(2)

9 0 00

(2)

جالسين في العزاء الثاني وصبي صغير يوزع القهوة علينا لتعب أمي، مر أسبوع على وفاة عمتي .. ساقيْها أو آخر ما تبقي منها ألصقت فيها في الأوراق الرسمية تهمة الانتحار حرقاً، و تم تجاهل مهاتفة الجارة التي تلقت استغاثة وتشكيكي لهم في أمر الانتحار حرقاً الذي لن يحدث بتلك السرعة وبهذا الشكل من قبل، حتي الطبيب الشرعي الذي حاولت التقرب منه أكثر لأفهم كان مندهشا ولكن لعدم وجود أدلة علي أي شيء سوي الاحتراق بالاضافة إلى سجائرها تم الأمر بهذا الشكل.

أبي يجلس في زاوية الغرفة ولا يسلم حتي على المعزيين فأنوب عنه وأعتذر لهم متحججاً بأنها كانت أخته المقربة ، والحقيقة إنه لم يكن له أخوات سواها وكان يزورها كل شهر ويتصل بها أسبوعياً فقط كما يستلزم الواجب في نظره. هو صامت من اليوم الذي تلى زيارتنا الليلية لها. يومها رحل أبي مسرعا لينقذ أمي بعد أن طلب الشرطة وتركني مع السيقان التي نبهته بها فلم يتقبل إنها لعمتي واتصل بالشرطة ليحققوا في الأمر وتركني في الشقة خوفاً من أن يسرق الشقة أحد بعد أن كسرنا زجاج بابها. عدت للغرفة أتأمل مجدداً وأنا غير واثق مما رأيت - أو هذا ما أأمله – ومثلما توقعت الأسوء لمشاهدتي الخيال العلمي تعلمت الحذر من الأفلام البوليسية، شخص عاطل وفاشل مثلي ماذا يتوقع أحد منه سوى تحقيق نفسه في صورة أبطاله المفضلين المحبوسين خلف الشاشة؟

لطالما بقيت عند عمتي في صغري فهي قريبتي الوحيدة من جهة أبي والوحيدة ككل التي تسكن العاصمة مثلنا .. ومؤخراً كانت ملاذي كلما طردني أبي أو قمت بمصيبة ما فاختبأت عندها .. لذا لم يقلقوا علي في البيت أبداً حين أختفي لعدة أيام. كان سعد ابنها كأخي وصديقي المفضل حتي هرب من جحيم البطالة الذي أعيشة يومياً وتركني بوعد أن يساعدني لألحق به يوماً ما ويبدو أن هذا اليوم لم ولن يأتي أو أن سعد نسي وعده.

أدري أن الشرطة ستأخذ وقتا حتى تأتي وسينحونني جانباً لمعاينة الغرفة وفي النهاية سيتذكرونني فقط للأسئلة التي لا تنتهي، لذا دخلت المطبخ وفتحت درجا معينا أدري أن عمتي كانت تضع بها قفازاتها البلاستيكية التي كانت تستخدمها أثناء التنظيف وعدت للغرفة بسرعة وبدأت في التنقيب بحرص بحيث لا أترك بصمات أو أحرك الأشياء الأساسية من أماكنها حتي لا أؤثر في نتائج التحقيق أو أطأ بقدمي علي رماد عمتي الحبيبة، فضولي كان أقوي مني وما حدث أغرب من أن يصدقه عقل ومؤكد لن أراه في حياتي مستقبلاً، وعلي كل حال كان ذلك سدى فوضعت القفازات في جيبي حتي لا تكون دليلا مضللا يقود لي وجلست في انتظار الشرطة.

الأيام التي تلت ذلك أكد الطبيب الشرعي أن الساقين لعمتي وأعلن أنها ماتت محترقة ثم بدل السبب من حادثة غير مقصودة لانتحار بعد أن علم من الجارة أنها كانت تشكو الوحدة وتتمنى الموت، بعد فترة جاء زوج عمتي استلم الشقة دون أن يأبه بما حدث، وأقام عزاء لم يحضره سواي انا وبعض الجيران وهو نفسه لم يحضره كأنه قد انهي به كل التزاماته نحوها.

وأبي طوال الوقت مع أمي التي دخلت في غيبوبة بلا سبب منذ هذا اليوم الشنيع وتفاجأ بموت أخته بعدها بأربعة أيام – تمكنت وقتها من زيارة أمي - فأصر أن يقيم العزاء مجدداً في بيتنا وغالباً ذلك لشعوره بالذنب لتقصيره نحوها في حياتها وعدم التعرف عليها أو الوقوف معها – مع جثتها – بعد موتها.

غياب أمي عن البيت يشعرني بحالة من النقص والفراغ الذي أكده أبي بصمته، بعد أربعة أيام من حجزها تمكنت بصعوبة من زيارتها وهالني شحوبها ولم أصل مع الأطباء الحائرين لسبب لغيبوبتها رغم أنها كانت في كامل صحتها – كما أظن – قبلها.

أبلغتهم أن آخر كلماتها كانت أنها تشعر بالاختناق وكان صوتها به استغاثة ولكن ما زادهم كلامي إلا تخبطاً, وحيرة إخوتي لأننا في فترة إجازتهم الدراسية كانوا يأتون لها يوميا من الصباح الباكر مع بداية موعد الزيارة حتي نهايته.

ندى أختي في العشرين من عمرها كانت تأتي تتأمل أمي فقط في صمت وحزن ثم بعد أيام أيقنت أن الوضع قد يطول فبدأت تحكي لها يومياً عن أحوالنا وكأنها واعية، أما عادل أخي الصغير في التاسعة كان في البداية يبكي فوق ذراعها ثم بعدها أصبح يبكي في حضن ندى ثم حين لم يتبدل الحال أصبح يجلس صامتا فقط. تلك التفاصيل حكت ندى لي بعضها وعشت بعضها معهم. كنا جميعاً نرحل في الثالثة بعد انتهاء وقت الزيارة لنعود للمنزل لتبدأ ندى في تغطية غياب أمي سواءا في الطعام أو النظافة بكل أشكالها.

لاحظت طوال العزاء - الذي امتد لثلاث ساعات رغم توافد الرجال علي الصالة ورحيلهم أن هناك شاب يرتدي جينز وقميص أسود وعيناه فاتحة - لم أحدد لونها لبعده عني - ينظر لي، لا أعرفه ولم ألتقه في حياتي من قبل، أتي أول المعزين وظل جالساً محدقاً بي دون أن يبالي بأحد حتي أنهيت دوري في تغطية أبي وأفقت من شرودي الذي طال. قام حين انتبهت له وأظهرت له أني مندهش من تحديقه وتوجه لي وسلم علي قائلاً "البقاء لله" ورحل تاركاً في يدي وريقة ملفوفة بدقة كانت بين أصابعه حتى لا ينتبه لها أحد فدسستها في جيبي حتي انتهي العزاء تماماً بعد نصف ساعة ورحل الناس ودخل أبي لغرفته في صمت كالمعتاد فدخلت غرفتي وفتحتها ووجدت مكتوباً بها بخط أحمر وبشكل مبعثر كلاما جعلني أنزل ركضاً وأنا أسب نفسي على عدم قراءتها مبكراً وكان ما توقعته قد حدث والشارع فارغاً تماماً من الناس فعدت مجدداً وأعدت قراءتها وأنا أحاول أن أفهم شيئاً ولكن بلا جدوى فكل ما هو مكتوب كان :

" أمك كانت مع عمتك فاتخنقت ... عايز تعرف إيه اللي حصل وتنقذها إفتح مخك وهاتلاقي في نفسك اللي ماتتخيلهوش بس لازم تعرف إنك هاتهد حياتك القديمة كلها .... حصلني " .