(4)

6 0 00

(4)

يجب أن يبتعد بأقصى ما يمكنه، خاصة وهو يحمل أسلحة وذخيرة. الخطر في المروحيّات التي تستطيع محاصرته بسهولة. تسقط جنوداً في دائرة واسعة ما تلبث أن تتقلّص حتى تمسك به. ستكون الكلاب معهم وقصّاصو الأثر، والأرض رطبة أصلاً..

فكّر بحيلة استعملها نادر حين كان ذاهباً لإحضار مؤونة وطارده ما طارده : أن يضع نعلاً معكوساً أسفل نعله. منذ أعلمه بها، اغتنم أول فرصة وتدبر نعلين برباطين شقي وهو يثبتهما به. إذا لم يتنبّهوا إلى زاوية الارتكاز في بصمة القدم يستطيع أن يخدعهم بحيث تبدو وجهته التي انطلق منها، وجهةً هدفاً..

كلا، لا منطق في الحيلة، فهي تصلح عندما تكون المجموعة في حالة تحرّك ومسير، وليس بعد عملية أو اشتباك. لا منطق في أن يهرب أحدهم إلى النقطة التي أتى منها. مع ذلك ستؤدي إلى بعض الاضطراب.

لم يتردد طويلاً. استخرج النعلين وثبت أربطتهما بنعلي حذائه. صار يشبه مَن يرتدي "قبقاباً" مستوي الأرضية. فقد الانسياب في خطوته، وهذا ما سيجعله اكثر بُطأً.

الآن هناك أثران..

عليه أولاً أن يصل إلى قرية من القرى، ويغادرها فوراً، لكن عن غير طرق المستوطنات المحيطة والمحروسة جيّداً. سيتركّز البحث في القرية التي وصلت إليها الآثار، إن استطاع سيسرق حذاءً، ويواصل طريقه.

كنت محقّا يا شيخ. الأمر يحتاج إلى بغال وخيول إذا كان لا بدّ من استعمال الجبال. نادر طوّر نظرية متعلّقة بالجبال.

لم يطوّرها في الحقيقة بل استرجعها من مصادرها. لاحظ أن العمليات التي تنفّذ "تعتمد إمّا على الاستشهاد أو التفجير لمرّة واحدة كعبوة الكولا المعدنية، أو الهجمات المباغتة لخلايا مناطقية تستهدف طرق المواصلات والمستوطنات المحيطة، أو تعمل من خلال التجمعات على شكل خلايا تقنية متخصّصة بالعبوات والألغام.. لهذا السبب –أوضح نادر- هي سهلة الانكشاف، فالتكرار يولّد نمطاً من السهل تتبعه وتوقعه على أي شخص، ناهيك عن عدوٍ مختصٍ، خاصة أن العمليات تنفذ بمزاج إعلامي-سياسي أكثر منه قراراً عسكريا بحتاً يستهدف إيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوف العدو، كأن قرار الاشتباك، برغم الأجنحة والميليشيات المتعدّدة، ليس متخذاً بالفعل..

ولكي يثبت لهم صحّة تحليله استطاع توقّع مناطق خمس عمليات من أصل سبع ستقوم بها تنظيمات مختلفة المشارب خلال شهر واحد. اعتمد مرّة على التوزيع الجغرافي المحتمل، في أخرى على المنافسة، في ثالثة على الحالة السياسية التي أعقبت مجزرة. وهي أبداً –أضاف- لا تستند إلى الجغرافيا وإلى الاستمرارية كمجموعات عُصابية متفرّغة تؤسِّس جغرافيتها ومفهومها العسكري الخاصّين وحياتها المستقلّة.

ثمّة حالة واحدة مختلفة فقط هي حالة القسّام التي لم تتكرر جدياً. فمنذ الانتداب كانت الهجمات عشائرية، غالبيتها ليلية، تجمع كل قرية فيها عدداً من قطع الأسلحة وتتناوب عليها، وهي القرى ذاتها التي ينسحب الرجال إليها، وتم تطويرها فقط إلى حالة أرقى قليلاً، بتسميات مختلفة.

لا وجود لمجتمع عُصابي بالكامل ليس مرتبطاً بحالة حزبية أو سياسية يستطيع، عند اللزوم، تحويل العصا إلى قوس نشّاب.. يستطيع أن يعيش في الجبال التي لا يمكن أبداً محاصرتها لأن كل جبل يحتاج خمسين جندياً على الأقل للسيطرة عليه بالكامل، يحتاجون بدورهم خمسين جندياً آخر لتعزيزهم، ومقداراً لا يستهان به لتموينهم، فكيف سيكون الحال لو ساندت الجبال بعضها؟"

كنت محقاً يا شيخ، ويجب الآن قطع ما لا يقل عن عشرة كيلومترات ركضاً بحمولة ثقيلة تضاعف الزمن مرّة ونصف المرّة، أو التخلّي عن الحمولة وهو ما لن يفعله، فقد فشلت العملية في تحقيق هدفها الموضوع، وإن كانت خسارة العدو موازية..

اركض. عشرة كيلومترات، ومن الصعب أن تخبئ الأسلحة من دون المخاطرة بفقدانها، فالمسافة قريبة، ويستطيع أي كلب أثّر تتبع الرائحة. إلا أن يجد..

وقد يجد؛ لأن المنطقة الصخرية، وكتلة الإخضرار الشجرية المركّزة تشيران إليه. أنواع الشجر أيضاً، التي ترتبط بطعام يخلّفه مارة عطشى أو سكان قريبون.. المعمار كذلك.

أجل، لم يُبْنَ بيت قديم واحد أو مقام إلا في منطقة فيها مصدر مياه أو تجمع لمياه، ويرجو أن يكون بئراً، فثمة مبرر للتوقف عنده، على أن يواصل فيما بعد الضغط على الأرض بقوة كيلا يبدو الفارق.

كان بئراً بالفعل. نظرة واحدة جعلته يعرف نوعيته: إجاصيّ التكوير أو الحفر، ممتلئاً حتى العنق الذي يبدو أن تشققاً أو ثقباً ما في مدخله الأسطواني يسرّب الماء. حين تملّى أكثر عرف طبيعة المشكلة التي قد تواجهه فيما بعد.

سيحلّها في حينه.

خلع معطفه، وخلع قميصه ثم خلع بلوزته الداخلية وأعاد ارتداء ملابسه. قاس محيط المدخل وهرع إلى شجرة لوز قريبة انتزع من فرع من فروعها غصناً متينا طرياً. مزّق البلوزة الداخلية إلى مزقتين طويلتين وربطهما معاً ثم ربطها بالسلاحين اللذين فرغهما من الذخيرة، وأوصلهما بالغصن بعد أن حشره في مدخل البئر بطريقة يعلق فيها. أغرق السلاحين في الماء الذي تطفو على سطحه أشياء. تفقد الأمشاط ومسدسه. هي ثقيلة أيضاً، لكنّها لا تقارن بالثقل القديم.. وانطلق.

*

قرية قريبة، ثمّة ملجأ قريب لكنه لن يكون آمناً كثيراً، فتفتيش مكثّف قد يصل إليه. ولقد وسّع دائرة البحث، وأدخل معطيات جديدة، وسيشتت تركيز مطارديه إن تتبعوه بمنهجية، أما إذا فعلوا ذلك بعشوائية، فلا خوف عليه..

الآن يجب أن يتدبر حذاءً جديداً.

*

الجامع قديم. مائدة حجرية مستديرة كأنها قاعدة عمود تقف على مدخل الدرج الصاعد إلى أعلى، فضلاً عن شكل سقف البناء المنحني كقبعة مثلث على جانبين، يوحي أنه في الأصل مبنى قديم بيزنطي أو روماني.

فعلها صغيراً شقاوةً أو من أجل المتعة، والآن يفعلها اضطراراً.

تظاهر بالوضوء وهو يحني هامته فلا يظهر وجهه. عندما تأكّد من خلّو المتوضئين من حوله، تسلل إلى مقدمة الصحن حيث باب الجامع وساحة صغيرة تُخلع الأحذية فيها لتوضع في رفوف. لا يخلو الجامع من مصلين. في كل الأوقات ثمة مَن يصلي وزوجان من الأحذية.. رأى أكثر من زوجين.

إن خرج المصلّي ولم يجد حذاءه فماذا سيفعل؟

ألا يترك له حذاءه بدل الذي أخذه؟

سيبتلي الرجل حينها ببلاء عظيم يتمنى معه لو أنه خسر الحذاء فقط!

التفّ من المدخل الخلفي للجامع وخرج.

عندما تجاوز الشارع الأخير المأهول عاد مجدداً إلى طريق الحقول وأسلم ساقيه للريح.