(4)

9 0 00

(4)

أصلح الرجل الزجاج ثم نقدته ماله وانصرف دون سؤال، نظر أخي لي وعيناه كلهما أسئلة ولكن غضبه مني منعه من التحدث معي، لست رائقاً مزاجياً لأحل هذا الأمر، أما أختي فظلت تنظر لي في ترقب فلم أفهم لنظراتها سبب ولم أسألها لأن ما حدث كان ما زال يشغل بالي، ماذا أعاد أبي مبكراً من عمله ؟ ولماذا كان غاضباً هكذا ؟ لقد أغلق الباب بشدة فكسر زجاجه والباب كان متداعيا بالفعل، حدثته أمي من قبل كثيراً عن تغييره قبل أن نستيقظ يوماً ونجد أنفسنا مسروقين لأن الباب قد نُزع من مكانه بسهولة.

خرجت من غرفتي وقتها علي صوت انكسار الزجاج فوجدت أبي ينظر له باندهاش، أو بالأصح بعيون فارغة وبنظرة سطحية كأنه لا يعي كيف حدث هذا وحين سمع صوت باب غرفتي جفل، أظنه لم يكن يظنني سأكون في البيت أو مستيقظاً الآن وظل ينظر لي لثوان بنفس نظرة السمكة ثم انتبه وعادت لعيونه نظرة الغضب الكظيم وقال لي أول كلمة ينطقها منذ أمد : "صلحه" ثم دخل غرفته مجدداً وأغلقها بنفس القوة والعنف وتركني في حيرتي.

اتصلت بحسين صديقي، والده لديه محل زجاج – وكنت قد استعنت به في تصليح باب عمتي بعد ان رحلت الشرطة وقبل أن يأتي زوج عمتي - فقلت له ما حدث ولأنه يعرف باب بيتي جيداً فتكفل هو وأحد العمال عندهم بالمحل بالأمر.

وأثناء تنظيفي للأرض وكنس الزجاج المكسور والمنثور علي الأرض وصل إخوتي وسألتني أختي عما حدث وقبل أن أجيب كان حسين قد أرسل الرجل لتركيب الزجاج فقلت لها : "بعدين" ودخل أخي بتأفف لأبي وأخذ منه المال المطلوب بعد أن طلبت منه ذلك وأعطاني المال دون كلام وجلس في جانب الغرفة يشاهد الرجل أثناء تركيب الزجاج حتي رحل.

تذكرت ما كنت سأفعلة ولكن قبل أن أنزل تمسكت أختي بأن نتناول غداءنا معاً فجلسنا علي المنضدة كلنا حتي أبي مجتمعين كما لم يحدث منذ زمن ولكن في صمت وبدون أمي.

أختي كانت تنظر لي من وقت لاخر وما زالت نظراتها بها كلام لا أدريه، نظرت لها نظرة طويلة لعلي أفهم شيء ولكنها ظلت تنظر لي وتحولت نظراتها لنظرات رجاء أشعرتني بمدي غبائي، ولم نكف عن حوار العيون الغير مفهوم ذلك إلا حين وجدنا أبي وأخي ينظران لنا بدهشة في البداية ثم عادت نظرات أبي لغضبها السابق وغادر المنضدة في حنق لم أفهم سببه فشكرت اختي علي الطعام – مما أدهشها – فقد شعرت أنها تعاني بدون أمي وبغضب أبي وغيابي ورعاية أخي فقررت في نفسي أن أحدثها وأفهم منها ما كانت تريدني أن أعرفه دون كلام وأسألها أيضاً أن كانت تدري شيئاً عن الصورة التي وجدتها ولكن حين أعود من مهمتي التي تأجلت هكذا كثيراً وأنا لا أدري أو أضمن أي شيء هناك بعد، فساعدتها في إدخال الأطباق للمطبخ ودون العودة لغرفتي المقلوبة تركتهم ورحلت في عجل .

..............................................

دخلت شقة عمتي في هدوء، كنت أتسلل علي السلم كاللص الخائف من أن يراه أحد، لم أرغب في أن أقابل أحدا ويسألني عن سبب مجيئي بالرغم من وفاة عمتي. ومع ذلك قد حضرت الإجابة مسبقاً وهي "لكي آخذ بقية أشيائي من المنزل" ومعظم الجيران يعرفونني ويعرفون أنني كثيراً ما أكون هنا فلن يشككوا في حجتي، ومع ذلك تمنيت ألا يراني أحد. الشقة شبه مظلمة ولا يكسر حدة الظلام سوي شعاع الشمس الغاربة المقتحم بشكل خجول متسرسب من بين ثنيات خشب ضلفات نافذة الصالة وكاسر لظلام المكان ومحوله لغرفة بديعة دافئة ذات أضواء برتقالية وصفراء وحمراء داكنة خفيفة مرسومة بفن علي الأرض والحوائط المواجهه للنافذة ، هل تدركين أيتها الشمس أن حرارة لافحة مثلك – أو أقل منك أكيد ولكن ليست واهنة - أحرقت صاحبة هذا المنزل والإنسانة الأقرب إلي من أهلي ؟ ألا تشعرين بالخجل فتلملمين خيوطة شعاعك عن هذا المنزل وتتركينه لظلامة وبرود فقدان صاحبته ؟

نزعت نفسي من أشجاني بصعوبة لأستغل الضوء الباقي لوقت قصير في مهمتي – وهي أكيد أهم من أشجاني – خوفاً من أن يحل الظلام فأضطر لفتح نور يكشفني أو الأستعانة بضوء كشاف اشتريته في طريقي احتياطاً ولكني أشك بمقدرته علي مساعدتي فلم أكن لصاً أو شبل كشافة من قبل لأتعلم التكيف مع ضوء ضعيف وخاصة في عملية بحث.

لاحظت إضاءة خفيفة مشابهة لما في الصالة في غرفة الأطفال التي طالما نمت بها ولكن لم أهتم لدخولها لإغلاق النافذة بإحكام خوفاً من الذكريات و أن أدفن نفسي أكثر في أشجاني وشوقي لعمتي.

كالعادة أعرف طريقي فقد عشت في هذا البيت أكثر مما عشت في بيت والدي، عمتي تضع كل أوراقها الهامة فوق دولابها القصير، حذرتها من قبل من احتمالية أن تتآكل الأوراق وحدها بفعل الزمن أو بواسطة فئرأن فضحكت بشدة وقتها وقالت أنها لا يوجد فئران في بيتها وأنها تضعهم في أكياس بلاستيكية وتغلقهم بإحكام، ولم تدعني أراهم عن قرب أبداً أو أساعدها في إضافة أوراق إليهم. جذبت كرسي التسريحة الصغير ووضعته بجانب الدولاب لبعده عن السرير وصعدت عليه لأجد شتى الصناديق فوق الدولاب، والعامل المشترك الوحيد بينهم هو التراب. حاولت جذب أحدهم ولكنه كان شديد الثقل، كيف لم يكسر هذا سقف الدولاب ويسقط علي الملابس، تخوفت من أن أجذبه بشدة فيختل توازني علي الكرسي الصغير وأسقط ويسقط فوقي، ومع هذا الثقل لن أندهش بوجود تلفاز قديم أو مكنسة كهربائية قديمة بداخله، عقدة التخزين التي عند جميع المصريات. حاولت مع الصندوق الذي بعده ولكن بمجرد أن حركته سمعت صوتاً كأصوات فناجين تتراقص فتصطدم برفق في بعضها دون أن يصل اصطدامها هذا لحد الكسر، حاولت أن أجرب حظي مع الصندوق الثالث ولكنه كان بعيدا عني وثقيل قليلا فلن يمكنني من مكاني هذا أن أحمله بتحكم فكان علي النزول لتحريك الكرسي قليلاً ولكني لحمقي تكاسلت فتشبثت في طرف الدولاب ورفعت رجلي من علي الكرسي لأحمله بهم وأزيحه قليلا ثم أعود إليه ولكن شتان بين وزني قديماً والآن فاهتز الدولاب للأمام وكأنه سيسقط فوقي بحمله من الصناديق التي أصدرت صوتاً مكتوماً لتحركها.

صدمت - من المفاجأة- دون قصد الكرسي بقدمي اليمني المطوحة في الهواء لتعلقي فأسقطته علي جانبه فلزم علي أن أترك الدولاب وأقفز حتي لا يسقط فوقي.

نزلت علي الأرض وآلمتني قدمي قليلاً ولكن ذلك أفضل من الفضيحة التي كانت ستحدث لو سقط الدولاب، وحمدت الله أن صوت تحرك الصناديق فوقه واهتزازه لم يكن ليُسمع أحد خارج نطاق الشقة، وضعت الكرسي في المنتصف أمام الدولاب وعدت لأدفع الصناديق وأعيدها لمكانها ولا أظن أن التراب الذي تناثر منها للأرض سيثير أي من يدخل المنزل مستقبلاً فالمحققون أنهوا عملهم ومؤكد سيزيد عليه الكثير حتي يدخل أحد للبيت سواء ليؤجره أو يعيش فيه من العائله. دفعت الصندوق الأول لأعيده بقوة لثقله والثاني برفق حتي لا أكسر ما بداخله والثالث كان ثقيلا أيضاً فدفعته بقوة وصرفت نظر عن كونه يحوي أوراقاً أما الرابع فكان صغيراً وثقيلا قليلا ولكنه رفض الدخول للآخر .

في البداية حين لاحظت كونه علي طرف الدولاب رغم صغره ظننت ذلك لقصر عمتي فهكذا يكون في المتناول أسهل ولكن الآن فهمت ما خفي عليّ، لقد كان يخفي شيئاً خلفه، لذا نزلت من علي الكرسي ووضعت الكرسي في مواجهته علي الأرض وصعدت فوقه حتي أتمكن من السيطرة بالكامل من الصندوق الصغير الثقيل وأنزلته للأرض لأجد خلفه علبة قديمة سوداء قطيفة متربة وضخمة قليلاً تشبه العلب التي كانت تضع فيها النساء قديماً مصوغاتهن، هل هذا المكان التي رأته عمتي الأنسب لإخفاء مصوغاتها ؟ وهل لهذا لم تدعني أساعدها لنقل أي شيء من أو إلى مكانها السري فوق الدولاب ؟ هل لم تكن تأتمنني ؟ كنت سأنزل غاضباً لولا أني لاحظت طرف ورقة يبرز من جانب العلبة لذا نحيت ظنوني كلها وجذبت الصندوق وجلست علي السرير جهة الشباك لألحق بشعاع الضوء الأخير للشمس حتي لا أضطر لأخذ الصندوق معي، فتحته في رفق فوجدت أكياساً ملفوفة علي أوراق بداخلها فعرفت أن تلك أوراق عمتي التي ذكرتها سابقاً، سمعت صوتا خفيفا لحركة باب لا أدري آتية من أين ؟ ربما باب شقة الجيران أو الهواء حرك أحد أبواب الشقة، لن أجعل أعصابي في مهب الريح، نظرت للأكياس مرة أخري فأخرجتهم من العلبة وفاجأني ما رأيت.

الكيس الأول يحتوي ورق والثاني يحتوي صور مربعة بإطارين أبيض كصور كانت تخرج من كاميرات فورية قديمة تدعي بولورويد ، والكيس الثالث والأخير وما فاجأني بشدة يحوي أظرفاً حمراء مثل الذي وجدته في غرفتي . قبل أن أفضه سمعت صوت تكة زر وأخافني قربها فاخذت الأكياس ووضعتها بجيبي وقبل أن أغلق العلبة القطيفة لاحظت خاتم ودبلة في كيس صغير آخر ولكني لم أقربهم فليست السرقة من شيمي ولو ارتبطت هاتان الحلقتان باللغز الذي أعيش به.

كان ضوء الشمس قد زال تقريباً لذا أعدت بصعوبة كل شيء لمكانه، العلبة وأمامها الصندوق وكرسي التسريحة وانتبهت بصعوبة أكثر لأن تكون خطواتي كلها فوق السجادة ولم أقرب التراب المتناثر علي طرف الدولاب حتي لا أترك أي أثر وخرجت في هدوء من الغرفة وورابت بابها ولكن وجدت أن باب غرفة الأطفال مفتوح علي مصراعيه وهذا أكثر مما كان حين جئت، فإذا سلمت بأن الهواء حركه فما سبب النور الخفيف الذي يخرج من الغرفة وكأن الليل لم يحل ؟ اقتربت بحذر و أنا أعلم بخطأ وحمق ما أفعله ولكني لم أمنع فضولي وحاولت أن أنظر خلسة لأستبين ما بالداخل ولكن فاجأتني يد قوية دفعتني للحائط الذي اختبأ خلفه وفي الظلام لم أتمكن من معرفة صاحبها .