لا أسمع منه شيئاً، الأغاني مثلاً..
ابتسم وقال: يجب أن نثبت الإبرة على محطة ما لكي تنساب منها الأغاني.
سألته: لماذا لا تثبتها إذاً؟
أجابني: لأنني أبحث عن فيروز.. عندما أجدها في محطة ما سأثبتها.. نعم سأثبتها لتستمع إلى فيروز التي لا تعرفها.
سألته: أهي مغنية؟
أجابني: لا. إنها ملاك!
ولكن مع الأسف، يتابع الفتى: لم يستطع درويش أن يجد في ذلك اليوم البعيد، فيروز في أية محطة من محطات المذياع الكثيرة. كان درويش لا يكف عن سماع أغاني فيروز، يبحث عنها ليل نهار، كان يملك دفتراً صغيراً، يدون فيه كلمات أغنيات فيروز، ثم يحفظها عن ظهر قلب، ليغنيها لنفسه في الساعات التي لا يستطيع أن يستمع إليها في المذياع. كان يغنيها بصوت عال.. كان يملك صوتاً عذباً وجميلاً، يمكن للمرء أن يستمع إليه بإعجاب.
وذات يوم، يتابع الفتى: بعد أن انتهى درويش من غنائه، نظر إلي ملياً وقال: هل تعلم بأن الفتاة التي كنت أحبها وما زلت، كان اسمها فيروز؟ ثم راح يصفها لي: فتاة سمراء، جميلة.. أحببتها وأحبتني، ولكن الظروف فرقتنا، ظننت أول الأمر ستفرقنا مؤقتاً، ظننت ما أن أتطوع في الجيش، حتى أعود إلى قريتي أخطبها من عمها، لأن والديها كانا ميتين، وأرحل بها بعيداً عن القرية، ولكني لم أعرف، بعد تطوعي في الجيش إنني لن أستطيع أن أحصل على إجازة إلا بعد مضي شهور طويلة، لأذهب لزيارة أهلي.. وعندما تم لي ذلك كانت فيروز قد تزوجت رغماً عنها.. لأنه، أي عمها، قال لها: لو كان درويشك يريدك عن جد لأخبرك بيوم عودته، وها هو الشهر الثالث يمضي من دون أن نعرف عنه شيئاً. فما كان مني إلا أن أخذت البحث عنها، لقد تنقلت عبر ثلاث مدن، قضيت في كل مدينة مدة من الزمن، أبحث وأبحث ولكن دون جدوى.. حتى كانت هذه المدينة الرابعة في طريق بحثي، ولقد أخبرني أكثر من شخص من القرية، بأنها تزوجت من رجل يعيش في حلب. فها هو الشهر السابع يمر من دون أن أعثر على أثر لها أو على زوجها.
في تلك اللحظة أردت أن أخبره بالحكاية كلها، ولكني فكرت هل فيروز التي يتحدث عنها، هي نفسها فيروز التي قتلتها هدى، هدى التي حكم عليها بالسجن والأعمال الشاقة؟
قلت لنفسي، يتابع الفتى: هل أخبره بأنه يسير فوق أرض الغرفة التي سارت عليها فيروز، وأنه يتنفس الهواء الذي تنفسته فيروز بين جدران هذه الغرفة، وأنه ينام في المكان الذي نامت فيه فيروز ولم تستيقظ منه أبداً؟
لم أستطع أن أقول لدرويش كلمة واحدة عن فيروز.. ربما تكون هي ذاتها التي يبحث عنها منذ شهور وشهور، وربما تكون أخرى لا علاقة لها بفيروز القتيلة.
وفجأة، يتابع الفتى: خرجت من نفسي على صوت فيروز وهو ينساب من المذياع عذباً كالحليب، يتسلل دافئاً كالخمر المعتقة إلى الأعماق. سألته، رغم أني سمعته يقول: ها هي فيروز. سألته إن كانت الفتاة التي ينساب صوتها من الراديو، هي فيروز؟
نظر إلي طويلاً، ثم هز رأسه، أن نعم، وهو يغمض عينيه ويذهب حالماً مع اللحن والغناء.
درويش هذا، اختفى ذات يوم كما ظهر.. ذهب، هذا ما بدا لي، يبحث عن فيروزه، على ما يبدو في مدينة أخرى، بعد أن يئس من البحث عن وجودها في حلب، ذهب، ولم أره بعد ذلك أبداً.
* * *
كان الطب قد قال كلمته في أسرة «حميد مامو» قالها بكل وضوح: ما كان عليكما أن تتزوجا، لأنه في وضع مثل وضعكما لن تنجبا سوى أولاداً مختلي العقل والجسم، بعضهم مختل بالكامل، وبعضهم نصف اختلال. ثم أشار الطبيب لحميد، أن يكف هو وزوجته عن إنجاب الأولاد.
أذكر، يقول الفتى: خلال خمس عشرة سنة أنجبت زوج حميد ست بنات وجميعهن مختلات العقل، لا ينمون بعد السنة الثانية من أعمارهن..
عندما عاد إلى البيت وأخبر زوجه بما قاله الأطباء سابقاً ولاحقاً، خصوصاً طبيب اليوم، أحس بشيء ما في نفسه ينهار. هذا ما قاله حميد لابنة عمه زينب التي تكبره بعشر سنوات وهي زوجة لعريف في الجيش. هونت عليه زينب، وطلبت منه أن لا ييأس، وأن يكون أمله بالله، بالله وحده.
أجابها: لا إله إلا الله. ثم أضاف كأنه يتحدث مع نفسه: إنها اللعنة! اللعنة التي حلت بنا، بعد فعلتنا التي قمنا بها أنا وعائشة.
وعائشة هذه، كانت زوجه. واللعنة التي تحدث عنها حميد، كنت شاهداً عليها، قال الفتى: عندما كنت في السابعة أو الثامنة، في الكامب، كانت زينب ابنة عم حميد تسكن قريباً منا، لا يفصل بين بيتينا إلا جدار. ذات صباح، وكان باكراً، رأيت زينب تطرق الباب علينا، وعلى وجهها آيات من الخوف والفزع. وقفت مع أمي، وتحدثتا بأمر ما بصوت خافت. رأيت أمي تضرب بقبضتها على صدرها، ثم تهرع معها خارجة..
استغربت الأمر وأنا أجهز نفسي للذهاب إلى المدرسة.. وفي لحظة خروجي من البيت، ومروري بالممر الطويل الذي يفضي في نهايته إلى خارج الكامب، رأيت عائشة تخرج من بيت زينب صفراء الوجه، شاحبة.. ترددت في خطوتي التالية وأنا أنظر إليها بخوف. سألتها إن كانت تريد مساعدة. هزت رأسها أن لا.. ولكني ما أن خرجت من الكامب حتى عدت أتذكر يوم مجيء عائشة للعيش في بيت زينب قبل تسعة شهور. أذكر يومها شاع خبر عن مرضها، وقيل عنه مرض مزمن. جاءت من قريتها لمراجعة الأطباء والبقاء إلى يوم برائها من المرض. ولكن ما علمته فيما بعد، أن حكاية أخرى كانت وراء قدوم عائشة إلى بيت زينب، والحكاية تقول أن حميداً وعائشة قد أحبا بعضهما، وفي لحظة طيش قبل الزواج، فرطت في أعز ما تملكه الفتاة، ما لبثت أن ظهرت عليها أعراض الحمل بعد شهر، وعندما تقدم حميد لخطبتها من والدها، رفض الأخير أن يزوج ابنته منه، بحجة أنه ليس بمستوى العائلة- عائلة والد عائشة.
ومع مرور الأيام أخذت بطن عائشة بالبروز، ولكي تخفي هذا البروز كانت تشد بطنها تحت الثوب بقوة مما أوقعها في مشاكل صحية، كانت السبب في مجيئها إلى بيت زينب لتبقى فيه إلى حين وضع مولودها.
في ذلك الصباح الذي جاءت فيه زينب إلى والدتي، كانت عائشة قد وضعت بنتاً. وكان حميد حاضراً في تلك اللحظة. وكان الاتفاق بين الثلاثة أن يذهب بالصغيرة الوليدة، في ذلك الصباح الباكر، ليضعها بقرب باب جامع أو أي مكان آخر.
ولم تمض عدة أيام على وضع عائشة لوليدها، حتى عادت إلى بيت أهلها في القرية من دون أن يعلم أحد بالأمر سوى والدتها، وبعد ذلك بأكثر من سنة استطاع الناس إقناع والد عائشة بالموافقة على زواج ابنته من حميد.
يقال، هذا ما سمعته من والدتي بعد ذلك بعدة سنوات: ما أن تم لهما الزواج حتى أتيا إلى حلب، ليعمل فيها حميد ويعيش.
ومنذ اليوم الثاني، عاد حميد إلى المكان الذي وضع فيه ابنته. قالت والدتي: مسكين كان يبكي وهو يقول: لقد راقبت الباب طويلاً، لم أتحرك وأنا أراقب من وراء الشجرة، أراقب اللفة التي تضم ابنتي التي وضعتها أمام باب مدرسة ودير للراهبات في السبيل.. يقول: لقد رأيت بأم عيني كيف خرجت إحدى النسوة المرتديات ثياباً سوداء، وكيف دهشت عندما رأت اللفة؟ كيف التفتت ذات اليمين وذات اليسار؟ كيف انحنت والتقطت اللفة بيديها وعادت بها ثانية إلى داخل المدرسة؟ هنا، عندما رأيت أن ابنتي أصبحت في أيد أمينة تابعت طريق عودتي إلى البيت.
ولكني اليوم ذهبت وطرقت باب المدرسة بكلتا يدي، فتحت لي امرأة تلبس ثياباً سوداء. طلبت منها أن أقابل مديرة المدرسة. سألتني: لماذا؟ قلت لها: لأمر هام. نظرت إلي المرأة كأنها تتأملني، تريد أن تخمن إن كنت أبغي تصرفاً ما. ثم قالت: لا بأس. هيا معي.. وعند المديرة طلبت منها أن نبقى لوحدنا. ثم قصصت عليها الحكاية. قلت لها: والآن أريد ابنتي، لكي أربيها في حضن والدتها. هزت المديرة رأسها وقالت: أنت مخطئ.. لم تلتقط أية امرأة كما تزعم مولودة من أمام المدرسة، وإن حدث هذا الأمر، فلا شك أنه حدث أن امرأة لا نعرفها كانت تراجع المدرسة لشأن من شؤون أولادها الذين يدرسون لدينا، ربما، أقول ربما رأت اللفة كما تزعم وأخذتها.
وهكذا ضاعت ابنتي.. ها نحن اليوم دفعنا الثمن في دنيانا هذه كاملاً. أما ما هو عقابنا في الآخرة ، فعلم ذلك عند الله.
كان يقول لزوجه، إنها إرادة الله يا مرأة، والطب الذي قال كلمته، لا يحمل ذنباً، نحن الذين نحمل الذنب، نحن السبب، علينا أن نكف عن الإنجاب، لكي لا نزيد عدد الأولاد المعتوهين؟.
ولكن عائشة رفضت ما قاله الطب، ظلت تنجب.. ولكن لم تنجب سوى معتوهات، لم تنجب سوى البنات، بنات معتوهات إلى يوم دخولها سن اليأس.
واليوم عندما تراها في الشارع، لا تظن أنك أمام امرأة إنما أمام مخلوق غريب، قادم من عالم آخر، كوكب ناء، بعيد.
* * *
يتابع الفتى حكاياته: أما حكايتي التالية فيمتد تاريخ وقائعها إلى أكثر من ثلاثين سنة. ما زلت أذكر، وأنا ممدد في فراشي، والصباح في ساعاته الأولى، أي لم تشرق الشمس بعد، والجو بارد جداً.. سمعت، وأنا في فراشي أغطي رأسي بلحاف سميك، صوت ضحك صاخب وحديث مجنون! صوت رجل وامرأة. صوتان غريبان يلعلعان تحت سقف الكامب الذي نسكنه. أزحت اللحاف عن وجهي، أنظر بفضول إلى صاحب الصوت. فوقع نظري على وجه شاب يقارب الثلاثين من العمر، وإلى جانبه امرأة أصغر منه سناً بحدود الخامسة والعشرين، لم أرهما فيما مضى.
ما إن رفعت رأسي عن الوسادة وأنا أفرك عيني، حتى خيم الصمت جو الغرفة الواسعة. كان الشاب ينظر إلي بدهشة، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة، ما لبث أن قال: عفاك يا عم حسن.. والله أنت تعرف جيداً كيف تخلف صبياناً جميلين.
ضحكت أمي وقالت: سم بالرحمن يا مستو آغا، ألا تخاف أن تصيب الولد بالعين؟
هتف الشاب مبسملاً وهو يقول: معك حق يا بنت شيخو.
لا أدري كيف سحبت من فراشي، لأجد نفسي في حضن المرأة التي برفقة الشاب مستو آغا كما أسمته أمي.. لقد أسكرني في لحظتها، عطرها. حتى انطبق صدري من نفاذ رائحته وثقله على نفسي. ولكني رفعت رأسي بعد أن تلقيت أكثر من قبلة على خدي وصوت المرأة يقول: ما أجمله..
ضحكت أمي ولم تعلق.
تأملت المرأة. كانت جميلة، جميلة جداً، ذات طول فارع، ووجه مدور، وفم رقيق الشفتين.. أما الأنف، فرغم عكوفه إلا أنه كان مميزاً، مميزاً بشكل صارخ.
عادت المرأة إلى جانب الشاب- زوجها، واستمرت الثرثرة العالية بينهما وبين أمي.
خمنت، بيني وبين نفسي، أنهما من قرية والديّ. إلا أني لم أرهما فيما سبق من الأيام. ثم سمعت منها، أنهما سيسافران إلى دمشق، ومنها إلى بيروت.
لم أعرف في تلك السنة البعيدة ماذا تعني كلمتي دمشق وبيروت.. ظننت أنهما قريتين مثل قريتنا.
هذان الشابان، تابع الفتى: عاشا، على ما أذكر، مجنونين. لقد قاما بمغامرات جنونية.. أذكر عنهما، أنه، أي الشاب، ابن لأحد الأغوات في قريتنا.. عرف عن والده البخل والشح، وكثيراً من البدائية! يقال عنه، ما إن يسمع بأن رجال الدرك يتوجهون إلى القرية، حتى كان يهرب من بيته إلى خارج القرية، حيث يقبع بعيداً عنها، في جرف صخري، أو حرش صغير، يظل يراقب القرية حتى يرى بأم عينيه خروج الدرك منها ورحيلهم عنها، فيعود إلى بيته متلمساً طريقه تلمساً.
هذا الرجل رغم فطرته، كان صارماً مع أولاده، فقد زوج ابنه البكر وهو الشاب موضع الحديث، من فتاة عادية رغماً عنه، إلا أنها ابنة آغا. فعانى الشاب من العذاب طويلاً، ولكنه في يوم وفاة والده، قيل عنه، قبل أن يحزن على والده قال فرحاً: الحمد لله.. لقد تحررت من عزيزة- زوجته. وانقلب ذلك الخوف والقهر والاضطهاد الذي عانى منه بسبب والده إلى حياة فيها انطلاق إلى حد الجنون. كان أول عمل قام به أن تزوج تلك الفتاة التي رأيتها معه في بيتنا. ما لبث أن باع جميع ما يملك من الأراضي والبساتين، لم يترك شيئاً مما ورثه عن والده سوى البيت الذي تسكنه زوجه عزيزة مع ثلاثة من أولاده، ثم وضع أثمان أملاكه في حقيبة يدوية، وانطلق يسوح في المدن، من استانبول إلى حلب إلى دمشق وبيروت وعمان. كان يقول: اللعنة على المال. لقد خلقه الله من أجل أن يتمتع به الإنسان، لا من أجل أن يكنزه ذهباً وفضة!
ما قام به مستو آغا أثار الناس مجتمعين، على سلوكه، ثم قاموا بتحريض إخوته عليه من أنه سرقهم حتى آخر قرش مما تركه والدهم لهم.
عندما وصله هذا الكلام، جمع أخويه، وكانا يصغرانه في السن وسألهما، إن كانا هما اللذان أشاعا هذا الكلام؟ أجابا: أبداً. حتى أنهما لم يفكرا بمثل هذا القول. إلا أنهما، تساءل كل واحد منهما، بينه وبين نفسه: إن كان لشقيقهم الأكبر، مستو.. الحق في ذلك؟ كيف لم يعطهما حصتهما من المال الذي ورثاه من والديهما.. ولكنهما لم يجهرا بهذا القول أبداً.
ما زلت أذكر زياراته المتكررة مع زوجه إلى بيتنا.. كان بيتنا أشبه بمحطة راحة لدى مستو آغا، في كل عودة له من مدينة ما، وهو في طريقه إلى القرية، كان يمر علينا وينام لدينا أكثر من ليلة. كان شاباً مرحاً لا يعرف سوى اللهو والبحث عن المتع، أما زوجه فكانت قبل أن تتزوج منه قد زوجوها رغماً عنها لابن عم لها.. وقد أشيع عنها بعض الأمور الغريبة، يقال إنها لم تدع ابن عمها يقترب منها لعدة شهور، فلجأ إلى الحيلة والخديعة فأخذها مرغمة. يقال عندما علمت بذلك، بعد أن خرجت من غيابها عن الوعي، أغلقت الباب على نفسيهما برتاج ضخم، ثم تعرت أمامه وهي في حالة جنون لا يوصف. وقالت له: هل تظن بأنك رجل عندما أخذتني بالطريقة الخسيسة التي اتبعتها؟ ثم ضحكت بجنون وقالت: هيا اخلع الثياب عن نفسك وتعال إن كنت رجلاً وواقعني.
لم يصدق ابن عمها الزوج ففعل.. يقال إنهما تعاركا طويلاً، حتى أن أهل البيت من أهله قد تجمعوا أمام البيت المغلق الباب وهم يستمعون إلى العراك الشديد الجاري بين الكنة وابنهم خلف الباب.
يقال إنها استطاعت أن تعض له عضوه، وتشد بأسنانها عليه تريد أن تقطعه له. ولم تتركه، حتى راح يصرخ بأعلى صوته ليسمع جميع أهله الذين في الخارج: أنت طالق بالثلاث.
كثيراً ما سمعت من والدتي وهي تضحك وتطلب منها أن تحدثها عن هذه الواقعة إن كانت صحيحة أم لا. كانت تهز رأسها وهي تبتسم بخبث: لم يكن رجلاً.. لذا أشاع عني هذه الإشاعة لكي يبرر ما قام به أمام الناس.
أذكر، يتابع الفتى: أن مستو آغا، ظل يسوح في المدن لمدة طويلة، ظل إلى يوم فرغت فيه حقيبته من المال، ولم يبق لديه قرش واحد، وأمام هذا الواقع اضطر أن يتوظف ويعيش بقية حياته موظفاً بسيطاً، يتنقل من بيت إلى آخر بالأجرة. إلى أن جاء يوم سمعت فيه أن مستو آغا قد تزوج للمرة الثالثة من امرأة تصغره بأكثر من عشرين سنة.
لولا بعض التفاصيل التي كنا نسمعها بين حين وآخر عن حياته لنسي الناس قصته تماماً، ولكنها، أي القصة، كانت تطفو على السطح، فيسردها هذا ويرويها ذاك من جديد. إما إخواه في هذا الوقت فكانا عندما يشتركان في الحديث فيقولان: أنه، أي شقيقهما، قد ظلمهما ظلماً فادحاً عندما لم يعطهما قرشاً واحداً مما أحله الله من مال أبيهم. فكان مستو آغا يضحك ساخراً منهما ويقول لهما: اذهبا عني أيها الجربانان أأنتما رجلان تعرفان التصرف بالمال؟ أنتما لا تعرفان العيش..
أما الأمر الطريف، وربما يكون الأمر ليس طريفاً، إنما حزيناً لا بل مأساوياً، ففي يوم وفاته ترك وراءه امرأتين الأولى لا أولاد لها، لأنها عاقر والثانية لها ولدان صغيران. مات مستو آغا ولم يترك وراءه شيئاً من موارد المال، فدفع هذا الوضع بأخويه أن يتزوج كل واحد منهما زوجة من زوجتيه. وبهذا الوضع انتهت حكاية مستو آغا وطواها النسيان بعد أن ظلت لأكثر من أربعين سنة يتداولها الناس أحياناً باتهام، على أنه رجل متهتك لا يعرف حرمة لشيء، وأحياناً بإشفاق على أنه رجل سكنه شيطان المتعة لا غير.
* * *
كان الفتى قد تساءل دائماً عن أسباب تعلقه بخاله مراد، وتعلق خاله به. كان الخال يكبر الفتى بأكثر من عشرين سنة. كان يقضي معظم وقته لدى شقيقته، والدة الفتى، في حلب.
كان يحبني كثيراً، يتابع الفتى: يعاملني كابن له، يلبي طلباتي مهما كانت. يصطاد العصافير من أجلي، يذهب معي إلى المزارات التي تكثر في القرية، يحدثني عن الأولياء والصالحين الذين يقبعون تحت قبابها الخضراء، ويعلمني الصيد بالنقيفة، ويلعب من أجلي، وهو الرجل الكبير، مع الأطفال الآخرين في الدحل، فيربح دائماً، ليعطيني الدحل التي يربحها في اللعب.
هذا الخال، عاش حياة غريبة عجيبة، ثم مات دون الأربعين. لقد ظل لسنوات طويلة، تعدت الخمس، وهو في صراع مع والده(جدي)، كان الصراع يتعلق بالعمل.. كان جدي رجلاًً فقيراً، لا يملك سوى قطعة من الأرض البور..
كان خالي لا يحب العمل في الأرض، ليس هذا وحسب، إنما كان يكره العمل في الزراعة بكل أشكالها. لذا ما إن بلغ سن البلوغ حتى راح يسافر إلى المدينة باستمرار، بحجة زيارة شقيقته(أمي)، فخلع بذلك لباسه الريفي مرتدياً لباس المدينة.. وحول هذه الواقعة حكايات وحكايات بين الخال وأبيه. لقد ظلا أكثر من شهر يتشاجران حول اللباس. كان جدي يسخر من ابنه(خالي) وهو يراه في البنطال والقميص، يقول عنه ما أنت الآن إلا مهرجاً.. ويضيف: لماذا لا تذهب يا بني إلى السيرك لتعمل فيه لإضحاك الناس عليك.
كان خالي لا يرد عليه، يدير ظهره ويمضي عنه وهو حانق غاضب، غير قادر على الرد. لو فعل ذلك لحلت عليه لعنات أهل القرية، فآثر الهرب من القرية إلى المدينة والعمل فيها، ولكنه لم يتأقلم مع الأعمال التي مارسها. كان يقول، أريد أن أكون سيد نفسي، فأنا لم أتحمل نفسي ليكون أبي سيدي، فكيف أستطيع أن أتحمل نفسي والغريب عني هو سيدي..
جاءني ذات يوم، وكان يوم جمعة، أحد الأطفال في الصباح، وأشار أن أذهب إلى خالي. سألته باستغراب: خالي؟
كان، تابع الفتى: قد عاد إلى القرية منذ أكثر من شهر، واستقر فيها إلى جانب أمه (جدتي) التي كانت تعاني من مرضها الذي اشتد عليها في الآونة الأخيرة. قلت للصبي: كف عن مزاحك. لو كان خالي قد جاء، حتماً لجاء إلى بيتنا، وكلمني بالذي يريد. ليس به حاجة لأن يطلبني خارج البيت.
غضب الصبي وقال: ولماذا أكذب عليك؟ لقد أخبرني هو بنفسه أن أطلب منك أن توافيه، من دون أن تخبر أحداً من أهلك، خاصة والدتك.
لعب الفأر بعبي كما يقول المثل. لا بد أن هناك أمراً ما لتصرف الخال هذا. سألت الصبي: أين هو؟ أجابني: هيا.. إنه بالجوار.
كان خالي ينتظرني على أحر من الجمر كما يقال، استغربت تصرفه هذا، وقبل أن أسأله عن أسباب ذلك. قال لي: لا تسألني عن السبب.. أريد أن أقول لك، إني ذاهب إلى الشام (دمشق) لقد تشاجرت مع أبي مشاجرة كبيرة، لقد ارتكبت خلالها حماقة، فلم يعد أمامي سوى الرحيل عن القرية والابتعاد عدة سنوات لعل وعسى ينسى أهلها حماقتي.
أردت أن أسأله، لماذا الشام وليست حلب؟ إلا أنه تابع أنا ذاهب لأتطوع في الجيش.. سأعيش هناك حتى إن لم يقبلوا تطوعي. سأجرب حظي يا بن أختي، لو جئت إليك في المنزل، لما تركتني أمك أرحل.. لذا لا تخبر أحداً الآن. ثم أضاف الخال: ولكن لا بأس إن أخبرتها بعد عدة أيام. لأنه عند ذلك، لا أعتقد بأن أحداً منهم سيذهب إلى الشام للسؤال عني. هل اتفقنا؟ لم أجبه، لأنني رحت أبكي بشدة، فضمني إلى صدره وهدهدني ثم طلب مني أن أكف عن البكاء، لأنني أصبحت شاباً على حد زعمه. وأكد لي بأنه لن ينساني، ولن يتأخر في المجيء إلى هنا.
وعلى هذه الحال سافر الخال إلى دمشق، وظل فيها أكثر من سبع سنوات، كان قد تطوع في الجيش.. يأتي إلينا في زيارات خاطفة، لم يذهب إلى القرية أبداً، أما عندما أراد رؤية أمه قبل يدي والدتي وطلب منها أن تذهب إلى القرية وتجلب معها أمه(جدتي) مؤكداً على أنه اشتاق إليها إلى حد الموت. بكت أمي وحققت له مطلبه.
في الشام(دمشق) بدأ خالي حياة تختلف تماماً عن تلك التي عاشها في القرية وحلب على حد سواء. كان يحدثني كثيراً عنها، كان معجباً أشد العجب بدمشق. ظل منتشياً بحياته هذه حتى كانت الكارثة.
كان خالي أمين مستودع ذخيرة وسلاح في الثكنة التي يخدم فيها. في تلك السنوات، يتابع الفتى موضحاً: كانت سنة الصراعات بين القوى العسكرية، كل واحدة منها تنتمي إلى حزب ما. كانت حالة البلاد في غليان، وما إن تم الانفصال حتى تتالت الحركات الانقلابية، الناجح منها مثل(8 آذار) والفاشل منها مثل(حركة الضابط جاسم علوان) لم يكن خالي يهتم بكل هذا الأمر، كان همه الوحيد أن يحصل على راتبه ليصرفه على النساء، هذا ما استشفيته من خلال أحاديثه معي عن الشام(دمشق) وعجائب الشام، خاصة نسائها.
ذات صباح باكر، أيقظه قائده وكان برتبة رائد، وطلب منه أن يفتح مخزن الذخيرة والسلاح، تردد في البداية، عرف أن أمراً ما وقع أو سيقع، ما هو؟ لا علم له. ولكنه امتثل للأمر، أمر قائده الضابط.
وما إن فتح المخزن حتى تسلل إليه عشرة جنود وراحوا يفرغونه من الأسلحة والذخيرة. ولم تمر ساعات الصباح الأولى، حتى تكشف لخالي، أن قائده الضابط كان واحداً من المساهمين في انقلاب(جاسم علوان) الفاشل. ولم تأت ساعة العصر حتى تم إلقاء القبض عليه بتهمة التآمر على سلامة الدولة.
ظل خالي في السجن أكثر من شهر، ذاق خلالها كل ألوان العذاب. كان يقول لي بحزن: ما زلت أرتجف حتى الآن كلما أتذكر وقائع تلك الفترة من حياتي. كانوا بعد كل تحقيق معي، ينادون على بعض الجنود وصف الضباط والضباط، يأخذونهم في عتمة الليل، ثم نسمع بآذاننا تنفيذ حكم الإعدام بهم بتهمة الخيانة العظمى. كنت، يقول خالي، أقول لنفسي: الآن سينادون علي، اليوم سيرفعون صوتهم باسمي، الآن سيعصبون لي عيني ويصوبون فوهات البنادق إلى صدري، ثم أسمع كلمة نار، فتنهمر علي الطلقات، لأسقط صريعاً بعدها، ثم يحملونني في سيارة قديمة، كما كنا نرى بأم أعيننا، يكوموننا فوق بعضنا بعضاً، ويخرجون بنا، ونحن جثث صفيت دماؤها إلى ظاهر المدينة، إلى إحدى المقابر الجماعية، يرموننا فيها كالكلاب النافقة، ثم يردون علينا التراب ويهيلونه فوقنا، لنصبح مجهولين، لا أحد من أهالينا يعرف قبراً لنا أو شاهدة حفر عليها كلمة«الفاتحة» مثلنا مثل كل الموتى.
في تلك الساعات، يتابع خالي: كنت أتذكر كثيراً من الأشياء، أستعيد حياتي بكل تفاصيلها، كأني بذلك أريد أن أستعيد كل ساعة أو دقيقة عشتها من حياتي.. ولكن بعد شهر من التحقيق، تم تسريحي من الجيش بعد أن وصل المحقق العسكري إلى قناعة، أنني لم أكن عنصراً من عناصر الانقلاب الفاشل، إنما نفذت أمراً عسكرياً أمرني به قائدي الضابط.
لم يمض على خروج خالي من سجنه وتسريحه من الجيش فترة من الزمن، حتى ظهرت عليه علائم مرض السل. في البداية أهمل الأمر، لأنه كان يعتقد بأن ما يحس به من ألم وسعال ما هو إلا بعض رشح. لذا لم يراجع الطبيب إلا عندما رأى ذات صباح، بعد سعال حاد، خيوطاً من الدم في بصاقه.
في ذلك اليوم، ذهبت معه إلى الطبيب.. وبعد الكشف والتصوير، أكد الطبيب لخالي، بأن هناك في صدره تدرناً. ولكنه في بدايته، يمكن أن ينجو منه، قال الطبيب، لو اتبعت نصائحي، في تناول الدواء ونوع الأكل والشرب والنوم.
شعر خالي بعد أن عرف الناس بمرضه، أنه غير مرغوب فيه، كما كان سابقاً في زياراته لمعارفه وأصدقائه وحتى أقربائه.
حزن لذلك حزناً شديداً فأهمل نفسه، ولم يعد يتناول الدواء، ولم يلتزم نصائح الطبيب، في الأكل والشرب والنوم. فاستفحل المرض به، أدخل إلى المستشفى وظل فيها أكثر من شهر، إلا أنه خرج منه قبل أن يبرأ من مرضه. فعاوده المرض بصورة أشد، وظل بعد ذلك هائماً على وجهه يبكي ساعة في حياته، تلك الساعة التي ماتت فيها(جدتي) دون أن يحضر موتها ودفنها. كان يقول لي وهو يحاول أن يبعد وجهه عني، ويدير فمه بعيداً مني خوفاً منه علي من العدوى: لم يعد لقائي بها بعيداً. ثم يرفع وجهه إلى السماء ويقول: أنا قادم إليك يا أمي.. أنا قادم.
كنت أبكي، وأنا ألعن الدنيا والحياة وكل شيء.. وفي صباح أحد الأيام، يتابع الفتى: مات بصمت بعد أن أصبح جلداً على عظم كما يقولون، مات في بيت شقيقته (أمي) وهو ينظر إلي كأنه لا يريد أن يغمض الموت له عينيه إلا على وجهي.