10

7 0 00

10

»كلما أمعن الإنسان في السير وفق الخطة المرسومة، تزايدت فُرَصه في ملاقاة

الصدفة. «

فريدريش دورينمات، الفيزيائيون

تقديم

بقلم مصطفى ماهر

تعود بي الذاكرة عندما أتهيأ لكتابة هذه المقدمة إلى عام ٢٠٠٣ ، حيث أرسلت إليَّ أخبار

الأدب الغرَّاء كلمةً عن نيرمين الشرقاوي، أرفقتْ هي بها ترجمةَ مختارات من شعر

هاينريش هاينه. وقد سعدتُ بإعجاب جمال الغيطاني بها؛ ربما لأنني وصفتُ المادة

المترجمة بأنها جزء من نسيجي الثقافي، وتمنيت أن تتاح لنيرمين الشرقاوي فرصةٌ

متعاظمة لإظهار موهبتها في هذه النوعية الصعبة من الترجمة التي ربما حلا للبعضأن

يسميها ترجمة أدبية، أو ترجمة شعرية، أو ما إلى ذلك. وكنتُ قد وصفت هذا النوع من

التعامل بين مترجمٍ أديب شاعر ومؤلِّفٍ أديب شاعر وأطلقت على هذه النوعية من العمل

الترجمي اسم »التفاعل الترجمي «؛ وأحببت جدٍّا أن تظهر براعة المترجمة في مواجهة براعة

هاينريش هاينه، وهو مَن هو. وحتى لا يطول بي الاستطراد في هذه النقطة يكفيني

الإحساس بأنني في الترجمة التي طُلب مني كتابة مقدمة لها، »تأثير اللوتس «، وجدتُ

فيها أمورًا كثيرة جديرة بالإشادة، أو لِنقُلْ بكل بساطة: جديرة بأن نلقي عليها الضوء

ونتحاور معها حوارًا من حقه أن يطول.

والرواية التي بين أيدينا رواية صعبة، محيِّرة، مستفِزَّة، وبهذه الصفات تستحق أن نقلِّب

أوراقها عدة مرات ونضعها تحت أجهزة الفحص الحديثة التي قد يبتكرها العلماء ذات

يوم، فنرى الغامضكما نرى الظاهر. ومن الممكن أن ننظر بداية إلى حجم هذه الرواية،

تأثير اللوتس

ونؤجل النظر في العنوان واحتمالاته، فنجد أن الرواية تعتبر حجمًا من النوع الضخم.

وكان أساتذة مبرَّزون في النقد الأدبي قد طرحوا على موائد البحث أن الأدب القصصي

ستنكمش أنواعه الضخمة مفسحةً المجال للأنواع المقتضبة أو القصيرة. وتساءل البعض

بحقٍّ: مَن الذي يستطيع في أيامنا هذه أن يقرأ روايات كُتبت في مئات الصفحات؟ وربما

تذكر البعض محاولة اختصار الروايات المطوَّلة حتى يستطيع القارئ المتعجِّل المعاصر

أن يعكف عليها ويستخرج منها ما يمتعه. ولكن الذي حدث أن كتَّاب الرواية الأدبية لم

يشغل بالهم — على ما يبدو — تفضيل الاقتضاب على التوسع، وكنتُ قد أشرت إلى هذه

القضية تفصيلًا في كتابي »ألوان من الأدب الألماني الحديث « الذي قدَّمت فيه — كما يظهر

من عنوانه — باقةً من الأدب الألماني الحديث تمثِّل تياراتِهِ المختلفة منذ عام ١٩٤٧ إلى

مطلع السبعينيات، وأعاد المركز القومي للترجمة إصداره في طبعة ثانية في سلسلة ميراث

الترجمة عام ٢٠٠٩ .

والخلاصة أن الكتَّاب الذين حلا لهم أن يكتبوا مطوَّلات كتبوا مطولات ولم يخطر

ببالهم أن يقتضبوها، والأدباء الذين فضَّلوا أن يكتبوا أنماطًا مقتضبة كتبوا هذه الأنماط

المقتضبة. والمبدع — كما هو معروف — حرٌّ في نفسه وفيما يفعل. بل إن هذه القضية

تجرنا إلى قضية الأنواع الأدبية؛ ففي وقت من أوقات تاريخ الأدب الإنساني — على تنوع

اللغات — كان المعلمون الأفاضل يحبون تبسيط الموضوعات لتلاميذهم فيتحدثون عن

نوع مسرحي، ونوع قصصي، ونوع شعري، ونوع أضيف فيما بعدُ ينشغل بنقد الأنواع

الإبداعية. ثم ظهرت محاولات في مجال الرواية — بمعنى القصة الطويلة — انطبعت

بطابع التحديد المتعسف فتكون رواية غرامية، أو رواية سياسية … إلخ. وربما فكَّر

المنظِّمون في تمييز الرواية التي تكتبها المرأة وتلك التي يكتبها الرجل. ولكنَّ كل هذه

المحاولات المقتضبة لم تؤدِّ في حقيقة الأمر إلا إلى إطالة سلسلة التنوع في القوالب الشكلية

لهذا الفن القصصي، مع الأخذ في الاعتبار أن بعض هذه المحاولات لا تقتضي أن تكون

الرواية القصصية بالضرورة رواية قصصية، فقد تكون رواية لا قصصية أو تكون لا

رواية. ويظهر من هذا كله التوسع الموسوعي في الأنواع الذي من الشطط أن نسميه مبالغة.

فعالم الإبداع لا يمكن أن يكون عالم إبداع إلا بلا حدود.

وفي خضم التنوع المتزايد في الأنواع الأدبية التي يهمنا منها في هذا المقام أن الرواية

القصصية لم يكن لها وجود في بدايات الأدب الألماني — على سبيل المثال — أو الأدب

الفرنسي، أو الإنجليزي. والغريب أن أول كلمة استُخدمت لوصفها هي roman التي