(1)

11 1 00

(1)

فتحت الباب بهدوء حتى لا أزعج أهلى النائمين، لم أضء النور، دخلت وأغلقت الباب برفق.

لسة بدرى يا باشا.

باغتنى الصوت فجأة فى الظلام، إنه صوت أبي، فتحت النور فالمواجهة فى الظلام ليست أمراً محبباً لي، فوجدته جالساً على الكرسى ويتضح من جلسته أنه كان ينتظرني من فترة طويلة.

إزيك يا بابا .. إيه اللى مسهرك كدا ؟

مستنيك

خير يا بابا .. فيه حاجة ؟

وقف أبي وهدوء ملامحه وصوته يبدوان كالهدوء الذي يسبق العاصفة .

كنت فين ؟

مع أصحابى

بقولك كنت فين مش مع مين.

عادى كنا بنتمشى فى وسط البلد.

وسط البلد .. جميل .. وبعدين ؟

وبعدين إيه ؟

بص .. أنا ما فياش حيل طويل ومش هافضل أشد الكلام منك كلمة كلمة .. إنت عاجبك حالك دا ؟

ما تخلى الكلام للصبح يا بابا.

ويبدو أنها كانت تلك القاضية .. علا صوت أبي بغضب قائلا :

الصبح .. وأنت بتصحى الصبح ؟ .. ما انت هاتدخل دلوقتى تفتح الزفت بتاعك وتقعد على النت لبعد الفجر وتنام وتصحى على آخر النهار تاكل وتجرى على اصحابك الصايعين ومش هاشوف وشك.

كان طبيعى نتيجة لهذا الانفجار أن يستيقظ كل من في البيت وأظن جيراننا أيضا استيقظوا. ثوان ووجدت معنا كلا من أمي التي استيقظت لتعرف سبب هذا الضجيج واخوتى الذين خرجوا من فراشهم ليشاهدوا الأخ الأكبر فى مذبحة المماليك تلك. وبالطبع أنا صامت لأن أى كلمة أو أى عذر أو تعليل للحالة أو أسلوب حياتى لن يكون سوى جدلا فارغا سيزيد من حالة غضب أبي وسيطيل من زمن هذا الموقف السخيف فقررت أن أصمت وأنا أدعو الله أن ينتهى ذلك سريعا ... ويبدو أن السماء كانت مفتوحة والله قد قبل دعائى فدفع بملاكه الساكن فى بيتنا لينهى الأمر .

أمي : صلي على النبي يا أبو أحمد .. الساعة 3 الصبح ومش هانصحى الجيران على صوتنا تعالى نام والصباح رباح .

ثم نظرت لي قائلة بصوت هادئ:

وانت نام دلوقتى علشان عايزة أكلمك فى موضوع بكرة وما ينفعش سهر بعد دلوقتى.

نظرت لأبي المحدق فيّ بغضب وأومأت دون كلمات وتوجهت لغرفتى غير مبال بأحد .

أبي محق وأنا أُقدر غضبه ولكني غير قادر على فعل شيء، لقد ذهبت لمئات الشركات وهناك جملة يبدو أنها محفوظة قد سمعتها منهم جميعا " أسبوعين وهانتصل بيك نحدد لك ميعاد الأنترفيو " وقد صدق البعض منهم والباقى لا .. كما أن من قابلتهم كانت مقابلاتهم عقيمة عابثة، لا أدري أهي للبحث عن موظفين حقا أم مجرد وسيلة لاستغلال الوقت بمرح لهم ؟ أنا....

ترررن ترررن ... ترررن ترررن ... ترررن ترررن

طال رنين الهاتف ولم يرد أحد، يبدو أنهم ناموا، فرددت أنا:

آلو .. مين معايا ؟

.............

خير !

............

و ما حدش كسر الباب ؟

............

طيب احنا جايين حالا

أغلقت الهاتف و طرقت باب غرفة أبي بقوة حتى سمعت صوته يسمح لى بالدخول.

بابا إلحق عمتى آمال.

مالها ؟

فيه دخان خارج من بيتها.

دخان ؟ .. مين قالك ؟

جارتها اتصلت و قالتلى دا .

قام أبي بسرعة و بدأ يبدل ملابسه و أمى تشاهده فى ذهول صامت.

و ما حدش خبط عليها أو كسر الباب أو اتصل بالمطافي ؟

جارتها بتقول لي انها كانت بتتكلم في التليفون معاها من ربع ساعة وفجأة عمتي قالت لها إلحقيني أنا باتحرق فجريت علي شقتها وخبطت كتير وما سمعتش رد وجوزها مش فى البيت عشان تقولوا يكسر الباب وهى مش هاتخبط على حد فى ساعة زى دى وقالت انها اتصلت بالمطافي قبل ما تتصل بينا بس ماحدش جا.

طيب تعال معايا.

من حسن الحظ أنى لم أبدل ملابسى بعد، ركبت السيارة وقدتها أنا لضعف نظر أبي ليلا ، وقدت بأسرع ما يمكننى دون أن أصل لحد الخطر.

عمتى آمال هى امرأة فى الخامسة والخمسين من عمرها عندها بنتان زوجتهما و سافرا مع زوجيهما .. إحداهما لأحد بلاد الخليج والأخرى لليبيا. أما ابنها فأنهى دراسته وأستغل بيع أبيه للبيت الذى يملكونه فى الشرقية وأخذ المال وسافر ليعمل ويعيش بألمانيا .. ويبدو أن أولادها كانوا الرابط الأخير بينها وبين زوجها فبعد سفر بناتها طلقها وتزوج من أخرى صغيرة السن ولكن ترك لها الشقة مع التزام بمبلغ مالي جيد شهريا كنفقة لها.

يبدو أن تلك وسيلتة لشكرها على عمرها معه .. هو على كل حال رجل ثرى نوعاً ما والشقة والمبلغ لن يكلفاه شيئا، ولكنه تركها للوحدة والندم والذكريات والأحزان.

وصلنا لأسفل المبنى الذي تسكن به فتركنا السيارة صف ثان وركضنا إلى شقتها بالدور الرابع وكان من الواضح أن المطافيء لم تأت بعد.

باب شقه عمتي من الطراز القديم جدا الذي به جزء زجاجي خلفه أسياخ حديديه ملتويه في شكل زخرفي والجزء الغير خشبي هذا كان ليتبينوا منه من الطارق (قبل اختراع العين السحريه) لذا كسرت الزجاج ومددت أصابعي بصعوبة شديدة بين الحديد لفتح الباب من الداخل بالضغط علي المزلاج، كنت سأكسر الباب لكن أبي منعني لتجنب الضجيج في هذا الوقت، فعلت ما أمر به رغم حيرتي واعتراضي ففتحت الباب ودخلنا،

كان هناك دخان أبيض كثيف يخرج من غرفة نومها مع رائحة غريبة لم أشم مثلها من قبل. دخلنا الغرفة ولكن الدخان كان يمنع رؤية أى شىء .. ظل أبي يناديها وأنا فتحت الشباك لأخرج الدخان .. ومرت نصف دقيقة حتى بدأت ملامح الغرفة تظهر وأذهلنا ما رأيناه حينها .. كانت الغرفة فارغة .. ولا يوجد أثر للنيران إلا علي الفراش وغطائه المحترق وعدة احتراقات خفيفة على الكرسي بجانبه كالاحتراقات التى تنتج من سقوط عقب كبريت أو سجارة على قماش. غطاء الفراش كان معظمه محترقا وهناك تراب كثير عليه والجزء غير المحترق منه مرتفع قليلا عن الفراش وكأنه يخفى شيئا أسفله.

اقتربت ببطء وحذر من السرير مشدوها من غرابة أن يحترق غطاء فراش دون أن تأكل النيران الغرفة أو على الأقل السرير.

خرج أبي من الغرفة ليبحث عن عمتى فى باقي الشقة بعد أن أطمأن أن عمتي ليست فى الغرفة التى حدث بها الحريق .. ولكننى ظللت فى مكانى أتأمل الفراش .. انتابنى فضول أن أعرف ماذا يخفى الجزء غير المحترق من الغطاء تحته .. مددت يدى بهدوء وحذر وكل ما يجول برأسي أن هناك شىء متأهب تحته ينتظر حتى ينقض على من يكشفه. اللعنة علي أفلام الخيال العلمي المرعبة التي أشاهدها. رفعت الغطاء بسرعة وأنا أقفز للخلف حتى أتحاشى هذا الشىء الذى يتأهب لي.

و لكن .. لم يحدث شيء .. فقط تناثر بعض التراب الذى كان على الغطاء نتيجة لرفعي له بسرعة. اقتربت من الفراش بهدوء وأنا أنظر بذعر لما كان مختبئا تحت الغطاء ..

كانا ساقين متجاورين غير متصلتين بجسد ما. ساقين ذوي ركبتين محترقتين وباقيهما لم يمسسه خدش . ساقين يرتديان جوربي عمتي المزركشة التي لا تنام بدونهما ولطالما ضحكت عليها وعليهما حين كنت أنام عندها.

تركت نفسي لأسقط علي أقرب كرسي بعد أن وهنت ساقاي حتي عن إيقافي. ماذا يحدث ؟ ما هاتان الساقان ؟ أتلك دعابة سخيفة ما ؟ لو كانت كذلك كيف أتت عمتي بهاتين الساقين والدخان الأبيض والرائحة الغريبة تلك ؟ وإن لم تكن، أحقا عمتي احترقت والباقي منها فقط ساقاها ؟ أكان آخر كلماتها " أنا أحترق " ؟ هل يمكن أن يحترق أي شخص ويعبأ بأن يخبر أحدا تليفونيا بذلك بدلا من الانشغال بإطفاء ذاته والصراخ ؟ نعم هي كانت مدخنة مؤخرا وربما سقطت السيجارة علي الفراش فأشعلته ولكن ليس بتلك السرعة يحدث الأمر، والساقان أعلاهما محترق فقط وباقيهما سليم فكيف ؟ كما أن ليس بتلك السرعه تصل لدرجة التفحم تلك. تفحم .. أهذا التراب الذي أثرته برفع الغطاء هو رماد عمتي ؟

لم أتمالك نفسي من الذعر ولم أناد أبي لأخبره عن ظنوني وهواجسي تلك ولكن فاجأني هو بصوته قائلا :

أحمد عمتك شكلها مش هنا .. تعال بسرعة .. أمك اتصلت بيا بتقولي أنها بتتخنق.