(2)
بحذر، من القريب إلى البعيد، خاصة باتجاه الدورية التي فجّرتها العبوة ولم تنجح تغطية نادر والشيخ في القضاء على الجميع، تأمّل المنطقة. كانت غلطة كبيرة ترك نادر يتسلم التغطية.. لكنهم كانوا سيبقونه في الكهف على أية حال، وكان الشيخ معه..
عدا الفارّين -إن لم يكن مخطئاً- خلال ثلث ساعة ستكون المنطقة مليئة بالجنود، فقد مرّت سيّارات يحتمل أن بعضها سوف يقوم بالتبليغ، إن لم يبلغ الانفجار والرصاص..
لن يغامروا مباشرةً -فكّر- باستدعاء المشاة وإنّما سيأتون من الجو مروحيّات ومظليين أولاً. الخطة الأصلية كانت مداهمة الدورية بعد اصطيادها بالعبوة بغرض الحصول على الذخائر.. لكن تنفيذها الآن غير متاح، فثمة ناج أو اكثر تمركزوا في موقع غير محدد مما يضفي مخاطر إضافية، فوق الخسائر التي وقعت.
انتبه إلى اختلاج قدم عيّاد، فخاطر واتجه حبواً إليه.
حين رآه فكّر أنَّ من الصعب عليه أن يفعل من أجله شيئاً. كان جرحاً بليغاً في الصدر يحتاج إلى عملية فوراً لأنّه إن سدّ سطحه صار نزيفاً داخلياً وإن ترك مات عيّاد في دقائق، وليست اختلاجة القدم إلا المرحلة الأخيرة له.. رأى هذه الاختلاجة فيما مضى وهو يعرف أنها، إن لم تكن ردة فعل للموت، فهي إعلان تمهيدي عنه.
على العموم، هي إصابة بالغة نفذت -على الأرجح- إلى الأعضاء الداخلية، بصورة تجعل حتّى من حركة الإسعاف الأولي حركةً خطرة جداً، تحتاج لاختصاصين من أجل تنفيذها.
كل ما يستطيع فعله أن..
كلا، هذا لن يفعله له مع أنهم اتفقوا مسبقاً على أن الإصابة البليغة يجب أن يخفّفوا من ألمها بـِ.. كلا لن يفعل له هذا. لا تزال له فرصة للعيش مهما ضعفت، وقد تنجح.. مَن يدري؟
مزّق معطف نادر بسكين كبّاس. عاد إلى عيّاد. برم جزءاً من البطانة الداخلية للمعطف وحشر بها الجرح لكن النزيف ظلَّ مستمراً، استعان بملابسه كضاغط وحشر المزقة المتبقية تحتها فأنَّ عيّاد بتشوّش. سكب في فيه المائل جرعة من كحول طبّية مخزّنة احتياطاً في زمزمية الماء منذ شهور دون استعمال. سالت الجرعة من زاوية الفم، فاكتفى برشّ القليل على الجرح.
لا فائدة، هو غائب على أية حال. فكّر أن المزقة ستشير إليه، وأراد انتزاعها ثم عاد وتراجع.. سيحترزون مهما كان الظرف، ثم إنه لن يترك سلاحين فعّالين.. شعر بتوتّر وخوف سريعين، عليه أن يهرب.
انتزع من عيّاد كيسيّ التذكارات وجمع الأمشاط الكاملة -أو التي خيّل إليه أنها كذلك- على عجل، وانتزع الـ إم 16 المطوّرة من نادر وأضافها إلى خاصته القديمة، ثم انتزع المسدس برفق من الشيخ.
هم بالركض لكنه تذكّر شيئاً، فعاد إلى نادر وفتّش في جيوبه حتى استخرج الأشرطة والمسجلة الصغيرة، وانطلق يركض غرباً. سيكون عليه مبدئياً أن يلجأ إلى أقرب قرّية، لكنه -حتى هناك- لن يكون في مأمّن. المهم الآن أن يبتعد، سيتدبر أمره فيما بعد.