(3)
أسبوع آخر مر، وبقيت أمي علي حالها، وبقي أبي في صمته، وأصبح بيتنا كبيت الأموات، وأنا كما كنت قديماً أستيقظ ظهراً وأهرب من البيت يومياً حتي بعد الواحدة صباحاً فأعود وهم نائمين.
لا أستغل صمت أبي للاستمرار في أسلوب حياتي المرفوض منه ولكن ما هي البدائل المتاحة والوضع صار أسوء الآن بغياب أمي وعمتي ملاذيّ في الحياة.
كنت أزور أمي من وقت لآخر فأقابل إخوتي اللذَين لا أشاهدهما في البيت، أخي ينظر لي بغضب وكأنني السبب فيما آل إليه بيتنا، وأختي عيناها فيها صمت حزين لم أجرؤ أبداً علي كسره خاصة مؤخراً، أما أبي فلا أقابله أبداً ولحالة الصمت التي أصبحنا عليها لم أسأل عنه إخوتي. فقط أستمع إلى صوت أنفاسه أثناء النوم في بعض الليالي التي أعود فيها وأنا مشتاق لرؤيته. وحدة وفراغ أشد يحيط بي – ومؤكد إخوتي كذلك – الآن ولكني في أوهن حالاتي خاصة بدون صديق أو شخص أحكي معه عن أي شيء أو أفكر معه بصوت عال .
لم أعد أجلس مع أصحابي منذ اليوم الذي تلا يوم العزاء، فقد سألتهم جميعاً حين التقيتهم على المقهي مساءاً عن الفتى ذي العيون الفاتحة فلم يفدني أحد، وحين حكيت لهم عما حدث وأفكاري وجدت في عيونهم نظرات شفقة جرحتني، فقررت ألا أجلس معهم لفترة حتي أجمع شتات نفسي.
جلست لثلاثة أيام متتالية بعدها في الشارع في مكان غير واضح لعلي أجد هذا الفتي الذي قد يعود قاصدني مجدداً رغم تجاهلي له في المرة السابقة، وكان مكاني هذا ليحجبني عن عيون أبي أو إخوتي إذا نزلوا في أي وقت من البيت، ولكن لم يحجبني عن باقي الجيران الذين أقسم بعضهم علي ضياع عقلي بعد مرض أمي وموت عمتي والعزاء المتأخر جداً مع انعزال أبي وصمته وامتناعه حتي عن الرد على أي سلام يوجه له من أي من جيراننا.
قرأت الورقة مئات المرات فلم أصل لشيء ثم جائت لي فكرة فلم أتردد، ذهبت إلى خطاط لعله يقول لي أي شيء مثال نوع الحبر يدل علي كذا أو أن الخط يدل علي شيء من التخبط أو أنه خط أنثي أو أي مما نسمع عنه في أفلام الجاسوسية فنظر لي بدهشة وقال لي أنها مجرد وريقة كُتب فوقها بسرعة بقلم جاف أحمر تلك الجملة ولا يوجد فيها شيء مميز أو مريب، فزادني إحباطاً.
مؤخراً لاحظت تأخر ذهاب إخوتي لأمي فلم يعودوا يذهبون من الصباح الباكر بل تحرص أختي علي تنظيف البيت وإفطار أبي ثم تحضر طعام الغداء وتتركه في المطبخ بحيث إن جعت آكل منه بشكل مباشر وهم في المستشفي، ثم وهما عائدان من المستشفي يقف الأمر علي تسخينه فقط وليس إعداده من البداية.
فاستغللت أنا هذا ولم أعد للبيت وبقيت في الشارع وحدي في المقهي الجديد الغريب الذي اعتدته للهروب من أصدقائي، ثم ذهبت لأمي مع بدإيه موعد الزيارة ورغم عني حكيت لها كل ما حدث وأنفعلت ووضعت رأسي علي صدرها وأنا أجهش بالبكاء.
وظللت هكذا لفترة حتي هدأت تماما ثم بدأت أنصت فسمعت صوت نبضاتها بداخلها وليس في هذا الجهاز السقيم ذي الصافرة المرعبة فشكرت الله علي أنها مازالت علي قيد الحياة رغم الغيبوبة تلك وانه ما زال هناك أمل في استيقاظها.
رفعت رأسي ونظرت نحوها وبدأت أنتبه لما لم ألاحظه من قبل، وجودها علي تلك الأجهزة التي تغذي جسدها إجبارياً أعاد التورد إلى وجنتيها والحيوية لوجهها الشاحب مؤخراً في اخر شهر قبل الحادثة. أتذكر أني سألتها مرة في تلك الفترة لم هي شاحبة هكذا فقالت "إرهاق البيت .. لا تهتم" ليتني أهتممت يا أمي لربما كنتِ معي الآن. كم أشتاقك يا أمي، لم أعرف قيمتك لي ولعائلتنا إلا بعد هذا الغياب القاسي، آسف. ثم اقتربت من أذنها وقلت ضاحكاً "ربما تاخرت ولكني أكتشفت سرك أنت وعمتي الله يرحمها يا أمي ."
ولدهشتي ارتفع صوت جهاز النبض بشكل متسارع أخافني فركضت خارج الغرفة لأنادي أي طبيب حتي جاء أحدهم معي بسرعة وأعطي أمي مهدئاً فعاد صوت الجهاز يدق برتابة كما السابق فسألت الطبيب بقلق عما حدث، فقال "اضطراب في نبضات القلب ولكن الحمد لله تم تداركة" ثم خرج مبتسماً قائلاً "أحسنت عملاً " وتركني وحدي في الغرفة مع أمي الممددة أمامي في غيبوبة تخفي أكثر مما تعلن.
جلست في زاوية الغرفة أرمق أمي في صمت، هل تسمعني ؟ وهل بعد المهدئ إذا أكملت كلامي ستسمعني مجدداً ؟ وهل التوتر هذا ناتج عما قلت أم مجرد مصادفة ؟ نظرت إلى ساعة يدي ووجدت أن الوقت مر بسرعة وكاد أخوتي أن يأتوا لذا رحلت في عجل وأنا أنوي أن أكتشف ما حدث مهما تكلف الأمر.
نظرت في ساعتي بعد أن غادرت المستشفي، أنها الثانية عشرة ظهراً، مؤكد إخوتي في طريقهم للمستشفي حالاً وأبي حمل صمته معه لعمله الذي لا أدري كيف هم فيه صابرون عليه بوضعه الأبكم هذا. وصلت للمنزل في سرعة، كم هو رائع وهو فارغ صباحاً، يمكنني أن أفعل كل ما أرغب الآن، أشعر بالجوع ولكنني سأؤجله حتي أنهي مهمتي.
توجهت لمكتبة البيت وتفحصت كتبها بحثاً عن أي كتاب عن موضوع غير مألوف فلم أجد سوي الكتب الدينية وكتب مدرسة أخي وكتب كلية أختي وبعض الروايات القديمة التي كانت تقرأها أمي أمامي وتقرأها أختي الآن، وفي الضلفة السفلية مجموعات عليها غبار من شرائط الفيديو والكاسيت الذي لم يعد يستخدمها أحد الآن ولكنها تمثل التراث والتاريخ لوالديّ فلم يتخليا عنها أبداً.
خرجت من المكتبة والغبار يملأ كفيّ فغسلتهما لأن المرحلة الثانية تحتاج دقة ولا يجب أن يبقي فيها أي أثر. دخلت غرفة أبويّ وبحثت في كل أدراجها وضلفها وقلبت الصناديق التي تحت السرير والتي فوق الدولاب وخرجت من تلك العملية خالي الوفاض لا أحمل سوي ابتسامة واسعة، بعد أن شاهدت صور العائلة منذ طفولتنا حتي الآن وتذكرت الكثير من الذكريات التي أشعرتني أن حياتي لم تكن فارغة كما كنت أظن.
بعد فشل المرحلة الأولي والثانية من عملية البحث فهناك مرحلة ثالثة ولكنها ليست هنا رغم أن لدخولها يجب أن أبحث في البداية هنا. دخلت لغرفتي ركضاً وقلبت أدراجي تحت السرير والتي تحتوي أسراري من أيام الإعدادية ولم أفتحها منذ سنوات لبقائي منذ الفتره الجامعية في الخارج أكثر مما في غرفتي ، كنت أبحث عن شيء صغير لن يظهر بسرعة فقلبت الدرجين علي الأرض وبدأت في إعادة محتوياتهما بسرعة وأنا أدرك أن ما أبحث عنه سألتقطه وألاحظه هكذا أسرع وقد كان. علبة سوداء قطيفة معطرة حتي الآن برائحة الريحان كما هي رائحة كفي عمتي عاشقة هذا النبات المعطر شُرفَتِها دائماً.
فتحتها و أخرجت منها مفتاح شقتها الذي أعطته لي من سنين للجوء لبيتها ودخوله في أي وقت حتي لو كانت مسافرة أو نزلت لتشتري أي شيء، لا أظن زوجها يقيم فيها مجدداً بعد وفاتها أو أجرها بهذة السرعة.
وضعت المفتاح في جيبي وتركت باقي محتويات الادراج علي الارض ولكن قبل أن أترك الغرفة وجدت طرف ورقة أحمر يبرز من تحت وسادتي فسحبته، وجدته ظرف أحمر متوسط الحجم بداخله ورقة وصورة قديمة تجمع عمتي بأمي وأختي وهي رضيعة – و قد عرفتها من ردائها الوردي التي أصرت علي الاحتفاظ به حتي الآن بدون سبب مقنع - وفتي صغير ملون العينين رأيت شبيهه الكبير في العزاء ومكتوب علي ظهرها "سري للغاية".
أما الورقة فبها كلام كثير بالخط الأحمر وقبل أن أقرأ سمعت صوت الباب يغلق بشدة رغم أني لم أسمعه يفتح قبلها، ثم علا صوت انكسار زجاج بشكل مدوي .