(1)

5 0 00

(1)

كما لو كانت تطل من "بوستر" دعائي بفارق أن شريطاً عريضاً في الخلفية علق بواقي الطريق المعدني وظلّت الريح تحرّكه، كان منظر الدورية العسكرية بعد انفجارها مألوفاً ومثيراً في آن:

مقدمتها المخروقة اندفعت في الاتجاهات كافة مع تقبب إلى أعلى. جناحا المقدمة انبعج أيسرهما كنابض معدني ضُغط حتى أقصاه، فاندفع المقود إلى الخلف ليطيح بالباب من عند المفصل العلوي ويتأرجح على مفصله الآخر، بعد أن فتك بجسد السائق. أمّا الجناح الأيمن، باستثناء بعض الضغط، فقد ظل سليماً.

جار السائق الجريح في الكتف، جندياً كان أو ضابطا، حاول القفز إلى الخارج وتحويل الجناح السليم نسبياً إلى ساتر يحتمي خلّفه، إلا أن شيئاً عاجله في المعدة وهو يستدير، فردّه بضع خطوات إلى الخلف ليستقر على الواقي، حيث يرفرف الشريط العريض، في بقعة من دماء خالطها نثار متكتل أسود.

جندي ثالث، في المساحة الخلفية من الدورية، أصيب على مقعده قبل أن يتحرّك ولعله مات. أمّا الجنديان الأخيران، فقد فرّا واختفيا في دغل زيتون، واتخذا لنفسيهما بقعة مخفيّة تمركّزا فيها وأطلقا صليات سرعان ما تحوّلت إلى طلقات متقطعة، إمّا اقتناصاً أو توفيراً للذخيرة، ثم صمت كل شيء بتوتّر وترقب.

تدحرجت طلقات فارغة وأخرى مليئة في خلفية الدورية ومنتصف الشارع، ومرّت أكثر من سيارة لم تجرؤ أيّ منها على التوقّف، بل كانت، بمجرد أن تلتفّ عن "الحادث"، تزيد من سرعتها.

*

تناثرت الأجساد الأربعة في قطعة الأرض المطلة، كل جسد في وضعية مختلفة في اتجاه محدد.

نادر، فضلاً عن الـ إم 16 المطوّرة التي قبضتها يد تهاوت بها على امتدادها، ومن دون أن تفلت، حاول أن ينهض، لكنه لم ينجح. كأنه "يستوعب" أفكاراً شدّ أسنانه أيضاً، فانكمشت تعابيره من ذقنه حتّى صدغيه وانخطف لونه. أغمض عينيه فمات وهو على هذا النحو، في حين كانت يده الأخرى مضمومة إلى صدره بنوع من التصلب.

كانت قدمه اليسرى، أسفل الكاحل، قد تعرضت للتمزق وشدّت، من الكاحل تقريباً، بأشرطة لمنع النزيف. مع ذلك كان النزيف القديم واضحاً في كتل التراب التي التصقت بأشرطة من الخرق لفّت على الجزء المصاب. ليس جرحاً فورياً، فالسواد الذي يطل من بين مساحات مكشوفة في الأشرطة وأسفل الحزام أو أعلاه، يدل على أنه حدث منذ أيام. وكان يربط إلى خاصرته حقيبةً بدائيةً مصنوعةً من قماش أكياس الخيش.

عند تقليب الجسد ونزع حقيبة النوم الصغيرة المرافقة دائما أبداً، سيبدو سبب الموت جلّياً، فثمة ثقب أسود في جهة الرئة اليمنى، من الخلف، يخترق الملابس. الغريب أنّه لم يتسبب بنزيف يقذف بالدماء، كأن صاحبه خلا منها، أو كأن القلّب توقّف مباشرة، وكل ما استطاع فعله، لحظة الموت، أن حاول احتواء الألم الناتج عن الرصاصة وتحويلها إلى مشروع ما ظلَّ في المنتصف دون استكمال.

لقد حقق أخيراً أمنيته..

*

على بعد أمتار، في الاتجاه الشرقي، حيث تطلّ قطعة الأرض على قطعة أخرى محاذية للشارع نصفها زرع بلوز بدأ يزهر ونصفها الآخر بالزيتون، كان جسد الشيخ . كانت رصاصة قد استقرت في جبينه وفجرت كمية من الدماء دهنت ملامحه ولم تمنحه فرصة ليراود أية أفكار.

كان موته، مثل حياته أو بندقيته التي لا تزال تتجه إلى هدفها، سهلاً: اتجاه واحد يمضي فيه إلى النهاية، عبارة عن خط مستقيم لا يملك شيء في الدنيا حرفه، وإنما - فقط- تأجيله أو تسريعه.

كان القرآن الصغير المحفوظ في جلد غزال متين دبغه بنفسه ذات صيد، معلّقاً في العنق مثل تميمة. ملابسه، مع أنها- أو لأنها- رياضية وبلون بنّي، كانت شبه عسكرية. بنفسه خاط الأحزمة والحمّالات. وبنفسه صمم جسده فخّاً فلصق شريطاً طبّياً على محيط صدره/ ظهره ووصله بشريط آخر يشدّ "أمّان" رمانة موضوعة في جيب داخلي، متصلة بكمية من خليط متفجّرات مغلّف بطل في عملية سابقة ولم ينفجر. كان يعوّل على أن الشدة والحرارة الناتجتين عن الانفجار ستعيدان لها المفعول.

احتجّ نادر حينها على المخاطرة المحتملة في أن ينفجر الشيخ بهم هم، إذا ما أصابت رصاصة الرمّانة.. ضحك الشيخ لقلّة خبرته، لأن احتمال الانفجار بمفجّر خارجي بسيط كالرصاص المباشر لا يزيد عن 7%. أما إن كان المفجّر الخارجي قذيفة أو انفجاراً فاحتمال أن ينجو أحد في دائرة نصف قطرها أمتار، أصلاً، ضعيف جداً.. "لكن على الحالين لا مبرر للقلق"، أضاف ساخراً، "لأنهم إن استشهدوا فسيكون استشهاداً سريعاً، وعسّى الله أن يتقبلهم إلى جواره!"

واستطرد بابتسامة عريضة طيّبة وهو يعرف أن كلماته ستحدث أثرها المطلوب:

- توكّلوا على الله.

خطفت الرصاصة فكرته اليقينية الثابتة وهو يقتنص الفارّين من الدورية، فظلَّ الجسد فخّاً.

*

شمالاً، عيّاد الذي تأخر في العودة بعد تفجير العبّوة خاوي الوفاض، وبالكاد استطاع أن يصل في آخر لحظة من اللحظات التي ارتبكت، ما إن وصل حتى أصيب؛ كان جريحاً في الصدر، وغائباً، أو شبه غائب، عن الوعي.

كانت بندقيته قد انفصلت عنه وابتعدت لمترين، وكان الجزء الأسفل من جسده يختلج، فترتعش العضلات العصبية وتندفع القدم في حركة جانبية لتستقر لثوانٍ، وهكذا.

حُشيت جيوبه بأشباه تذكارات توزّعت على كيسين حرص على امتلاكها إن لم تكن من تفاصيل العمليات المنّفذة، فمن ظروف زمانكية قريبة تذكّر بها. الاعتراض –أيضاً- كان جماعياً، لكنه لم يحفل به. كان يؤمن أن التذكارات ستصل إلى المحطّة التي يعرف أنها ستصل إليها.

سخر نادر من المحطّة. قال إنها على الأرجح ستكون مختبرات الشين بيت!

لم يجب. كان يفكّر أن التذكارات ستصل برفقته أيضاً، وهذا شيء من الصعب التصريح به، دون أن يستفز بحلميّته الرومانسية واقعيةَ أحدهم، فليسكت ولا يجيب..

*

في الاتجاه الغربي كان الجسد الرابع مستلقياً على ظهره بعد أن تأخّر في الوصول، في حالة صدمة أو استغراق أو تظاهر، ولا يخلو الأمر من خوف ما اختلط بالذهول فتوقّف عن استقبال المشاعر مؤقتاً وعن الحركة. بل إن عبد العزيز حين أصغى للصوت، خيّل إليه أنه لا يسمع البتّة.