-5-

8 0 00

-5-

يا سيدة السكوت

أيتها الهادئة الحزينة الممزقة والمتناهية الكل

يا وردة الذكريات.

ت. س. إليوت

أنا أكتب من أجل ظلي.. يجب أن أقدم

نفسي إليه.

صادق هدايت

هل تتصور أني سأسجن نفسي في هذا المنزل وأصغي إلى»كيرلي«وهو يقص علي أساطيره

جون شتاينبك

لا يذكر الفتى السنة التي انتقلت أسرته فيها إلى حوش(نعيم عبد النور)، إن كان في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من العمر؟ إلا أنه يذكر أن عقد الخمسينيات كان قد انتهى.

كانت الحوش مؤلفة من غرفتين ومطبخ ومرحاض، وباحة صغيرة مكشوفة على السماء، لا أحد يشاركهم في سكناها. كانت الحوش لأسرته وحدها من الباب إلى المحراب كما يقال.

يذكر الفتى، أن شعوره كان مختلفاً تماماً عما سبقه من حالات الانتقال المستمرة من حوش إلى آخر، التي عاشها مع أسرته. هذا الشعور لم يحس به إلا بعد مضي أكثر من شهر خلال عيشه فيها. كان الفتى يحس به كلما ذهب إلى المرحاض في الصباح، يحس باطمئنان من دون قلق وخوف، من أن يكون في المرحاض أحد ما من الجيران رجلاً كان أم امرأة أو طفلاً.

كان يسير إلى المرحاض بثقة، يدفع بابه، ثم يغلقه وراءه من دون خوف من أن أحداً ما سيتقدم من باب المرحاض ليدفعه إلى الداخل، من أجل قضاء حاجته فيه. فكان في هذه الحال فيما مضى من الأيام، يضطر لأن يصدر صوتاً ينبه الشخص أن آخر في الداخل يقضي حاجته، وعليه الانتظار إلى حين انتهائه من ذلك.

يذكر الفتى، أنه كان في مثل هذا الوضع يسارع في قضاء حاجته ليخرج وهو ما يزال على رغبة في بقائه من أجل أن يطمئن إلى إفراغ أمعائه تماماً من الفضلات. ومن جهة أخرى كان يدخل إلى المطبخ فيجد كل ما يخص عائلته في مكانه، من دون أن يعبث به هذا الطفل أو ذاك، يوم كان يسكن في حوش يكون المطبخ فيه مشتركاً، وهذا الأمر ينطبق على الحمام أيضاً.

لأول مرة أحس الفتى بحرية التصرف في الجلوس والقيام والنوم والسهر في الحوش. هذا إلى جانب شعوره بأنه، ولأول مرة في حياته يستقل وشقيقه الأكبر بغرفة واحدة، ينامان فيها، ويقيمان بين جدرانها وتحت سقفها من دون أن يشاركهما والداهما وإخوتهما الصغار.. كان وأسرته يملكان الحوش لوحدهم تماماً.

هذا الشعور تكون لدى الفتى بعد مضي شهر أو أكثر بقليل من سكنه في الحوش.

كثيراً ما كان الفتى يشعر بالخوف والإحراج عندما كان والداه يتشاجران أو يتباحثان في أمر ما بصوت عال. كان جميع الجيران يرهفون السمع ويوجهون آذانهم باتجاه باب الغرفة التي يسكنها مع أسرته.

كثيراً ما كان الفتى يشعر كأنه يمشي عارياً، أو بصورة أدق، يشعر بانه ما أن يصل إلى باب الحوش بعد عودته من المدرسة، أو من ساحة اللعب مع أترابه من الأطفال، كان عليه خلع الثياب عن نفسه ليصبح عارياً وهو يقطع أرض الحوش باتجاه الغرفة التي يقطنها مع أسرته، حتى أنه، هكذا كان يشعر، بعد أن يغلق وراءه باب الغرفة، بأنه عار وأفراد أسرته أمام الجيران، ويشعر أيضاً أن الجيران بدورهم عراة أمامه، لأن جميع مشاكلهم وقضاياهم مكشوفة له. كانوا أشبه بأفراد عائلة واحدة، كل واحد منهم يعرف عن الآخر ما يعرفه هو عن نفسه. لم يشعر الفتى في يوم من الأيام بخصوصيته طوال تلك السنوات التي كان ينتقل مع أفراد أسرته من حوش إلى آخر قبل أن يستقر في حوش نعيم عبد النور، مع أفراد أسرته. فقد شعر لأول مرة بالاطمئنان إلى خصوصيته، كما شعر بأنه يدخل الحوش ويخرج منها مرتدياً ثيابه بالكامل، ولم يشعر بأنه عارإلا في الحمام.

يضحك الفتى ويقول: حتى هذا العري الذي يمارسه في الحمام كان عرياً خاصاً به دون الآخرين. كان عارياً برغبته وليس رغماً عنه. كما أن الفقر الذي كان يعيشه الفتى مع أفراد أسرته، كان مصوناً، غير فاضح، لا يعرفه الآخرون، كما كانت حاله قبل أن ينتقل إلى حوش نعيم عبد النور.

ولعل أسعد لحظات حياته وأجملها، يوم كان يبقى لوحده في الحوش، بعد أن تذهب والدته مع أخوته في زيارة إلى هذه الجارة أو تلك. كان يجلس وهو يسند ظهره إلى جدار إحدى الغرفتين مغمضاً عينيه فيخيم عليه الصمت والسكوت طويلاً. لا أحد يزعجه بمروره من أمامه أو من جانبه، لا أحد يقلق سكينته بصوته وحديثه أو ضحكه وصراخه.

هذا العالم الجديد الذي وجد الفتى نفسه فيه، دفعه إلى الداخل، دفعه إلى أن يطرح على ذاته كثيراً من الأسئلة، كان في معظمها بحثه عن أسباب هذا الفقر الذي تعيش فيه أسرته؟ وعن أسباب ذاك الصراع المرير الذي كان بين والديه؟ وعن صورة المستقبل الذي كان عليه أن يجدها، أو أن يكون عليها في أيامه القادمة، عندما يصبح شاباً، ورجلاً.. أو بصورة أدق، ماذا يريد لنفسه أن تكون؟.

هذه الأسئلة أو التساؤلات التي كان يطرحها على نفسه، راحت تزداد حدة وقسوة، وأيضاً مسؤولية من أجل الجواب عليها.

يذكر الفتى، عندما كان يقترب كل مرة فيها من باب الحوش، كان الخوف ينتابه! والسؤال ينتصب أمام وجهه: من سيقابل عندما يفتح الباب؟ هل سيقابل خالداً أو والده، أو مصطفى أو والدته.. أي من الوجوه سيراه أمامه؟

يدفع الباب ويدخل، يتردد للحظة قبل أن يخطو خطوته التالية إلى الداخل، وهو ينقل نظره في أرجاء الحوش.. ولكنه ما يلبث أن يتنهد ويغمض عينيه ويبتسم عندما لا يجد أحداً أمامه، عندما يجد نفسه وحده في باحة الحوش.. يتذكر الفتى أن الأيام التي كان يعيش فيها، في دار مؤلفة من عدة غرف، تسكن كل غرفة منها أسرة ما، قد ذهبت إلى غير رجعة. يتذكر أن هذه الحوش بغرفتيها وحمامها ومطبخها ومرحاضها له وحده ولأفراد أسرته وحدهم.

يتابع خطواته وسيره بارتياح إلى الداخل..

هذه الراحة التي بات يحس بها ويعيشها في الآونة الأخيرة، طرحت عليه صورة جديدة للحياة، خاصة وقد بلغ الرابعة عشرة من العمر.. صحيح هو لم يغادر مرحلة اليفاع تماماً، ولكنه أيضاً كان قد وضع قدميه كما يقولون على أرض مرحلة الشباب.

فهو يذكر بأن المرحلة الماضية من حياته، شاهد كثيراً من الناس وسمع أكثر بحكاياتهم، كما أنه عاش حياة لا تقل غنى عما شاهده وسمع به من وقائع الحياة وصورها ومصائر الناس الذين تعرف إليهم.

كان، لا بد للفتى أن يجيب على الأسئلة التي بات يطرحها على نفسه في الشهور الأخيرة من حياته، في حوش نعيم عبد النور، هذه الحوش التي أمنت له كثيراً من العزلة وجواً من الهدوء ليفكر ويسأل نفسه: ماذا سأفعل بحياتي التالية، القادمة؟

يذكر الفتى..أنه، في هذه المرحلة بدأت بعض القضايا، المتعلقة بالمستقبل، تشغله.. كان أولها الموهبة التي وجد نفسه عليها، ألا وهي الرسم.. أما الأمر الثاني فكان الفضول، وقد تركز فيما كان يسمعه من الأخبار السياسية ويقرأ في الصحف والجرائد عن الصراعات القائمة في العالم بصورة عامة وفي بلده بصورة خاصة. وسبب هذا الفضول، هو الصورة التي رسمها له بعضهم، من كان أكبر منه قليلاً في العمر. متجسدة في الإثارة والأعمال الجريئة والمغامرات التي يمكن له أن يقول عنها قد تتصف بالبطولة.

أما الأمر الثالث الذي وجد نفسه غارقاً فيه حتى أذنيه، هو قصة حب لم تكن على البال والخاطر كما يقال.. لذا، يتابع الفتى: سأحاول أن أتحدث عن كل أمر من الأمور الثلاثة على حدة، سأتحدث عن كل ما يتعلق بالأمور الثلاثة كما عشته وشاهدته وسمعت عنه أيضاً.

* * *

لا يعرف الفتى في أي سنة بالضبط التقط طبشورة ورسم بها، ولكنه يتذكر تماماً كيف كان يرسم على الإسفلت الأسود، يرسم بيوتاً وأشجاراً وطيوراً، كما أنه يذكر كيف كان يحاول أن يرسم وجوهاً من الذاكرة لبعض الأشخاص المعروفين من الممثلين والمطربين، أو من الأشخاص العاديين الذين كان يعرفهم.

كما أنه لا يعرف في أي يوم من الأيام وقف أمام الطبيعة التي كانت تنبسط أمامه في الريف، في أثناء زياراته لبيت جده، أو في أثناء تجواله في حديقة السبيل حيث البرك المائية والأشجار الباسقة والممرات المتوغلة بين الأعشاب والمروج الخضراء الصغيرة التي كانت لها أشكال هندسية تسحره مناظرها، أو الملتفة على بعضها كأنها دروب مجهولة تفضي إلى أمكنة غامضة.

أما السحر الذي كان الفتى يجد نفسه ما بين طياته، فهو السماء في الصيف والشتاء.. كان العمق الذي يراه أمامه، عندما يرفع رأسه إلى الأعلى يذهله. هذه السماء الزرقاء المترامية الأطراف، الممتدة إلى كل الأمكنة، تلك السماء التي كانت تحيط به، والفتى يمد نظره، فوق الجبال، وذرى الأشجار البعيدة، وأسطح البيوت القريبة، في قريته، حيث يتصاعد من مداخنها الدخان الرمادي حيناً والأبيض في أكثر الأحيان، يتصاعد في حلقات ملولبة سميكة، ثم تترقرق وتتلاشى في الأعالي، مختفية على صفحة السماء الزرقاء.

كان الفتى كثيراً ما يتساءل فيما بينه وبين نفسه: أين يذهب هذا الدخان المتصاعد بكميات كبيرة، في كل صباح من مداخن بيوت القرية؟ ويتساءل أيضاً: وأصواتنا وصرخاتنا وضحكاتنا العالية، أين تذهب؟ كيف تتلاشى فوق رؤوسنا وأمام وجوهنا؟

لا يدري لماذا كان الفتى يتخيل أن السماء ما هي إلا فم يبتلع كل شيء في جوفه! ويذكر، أنه اشتط ذات يوم في خياله، عندما تصور أن السماء قد فتحت شدقيها وراحت تبتلع الكرة الأرضية. شعر في ذلك اليوم بالرعب. وعندما فاتح جدته بالأمر. لم تبتسم، ولم ترتعب كما ارتعب هو، إنما نظرت إليه طويلاً، ثم أمسكت به وشدته إليها وهي تقول: تعال إلي. ثم راحت تبسمل وتقرأ وتمسد للفتى رأسه.. شعر كأن جدته خافت عليه، في تلك اللحظة!

أما في الليل فكان الفتى يفكر بطريقة أخرى.

كان الليل في حياة الفتى أكثر غموضاً! يذكر أنه كان، في ليالي فصل الصيف، يتمدد على ظهره فوق المصطبة الملاصقة لبيت جده في القرية، ويحدق في ذلك البساط الأسود البعيد، حيث النجوم تلمع كأنها ثريات معلقة. أما القمر، فكان أكثر غموضاً من أنه كائن جميل. كان الفتى يتساءل: كيف يصغر هذا القمر الأصفر الشاحب المعلق في السماء رويداً رويداً حتى يتلاشى، ما يلبث بعد عدة أيام أن يظهر كخيط أبيض في حلكة البساط الليلي، ثم يغلظ حتى يعود إلى ما كان عليه قرصاً مدوراً، يسمى القمر.

هذه التحولات التي كان يراها الفتى على السماء وما تحتويه من ألوان سوداء وزرقاء قاتمة، وتلك النقط الملونة وذاك القمر الأصفر الشاحب.. كل هذا العالم كان الفتى يرى فيه مجموعة من الألوان.. أنه مجموعة من الألوان لا غير! ولكنها، يضيف، ألوان بعيدة لا تطالها اليد، ولا تصل إليها الأصابع.

كان في بعض الليالي يصعد إلى سطح البيت ليتأمل بيوت القرية من الأعلى. كان ما يميز القرية، تلك الأشجار الغامقة المنتشرة ما بين بيوتها، تلك الكتل الساكنة التي نادراً ما تحركت، وإن تحركت كان ذلك بفعل الريح. وإذا استثنينا الأشجار بكتلها الغامقة، كانت البيوت بسطوحها تبدو كمساحات لونية لا غير.. حتى الأنوار، هكذا كان يتراءى للفتى، كانت تنبعث كشرارات نارية من النوافذ لتختفي وهي تغوص في لون الليل المعتم. كانت القرية، هكذا بدت للفتى بشكل دائم غامضة غموض الليل نفسه.

يذكر، عندما كان يغمض عينيه بعد أن يستلقي لينام، يشعر بأصابع رخوة، ولكن قوية تضغط على عينيه، يحس بكتلة سميكة تحط على عينيه، لذا كان ما أن يغمض عينيه حتى يغرق في النوم. ولكنه، رغم السرعة التي ينام فيها، كان الفتى يفتح عينيه عدة مرات في الليل، قبل أن تشرق الشمس ويطلع النهار.

كانت جدته، مثلها مثل كل النساء في القرية، تستيقظ في وقت مبكر جداً، قبل شروق الشمس بوقت طويل. كانت تستيقظ من النوم لتقوم إلى أعمال البيت، تنجزها في الساعة الأولى قبل شروق الشمس، وما أن تنتهي من عملها حتى تجلس وراء النول اليدوي لتشتغل عليه حتى ساعة شروق الشمس. كانت جدة الفتى واحدة من النساء الماهرات في القرية في صناعة السجاد الصوفي اليدوي، فكان في كثير من الأيام يستيقظ معها في الصباح، ليجلس إلى جانبها ويتأمل أصابعها وهي تحرك المكوك ذهاباً وإياباً، والخيوط الصوفية الملونة تتراكم فوق بعضها بعضاً لتنسج بساطاً مزخرفاًَ بصور شتى.. عصافير، وحيوانات كاسرة، وزهور ملونة، وأشجار ووجوه لنساء أو رجال بشعور طويلة.

كان الفتى يقف مدهوشاً أمام العالم الذي تنسجه جدته عبر خيوطها الصوفية الملونة. وكان الأمر الآخر الذي يشغله كثيراً هو تلك الألوان الزاهية الجميلة التي تحيك بها تلك الزخارف النباتية والحيوانية والبشرية.

لا يذكر الفتى متى التقط قطعة الطباشير أول مرة لينقل من ذاكرته ما كانت جدته قد نسجته من الزخارف على أبسطها، ولكنه يتذكر، كان أول ما حاول أن يخط بالطباشير على الأرض، هو الوجوه، وجوه البشر، ثم حاول أن يخط أشكال الحيوانات.

يذكر الفتى عندما رأته جدته، وهو يخط بالطباشير على قطعة صاج تالفة علاها الصدأ، قالت له مشجعة: «عَفرم عليك» أما جده فابتسم وقال له معلقاً: ما رسمته يا بني يشبه رأس الكلب. بينما أنت تحاول ان ترسم رأس ذئب! ثم أشار لي أن أذني الذئب صغيرتان ومنتصبتان بقوة.

ومضى عني..

في الليل، يقول الفتى.. متابعاً: بينما كنت جالساً قريباً منه، قال لي: حاول أن ترسم في المرة القادمة رؤوس بشر. لأنك لو أتقنت رسمها، يمكنك حينئذ أن تضمن رغيف خبزك.. خاصة في المدينة، مدينة حلب حيث تقيم يا ولدي.

لم أستوعب ما قاله جدي لي، ولم أسأل نفسي لم قال ذلك؟ إنما استمررت في رسم المناظر الطبيعية التي كانت تحيط بي في القرية، من جبال وحقول ومروج وسماء واسعة زرقاء.

يذكر الفتى أن هواية الرسم قد بدأت معه من دون أن يعرف كيف! أو ما هي الأسباب الخفية التي دفعته إلى أن يقضي من كل يوم عدة ساعات وهو منكب على الطرقات الاسفلتية أو الأرصفة، أو بعض الصخور المستوية الملساء، يرسم عليها بالطباشير الأبيض.. كما أنه يذكر جذوع الأشجار التي كان يحفر عليها، عندما يتوفر لديه مسمار أو أداة معدنية حادة.. وإنه في مرحلة من المراحل، اشترى سكيناً صغيراً من أجل أن يحفر على جذوع الأشجار، يا للغرابة، رسوماً عن الأشجار. أو وجوهاً لبشر.. كان ما أن ينتهي من رسمها، حتى يتركها ويمضي إلى جذع شجرة أخرى، من دون أن يتأمل إن كان ما رسمه جميلاً أم لا، أو جيداً أم رديئاً. كان لا يهتم أبداً بما يرسمه. هذا كان في بداية اهتمامه بالرسم، أما فيما بعد، بعد أن أخذ يهتم بما يرسمه، وذلك بتشجيع من جديه، ثم من أستاذ مادة الفنون عندما أصبح تلميذاً في المدرسة.. راح الفتى يشعر بأن ما ينتجه من الرسوم له قيمة، وجهد يجب الحفاظ عليه، لذا كان لا بد له أن يكف عن الرسم على الطرق الاسفلتية وحيطان البيوت وجذوع الأشجار والحفر عليها. ويتخذ من الورق ملعباً لما كان يرسمه.

في المدرسة، يتذكر الفتى، وكان في الصف الرابع، بدأ يعي ما كان يخطه من الرسوم على الورق، خاصة عندما بدأ أستاذ مادة الفنون(الرسم والأشغال) يهتم به ويشجعه ويرشده إلى الموضوعات التي عليه أن يرسمها، ولأول مرة عرف الفتى أن هناك، إلى جانب المناظر الطبيعية التي كان ينقلها إلى أوراقه، والوجوه البشرية وبعض وجوه الحيوانات، أن هناك مواضيع وطنية وإنسانية ودينية.. وأن هناك أيضاً رسوماً لشخصيات عسكرية ومدنية وإبداعية تركت أثراً كبيراً في حياة البلاد الحديثة أو القديمة، من أمثال يوسف العظمة وصلاح الدين الأيوبي وإبراهيم هنانو وجمال عبد الناصر.

كما أن مدرس مادة الفنون، عرّفه على الرسم بالألوان المائية منها والزيتية، وأيضاً بأصابع الشمع الملونة وأقلام الفحم والرصاص، أما الأدوات فكانت الريشة والسكين.. ولأول مرة عرف على يدي أستاذ المادة الفنية، أن هناك تاريخاً للفن والفنانين ولمذاهب ومدارس فنية، وعلى طالب الفن أن يعرفها ويدرسها، ليختار فيما بعد طريقه لتنفيذ لوحته، إن كانت على الورق أو القماش أو الخشب.

عندما كان الفتى يغمض عينيه وهو يفكر بهذا العالم الجميل الذي أدخله فيه أستاذ مادة الفنون، يضحك ساخراً من نفسه وهو يتخيل ويستعيد في ذاكرته كل الطرقات وجذوع الأشجار وألواح المعدن الصدئة التي كان قد خط عليها بأصابع الطبشور ما كان يرسمه.

كان الفتى قد تمنى دائماً خلال السنوات التالية لتلك السنة، لو أن صورة الأستاذ(توفيق) قد بقيت على تلك الملامح التي صورها أعلاه.

وهنا لابد للفتى أن يتذكر الأسباب التي شوهت فيما بعد صورة الأستاذ في ذهنه.

يذكر الفتى، أنه ذات يوم رأى في أحد المحترَفات الفنية صورة مرسومة بالألوان الزيتية، والصورة كانت عبارة عن سماء عاصفة وفي وسطها يشع برق بمساحات كبيرة وهو يشق تلك السماء القاتمة بضوء قوي، ينبعث من قلب تلك المساحة صورة لوجه فتاة جميلة. ولما كانت الأيام تلك ترصد المد القومي في أيام الوحدة السورية المصرية، وصور الزعيم عبد الناصر موزعة ومنتشرة في كل الأمكنة العامة والمؤسسات الرسمية والبيوت.. كانت الصورة الشهيرة له وهي صورة شبه نصفية، يحدق أمامه، كانه يحدق إلى حلم بعيد المنال. أراد الفتى أن يقدم صورة للزعيم تختلف عن تلك الصورة التي كانت شائعة، وهي صورة لا قيمة جمالية أو فنية لها، إنما مجرد صورة فوتوغرافية لا غير.. طرح على أستاذه الفكرة التالية، عندما كانا في المرسم يعدان معرضاً للمدرسة(مدرسة حطين): أن يرسم صورة زيتية لسماء عاصفة وفي وسطها يشع برق بمساحة واسعة، ليحيط البرق بوجه الزعيم؟

يذكر الفتى، عندما انتهى من طرح فكرته هذه. توقف الأستاذ(توفيق..) عن الرسم، حيث كان يعمل في لوحة تمثل الربيع، ونظر إلى وجه الفتى طويلاً، ثم ابتسم له ابتسامة ساخرة حمّلها تساؤلات غامضة، هكذا خمن الفتى. ما لبث الأستاذ أن قال سائلاً: أتقول سماء مكفهرة وعاصفة، وفي وسطها صورة للرئيس..؟ ولم يلفظ الاسم. ثم سأل الفتى: قل لي من أوحى لك بهذه الفكرة؟ شعر الفتى كأن الأستاذ قد استحسن الفكرة فأجابه بحماس: لا أحد. إنها من بنات أفكاري.

عاد الأستاذ إلى الرسم وهو يقول معلقاً على ما قاله الفتى: أنت تملك أفكاراً خبيثة!

صدم الفتى.. بما سمعه من الأستاذ، ثم تساءل فيما بينه وبين نفسه: أين هي الأفكار الخبيثة؟ ثم لماذا هي خبيثة؟

التفت إليه الأستاذ وقال سائلاً: حقاً، أخبرني من أوحى لك بهذه الفكرة؟ وقبل أن يجيبه الفتى.. تابع بصوت قوي وحازم: وجه الرئيس يجب أن يشع منه النور والضياء والأمل، وأن يكون مرسوماً ضمن سماء ساطعة، مشعة بالشمس، لا سماء مكفهرة عاصفة.

شعر الفتى.. بشيء من الخوف، خاصة عندما أعاد سؤاله للمرة الثالثةعن ذاك الذي أوحى له بالفكرة التي قدمها للأستاذ..

وسبب خوف الفتى.. كان كل الأخبار التي سمعها ولا زال بين فينة وأخرى من الاعتقالات التي تتم بحق بعض الناس، وأخبار بعض المخبرين الذين كانوا لا يخافون الله، عندما يقدمون للأجهزة الأمنية بعض التقارير الصادقة منها أو الكاذبة بحق الناس، فكانوا يعتقلون ويذهبون إلى السجون.

ظل الفتى بعد ذلك، طوال العام الدراسي خائفاً فلم يعد إلى الضحك أمام الأستاذ أو الحديث معه بأريحية كما كان يفعل في الماضي. لقد انقلبت صورة الأستاذ أمام عيني الفتى.. وأصبحت غامضة، حاول الفتى أن يبتعد عنه، وأن لا يتواجد معه إلا في أثناء العمل المتعلق بالرسم فقط.

ربما بالغ الفتى.. في ردة فعله تجاه الأستاذ وسؤاله الملغز، إلا أن الجو العام في تلك الأعوام كان قاتماً، غير صادق، مزق الناس ودفع بالكثيرين منهم إلى الصمت والإحجام عن إبداء الرأي، وتقديم صور، في بعض الأحيان، تنم عن النفاق والتزلف.

ما زال حتى اليوم، يقول الفتى: أتمنى لو بقيت صورة ذلك الأستاذ الذي أحببته كثيراً، نقية، صادقة كما عرفته بها أول الأمر، أن لا تهتز أمامي بعد أن قدمت له تلك الفكرة عن صورة الزعيم وأنا لا أعني إلا شيئاً واحداً، هو تقديمي، صورة فنية، ذات قيمة جمالية للزعيم فقط، وليس الإساءة له كما ظن الأستاذ وخمن!

* * *

ذات يوم، والفتى.. في الثالثة عشرة، جاءه أحد الأصدقاء، وكان مثله من محبي الرسم، وأخبره أن هناك مركزاً لتعليم الفنون التشكيلية قد تم افتتاحه.. فما كان من الفتى إلا أن ذهب وانتسب إليه، كان ذلك في شهر أيلول 1960، ليبدأ فيه دروس تعلم الرسم وتاريخ الفن والنحت بانتظام تحت إشراف مجموعة من الأساتذة تخرجوا من كليات الفنون الجميلة في روما وباريس.

بعد أن انتظم الفتى.. في الدراسة، راحت الأشياء تتغير أمام أنظاره، أو بالأحرى، راح هو ينظر إلى الأشياء بعين مختلفة، وهذا الاختلاف بدأ يراه ويلمسه يوماً بعد يوم من دراسته للفن، وعلى مدى العامين والنصف التي استغرقت دراسته.. خلال هذه المدة كان قد تعرف إلى العديد من الطلاب أمثاله، كان معظمهم تقريباً في عمره. إلا بعض الطلاب كانوا يكبرونه بعدة سنوات، بحيث كانوا بالنسبة له رجالاً. ولعل الأمر الأهم في ذلك الاختلاف، هو الجو الذي كان.. جو مؤلف من اختلاط الشبان والشابات في دروس الفن.

صحيح، كان الفتى يتذكر أيام دراسته في مدرسة بني تغلب الابتدائية المختلطة، إلا أنه كان في تلك الأيام لا يتجاوز السابعة من العمر، وعندما اقترب من التاسعة، نقله والده إلى مدرسة حطين الابتدائية الخاصة بالذكور.

لاحظ الفتى على نفسه، أنه أصبح أكثر هدوءاً وتهذيباً، ورقة في حضور الفتيات، زميلاته في دراسة الفن.. ليس هذا وحسب، إنما رماه هذا الجو، الجو المختلط إلى حالة اليقظة واختلاق قصص وحكايات لنفسه، ويبدأ بعيشها كأنها واقعية!

هذا الوضع كشف له عن حقيقة مرة لم تترك في نفسه، سابقاً، المرارة التي راح يعيشها، ألا وهي الفقر.. صحيح أن الطلاب، كان قلة منهم أولاد أغنياء، إلا أن معظمهم كانوا من متوسطي الحالة المادية.. رغم هذا الوضع للطلاب، كان الفتى أفقرهم.. وقد عانى من هذا الأمر كثيراً. خاصة حالته النفسية، كان يحاول أن يكبتها دائماً، ويخفيها عن الآخرين، فخلق هذا الأمر له كثيراً من الصعوبات في التأقلم مع الآخرين من الطلاب ذكوراً كانوا أم إناثاً.

إلا أنه، في منتصف السنة الدراسية الأولى تعرف إلى طالب مثله، في سنه، وفي مثل أحواله المادية الصعبة، لا أكثر ولا أقل. كانا ابنين لفقر واحد. ولكن الفتى، قبل أن يتحدث عن هذه العلاقة/ الصداقة، لا بد له الحديث عن ناحية هامة تتعلق بوعيه في تلك الفترة الحاسمة، هكذا يعتبرها الفتى من حياته.

يذكر الفتى، أنه إلى جانب اندماجه وحبه لمادة الرسم، كانت مادة تاريخ الفن قد دفعت به إلى البحث عن الكتب التي تتحدث عن حياة الفنانين محدثين وقدماء وكلاسيكيين. هذا البحث وسع من دائرة المطالعة لديه فراح يقرأ حياة الموسيقيين والكتاب وحياة القادة العسكريين ورجالات السياسة.

لم تمض السنة الأولى حتى وجد الفتى نفسه قد وسّع دائرة المطالعة لديه حتى شملت كتاب (اللامنتمي) لكولن ويلسن، فدفعه ذلك إلى البحث عن الكتب التي تحدث عنها وعن أبطالها في كتابه.. ولم تمض سنة ثانية حتى أصبح هاجسه في القراءة يوازي هاجسه في الرسم.

ليس هذا وحسب، إنما راح الفتى يقيم علاقات مع أبطال الكتب التي يقرؤها حتى أنه حاول ذات ليلة أن يفك الاشتباك الذي كان بين غوغان وفان كوخ! إلا أنه كان صغيراً فلم يستطع أن يفرض موقفه عليهما. فوقع أرضاً عندما تماسك غوغان وفان كوخ بالأيدي، وأثناء تدافعهما سقط الفتى ما بينهما على الأرض وشج رأسه بحيث بقي مكان الشج إلى اليوم علامة على ذلك الشجار. أما لورانس العرب، صاحب كتاب(أعمدة الحكمة السبعة) فقد تلقى من الفتى بصقة عندما وقف أمامه وقال له: ما أنت إلا جاسوس قذر يا لورانس.. وعلى يدي ستكون فضيحتك بين العشائر والقبائل والزعماء العرب. وعندما فعل، يذكر الفتى، كيف سخر منه الزعماء وربتوا على كتفه، وقالوا له: يا ولد لا تتدخل بعمل الرجال.. اذهب والعب مع أترابك خارج هذه الخيمة.

خرج الفتى حزيناً، محبطاً مطأطئ الرأس والدمع في عينيه.

أما الراقص (نجينسكي) فلم يقدر أن يستوعب كيف يمكن لرجل أن يكون راقصاً، فالله، كما يعرف، قد خلق المرأة للرقص وليس الرجل. كما أنه، أي الفتى لم يستوعب كيف يمكن للراقص أن يكون شاذاً، وعندما عرف تساءل وهو حزين: هل كان الراقص يأتي أم يؤتى؟ هذا السؤال لم يستطع أن يجيب عليه، مع الأسف، حتى اليوم. ولكنه ذات يوم وقف أمامه وأراد أن يسأله، إلا أنه شعر بالخجل فأطرق وجهه، ثم أدار ظهره للراقص ومضى عنه.

ما زال الفتى يسأل نفسه: لماذا أحب راسكولينكوف، بطل رواية الجريمة والعقاب لدستويفسكي؟ ولكنه لم يجد جواباً لديه. وقد كان هذا الحب سبباً في أن يكون الفتى عيناً لراسكولينكوف عندما كان العذاب ينهشه محاولاً الهرب من عيون رجال الشرطة التي شكّت في أمره. كما أن الفتى أحب اسكندر المقدوني وكره نابليون معتبراً إياه قائداً عسكرياً قذراً.

في تلك السنوات، يتذكر الفتى أنه كان محباً للسينما. فلم يكن يمر أسبوع إلا ويشاهد فيلماً أو اثنين.. وفي بعض الأحيان كان يبلغ عدد الأفلام التي يراها في الأسبوع ثلاثة.. وفي أحيان أخرى كان يضطر لمشاهدة بعض الأفلام أكثر من مرة.. فهو يذكر أنه شاهد فيلم «توماك» وهو من نوع الخيال العلمي يتحدث عن إنسان ما قبل التاريخ، عندما كان يعيش برفقة الحيوانات الضخمة التي انقرضت مثل»الديناصور». كما أنه شاهد فيلم «حصان طروادة» عشر مرات.. الخ

بعد ذلك بعدة سنوات، عرف الفتى أنه اطلع على عيون الأدب الكلاسيكي الإغريقي والروماني عبر تلك الأفلام، مثال ملحمة «الأوديسة»، فيلم «أوليس» وملحمة «الإلياذة»، فيلم «حصان طروادة»وملحمة «الإنياذة» لفرجيل، فيلم«ريموس ورومولوس»، وإلى كثير من الروايات الأدبية التي حولت إلى أفلام سينمائية مثل: حول العالم في ثمانين يوماً، الحرب والسلام، الأحمر والأسود.. الخ

في كتاب صغير، كان مؤلفاً من مئة وخمسين صفحة تقريباً قرأ الفتى ملخصاً لملحمة «دون كيشوت»، قبل أن يقرأها كاملة عدة مرات بعد ذلك بعدة سنوات. في البداية استغرب من الفارس النحيل الذي يطلق على نفسه اسم دون كيشوت، وتعجب من تابعه وخادمه سانشو بانشا.. إلا أن صورة المحبوبة دولسينا قد فتنته، رغم أنها لم تظهر مرة على صفحات الكتاب الصغير، إنما وجدت عبر وصف دون كيشوت لها.

ظلت أحداث الكتاب تهزه وتحيره لمدة أيام قبل أن يسأل رفيقه «حيدر» الذي انتسب وإياه إلى «مركزالفنون التشكيلية» ودرسا فيه، وأقاما معارض مشتركة، وتخرجا معاً، يسأله رأيه في دون كيشوت؟

نظر إليه الصديق طويلاً، ثم أجابه: لا أعرفه. ولكني أعتقد بأني سمعت باسمه. ثم تساءل الصديق: ماذا يعمل دون كيشوت هذا؟

أطرق الفتى رأسه بخيبة ومضى عنه قبل أن يجيبه بحرف، ولكنه في اليوم الثاني جاء بالكتاب وقدمه لصديقه وقال له: أتمنى أن تقرأه هذه الليلة، لأنه في يوم غد، أقصد النهار، سيكون بيننا حوار طويل حوله.

ولكن الصديق لم يقرأ الكتاب إلا بعد ثلاثة اسابيع بعد أن كان الفتى قد يئس من صاحبه وصديقه في إمكانيته قراءة الكتاب، إلا أن الصديق جاءه ذات يوم، وأعاد له الكتاب وهو يضحك. ثم قال: أتدري.. كتابك هذا جميل، وقد أضحكني البارحة بطول ساعاته.. حتى أن أمي كانت تفتح علي الباب، وأنا قابع في سريري أقرأ وأضحك، ظنت، أقول لك بصراحة، بي الظنون!

ضحك الفتى وقال سائلاً: ماذا؟ هل ظنت بأنك جننت؟

أجابه صديقي: على ما يبدو، هكذا كان الأمر بالنسبة لها.

سأل صديقه: إذا تركنا الجانب المضحك والهزلي فيه، ما رأيك بدون كيشوت هذا؟

نظر إليه باستغراب وقال: ماذا تريد أن يكون رأيي؟ إنه مجرد مجنون..

سأله الفتى: أهذا رأيك؟

أجابه صاحبه: وأنت ما هو رأيك؟

أجابه الفتى: رأيي، إنه حالم. ثم أضاف: ألا تعتقد بأنه في عدد من جوانب تفكيره يشبهنا؟

تساءل الصديق: وهل نحن مجنونان؟

عند هذا السؤال توقف الفتى عن سؤال صاحبه. كما أنه أهمل الأمر في نفسه، ولكنه ما لبث أن طرحه على صديق آخر، كان من الطلاب المستجدين بالنسبة له. ولكن بصيغة أخرى: قل لي إن كان دون كيشوت يحمل في ذهنه بذرة الجنون، هذه البذرة التي نبتت من الكتب التي قرأها، واستطالت وأينعت في أعمال ومواقف له، أقصد دون كيشوت. وإذا اعتبرناه في جانب من جوانب عقله مختلاً وغير متوازن، قل لي، ما شأن سانشو بانشا به؟ لقد وجدت، أنا غرابة، في علاقته بدون كيشوت!

ابتسم صديقه وأجاب: أليس هو تابعه؟

أجابه الفتى: نعم.

تساءل الصديق: إذاً..

قال للصديق: أعتقد بأن سانشو بانشا يحمل في جانب ما من جوانب عقله أفكار سيده، دون كيشوت.

هل هذا يعني، أنك تريد أن تقول أنهما مجنونان؟

أجابه: شيء من هذا!

قال الفتى: لا أعتقد الأمر هكذا. ما أعتقده بأن تابعه بانشا إنسان بكامل عقله، إلا أنه مغلوب على أمره.

كيف؟ سأل الصديق.

أجابه الفتى: أليس هو تابعاً، خادماً لسيد؟

أتعتقد بأن سانشو كان عاقلاً؟

هذا ما أعتقده.

ابتسم الصديق وقال: أتدري، أفكارك هذه تقلقني! ثم ضحك وقال: وما عليك سوى أن تقول لي، وعلى التابع أن يثور على سيده..

استغرب الفتى كلام صديقه، إلا أنه لم يأخذه على محمل الجد. ولكنه شعر بأن حوارهما كان يجب أن يدور في اتجاه آخر، اتجاه المحبوبة دولسينا، أجمل نساء العالم حسب قول دون كيشوت. لأنها، لولاها لما خرج الفارس الشاحب الوجه للبحث عن المغامرات ليثبت لها، على أنه فارس، وعلى أن عهد الفروسية لم ينته ولم يمض، وأن جميع الفرسان الذين تحدثت عنهم الكتب القديمة ما زالوا على قيد الحياة، وهم يمارسون دورهم الفروسي في هذه الدنيا.

دولسينا هذه كانت معبراً عاطفياً للفتى الذي كان قد اقترب من سن الرابعة عشرة من عمره، ولكن قبل أن يعبر الفتى بنا إلى عالم عواطفه، لا بد له أن يعود ليحدثنا عن صاحبه حيدر.

لا يذكر الفتى كيف بدأت علاقته بزميله وصديقه، ولكنه يعرف الأسباب التي دفعته إلى هذه الزمالة والصداقة، أولاً كانا في سن واحدة، وثانياً كانا يسكنان في حي واحد «براكات السريان» وثالثاً يأكل الفقر منهما أكلاً. وكانا على شيء من روح خبيثة، تميل في خبثها باتجاه الهزل والسخرية.. يذكر الفتى بأنهما كانا ذات يوم شتائي، عائدين من مركز الفنون.. وكان الأخير يقع في شارع «بارون» فكانا يسلكان طريقاً مختصرة تمر بساحة «سعد الله الجابري» ويمشيان على طول سور الحديقة العامة، حيث كانا يمران به، ثم يتوجهان إلى شركة الكهرباء القديمة، ومنها يعبران من أسفل جسر الخطوط الحديدية ليصعدا بعدها إلى حي «براكات السريان» ثم يتوجه كل منهما إلى بيته.

يذكر الفتى أنه وحيدر كانا ذات يوم عائدين إلى البيت، وكان اليوم شتائياً، وآثار مطر خفيف ما يزال على الأرصفة والشوارع.. ففي مثل هذه الأيام عادة ما، تكون الشوارع فارغة من السيارات، وأيضاً الحديقة العامة من الناس.. وفجأة رأيا الحارس المقيم أمام باب الحديقة الغربي، من الداخل، كان يجهزعلى مهل نيراناً من الحطب منذ مدة من الزمن على ما يبدو، وهو ينتظر خارج كوخه لتصبح جمراً من أجل أن يرفعها ويدخلها إلى كوخه.

ما يزال الفتى يتذكر الصمت الذي يخيم على الجو، ويتذكر هسيس الجمر الذي كان ينبعث من النار التي أصبحت جمراً في ذلك الجو الصامت، وحركات الحارس في توضيب قطع الجمر فوق بعضها بعضاً، ما يزال يذكر كيف أنهما كتما صوتهما وراحا يتلقطان خطواتهما كقطين وهما يقتربان من الباب حيث يقبع الحارس. أما عندما وصلا إليه، ومن دون أن يراهما، فأصدرا صوتاًَ كصوت حيوان كاسر، وهربا ضاحكين بقوة.

وما يذكره الفتى.. كان أشبه بلقطة سريعة لم يستطع أن يلم جميع تفاصيلها بعينيه. عندما أصدرا الصوت، كيف أن الحارس قفز إلى الأعلى وهو يرمي الملقط من يده، وكان ملقطاً كبيراً من الحديد، أداته في توضيب الجمرات في المنقل، وكيف أنه، وهو في لحظة قفزه إلى الأعلى، جدف شاتماً ربهما..

ومن خبثهما أيضاً، أنهما ذات يوم، وكان في تلك الأيام قد أطلق «الإتحاد السوفيتي» أكثر من قمر صناعي «كوزموس» في الفضاء الخارجي بحيث بات الأمر حديث الناس.. فشاهدا موظفاً من موظفي شركة الكهرباء، عرفا ذلك من الثياب الخاصة التي كان يرتديها موظفو شركة الكهرباء.. قادماً باتجاههما. وكان الصمت وقلة المارة والسيارات هو الجو العام في تلك الساعة المسائية.

كان الموظف يحمل على يده صحناً، عرفا فيما بعد أنه صحن مملوء بطعام كان، على ما يبدو، قد ابتاعه للعشاء، من أقرب مطعم لبيع الفول والحمص.. وما أن رأيا الموظف حتى اشتعلت رغبة الخبث في نفسيهما، فرفعا رأسيهما إلى الأعلى وراحا يتحدثان ويلمحان أن شيئاً ما يمر في السماء، ثم يقفان لحظات وهما يشيران بأيديهما إلى الأعلى، كأنهما يريان الشيء المحلق في الفضاء.

راح الموظف، وهو يمشي، يرفع رأسه بدوره إلى الأعلى، إلى السماء ويدور حول نفسه، والصحن المملوء بالطعام على يده الممدودة أمامه، إلى الأعلى قليلاً، ولم تمر المحاولة الثالثة للموظف في رفع رأسه إلى الأعلى قبل أن يصل إليهما بعدة أمتار حتى تعثر وفقد توازنه ثم سقط الصحن عن يده، لينسكب الحمص والزيت وقطع البندورة والمخلل على الأرض.

يذكر الفتى أمام هذا المشهد لم يتمالك أحدهما نفسه فضحكا بشدة وهما يهربان بسرعة، خوفاً من أن يلحق بهما الموظف ويضربهما للعبة التي مارساها ضد الرجل.. رغم أنهما بعد أن قطعا مسافة مبتعدين عن الرجل شعرا بشيء من تأنيب الضمير للخسارة المادية التي لحقت بالرجل المسكين الذي، على ما يبدو، كان قد صدق أن قمراً صناعياً يمر على مرأى البصر في سماء مدينة حلب.

أما الفقر الذي كان يأكل منهما، فيود الفتى أن يذكر أمراً فقط، وهو كاف للدلالة على شدة الفقر الذي كانا يعيشان فيه.

كان على الفتى وهو في الصف السابع الإعدادي أن يستيقظ باكراً، في الساعة السادسة صباحاً، قبل ذهابه إلى المدرسة، من أجل أن يذهب إلى الفرن لجلب الخبز منه.

عن تلك الأيام التي يتحدث عنها الفتى، كان الخبز نوعين، الأول يسمى «الأبيض» وسعر كيلو الغرام الواحد منه، خمسة وثلاثون قرشاً أما الثاني فكان يسمى «الأسمر»، وسعر الكيلو الواحد منه، يساوي خمسة وعشرين قرشاً. ولما كانت أسرة الفتى فقيرة، كانت مضطرة إلى شراء النوع الثاني من الخبز الأسمر.

كانت الأفران الخاصة بصناعة هذا النوع من الخبز قليلة في مدينة حلب، موزعة في عدة أماكن منها.. وكان أقرب فرن لسكن الفتى، كان في «القلة» وهي حارة من حارات المنطقة المسماة «باب الفرج»كانت المسافة ما بين الفرن هذا وبين سكن الفتى تقدر بأكثر من نصف ساعة مشياً على الأقدام ذهاباً ومثلها في الإياب. لذا كان يضطر أن يستيقظ باكراً من أجل أن يذهب برفقة صاحبه وصديقه حيدر.. لجلب الخبز، ومن ثم يتوجه إلى مدرسته «ثانوية المأمون» الواقعة في شارع « اسكندرون»في حي الجميلية.

يذكر الفتى، أنه وصديقه حيدر، كانا في طريقهما لجلب الخبز، يتحدثان كثيراً عن الفن التشكيلي، عن مذاهبه ومدارسه، وفنانيه المحليين والعالميين، يتناقشان ويتحاوران، أما الفقر الذي كانا يعانيان منه فلا يذكر الفتى أنه جرى نقاش بينهما حوله. كانا يهربان من ذكر كلمة «فقر»، رغم أنهما لم ينظرا إليه على أنه عار يكلل جبين المرء. كما أنهما لم يسألا أبداً، عن أسباب فقرهما! كانا يتناولان الخبز من يد الفران الذي كان يزنه لهما، بعد أن يدفعا ثمنه.. كانا يوزعان أرغفة الخبز الطازجة والساخنة فوق بلاطة على جانب الفرن وضعت خصيصاً لتبريد الأرغفة عليها. ومن ثم جمعها ووضعها في حقيبة جلدية خاصة، ثم يعودان طريقاً تدوم أكثر من نصف الساعة سيراً على الأقدام، في حرارة الصيف حيناً وبرودة الشتاء حيناً آخر. كانا يتضاحكان، ويتحدثان في أمور الحياة إلا الفقر. ولكنه ذات يوم، أسلمه هذا الأمر إلى إحساس حاد بفقر أسرته، ولم يستطع بعد ذلك الهروب منه أو الحديث عنه، أو حتى ذكره في أحاديثه مع الناس.

ومن المفارقة الغريبة، أن إحساسه بالفقر بدأ مع أول يوم خفق قلبه كما يقولون، بحب فتاة تماثله في السن، كانت مثله في الرابعة عشرة من العمر.

ما زال الفتى يذكر، رغم مرور أكثر من أربعين سنة، كيف انكمش وهو متمدد في فراشه عندما حاول أن ينام باكراً في تلك الليلة، لأنه، في صباح اليوم التالي، كان سيذهب مع طلاب مركز الفنون، في رحلة إلى منطقة «كفر جنة» في شمال مدينة حلب.

كان الفراش ممدداً على أرض الغرفة، وقد أشار إلى أخته أكثر من مرة، أن تطفئ المصباح الكهربائي، رغم شحوب الضوء لكي يستطيع النوم.. إلا أن أخته لم تلب طلبه، إنما كانت واقفة بباب الحوش تحادث أحداً ما!

كان باب الغرفة مفتوحاً على الليل، في الخارج. كان يسمع صوت أخته فقط، ولكنه لا يرى مع من كانت تتكلم، حتى سمع منها كلمة تقول للذي تتحادث معه: تفضلي..

إذاً، كانت أخته تتحدث مع فتاة. استغرب، أي فتاة يمكن لها أن تأتي إليهم في هذا الوقت من الليل؟ صحيح أن الساعة كانت ما تزال تشير إلى الثامنة مساء، ولكن بالنسبة إلى فتاة، كانت تعتبر وقتاً متأخراً من الليل.

تقدمت أخته من الفتاة وسبقتها في دخول الغرفة وهي تكرر دعوتها لها: تفضلي..

كانتا فتاتين، الكبرى منهما تمسك بيد الصغرى.. يذكر الفتى، في اللحظة التي سمع فيها أخته تقول: تفضلي.. شعر بانزعاج كبير، وسبب ذلك كان في تساؤله، بنت الـ.. ألا تعرف بأن فراشاً ممدداً على الأرض، وهو قريب من باب الغرفة وهناك شخص ما مندس ما بينه وبين اللحاف؟ أي غبية هذه أخته؟

شد اللحاف وغطى به وجهه، ولكنه بعد دقائق وأخته كانت ما تزال تحادث الفتاة، شعر بشيء من الاختناق، فاضطر أن يدفع اللحاف قليلاً عن وجهه، مخرجاً بذلك أنفه ليستنشق قليلاً من الهواء. في هذه اللحظة، وقبل أن يفكر باستنشاق الهواء، رأى وجه الفتاة الواقفة بالباب. رأى الوجه ونسي كل شيء عداه.

ما زالت الصورة التي رأى فيها الفتاة ماثلة أمام عينيه، ثابتة في خياله، مستقرة في نفسه لا تغيب رغم مرور السنوات الكثيرة! كان المشهد الماثل أمامه كالتالي: باب، تقف في إطاره الفارغ فتاة، تقارب الرابعة عشرة من العمر، ذات شعر مضفور على شكل جدائل عديدة، وهي تحيط بوجه الفتاة. هذه الجدائل المفتولة كان قد رآها في عدة صور لفتيات صغيرات، وبعض الشابات في الفن الإيطالي في عصر النهضة، خاصة لدى الفنان الفلورنسي «بوتشيللي» كانت الفتاة ترتدي ثوباً أبيض مزين بكشاكش، ثوب أبيض يمتزج في أطرافه بالليل الأسود الذي كان يملأ الباب خلفها. أما يدها التي كانت تمسك بيد الفتاة الصغيرة، تبين فيما بعد أنها أختها، فكانت شاحبة، فيها كثير من الجمال.. خاصة الطول الذي كانت عليه أصابعها.

كان المشهد برمته أشبه بالحلم.

يذكر لو أنه لم يقابل الفتاة بعد المشهد الذي وصفناه لظن الفتى، أن ما شاهده كان مجرد حلم لا غير. وقد اقتنع بذلك لعدة أيام قبل أن يراها من جديد.

في البداية، لم يسأل الفتى أخته: من كانت تلك الفتاة؟ لا يعرف لماذا لم يسألها لكي يقطع الشك باليقين من أن ما رآه كان مشهداً حقيقياً لفتاة من لحم ودم. لقد منعه كبرياؤه من ذلك. كما أن ظنه بأن أخته ستعلق ساخرة على سؤاله مرة وأخرى.. وربما باستمرار. أي سيكون مجالاً لتعليقاتها وهزئها الدائمين، لذا آثر عدم سؤالها إن كان ما شاهده حلماً أو واقعاً؟

أما الوجه، يتابع الفتى: فكان غريباً! غريباً في تقاطيعه وجماله! كانت أطراف الوجه تذوب في الليل المحيط به، بدا، هكذا رأى الفتى شاحباً.. لم يعرف إن كان الشحوب بسبب الإضاءة الخافتة المنبعثة من المصباح الكهربائي المعلق في سقف الغرفة، أم أن الشحوب هو لون بشرتها.

كان الوجه دائرياً، على شيء من الامتلاء، وقد أعطاه الشعر الأسود الفاحم المحيط به بضفائره الكثيرة، أعطاه شيئاً من الشفافية.. كانت بشرته أشبه بغلالة بيضاء حليبية اللون. أما العينان فكانتا كبيرتين واسعتين. وقد أعطى أجفانهما السميكة اتساعاً جميلاً مختفياً وراء أهدابهما الطويلة. كان لون العينين أسود، قطعة من السواد، بحيث لا تستطيع أن تفرق بين حدقتيهما وبين قزحيتيهما. كانت الحدقة والقزحية ذات لون أسود واحد. أما الحاجبان فكانا خفيفين ورقيقين وطويلين، ولطولهما كانا يمتدان إلى وراء عينيها بخط يتلاشى رويداً رويداً على صدغيها.

ولكن الأمر الذي كان يميز وجهها، هكذا لاحظ الفتى، هو الأنف والفم. كان الأنف ناعماً ورقيقاً، مع استقامة ممتدة من الجبهة حتى الأرنبة. ثم ينتهي بالفتحتين الورديتين. أما الفم، فكان ذا شفتين ممتلئتين تنتهيان بانحناءين إلى الداخل في كل زاوية من زاويتي فمها.

نعم، بدا الوجه، في تلك اللحظة غريباً، لم ير الفتى مثله من قبل أبداً. أما عندما أدارت ظهرها ومضت مع أختها الصغيرة، متلاشيتين في سواد الليل، استيقظ من نومه. أكان نائماً؟ هل رأى حلماً؟ ولكن الفتى في الوقت نفسه لم يصدق ذاته، لم يصدق أنه كان نائماً! كان يقظاً، رأى كل شيء بعينيه، وسمع بأذنيه..

رغم مرور عدة أيام لم ينس الفتى الحالة التي وجد نفسه فيها منذ أسبوع، كان يناقش أمر الفتاة ما بينه وبين نفسه. ولكي يحسم أمر نومه ويقظته، وإن كانت الفتاة واقعاً حياً مثل أمامه في تلك الليلة، أم كانت حلماً رآها في نومه؟ أراد أن يسأل أخته.. إلا أنه شعر بالخجل أولاً، وثانياً بالخوف! شعر بالخجل من أن تسأله: ما شأنك بأمرها ولماذا تسأل عنها؟ لو قال لها، هكذا مجرد فضول. ستضحك منه وتقول له: فضول أم إنه العشق الذي بات يقلق عليك لياليك؟ ثانياً بالخوف من أن يكون ما رآه حلماً، فتستغرب أخته وتسأله: أي فتاة هذه التي تسأل عنها؟ لذا آثر الصمت.

في نهاية الأسبوع والفتى واقف في أحد الشوارع الفرعية الضيقة، أمام أحد معارفه، كان أكبر منه بعدة سنوات.. أو بالأحرى كان من معارف أخيه الأكبر، كان الصديق يحمل بيده ورقة عليها عشرات الأسماء والتواقيع مع مقدمة مكتوبة بالحبر، تطالب هيئة الأمم المتحدة بالتدخل لدى الولايات المتحدة الأمريكية لوقف تدخلها السافر ضد كوبا، جزيرة الحرية.

كان الصديق، على ما يبدو، هكذا خمن الفتى، أحد الشيوعيين السوريين.. ما يذكره الفتى عن تلك الساعة التي وقف فيها أمام الصديق واستمع إليه وهو يشرح له من هي أميركا، ومن هي كوبا، ومن هي الأمم المتحدة.. كان الفتى يسأل نفسه: ما علاقتي أنا بهذا الأمر؟ ثم ماذا يفيد توقيعي على هذه الورقة البيضاء، رغم التواقيع والأسماء التي تسود صفحتها؟

يذكر الفتى، في تلك اللحظة التي لاح الملل والاستياء على وجه الصديق، وهو يكرر طلبه له في أن يضع اسمه على الورقة ويوقع عليها.. في هذه اللحظة رآها.. كانت قادمة من الشارع الرئيسي الذي سمي فيما بعد بشارع «الخضرة» بعد أن أصبح سوقاً لبيع الخضار والفاكهة.

رآها قادمة بثوب أبيض، لوحدها.. لاحظ أنها تنظر إليه، وعلى وجهها ابتسامة خفيفة، هكذا خيل له.. بينما كان حديث صاحبه مستمراً وهو يؤكد له، على أن أميركا ليست مجرمة بحق كوبا فقط، إنما هي مجرمة بحق جميع الشعوب والبلدان.. وعندما أراد الصديق أن يكمل حديثه كان الفتى قد أخذ القلم بحركة آلية من يد الصديق وكتب اسمه ثم وقع تحته على الصفحة التي كانت بيد الصديق، ثم ابتسم للصديق الذي شكره ومضى تاركاً الفتى وحده ينظر إلى الفتاة القادمة باتجاهه، يتأمل وجهها، وجسمها، وقدميها اللتين تخطوان بهما نحوه.

كانت الفتاة ذات قامة نحيلة، وخصر ضامر، هذا ما أكده الثوب المشدود عند خاصرتها بشريط من القماش الأحمر.. كانت الفتاة قد أصبحت أمامه تماماً. تنظر إليه، وعلى وجهها ابتسامة خفيفة. لقد بدت للفتى في وضح النهار أجمل مما كانت عليه في الليل الذي رآها فيه.. عندما وصلت إليه، وهي ما تزال تحدق إليه لم يقدر على الاستمرار في النظر إلى عينيها.. شعر بأن عينيها كانتا آثرتين.

عندما مرت من جانبه شعر بهواء خفيف يعبره، بعد أن لفته رائحة عطر،كأن باقة من زهور مرت تحت أنفه، فأغمض عينيه للحظة ولكنه سارع إلى فتحهما خوفاً من غيابها مرة ثانية فلا يصدق أنه كان يقظاً وليس نائماً، أو كانت حقيقة وليس خيالاً.. كان ظهرها المشدود، وكتفاها الضيقان، وقدماها الصغيرتان تحملانها باتجاه شارع فرعي، وقبل أن تختفي وراء صف الأبنية القائمة التفتت إلى الوراء، نظرت إليه وعلى وجهها تلك الابتسامة التي رآها على محياها لحظة قدومها..

شعر بفرح غامر لالتفاتها إلى الوراء والنظر إليه.

أغمض الفتى عينيه وقال لنفسه: هل تعتقد بأنك ما زلت تحلم، أم أن تلك الفتاة التي مرت بك ونظرت إليك، ليست إلا من بنات أفكارك في يقظتك الآن. أجب؟

ابتسم وأجاب: إنها الواقع. ثم أضاف: ولكن رغم هذا، أنا أحلم. وأغمض الفتى عينيه.

زينب..

لا يذكر الفتى كيف تسلل اسم الفتاة إلى مسامعه، ثم راح يبحث عن بعض المعلومات عنها وعن أهلها.. وأثناء بحثه هذا كان قد رآها عدة مرات، وفي كل مرة كانت تهتم به، تنظر إليه طويلاً، ترسم على محياها بسمة خفيفة ولكنها ظاهرة وذات معنى.. أما عندما كانت تمر به، فتطرق بوجهها بعد أن يحمر منه الخدان، ثم ما تلبث أن تلتفت إلى الوراء لترميه بنظرة.. فكان الفتى يجن من الفرح والسعادة. فيعود إلى البيت وهو سعيد نشوان، ونفسه ممتلئة بالفرح، والغبطة والسعادة، وشيء من المشاعر المضطربة. كان يسأل نفسه: هل تحبه؟

كان يتذكر كل تلك الكتب والقصص التي قرأها، كانت جميعها تقول له إنها تحبه. إنه الحب الذي يدفع بالفتاة إلى سلوكها الغريب تجاهه، من ابتسامات خفيفة، ونظرات سريعة ولكنها عميقة، وحركات تلفتها كلما تراه.

ذات يوم وقف الفتى أمام أخته وأراد أن يسألها عن الحب، كيف هو؟ وبماذا يشعر الناس في حالة الحب التي تداهمهم فجأة، وهل يمكن لفتاة، أية فتاة، أن تحب شاباً من النظرة الأولى؟

نظرت إليه أخته بعد أن وقفت تنتظر منه الكلام، إلا أنه أطرق ولم يستطع أن ينطق بحرف واحد. شعر بخجل شديد حتى أنه تعرق رغم أن الجو في ذلك اليوم كان بارداً إلى حد ما. سألته: ما بك؟ أجابها: لا شيء. وهرع خارجاً من البيت. ولكنه، فجأة، نادت عليه أخته، أن لا يذهب. تلكأ في خطوه، والتفت إليها يريد أن يعرف ماذا تريد منه. رآها تبتسم ابتسامة خبيثة، ثم قالت: لقد زرت زينب في بيتها.. تلكأت في إكمال حديثها عن قصد، ثم تابعت وهي تضحك: لقد أرسلت لك معي تحية. ثم أضافت: لقد سألتني والدتها أن تمر عليهم في البيت، لأمر، لم تقله لي..

في اللحظة التي كان الفتى يستمع إلى أخته. كان هو يدخل إلى عالم آخر، مبتعداً عن الواقع الذي كان فيه، عالم شبيه بالغيبوبة، لا يملك شيئاً تجاهه، وحالة الغياب التي وجد نفسه فيها وهو لا يصدق أنها أرسلت له تحية خاصة به، كما أنه لم يصدق أن أمها تبعث في طلبه لأمر ما! تساءل ماذا يكون هذا الأمر، فهو حتى لا يعرفها ولا يعرف أحداً من عائلتها، زوجاً كان أم أولاداً. ولكنه، في الوقت نفسه شعر بشيء من السعادة، فقال لنفسه: لا شك سأكون أسعد إنسان لو كان ما أخبرته أخته حقيقياً.

خرج من البيت. يذكر الفتى، أنه تسكع طويلاً في حدائق المدينة والبراري المتبقية والمحيطة بها، يغني حيناً، يحلم حيناً آخر، ويحلق بعيداً عن الأرض والناس وكل ما يعيق أمر بقائه وحيداً وهو يتصور نفسه متسكعاً مع فتاته في شوارع وأزقة وحدائق وبراري مدينة حلب الفارغة، هكذا تصورها، من الناس. مدينة لا يسكنها أحد. فارغة البيوت والشوارع. لا أحد فيها غيره وغير فتاته.

يذكر الفتى أنه، في أول لقاء له مع والدة زينب، شعر بشيء من الرهبة، كانت ملامحها تدل على أنها امرأة قوية، ذات إرادة صارمة، هذا ما تأكد له بعد شهور عدة من زياراته المتكررة إلى منزلها. كانت والدة الفتى قد تحدثت أكثر من مرة عنها مع بعض الجارات، وما سمعه عنها أثار الفضول لديه في التعرف إليها عن قرب. أما ابنها مصطفى الذي كان يصغره بعام واحد، فكان في الصف السادس الابتدائي، وقد عرف عنه الإهمال في دروسه والكسل في متابعة دراسته، كانت لعبة كرة القدم قد أخذت لبه منذ أن كان في الصف الثالث الابتدائي. ولما كان شقيق زينب في مرحلته الدراسية الفاصلة ما بين الابتدائية ومرحلة الإعدادية، كان لا بد له من الاجتهاد والاهتمام بدراسته جيداً، ولكي يتم هذا الأمر كان لا بد من أحد أن يهتم به. يقول الفتى، ولما كنت وإياه في مدرسة واحدة إلا أني كنت مجداً ونشيطاً في دراستي، فطلبت والدة زينب من والدتي أن تسألني إن كنت أستطيع القيام بمساعدة ابنها مصطفى.

أما شقيقة زينب، أمينة التي كانت تكبرها بثلاث سنوات، كان الفتى شاهداً على قصة حبها الذي خلق مشكلة في العائلة. في هذا الجو الذي وجد نفسه فيه، أصيب بشيء من خيبة أمل وانكسار في أحلامه. عندما تخيل أن تلك الابتسامات والنظرات التي كانت تمنحه زينب إياه، هي نوع من العواطف الحيادية، هي نوع من المشاعر الأخوية..

هذا الوضع، أو هذا التفكير الذي فرضه على نفسه، وإن قصة الحب التي تخيل أنها قامت بينه وبين زينب، ما هي إلا من بنات أوهامه ولا صحة لما اعتقد به. لذا عادت مشاعر الحزن والشرود التي ظن بأنه ودعها إلى الأبد، عادت إلى ذاته من جديد لتفعل ما كانت تفعله فيما سبق من الأيام، أي قبل أن يرى زينب، وقبل أن يلمس منها اهتماماً به من قبلها.. ذات مرة سألته: لماذا أنت حزين بشكل دائم؟

رفع الفتى نظره إليها.. رآها تنظر إليه نظرة مليئة بالود والتعاطف وشيء غامض لم يستطع تفسيره. هذا وقد استغرب سؤالها! ولكنه في الوقت نفسه شعر بشيء من الراحة النفسية وهدوء الحالة المضطربة التي كان يحس بها قبل سؤالها ذاك. شعر، وهذا ما فكر به الفتى، بأنها تهتم لأمره، لولا اهتمامها هذا، لما سألته عن أسباب حزنه، ولما اهتمت به، فابتسم بشيء من الخجل وسألها: أهذا ما رأيته بي؟

هزت رأسها، أن نعم.

أطرق وأجاب: لا أعرف! ولكنه ما لبث أن رفع رأسه، وهو يبتسم لها وقال: ولكني أعدك بعد الآن لن تريني حزيناً.

ابتسمت له، بعد أن تهلل وجهها بالاشراق وقالت: أهذا وعد؟

أجابها: نعم. وعد.

ما تلا ذلك من الأيام، يذكر الفتى، كانت مليئة بالنشوة والحب، كما أنها كانت أيضاً مليئة بالقلق والحيرة وعدم الثقة.. ولكن رغم هذا الشعور اليومي الذي كان يحياه ويحس به، كان هناك حلم واحد، حلم طفولي يقوم على أن هذه الفتاة، هي بالتحديد التي سيقضي حياته إلى جانبها، هي فتاة القدر التي ولدت له وليس لغيره.

كان الفتى يحاول أن يتذكر كل التفاصيل التي عاشها قبل التعرف إلى زينب. هذا اللقاء غير العادي الذي كان بينهما، وتلك اللحظة التي وقفت في إطار الباب، وهو ممدد على فراشه، وتلك اللحظة أو اللحظات التي أوقفه فيها صاحب العريضة -وطلب منه- أن يوقع عليها، وتلك المصادفة التي جعلته وجعلت شقيق زينب في مدرسة واحدة، ومعرفة أمه بوالدة زينب. كان الفتى يقول: لو جمعنا كل هذه المصادفات فهي تعني شيئاً واحداً وحيداً، هو أن القدر كان وراءها ليكونا معاً، هو الفتى وهي زينب.

ويغمض الفتى عينيه ويتذكر كل قصص الحب الكبيرة التي قرأ عنها وسمع بها، روميو وجولييت، قيس وليلى، مم وزين هذا إلى جانب كثير من القصص التي لم يسمع بها.. ستكون قصتنا، قصة الحب، أكبر من جميع هذه القصص، ستكون قصتنا خالدة خلود الزمن والحياة.

هذا كان في حالة الحلم الذي كان الفتى يغرق فيه، أما حالة الحيرة والقلق فكانت تلقي به إلى الشرود والتسكع في الحدائق والبراري المحيطة بحلب. كان هناك سبب واحد يدعه يعيش هذه الحالة ألا وهي الفقر.

نعم الفقر!

إنهما ما زالا في الرابعة عشرة من العمر، فكيف يمكن له أن يتصرف لو جاء غداً شاب يطلب يدها؟ لو سألته زينب إن كان بإمكانه أن يخطبها، لأنها تحبه ولا تحب الشاب الذي تقدم لخطبتها؟ عند هذا السؤال كان يشعر بالقهر ويعيش حالاته ويصيبه الشرود والغياب. ولكنه، عندما كان يصل إلى حد اليأس كان الفتى يضحك ساخراً من نفسه ويقول: ما بالك لا تعيش يومك وتدع المستقبل الذي تناقشه اليوم بينك وبين نفسك إلى الأيام القادمة لترى كيف سيكون؟

عند هذا الرأي كان الفتى يرتاح قليلاً، ويعود إلى أحلامه ولحظات نشوته التي كان يحياها في كل ليلة عندما يذهب إلى منزلها، يلقاها وهي قابعة وراء آلة الخياطة تضحك له وتبتسم.

يذكر الفتى أن الحب الذي كان يحس به، وذاك الميل القوي تجاه زينب عاشه فقط عبر مشاعره، أما الواقع فقد كان الفتى يخلقه لنفسه، ويتصوره ويتخيل القصص والحكايات التي كانا يعيشانها معاً.

يذكر أن علاقتهما، خاصة في البداية، اقتصرت على الجلوس أمام بعضهما، وتأمل كل واحد منهما الآخر، ينسيان ما كان يجري حولهما، ويغيبان عما يحيط بهما، ثم يبتسمان، هي أولاً، ثم هو. ما يلبثا أن يطرقا بوجهيهما، هو إلى صفحات الكتاب الذي كان بين يديه، حيث يستعين به في تدريس أخيها، وهي إلى آلة الخياطة التي كانت تعمل عليها. كانت في بعض الأحيان تمد يدها إليه قائلة: تفضل لقد خبأتها لك. ثم تضيف لقد كنت في ضيافة إحدى صديقاتي.. ثم تبتسم بخبث وتتابع: لم أكتف في أخذ قطعة واحدة من السكاكر «الكرميلا» إنما أخذت اثنتين. فسألتني صديقتي بخبث: لمن القطعة الثانية يا زينب؟ أجبتها لصديق عزيز.. جداً.

ثم ما تلبث أن تذبل أهدابها وتسألني: ألست صديقي؟

كان الفتى.. يطرق خجلاً بعد أن تحمر وجنتاه ويجيب على سؤالها: بلى.. ثم، بعد أن يبلع ريقه عدة مرات، يتابع بصوت بالكاد يسمع: وأنت أيضاً صديقتي.

* * *

في تلك البرية الصغيرة التي تمتد إلى الجنوب من بيت زينب تم العرس. وهو عرس لقريب من أقربائها. مشى الفتى إليه بتردد قبل أن يعرج إلى منزلها، وسبب تردده، هو عدم معرفته إن كانت زينب في البيت أو في العرس. ولكنه، ها هو على حدود البرية، والعرس في أوج احتفاله، رآها.. كانت ترقص برفقة مجموعة من الشابات، بينما كان مجموع آخر من الشبان يحاول التسلل إلى حلقتهن ومشاركتهن الرقص، إلا أن الشابات كن لا يتحن لهم ذلك. وما أن رأته زينب حتى ابتسمت له، ثم ما لبثت أن عبست غاضبة وهي تنقل نظرها عن عينيه، ثم توجهت إلى أمها التي كانت جالسة مع مجموعة من النسوة يماثلنها في السن، طلبت منها مفتاح البيت.. لأنها تود العودة إليه لأمر ما، لم توضحه لوالدتها.

خرجت زينب من الحشد المشارك في العرس، وهي تنظر إليه بتلك النظرة الغاضبة المحتجة.

استغرب الفتى هذا الأمر منها، فهو لم يتصرف أي تصرف سيء أو أخرق منذ قدومه! إذاً تساءل الفتى، لماذا كانت نظرتها تلك التي رمته بها غاضبة؟ وما أن وصلت إليه حتى قالت له: اتبعني بعد قليل إلى البيت.

تابعها الفتى بنظره وهي تبتعد عنه، إلى أن وصلت إلى حدود البرية الصغيرة، ثم عرجت إلى الدرب الترابي القصير الذي أوصلها إلى مدخل الزقاق حيث يقع البيت في نهايته. تساءل الفتى في نفسه: ما بها. كانت غاضبة من شيء ما، ولكن مم؟ لم يعرف. هز رأسه ثم مشى باتجاه بيتها..

كان الباب موارباً. وقف لحظة ثم نقر بإصبعه عدة نقرات قبل أن يدفعه إلى الداخل.. رآها واقفة في نهاية الغرفة تنتظر قدومه. قالت له: ادخل.

دخل الفتى بتردد وقلبه يدق بشيء من العنف.. وقبل أن يسألها: ما بك؟ سألته بغضب: هل كنت سعيداً، وأنت تراني محاطة بالشبان، وكل واحد منهم يحاول أن يظهر لي عواطفه الغليظة؟

لم يعرف الفتى بماذا يجيبها. لأنه، عندما وصل إلى حدود البرية، ورأى ذاك الحشد من الشبان والشابات.. كان الأمر، هكذا بدا للفتى، طبيعياً. إلا أنه أمام غضبها، قال يجيبها: كلا. ولكن..

لم تدعه يكمل فابتسمت وتقدمت منه وهي تمد يدها تصافحه. وتقول له: قبل أن تكمل.. اجلس.

جلس الفتى، أما زينب فجلست بقربه تنظر إليه وتبتسم له.

أمام هذا التحول الذي رآه منها، بلع ريقه ولم يكمل ما كان يريد أن يقوله لها. ظلت تنظر إلى عينيه محدقة.. هذه اللعبة، لعبة التحديق إلى عينيه بشكل مباشر، كانت تمارسها معه في كثير من الأوقات. كان في معظم الأحيان، هو الذي يخفض نظره عن عينيها، يدير رأسه باتجاه آخر.. ولكنه اليوم لم يفعل ذلك، ظل يحدق إلى عينيها، أراد أن يبرهن لها على أنه ليس ضعيفاً الضعف الذي تتصوره حتى «تكسر» نظرته أمام نظرتها القوية.

ولكن زينب، في هذه المرة، لم تكن ترغب في اللعب، لعبة الإرادة، إنما كانت تنظر إليه بحب، بود، وبشيء من اللهفة التي تصاعدت في نفسها، فقربت رأسها منه قليلاً، وقالت له: ألم تشعر بالغيرة من أولئك الشبان الذين كانوا يحيطون بي في العرس؟

أطرق بعد أن أحس بجفاف في حلقه، إلا أن راحتا يديه كانتا تنضحان بالعرق. أجابها: نعم.

سألته: إذاً لماذا لم تنده علي، لم تخرجني من محيطهم؟

لم يجبها. ظل على صمته، إلا أن قلبه كان قد ازداد في دقه، وراح جبينه، علاوة على راحتي يديه، ينضح بالعرق.

سألته: ما بك؟ أرى تعرقاً كثيفاً على جبينك.

لم يجبها. كان عاجزاً عن الكلام، ولا يعرف التصرف. ولكنه، ما لبث أن رفع وجهه إليها، عندما دفعت بإحدى أصابعها بين أصابعه، وأراد أن يقول لها كلمة تعبر عن وضعه..لم يجد ما يعبر عنه بالكلام. كان رأسه فارغاً، حتى من كلمة واحدة. كان غائباً. سمعها تقول له سائلة: ما بك؟ تكلم.. كأنك تريد قول شيء ما. قله.. لا تخجل!

ظل ينظر إليها. ولكنه لا يعرف ماذا يقول؟ كان عاجزاً عن النطق عجزاً تاماً. سألته من جديد: أتريد أن تقول لي، إنك..

وترددت في إتمام ما كانت تريد أن تقوله. ثم تابعت بصوت خافت، فيه من الموسيقا قدراً لا يستطيع أن يتصوره، تابعت: إنك.. تحبني؟

شعر بشيء ضاغط على صدره. ولكنه، رغم الضغط هذا فتح فمه وقال: نعم.. أحبك.

أما بعد تلك اللحظة، فلم يعرف كيف قام وركض بأقصى ما يستطيع من القوة هارباً كأنه يهرب من قدر ظالم يريد أن يمحقه محقاً.

في تلك السنوات البعيدة، يتابع الفتى، كان ما إن يخرج المرء من حارته حتى يجد نفسه في برية واسعة تحيط به. لأن العمار والبناء والشوارع لم تكن كما هي اليوم. لذا وجد الفتى نفسه في قلب برية يعرفها ولا يعرفها!

يعرفها لأنه طوال سنوات كان يقطعها على قدميه متنقلاً ما بين بيته في الكامبات وبين مدرسته في حي السريان القديمة. في البرية خفف من ركضه، وتمالك نفسه، وعاد إلى التنفس البطيء وهو يسترجع تفاصيل الوقائع التي مرت به منذ ساعات، منذ لحظة قدومه إلى العرس، إلى لحظة هروبه، بعد أن ترك بين يدي زينب اعترافاً بحبه لها.. لم يصدق، أنه سيستطيع أن يقدمه لها، أو يضعه بين يديها ذات يوم أبداً!

كان الفتى كلما، في أثناء تجواله الذي كان على غير هدى، اقترب من حدود الأماكن السكنية، يهرب من جديد إلى أعماق البرية، يريد الانفراد بنفسه والغوص في ذاته، والتحدث مع عقله ومحاورته.

كان، بعد خمس ساعات من التجوال، قد هدأ قليلاً، وكفت نفسه عن الاضطراب، ثم راح يطرح الأسئلة على ذاته: ماذا لو كانت زينب لم تقصد بما قالته له ما ذهب إليه تفكيره؟

ماذا لو أنها أرادت أن تقول له أنها تحبه كأخت له؟

ماذا لوكان قد فهم خطأ، بكل ما تصرفت به أمامه؟

ماذا لو كان الأمر بالنسبة لها، مجرد عبث وولدنة وعدم جدية، وأن كل ما في الأمر هو لعب في لعب وهزل؟

ماذا لو كان، كل ما قامت به تجاهه، هو فخ أوقعته به، وغداً عندما يذهب إليها في البيت. لن يجد منها سوى الصد والسخرية، والقول بأنها أوقعتك في الفخ مثل كثير من الفتيات اللواتي يعبثن بالشبان.. وعندما يتم لهن ذلك لا يهتممن بهم. لا، بل ينظرن إليهم بازدراء؟.

ظلت الأسئلة تنهال على رأسه، وهو ما بين سؤال وآخر يضعف أمام نفسه ويظن أنه سيعيش خيبة كبيرة، غداً، عندما يلقاها. سأل الفتى نفسه السؤال الأخير: لو كان الأمر كما يظن، كيف ستتصرف تجاهها؟ كيف ستقبل نفسك بعد أن ورطتها هذه الورطة الكبيرة، هذه الورطة التي تشبه خوض معركة هائلة، فتخرج منها خاسراً ليس نفسك فقط، إنما روحك أيضاً؟

يذكر الفتى أنه أجاب ببساطة وعفوية: سأنتحر. لن أقبل على نفسي أن تهزم، وأعيش بعد الهزيمة لحظة واحدة..

ارتاح الفتى لقراره هذا، وهدأت نفسه من اضطرابها، واستقر وجدانه بحيرة بعد طوال عصف ورياح وشحنات من بروق ورعود. أما عندما فتح عينيه فوجد نفسه على حدود حارة الكامبات.. لا، بل قريباً من الكامب الذي كان تقع فيه الغرفة التي سكنها مع أهله سنوات طفولته الأولى، قبل أن يرحل عنها وهو في التاسعة من العمر.

ما زال يذكر ذاك اليوم بكثير من التفاصيل التي لم تغب عن ذهنه أبداً.

يذكر الفتى، أنه في تلك اللحظة، دفعته رغبة قوية في التجول بين الكامبات ليقف على أحوالها، وحال قاطنيها، هذا إن كان قد بقي أحد ما زال يعيش فيها.

كانت الشمس في تلك الساعة، تميل باتجاه الغرب، والجو كان بارداً إلى حد ما، كان الوقت في أواسط تشرين الثاني على ما يذكر الفتى.

كان الطريق الترابي على حاله، ممتداً من الطريق الاسفلتي، متلولباً في ضيق في أمكنة منه، وفي عرض في أماكن أخرى، حتى يتوغل بين الكامبات، ضائعاً أمام هذا البيت وذاك. ولكن الفتى، مع اقترابه من أول كامب، شعر بشيء من القلق، أنه يتوجه إلى أطلال قائمة منذ زمن طويل.. وكان أول ما أكد له هذا، هو الأبواب، كانت جميعها مخلعة، أو مقفلة بإهمال.

وقف أمام ذاك الكامب الذي قضى فيه أيام طفولته، وتلك الكامبات التي كانت شاهدة على قصص وحكايات ووقائع سمع بها وشاهدها وعاش بعضاً من وقائعها. وكان آخر ما وقف أمامه، هو ذاك المرحاض الذي كان يثير الفزع في نفسه، ببنائه الكبير الواسع، حيث يقع بعيداً عن الكامبات. عاد الفتى أدراجه، مع ميل خفيف في سيره باتجاه الجنوب الغربي، حيث مستودع شركة الكهرباء. توجه مباشرة إلى صنبور الماء الذي كان سبباً في كثير من الأحيان أن نال العقاب على يدي أمه، لأنه كان يتهرب دائماً من الذهاب إليه، لجلب الماء، كان يبتل بالماء من منابت شعره إلى أخمص قدميه كما يقولون. لذا كان يلعن الماء هذا إن كان الأمر في الصيف، أما إن كان في الشتاء فكان يبكي وهو يرتجف من البرد.

فجأة وجد الفتى نفسه أمام رجل جالس بقرب صنبور الماء، كان الرجل، على ما يبدو حارساً، ينظر إليه باستغراب كأنه يتساءل عن أسباب تواجد الفتى في هذه الساعة التي راحت الشمس فيها تغيب عن الدنيا، هنا، في هذا المكان شبه المهجور.

وقف أمام الحارس، ثم بدأه بالسلام والحوار بسؤال عفوي لم يفكر به من قبل، إنما هكذا طرحه على ا لحارس عفو الخاطر: أين ذهب قاطنو هذه الكامبات.. كأنها جميعها فارغة؟

نظر إليه الحارس باستغراب. لم يعرف الفتى استغراب الحارس إن كان بسبب تواجده أو سؤاله الغريب! إلا أن الحارس جابهه بسؤال دون أن يجيب على سؤال الفتى: من أين أنت أيها الفتى؟ وما سبب وجودك هنا؟ وكيف دخلت إلى أملاك مستودع الشركة؟

شعر الفتى بشيء من الخوف أمام الأسئلة التي انهالت عليه من قبل الحارس، وشعر باستغراب لموقف الحارس العدائي منه، فأراد أن يمازحه ساخراً، من أنه جاء يسرق معدن النحاس الموجود في الكابلات، كما كان يفعل منذ عشر سنوات، عندما كان يسكن أحد هذه الكامبات، إلا أنه استدرك موقفه وابتسم في وجه الحارس وقال له: كنت منذ سنوات أسكن في هذه الكامبات، تحديداً ذاك الذي يحاذي الطريق الاسفلتي الصاعد إلى ثكنة طارق بن زياد.. ثم تابع الفتى: لقد مررت بالمصادفة من هنا، فقلت لنفسي اجعل طريقك ما بين هذه الكامبات وانظر ماذا حل بها وبقاطنيها، وابحث عن الذين كنت تعرفهم، إن كان أحد ما زال قاطناً فيها.. ولكن مع الأسف، إنها فارغة، على ما يبدو هجرها قاطنوها.

توقف الفتى عن الكلام.. شعر بأنه قدم نفسه للحارس، على أنه دخل إلى أملاك شركة الكهرباء مسالماً لا غير.

هز الحارس رأسه وقال له: تفضل اجلس يا بني إن كان لديك وقت، لأقدم لك كأس شاي لم يمض إلا دقائق على إنزال البراد عن النار، إنه ما زال ساخناً.

يذكر الفتى أن الحارس قال له: لقد عينت منذ خمس سنوات على أملاك هذا المستودع التابع لشركة الكهرباء. وقد صادقت كثيراً من الناس الذين كانوا يسكنون هذه الكامبات، ولكنهم منذ عامين تقريباً رحلوا عنها، لقد جاء أمر يوضح، على أن هذه الكامبات لم تعد تليق بسكن أفراد الجيش من جنود وصف ضباط، فقد تخربت سقوفها التي من التوتياء، وبعض جدرانها تخلع منها أحجار، ونكش إسمنت ممراتها، أما ترميمها فقد رأت القيادة العسكرية لثكنة طارق بن زياد فأمر مكلف جداً، لذا طلبت من قاطنيها من أفراد الجيش الرحيل عنها.

يقال، تابع الحارس، أن القيادة العسكرية قد عوضتهم عن ذلك ببعض المال، وهذا الأمر غير مؤكد..

أدار الفتى وجهه إلى مشهد الكامبات الذي لا يبعد عنه إلا بضعة عشرات من الأمتار. كانت بقايا اللون الأصفر والبرتقالي ما تزال على واجهاتها حيث كانت تستقبل أضواء الشمس وأنوارها الغاربة، فشعر الفتى لذلك بشيء من الحنين إلى تلك الأيام الماضية التي عاشها بين جنبات هذه الكامبات، ومع الذين قطنوها سنوات طويلة قبل أن يرحلوا عنها، كل، على ما يبدو، إلى دياره التي جاء منها.

أتاه صوت الحارس سائلاً: كم من السنوات بقيت ساكناً مع أهلك في هذه الكامبات أيها الفتى؟

ارتشف الفتى رشفة من الشاي وأجاب: بضعة سنوات، أعتقد أنها بلغت أكثر من خمس. ثم اضاف الفتى موضحاً: لقد مضى على رحيلنا، أقصد أنا وأفراد أسرتي، أكثر من خمس سنوات..

سأل الحارس: لماذا غادرتموها؟

أجاب الفتى: لقد تقاعد والدي.. والكامبات كما تعرف هي ملك الجيش فلا يصح لمدني أن يقطن أملاك الجيش.. لذا رحلنا عنها إلى حارة براكات السريان.

ابتسم الحارس وقال: حي هادئ، لقد أحببناه كثيراً، لأنه أول حي سكناه منذ قدومنا إلى حلب، لقد بقينا فيه عدة سنوات، ثم رحلنا عنه.

سأل الفتى: ما الأسباب التي دفعتكم إلى الرحيل عنه بعد أن أحببتم السكن فيه؟

أجاب الحارس لعدم وجود جامع فيه!

استعرب الفتى قول الحارس، حتى كاد أن يقول له: ولكن هناك كنائس كثيرة.. إلا أنه تذكر أمراً في نفسه، فتداعت كثير من الأمور في ذاته ففضل الصمت وعدم التعليق.

أنهى الفتى شرب شايه، وقام يريد الانصراف فقال: دايمة على الشاي يا حاج. ثم أرجو المعذرة على إشغالك.

ابتسم الحارس وقال: على العكس، فأنا هنا طوال ساعات اليوم أبقى وحيداً، فأحس بالملل وأدعو الله أن يبعث بأحد ما إلي لكي أتسلى معه بتجاذب الأحاديث. ثم أضاف: يمكنك أن تأتي كلما تريد. لدي كثير من الحكايات عن سكان هذه الكامبات التي تبدو اليوم كالخرائب. إن كنت تريد سأحدثك بها!

ابتسم الفتى وأراد أن يقول معلقاً على كلام الحارس: مهما كانت حكاياتك كثيرة فلن تكون أكثر مما لدي من حكاياتهم.. لأنني كنت واحداً من أبطالها.. إلا أن الفتى تنهد حزيناً وقال للحارس: إن شاء الله.. إن سنحت لي الفرصة سآتي إليك.

مضى الفتى نازلاً تلك الطريق الترابية المؤدية إلى الحديقة- حديقة السبيل.

يذكر الفتى، ما كان بين المستودع وحديقة السبيل، مسافة أقل من عشرين متراً، كان طريقاً اسفلتياً يأتي من أواسط المدينة ومن منطقة «الكراجات»في منطقة ما تسمى «باب الفرج» ليمر بجانب الحديقة وعلى طول سورها الشرقي، يؤدي براكبه إلى الشمال حيث يمر بجانب قريته. ويذكر أيضاً أنه، منذ أن وعى ذاته، ركبه عشرات المرات أحياناً لوحده وأحياناً برفقة أسرته لزيارة بيت جده.

عندما وصل الفتى الطريق، بعد أن انحدر من المستودع الذي يقع في أعلى الهضبة المطلة والمنحدرة الجانب إلى الطريق الاسفلتي، توقف وهو يتابع الطريق الذاهب إلى الشمال بعينيه، كأنه يراه لأول مرة.

هز رأسه وابتسم ساخراً من نفسه وقال: كأنك لم تسلكه عشرات المرات ذاهباً إلى بيت جدك؟ وتخطى الطريق متوجهاً إلى باب الحديقة.

كان الباب على حاله، لم يتغير، كما هو حاله اليوم، كبيراً، يمتد فوقه مظلة حجرية تمتد إلى الأمام كأنها غيمة تريد الانطلاق والرحيل عن كتلتها الاسمنتية الأساسية. أما الأشجار فكانت هي، كما كانت قبل عشر سنوات، إلا أنها أصبحت أكثر هرماً وأقل يفاعاً، أما تلك البئر المائية التي يقوم فوقها ذاك الدولاب ذوالشفرات كان على حاله يدور ويتوجه وجهات الريح التي تلعب بشفراته حيث تتوجه.

ذاك الكوخ الحجري ما زال على وضعه، وصاحبه، حيث يقبع في داخله، يلبي طلبات الشارين من بضاعته المعروضة، كان قد ازداد انحناء.

مشى ببطء شديد على جميع ممرات الحديقة دون توقف، ينظر إلى تلك العلامات والملامح التي يحفظها عن ظهر قلب منذ سنوات، رأس الأسد الحجري الذي يتدفق منه الماء، تلك الأقفاص الكبيرة التي تغلق أبوابها على بعض أنواع الطيور، خاصة طيورالطاووس، وتلك القرود التي سميت من قبل الناس، زوار الحديقة، بسعيد وسعيدة.. لا أحد يعرف لماذا أسموهما بهذين الاسمين! أما بيت الموسيقا فكان ما يزال كبيراً مهاباً، يقوم على مجموعة من الأعمدة الضخمة العالية، أمامه.. تلكأ قليلاً حتى شعر بشيء من الحزن القديم يعود لينبعث من جديد وهو يتذكر ماري روز.

عندما وصل إلى حظيرة الغزلان تذكر زينب، لأنه حدثها ذات يوم عن تلك الغزلان الجميلة القابعة فيها. كان يريد أن يقول لها متغزلاً: أنت تشبهينها، خاصة عيناك.. إلا أنه لم يجرؤ على ذلك، اكتفى فقط بالحديث عن الغزلان ووصفه إياها بأجمل الصفات. واليوم يعتقد الفتى بأن الحياء لم يفتها لأنها ابتسمت له، وأطرقت وجهها بعد أن احمر خداها.. يذكر الفتى أنه خلال أسبوع عاش حياة كاملة مع زينب رغم أنه لم يقم بزيارتها في البيت خلال ذلك الأسبوع.

كان الخوف يمنعه من الذهاب إليهم كعادته. كان يخاف إن ذهب ألا تقابله، وربما أخبرت أهلها، خاصة والدتها بأنه غازلها. أي عار سيلحق به إن فعلت ذلك؟

خلال ذلك الأسبوع، يذكر الفتى، أنه تخيل حياة كاملة معها.. كانا يأتيان إلى الحديقة، يجلسان تحت الأشجار الوارفة، يغوصان في مياه البرك الصناعية، هو يرفع طرفي بنطاله، هي ترفع طرف ثوبها إلى الأعلى، كاشفة عن ساقيها الجميلتين.. وقد شعر في كثير من الأحيان بالغضب منها. كانت تضحك وتقول له سائلة: ما بك غاضباً؟ كان لا يجيب على سؤالها، ولكنه يظل على غضبه. كانت تقول له: أتخشى أن يرى أحد ما من زوار الحديقة ساقي؟ هل تشعر بالغيرة؟

كان الفتى لا يجيب، إنما يخرج من المياه، يصعد إلى أعلى صخرة من الصخور المتناثرة حول البركة ويجلس عليها حانقاً. كانت تضحك وتقول له: ما بك خرجت من الماء؟ تضحك مرة أخرى وتتابع: ألا تعرف بأننا وحيدان في الحديقة، لقد أمرنا الحب، أنا وأنت، أن لا يسمح لأي زائر مهما كان أن يدخل إلى الحديقة. ألم تر كيف أغلق الحب باب الحديقة وراءنا، بعد أن دخلناها؟ تعال. انزل إلى الماء ثانية، هيا..

وتمد يدها إليه راجية أن ينزل عن الصخور إلى الأسفل، إلى مياه البرك الباردة، كان، ولم يكن بوسعه الرفض، لم يكن أمامه سوى أن ينزل إلى الماء تحت رغبتها وإلحاحها الشديد.

كان الفتى يتخيل بأنهما، فجأة اكتشفا في عمق المياه المنسكبة من بين الصخور ممراً ينحدر إلى الأسفل، ويلف وراء الصخور، قال لها: أنسلكه لنرى إلى أين يسعى بنا هذا الممر؟

أجابته بعد تردد لمسه منها وخوف رآه في عينيها: لا بأس، لنسلكه.. رغم أني خائفة. ولكن، أضافت: ما دمت معي فلا بأس.. ويتخيل الفتى أنهما عبرا الممر الذي أودى بهما إلى ممرات أخرى مزدانة بالمصابيح والشموع وبقطع من البللور المشع بالأضواء..

تردد الفتى وهو يمسك بيد زينب أمام نهاية الممر الذي سلكاه، لأنه أي الممر أصبح ضيقاً ومعتماً، إلا أنه تابع سيره مبدياً شجاعة ليست من طباعه، كانت أصابع زينب التي يمسك بها هي التي أمدته بالجرأة، وقال: سنضطر إلى متابعة الطريق واحداً وراء الآخر لضيقه.. وخوفاً عليك، سأكون في المقدمة..

سمعها تقول له: هل من الضروري أن نتابع طريقنا عبر ممر لا نعرف إلى أين سيؤدي بنا؟

أجابها حاسماً: نعم.

وما أن خطا الخطوة التالية حتى انفتحت أمامه، في نهاية الممر الذي ضاق كثيراً، قاعة كبيرة لم يستطع أن يلم أرجاءها بعينيه أول الأمر.

توقف بتردد وهو مبهور الأنفاس مما رأى.

قاعة خالية، رغم أنها تبدو للعين صغيرة، إلا أنها بلا نهايات، لا جدران لها، ولا سقف! شيء أشبه بالضباب يغطي أبعادها، كأنه، يخفي جدرانها وراءه ويغطي سقفها بطبقة رقيقة ولكنها كافية لأن تمنع العين من النفاذ إليها.

مد الفتى يده إلى الخلف وأمسك بيد مرافقته. قال لها: تشجعي، علينا أن ندور في هذه القاعة لعل وعسى نجد شيئاً يكشف لنا سرها.. وانطلقا معاً.

بعد أن مضى عليهما وقت طويل، لم يعرف كم من الساعات كان، لأنه عندما نظر إلى ساعته، كانت واقفة العقارب. سأل فتاته عن الساعة، أجابته بأنها لم تجلب معها ساعتها، أو بالأحرى نسيتها في البيت..

وهكذا ظلا يدوران ويدوران ولا يقفان على مخرج أو ممر سوى الممر الذي جاءا منه.

استوقفته زينب وقالت: لقد تعبت، لم تعد لدي المقدرة على متابعة السير، علينا أن نعود من حيث أتينا.

وقف الفتى ونظر إليها نظرة كلها خيبة كأنه يقول لها: أتعبت بهذه السرعة يا جميلتي؟ وأنا الذي كنت أظن بأننا سنستمر في سيرنا وبحثنا حتى نجد لنا درباً يوصلنا إلى عالم كله نور وعشق وهواء نقي، ومناظر ومشاهد لا تمل العين من رؤيتها.

إلا أن الفتى، بعد خيبته أطرق رأسه وقال: لا بأس لنعد..

ولكنهما ما إن حاولا العودة إلى الممر الذي جاءا منه، حتى وجدا نفسيهما في دائرة غامضة.. أما الممر فكان بدوره قد غاب واختفى.. سألته بعد أن شدت بأصابعها على راحة يده: والآن.. ماذا سنفعل؟ لقد أضعنا الممر على ما يبدو!

وأرادت أن تكمل إلا أنها لم تستطع، فسكتت..

تأمل الفتى وجه فتاته طويلاً، ثم سألها سؤالاً غريباً: هل تخبرينني كيف بدأت هذه الحياة؟!

بدا السؤال غامضاً للفتاة. فلم تنطق بجواب، إلا أنها سألته بعد حين: ماذا تقصد؟

ابتسم لها: أقصد ألم يعلمونا بأن الحياة بدأت بآدم وحواء أول الأمر؟

أجابته: نعم..

قال لها: ونحن الآن أشبه بآدم وحواء.. ما رأيك أن..

يذكر الفتى أنه في تلك الأمسية البعيدة شعر بأنه اشتط في خياله. لذا قام عن الكرسي الذي كان جالساً عليه، مطرقاً وعاد أدراجه إلى البيت.

* * *

يذكر الفتى أنه، بعد مضي أسبوع، وبعد انتهاء دوامه في المدرسة، وفي أثناء عودته إلى البيت، والساعة تشير إلى الرابعة والنصف من بعد ظهر يوم الخميس، لاقته أمام بيته.

وقف أمامها وهو غير مصدق. كان قلبه قد أخذ يدق بعنف، فاضطرب لذلك وأحس بخجل لم يحس به تجاهها في يوم من الأيام الماضية. ظلت واقفة أمامه، تنظر إليه نظرة عتاب شديد، مع بروز مشاعر الخيبة والإحباط من عينيها.. يذكر لم تحييه في تلك اللحظة، والفتى أيضاً نسي أن يرمي التحية عليها. وقفا أمام بعض، هو مطرق، محمر الوجنتين، جاف الحلق والشفتين، كثير النظر. أما هي فكانت تنظر إليه، وبين يديها محرمة زرقاء اللون، كانت تدعكها بين راحتيها. قالت له: الحمد لله لأني رأيتك. ثم أضافت: وأنت بصحة جيدة.. لقد ظننت بأنك مريض! لأني قلت لنفسي لو لم يكن مريضاً، لما غاب عنا طوال أيام الأسبوع الفائت.

سكتت كأنها بذلك تطلب منه تفسيراً عن سبب غيابه الذي دام سبعة أيام بكاملها. أراد أن يجيبها.. ولكنه لم يستطع. كان حلقه جافاً وشفتاه أيضاً. رفع نظره إليها، عبر بهما وهو ينظر إليها، أن ترحمه، فهو غير قادر على الكلام.

ابتسمت له ومدت يدها إليه، لمست أصابعه الممسكة بدفاتره بحركة عابثة وجريئة. ثم قالت له سائلة: هل ستأتي اليوم. لقد سألت والدتي عنك، أقصد سألت أخي عن أسباب عدم حضورك إلى البيت، وأسباب انقطاع دروسه على يديك.

بلع ريقه بصعوبة وقال: سآتي.. اليوم..

ابتسمت له فرحة وقالت: سيكون لدي عيد..

تركته ومضت باتجاه بيتها.

في المساء، عندما ذهب إلى بيت زينب، طرحت عليه عشرات الأسئلة حتى أنها أثارت شكوك والدتها عن أسباب هذه الأسئلة. فقالت لها بشيء من الاحتجاج: دعيه يعرف كيف يكمل إعطاء درسه لأخيك. ثم اضافت: حتى أخوك لم يسأله كل هذه الأسئلة التي طرحتها عليه.

التفتت إلى والدتها وهي تضحك بخبث وأجابتها: لأن أخي لا يعرف ما يفيده، إنما، أنا.. أعرف مصلحته.

ابتسمت الأم وهي ترميها بنظرة ذات معنى: اهتمي بشغلك، ودعيهما يكملان ما بدآا به..

في البيت، بعد عودته، ارتكن زاويته اليسرى مفكراً بكل الأسئلة التي طرحتها عليه. تلك الأسئلة الواضحة، وتلك التي لها معان ومغاز.. عرف أن صمته هذا لم يعد مفيداً، عليه أن يجيب على أسئلتها، عليه أن يجد طريقة للتواصل معها، عليه أن يتغلب على هذا الخجل، خجله الذي يطحنه، ويمنعه من الكلام والتعبير عما يحس به تجاهها. يجب أن يقول لها كل الكلام الجميل الذي يعبر المرء فيه عن مشاعره وأحاسيسه وحبه تجاه من يحب.

لذا لم يقدر على فعل ذلك سوى بكتابة الرسائل لها. لقد وجد في كتابتها خير منقذ من خجله الذي يحس به في حضورها.

ما يذكره اليوم، أن الفتى خلال ثلاثة شهور، وهي شهور فصل الصيف قد كتب أكثر من مئة رسالة، وكل واحدة منها تتألف ما بين الصفحتين وخمس صفحات من أوراق الدفاتر التي كان يكتب عليها وظائفه المدرسية وواجباته اليومية التي أهملها كثيراً في أيام دراسته الأخيرة حتى أنه كان مهدداً بالرسوب في امتحان آخر السنة.

كان، هذا ما يذكره الفتى، في مجمل ما كتب من الرسائل، هو كلمات عن الحب، وجمل عن الوصف، واسطر عن الأحلام والأماني التي يمني بها نفسه. يذكر أنه تحدث طويلاً وكثيراً في رسائله تلك عن المصاعب التي سيلاقيانها. فهما مجرد شابين صغيرين، هو أمامه طريق عليه أن يقطعه حتى يستطيع أن يتزوجها. ليعيشا معاً إلى الأبد. أما هي، فستعاني من ضغط والديها، بعد سنة أو سنتين، أو ربما بمجرد تقدم شاب خاطب لها، اليوم أو غداً، حتماً سيوافق أهلها، أما هي فسترفض الزواج.. لذا سيحاولان معرفة السبب.

وليس أمامك، هكذا كتب الفتى، سوى المراوغة، لأنك إن قلت لهم، أنك تحبيني، ولا يمكن لك أن تقترني بشاب غيري، سيقول أهلك، هل جننت، ما هو إلا شاب في الرابعة عشرة من عمره، ثم إنه فقير لابن رجل فقير.

ثم يحاولون أن يشككوا بي، سيقولون لك، ومن قال لك في حال انتظارك له عدة سنوات، سيفي بوعده، ويتزوجك، من قال لك، إنه لن يخلف بوعده، ويتزوج فتاة أخرى بعد عدة سنوات؟

يذكر الفتى، كيف كان يكتب عن أحلامه بحماسة، يصفها لها.. كانت، هذا ما يذكره، بمجملها، إنه وإياها انفصلا عن هذا العالم القاسي الظالم، وغير العادل.. انفصلا عن الناس في جزيرة بعيدة، غير مأهولة، لا يوجد فيها سوى الطيور المغردة التي تصدر الأصوات العذبة، والحيوانات الأليفة التي تعيش على الحشائش فقط. أما الأرض فلا يغطيها سوى الحشيش والزهور والأشجار الوارفة الظلال.

كان الفتى يستمد كلامه من الكتب التي يقرؤها.. خاصة القصص والروايات التي تتحدث عن الحب والأحلام والحياة العذبة الهنية، حيث جميع الناس إخوة.

لاحظ الفتى، منذ بداية كتابة رسائله، أن فتاته لم تكتب أية رسالة جواباً على رسائله. عندما فاتحها بالأمر.. انسحبت الابتسامة التي كانت على وجهها، وحل مكانها شيء من الحزن، ثم قالت له بتردد: سأكتب لك.. أنا لاأجد وقتاً كافياً لذلك.. لأن أمي نادراً ما تخرج من البيت.. ثم أن إخوتي طوال اليوم يحومون حولي.

هز الفتى رأسه وقال: لا بأس. ولكني بشوق شديد إلى جواب. جواب واحد على الأقل، على رسائلي.

هذا الطلب، لا يذكر الفتى اليوم، إن كان قد طلبه منها وجهاً لوجه، أم أنه كتبه كملاحظة في إحدى رسائله. وبعد طلبه للمرة الثانية أن تكتب له، أعطته في إحدى الليالي ورقة مطوية على شكل مثلث وقالت: لم أقدر أن أكتب أكثر مما كتبت في رسالتي هذه.

فرح الفتى كثيراً وهو يقبض على الرسالة بعد أن وضعها في جيبه، يذكر أنه في تلك الليلة أنهى مع شقيقها الدرس باكراً. ثم مضى مسرعاً إلى بيته ليقرأ رسالتها في زاوية من زوايا بيته، لوحده.

عندما فتح الورقة/ الرسالة لم يجد فيها سوى أربعة أسطر، فيها من الأغلاط الإملائية والنحوية الشيء الكثير. تذكر الفتى أن فتاته لم تدرس إلا صفين أو ثلاثة من المرحلة الابتدائية دون إكمالها.. ثم كتبت له رسالتين أخريين، ولكنه عرف بعد مقارنتها بالرسالة السابقة، أن الرسالتين ما هما إلا عبارة عن رسائل منقولة عن كتاب بعنوان: كيف تكتب رسالة حب إلى من تحب.

يذكر أنها سألته بخجل إن أعجبته الرسالتان. ابتسم لها وقال: نعم.. ولكن رسالتك الأولى التي نقلتها من صفحة قلبك هي الأحلى والأجمل بالنسبة لي.

ابتسمت راضية عن نفسها وأطرقت بوجهها إلى الأرض.

* * *

يذكر الفتى، قبيل انتهاء العام الدراسي بأسبوع، قالت له: أن والدتها ضبطت إحدى رسائله في حوزتها. فسألتها ممن هذه الرسالة؟ أجابتها لا أدري. ثم أضافت، ربما ليست رسالة، ربما هي مجموعة من الأوراق- أقصد أوراق مصطفى الدراسية.

أخبرته فتاته: ظلت أمي تنظر إلى وجهي، كأنها تحاول أن تلمس حدود الصدق والكذب في حديثي. ولكني لا أعرف كيف ضبطت نفسي ولم أنهر أمامها معترفة لها بالأمر الذي بيني وبينك. هزت والدتي رأسها وأعادت لي الرسالة، ثم أدارت ظهرها وخطت مبتعدة عني خطوتين لا غير، ثم توقفت وعادت مرة ثانية إلي. مدت يدها وقالت: أعطني هذه الأوراق. مددت يدي بالأوراق إليها، أخذتها مني وراحت تمزقها إلى قطع صغيرة وهي تمضي عني من جديد.

هذه الأخبار، أو هذا الخبر بالتحديد ألقى الفزع في نفس الفتى، لأنه سأل نفسه: ماذا لو عرفت والدتها بالحب بينه وبين ابنتها؟ ماذا لو سألته أهكذا تخون أمانة وحرمة البيت الذي وطأت عتبته، وطعمت من أكله وشربه؟

أطرق الفتى خجلاً كأنه أمام والدة من يحب وعليه أن يجيب على الأسئلة التي طرحتها عليه. قال لنفسه: صحيح أنا أحب ابنتك، ولكني أعترف أن ما قمت به يدل على أخلاق سافلة.. ولكنه ما لبث أن رفع رأسه غاضباً ورد على نفسه: ماذا؟ هل من يحب هو سافل؟

شعر الفتى خلال الأسبوع الأخير من العام الدراسي، أن والدة فتاته عاملته بشيء من البرود، لم تعد تهتم به كالسابق، وتسأله عن أحواله الدراسية وأحوال والديه وإخوته كما كانت تفعل في كل مرة يزورهم فيها لإعطاء ابنها الدروس.

أما عندما سأل فتاته إن كان لديها معرفة بأسباب ذلك، فأجابته، لا.. ولكنها أضافت مخمنة، قد يكون سبب ذلك هو الرسالة التي ضبطتها معي.. على ما يبدو، هكذا شرحت، لم تنطل عليها حكاية، على أنها، أي الرسالة هي مجموعة أوراق لأخي تخص دراسته؟ ثم أطرقت قليلاً، ما لبثت أن رفعت رأسها من جديد، استغرب الفتى عندما وجد في عمق عينيها حزناً دفيناً. شعر بالخوف فسألها: أصدقيني، ماذا في الأمر؟ فأنا أرى حزناً في عينيك. هل هناك خبر أو..

لم يكمل، توقف عن الكلام لأنه لم يقدر عليه.. وهو ينتظر منها أن تخبره إن كان هناك شيء ما غير مفرح أو حزين. قالت له بلهجة حزينة: لا أدري.. أقصد لا أدري إن كانت أمي فيما قالته لي منذ يومين صادقة أم أنها قالت ذلك لترى ردة الفعل لدي؟

قاطعها سائلاً: ماذا قالت؟

أجابته: هناك خطيب جاء يطلب يدي منها..

تساءل باستغراب: خطيب! من يكون؟

أجابته والحزن يقطر من كلامها: لا أعرف.

كان الصيف قد انقضى منه أكثر من شهر، والسبب الذي كان يخوله بالذهاب إلى منزل من يحب انتفى مع انتهاء العام الدراسي والامتحان الأخير.. ثم جاء موقف والدة من يحب منه.. لهذا كله أصبح من الصعوبة بمكان أن يلتقيا من دون مشاكل قد يحدثه لقاؤهما، كان أحياناً يمر عليه أكثر من عشرةأيام قبل أن يلقاها، وكيف.. للحظات، وفي أحسن الأحوال لبعض الدقائق؟ كانا لا يلحقان أن يتكلما بضع كلمات حتى كانت تقول له: علي أن أعود إلى البيت.. إن لمست والدتي أي تأخير مني ستذهب في السين والجيم عن أسباب التأخير..

يذكر الفتى أنه، في المرة الأخيرة التي لاقاها سألها: ماذا عن أخبار الخطوبة؟ هل ما زال الأمر قائماً؟ أم مضى إلى..

وسكت وهو يبلع ريقه؟ لأنه لم يستطع أن يكمل. أجابته: ما زال على حاله. ثم أضافت موضحة: لقد طرحت أمي الأمر علي، فلم أجبها، ولكن، تصرفي وردة فعلي على كلامها كان يعني الرفض. ولكنها، أقصد أمي، لم تعلق إنما قالت: ما تفكرين به، وما يدور في رأسك هو عمل صبياني غير مسؤول، وأيضاً لا ينم عن أنك تعرفين مصلحتك كشابة..

تابعت فتاته: لم أعلق على كلامها، ولكني عرفت مغزى ما قصدته.

أطرقت، ثم ما لبثت أن رفعت وجهها إلى وجه الفتى فرأى دمعتين معلقتين بين أهدابها.

يذكر أن ذاك المشهد أول مشهد بكاء لها أمامه، وكان أيضاً آخره.. لأن الأمور تعقدت وظلا لمدة شهر وأكثر لم يستطع أي واحد منهما أن يلتقي بالآخر. وخلال هذه المدة عاش مرارة وتمزقاً أثرت على حياته حتى اليوم. لقد غضب على العالم وشتمه وقال عنه: ظالم وقاس وغير رحيم..

كان دائم الحومان والتسكع في الحدائق والحارات وهو ذاهل عما حوله، كان العمل الوحيد الذي يفعله، في أوقات المساء، هو القراءة..

وذات صباح، وهو جالس في الحديقة العامة، يحمل بين يديه مجموعة من الأوراق يحاول أن يرسم عليها بعض الدراسات والكروكيات، شعر برغبة قوية في الكتابة.. وبعد طول تفكير قال لنفسه: نعم.. عليك الكتابة.. يجب أن تكتب ما تحس به وتعيشه وأنت تفقد حبيبتك يوماً بعد يوم، وهي تتسرب من بين يديك كتسرب حبيبات الرمل من الغربال.

يذكر الفتى عن ذلك اليوم، أنه ما إن عاد إلى البيت حتى بدأ يكتب تلك الرواية على مجموعة من الدفاتر المدرسية الصغيرة التي بلغت خمسة دفاتر.. وعندما انتهى منها، أعاد كتابتها في دفتر واحد، حاول أن يكون الدفتر مميزاً، ليس عادياً، كما أنه حاول أن يكون ذا خط أنيق وجميل، أما الغلاف، غلاف الدفتر فقد زينه بمجموعة من الرسوم التي نقلها في معظمها من صورالتماثيل اليونانية والرومانية.. ثم لونه بألوان زاهية شفافة.

أما موضوع الرواية فقد استمده من مجموع قراءاته للرواية العربية والأجنبية، خاصة تلك الروايات الرومانسية التي تتحدث عن المظالم التي تلحق بالعشاق الذين يفرقهم الموت حيناً وصراع الأهل حيناً آخر، أو الغيرة والحساد والعزال.. ولعل أشهر هذه الروايات التي يذكرها هي «جهاد المحبين» لجرجي زيدان، و«تحت ظلال الزيزفون» المعربة على يدي المنفلوطي، و«غادة الكاميليا» لألكسندر دوماس الابن، وروايات أخرى لم يعد يتذكرها اليوم.

يذكر الفتى، أنه خلال كتابته للرواية، وقد امتد ذلك لأكثر من شهرين تقريباً.. لم يستطع خلالهما أن يرى فتاته، إنما سمع بأخبار خطوبتها من شاب لا يعرفه، ثم التحضير لعرسها في نهاية فصل الصيف، كان كل ما يتمناه هو أن يستطيع أن يراها للمرة الأخيرة، من أجل أن يعطيها الرواية التي كتب، حيث ستقرأ فيها كل عذاباته وحبه وحنينه، ثم رغبته الأكيدة في الانتحار في أول يوم من زواجها. لأنه لا يقدر أن يتصور، على أن رجلاً ما، آخر غيره يمكن له أن يلمسها..

عندما انتهى من كتابة الرواية غلفها بورق ملون ووضعها تحت قميصه إلى جانب القلب. كان يأمل أن يراها عن طريق المصادفة لا غير، ومن غرائب المصادفات أن التقاها كما كان يأمل قبل زواجها بيوم واحد.

يذكر أنه كان في طريقه إلى السوق لشراء شيء ما لم يعد يذكره كانت والدته قد دفعته لشرائه.. كان السوق في ذلك الصباح غير مكتظ بالناس كعادته، كان زائغ النظر، لا يرى الأشياء بوضوح أمامه، إلا أن ثوباً بلون الورد ورأساً لفتاة تزينه جدائل بشعر أسود، وعينين بنيتين غامقتين لفت نظره ودفعه إلى التوقف عن سيره، ثم ما لبث أن تابعه، إنها زينب.. كانت تنظر إليه.

اقترب منها بخطوات بطيئة وهو لا يصدق ما يرى، وبصورة لا شعورية مد يده وتحسس الرواية تحت قميصه، أما قلبه الذي كان وراء غلاف الرواية فيدق بقوة، ويخفق بسرعة، حتى أنه لم يستطع عد نبضاته المتلاحقة عندما حاول ذلك.

يذكر أنه بعد بضع خطوات وصلا إلى بعض، توقفا وعينا كل واحد منهما في عيني الآخر. ظلا صامتين، لم يقدرا على الكلام، ولا حتى النطق بكلمة واحدة أو حتى بحرف.

مد الفتى يده إلى تحت قميصه وسحب الدفتر/ الرواية.. قلبها بين يديه، ثم مدها بتردد إليها. نظرت إلى الدفتر، عرفت أنه انتهى من كتابة روايته التي كان قد أخبرها منذ أكثر من ثلاثة شهور بأنه يكتب رواية عن قصة حبهما.

مدت يدها ببطء وتناولت منه الرواية، ثم ضمتها بكلتا يديها إلى صدرها. أما هو فأسدل ساعديه على جانبيه كعصوين رخوين لا حول لهما ولا قوة.

ظلا واقفين دون حراك ولا كلام. ظلا ينظران إلى بعضهما، هي تشد الرواية إلى صدرها، وهو يضغط بأصابعه على بعضها بعضاً..

يذكر الفتى، أن الناس الذين كانوا يمرون بهما، كانوا ينظرون إليهما باستغراب، ويتساءلون: ما بهما؟ لماذا هما واقفان كتمثالين من حجر؟ لا يذكر الفتى متى أدار كل واحد منهما ظهره للآخر ومضى في طريقه، أو أدار أحدهما ظهره للآخر ومضى.. بينما بقي الثاني ثابتاً في مكانه كتمثال من حجر ينظر في ظهر الآخر وهو يبتعد رويداً رويداً حتى اختفى عن أنظاره، أو مشيا معاً كل واحد منهما في طريق، وكانا كلما قطعا عدة أمتار التفت أحدهما إلى الآخر ونظر إليه، لا يذكر الفتى في أي حال من هذه الحالات قد افترقا إلى الأبد. ولكن الشيء الذي يذكره ولا ينساه، أنه رأى دمعاً في عيني من يحب ينزلق منهما إلى خديها، دمعاً صامتاً.. أما هي فلا يعرف إن رأت دموعه التي انزلقت من عينيه، أم لا..